نكبتا بغداد .. والألم المتجدد

هيفاء بنت محمد الفريح

تمر أيامنا حبلى بالهموم والأحزان، فلا تلد بعد تسعة أشهر كباقي نساء العالمين ، بل تظل تلك الهموم تتضخم ، وتتورم ، وتؤذينا بمناظرها المقيتة ، ولكن .. لامفر !!
فالقدس يئنّ منذ نصف قرن ، وآذاننا تمكّن منها الوقر !
أفغانستان جبالها تتصدع من زمرة سلبوها عفتها، وأيدينا تأبى ترميم الصدع !
العراق مستشفياته ملئى بمناظر تدمي القلب ، لكن عيوننا عميت عن تأمل دمائهم الحرّى !
شعب الصومال يتضور جوعا ، وبطوننا أصابتها التخمة ، فظلت تجرب كل أنواع الحمية ، ونسيت حمية مشاركة هذا الشعب جوعه، وعريه ،وبؤسه !!
من شتى أنحاء العالم الإسلامي تأتي النداءات تترى ، لكن لن يستجاب لها، مادامت أفواهنا تعجزعن قول الحق !! وحده التاريخ هو المنقذ لنا ، هو المهرب الوحيد من واقعنا المرير ؛ فنقف على أطلاله نستشعر القوة من عظمائه.. حمزة وابن الوليد وصلاح الدين ، وأسماء كثيرة نتمنى لو كانت ميراثا يتعدى الورق .
ولأن الجرح الأكثر نزفا هذه الأيام جرح العراق ، فقد رغبت قراءة مجدها الغابر، ووجهت وجهي شطر مكتبة أضمن وجود (تاريخ بغداد ) فيها.
بين الرفوف .. وجدت الكتاب خائفا منزويا يخشى الاطلاع على نكبة مرت في تاريخه عام ستة وخمسين وستمائة للهجرة ، ولم يدر عن نكبة أشد وأنكى يعيشها القرن الواحد والعشرون !
تصفحت أوراقه.. توقفت كثيراً عند سقوط بغداد.. عند حقد المغول.. عند وحشية (هولا كو).. عند نهري دجلة والفرات اللذَين اسودّا من حبر الكتب المغرقة فيهما ، وعلى الضفاف دماء جرحى مستضعفين ، وبين أشجار النخيل جثث قتلى منكوبين !!
لم أستطع قراءة المزيد.. أتيت لأهرب من الواقع ؛ لأقع في صفحات تقترب من الواقع، لكنها تظل الأرحم والأهون . فمغول الشرق قدموا للعراق والكل يعرف نيتهم ، والكل يضمر الكره لهم ، أما مغول الغرب فقد أتوا مبطنين الحرب النصرانية ، ومظهرين السعي للحرية!!
(هولاكوخان) قدم بالوعيد لأهالي العراق شاهراً سيفه ، و(جورج بوش) قدم بالوعود لأهالي العراق، وبقبضته باقة ورد رحيقها مواد كيماوية، تبيد دونما قصد!!
يد العون التي امتدت للتتار كانت يد رافضي ، يدعى "ابن العلقمي " ، وآلاف الأيادي لمن ينتسبون للإسلام تمتد اليوم لتساعد أمريكا، ويا للأسف!!
وإلا فما تفسير ازدحام السيارات عند المطاعم الأمريكية ؟!
وما تعليل تزاحم السيدات في محلات البضائع الأمريكية ؟!
وما أسباب كثرة المشترين من معارض السيارات الأمريكية ؟!
وتظل أمريكا تسحق المدن .. تقتل الأبرياء .. تيتم الأطفال .. ترمل النساء ، ونحن نبكي ..
نتألم .. نلعنها سراً، و نهبها المال جهراً؛ فتشتري أسلحة الدمار غير الشامل ؛ لتقضي به على أسلحة الدمار الشامل المخبأ بالعراق !!
نساهم معها في زرع الرصاص داخل أجساد العراقيين ؛ بعدما أثمرت أشجار رصاصنا في أجسام الفلسطينيين سابقا، ولا زالت تثمر قهرا ، وظلما، وغبنا .
(ماركس وسبنسر ) من أشهر المحلات البريطانية الوفية لليهود ؛ إذ تخصص مبيعات يوم السبت لصالح المستوطنين الصهاينة في أرض الزيتون المحتلة ،وعلى الرغم من معرفة جل العرب لهذه المعلومة ؛ إلا أنهم يتدفقون على تلك المحلات بحجة جودة البضاعة ومناسبة الأسعار !
و والله لو كانت هبة تعطى لهم ؛ لكان الأجدى والأجدر رفضها، لو كان في القلب مثقال ذرة من إيمان .
أولم يقل الرسول – صلى الله عليه وسلم - : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه " ؟
إذن أين ذلك الحب، وذلك الإيمان ،وأيدينا تقدم يد العون لجنود اليهود والنصارى كي يبيدوا إخواننا من المؤمنين ؟!
( تاريخ بغداد ).. أيها الكتاب الذي أصبحت مآسيه أخفّ وطأة على النفس أمام مخالب (جورج بوش)، وأنياب (توني بلير) و أيادي شعوبنا الكريمة التي تمنح الأعداء مالاً بنية لبس الخامات الجيدة؛ أعذرني لو سطرت في صفحتك الأولى : "نكبة بغداد التليدة أهون ألف مرة من نكسة بغداد الجديدة، فهناك كفار أبادوا مسلمين ، وهنا كفار مع مسلمين ؛ ليبيدوا المسلمين !!".