لم يخطر على بال أم مصطفى أنها ستُجبر في يوم من الأيام على إخفاء سر موت ولدها الوحيد ذي التسعة أعوام؛ وذلك لتهديدها بطرده من المستشفى وعدم تقديم الخدمات له إن هي أخبرت أحداً أن ابنها وخمسة من أصدقائه أُصيبوا بالكوليرا قبل أسبوع.
وتخلط أم مصطفى على خدها في مجلس عزاء ولدها مصطفى وسط بغداد دمع الندم والحزن في آن واحد، وتقول: هدّدوني إن أنا أخبرت أحداً أن ابني مصاب بالكوليرا بأنهم سيطردونني وابني من المستشفى، ولن يقدموا له العناية، فوافقت ووافقت أمهات غيري، فكذبوا علينا ومات ابني، ولم يقدموا له أي عناية، كما مات أبناء غيري في الكوليرا ليتني فضحتهم أمام العالم أجمع.
وباء جديد يفتك بالعراق شماله وجنوبه ووسطه منذ ثلاثة أسابيع، كان آخر مرة زار فيها شوارع ما بين النهرين عام 1943، أخذ معه أكثر من (450) ألف عراقي في بغداد وميسان والعمارة والبصرة ومدن أخرى من العراق.
تحاول الحكومة العراقية ومنذ عدة أيام التكتم على الموضوع والتقليل من شأنه، والنفي للأمر برمته حتى وصل الحال بها إلى تشكيل غرفة إعلامية لهذا الأمر وسط شكوك عن سبب ظهور المرض من جديد، بعد أن قُضي على أماكن احتضانه منذ عشرات السنين؛ إذ تشير أصابع الاتهام نحو نوري المالكي ووزير الموارد المائية العراقية الدكتور عبد اللطيف جمال رشيد على وجه الخصوص،
وحسب الدكتور عمر عبد الله الراوي مدير مركز الطفل العربي ببغداد قسم الأمصال، والذي وافق على الحديث مع (الإسلام اليوم) على مضض بسبب مخاوف أمنية فإن عدد من أصيب بالكوليرا في شمال العراق وحدها بلغ حتى الساعة زهاء (4800) مواطن، تليها العمارة وميسان وكركوك، ثم بغداد التي سُجّل فيها أكثر من عشرين حالة بمرض الكوليرا في جانب الرصافة فقط. تحاول حكومة المالكي التكتم على الأمر بأي شكل من الأشكال، وأي طريقة تضمن لها عدم تحويل الخبر إلى مكسب سياسي للمعارضين للمشروع الأمريكي، ومشروع الائتلاف العراقي الشيعي الحاكم في العراق اليوم.
وورد كتاب من وزير الصحة إلى كافة المستشفيات بعدم التصريح لأي وسيلة إعلامية حول سرعة انتشار المرض، أو أماكن تواجده أو تكهنات تحوله إلى سيارات مفخخة جديدة من نوع أخطر وأفظع بكثير من تلك المصنوعة من الحديد،
وحسب الإشاعات التي انتشرت في العراق بين ليلة وضحاها، وأصبحت على كل لسان إلاّ لسان الحكومة التي لم تنفها أو تؤكدها، فإن سبب انبعاث كابوس الكوليرا على العراقيين من جديد هو أمر رئيس الحكومة المالكي المرقم (432) في الرابع من تموز الماضي بفتح قنوات الفرات ودجلة على منطقة الأهوار القديمة التي تعتبر مركز انطلاق المرض في العراق، وكان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أمر بإحراقها وتطهيرها بالكامل، ومنع فيها السكن أو الزراعة أو حتى دفن الموتى، فيما تروي مصادر رسمية أخرى عن شكوك من انتقال العدوى إلى العراق من جارة الشر إيران -كما يحلو للبعض تسميتها- عن طريق تصديرهم المشروبات الغازية والمياه المعدنية، الأمر الذي أكده الدكتور (سردار حمه نوه مانتي) الطبيب المختص بالأمراض السارية والمعدية في مستشفى كركوك خلال اتصال هاتفي مع مراسل (الإسلام اليوم)، ووصف تلك الشكوك بقوله: إيران هي من صدرت إلينا المرض، وهناك إشارات ودلالات على ذلك، لكن أحداً لن يجرؤ على تناول تلك الاتهامات على العلن بسبب أذرع إيران المسلحة في العراق.
حُمّى اللقاحات تزيد من التوتر الطائفي
خلال زيارة إلى مركز صحفي في منطقة العامرية غرب بغداد لم تجد الممرضة هدى عمران ما تصف به طابور الأمهات اللاتي يقفن أمامها منذ الصباح؛ أملاً بالعثور على جرعة لقاح تقي أبناءهن من هذا الوباء، إلاّ بضع كلمات تفوهت بها على عجل؛ إذ وصفت الحال لديها في مركز أم المؤمنين عائشة بقولها: حتى الأطفال لم يسلموا من الطائفية والعنصرية منذ أيام، والنسوة يأتين منذ الصباح أملاً بتلقيح أبنائهن من المرض الكابوس، وحتى العصر، ولا يجدن اللقاح بسبب تمييز وزارة الصحة الطائفي بين أطفال العراق؛ فمناطق شيعية تجد اللقاح فيه بوفرة، ومناطق سنية تجد فيها الأطفال ينتظرون الموت بصمت!!
وتتذرع وزارة الصحة التي يتولى حقيبتها التيار الصدري بعدم إرسال اللقاحات التي من شأنها المساعدة في التقليل من نسبة الإصابة بهذا الوباء على أقل تقدير، بأن مناطق السنة يسيطر عليها أفراد القاعدة، وجميع المتعهدين، وسائقو السيارات يرفضون الذهاب إلى هناك خوفاً من القتل.
الكوليرا وباء من بين خمسة أمراض أخرى استشرت بين العراقيين، وتحصد يومياً العشرات منهم لتكون المفخخات والعبوات الناسفة والصواريخ والقنابل الأمريكية أرحم بكثير من مرض يفتك بالعقل قبل الجسد، ويتمنى صاحبه الموت فلا يجده!!
ولتصح مقولة يتندر بها العراقيون في جلساتهم اليومية هذه الأيام: "من لم يمت بنيران الحرية الأمريكية، ولسعات العمائم الإيرانية، مات بالكوليرا، أو الحمى، أو الجدري، أو حتى الإيدز"!!