كثير هي الدول التي انخرطت في علاقة مع الكيان الصهيوني، ولكل واحدة منها دافعها الخاص، ولكن ماذا عن العراق؟ ... هل سينخرط هو الآخر في علاقة مع دولة الاحتلال، ومادرجة هذه العلاقة؟. هذا المقال يحاول الإجابة عن هذا التساؤل...
فهل هي مصادفة أن يعلن (مارك جروسمان) وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية في 21 مارس الجاري أن الولايات المتحدة تتوقع أن يكون الاعتراف بدولة إسرائيل من بين الإجراءات الأولى للحكومة العراقية الجديدة، والتي ستعمل واشنطن على تشكيلها عقب الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين؟!.
وهل هي مصادفة –أيضاً- أن تنشر صحيفة "يديعوت أحرونوت" الصهيونية، (الأربعاء) 9 أبريل- نقلا عن مصادر سياسية إسرائيلية - خبرًا يقول إن النفط العراقي سيتدفق إلى معامل التكرير في حيفا (المحتلة) عبر الأردن، وأن الاستعدادات جارية بهدف استئناف تشغيل أنبوب النفط القائم منذ عهد الانتداب البريطاني، ويمتد من الموصل في العراق إلى حيفا ؟!.
وهل هي مصادفة أن يصر الأمريكان على تعييين الجنرال (جي جارنر) الصهيوني والليكودي التوجه (كما يصفه مرشح الرئاسة الأمريكي لعام 2004 لاروش) لتولي شؤون العراق، في فترة الاحتلال الأمريكي للعراق ؟!
وهل هي مصادفة أن يعلن مسئولون أمريكيون أن مرحلة ما بعد الحرب في العراق (الاحتلال) سوف تشهد تغيير النظام التعليمي في العراق، وأن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أدرجت عروضاً من أجل تجديد النظام التعليمي العراقي، بمبلغ ابتدائي يقدر بـ 65 مليون دولار؛ لتغيير المناهج التي تؤيد العنف، وتحرض ضد أمريكا وإسرائيل؟ وذلك على غرار ما جرى في أفغانستان، حيث خصصت الوكالة الأميركية 516 مليون دولار لبرنامج يتعلق بالنظام التعليمي، يحض على السلام والتسامح !.
لا شك أنه لا شيء يسير مصادفة فيما يتعلق بالمخطط الأمريكي – الصهيوني، لإعادة فك وتركيب العالم العربي والإسلامي بما يخدم المصالح الصهيونية، ولا شك أن هدف الحرب الأمريكية على العراق ليس فقط امتصاص دم (بترول) العراقيين، ولكن أيضا تأمين الجبهة الشرقية للدولة العبرية من الخطر العراقي، الذي كان يقض مضاجع الصهاينة، وقلب العداء العراقي ضد الصهاينة إلى علاقات دبلوماسية بين البلدين -رغما عن أهلها- .
فقد كانت مفاجأة غريبة أن يعلن (جروسمان) – المسئول عن وضع خطة سيناريو المستقبل بالنسبة للعراق، أن إقامة العراق علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، دليل على دمقراطية هذه الدولة العراقية المستقبلية (!) .
والأغرب أنه رغم أن الكعكة العراقية لم تنضج، ولا تزال في فرن المحرقة العسكرية الأمريكية، فقد شرع الصهاينة وأعوانهم في البيت الأبيض في تحديد نصيبهم منها، خاصة نفط العراق .تل أبيب تحصل على نصيبها من الكعكة
ففي الوقت الذي نشرت فيه صحيفة "يديعوت أحرونوت" خبر قرب تدفق النفط العراقي إلى معامل التكرير في حيفا عبر الأردن، ونقلت عن مكتب وزير البنى التحتية (يوسيف باريتسكي) أن تشغيل أنبوب النفط بين الموصل وحيفا سيخفض أسعار الوقود للدولة العبرية بنحو 25%، و"ستتحول حيفا إلى روتردام الشرق الأوسط" ، كشفت مجلة عبرية الدور اليهودي في الحرب الأمريكية على العراق، ومحاولات أنصار إسرائيل في الإدارة الأمريكية إقناع بوش وحكومته بأن يكون للصهاينة نصيب في بترول العراق !!.
حيث ذكرت مجلة (سوف هشفوع) الإسرائيلية في عددها الأخير أن هناك شخصية مثيرة للجدل -هي اليهودي كارل روف - أثرت فى حياة الرئيس الأمريكى (جورج بوش)، الذي وعد (جورج بوش الأب) -قبل الانتخابات الأمريكية الأخيرة- بقدرته على توصيل ابنه -الرئيس الحالي- لسدة الحكم، إذا ما اتّبع كافة تعليماته، وأن (روف) هذا يدير العالم مناصفة الآن مع الرئيس جورج بوش، عن طريق تعليماته المتواصلة، ونصائحه التي لا تنتهي لبوش .
وقالت المجلة إن (روف) يعشق الدماء، وربما كان هذا هو السبب في هرولة الإدارة الأمريكية الحالية إلى الحروب التى بدأتها في أفغانستان ثم العراق والبقية تأتي، وأنه هو صاحب فكرة إلهاء الشعب الأمريكي، والفشل الأمريكي في العثور على أسامة بن لادن، بعد أن ثار عدد كبير من الأمريكيين على الرئيس بوش، واتهموه بالفشل في هذه الحرب، حيث أكد (روف) أن هناك أزمة جديدة في العالم، تكمن في النظام العراقي، ولابد من تعقبه .
ثم لخصت المجلة الهدف الصهيوني بقولها –على لسان الكاتب الإسرائيلي إسحاق بن حورين - إن (روف) يعكف الآن على كيفية إقناع الولايات المتحدة الأمريكية، بأن يكون لإسرائيل جزء ونصيب في النفط العراقي بعد إسقاط النظام العراقي الحالي، إضافة إلى دور إسرائيلي في العراق إن أمكن !.
وإذا ما ربطنا هذا بالحديث السابق عن الخلفيات المشبوهة لحاكم العراق العسكري الجديد (جي جارنر) الذي وصفته مجلة (إكزكيوتف إنتلجنس ريفيو) الأمريكية EXECUTIVE INTELLEGANCE REVIEW بأنه (ليكودي التوجه)، وأنه يعمل منذ فترة في المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي "جنزا" المناصر لليكود، وربطناه بتساؤلات نواب في الكونجرس معارضين للحرب، عن دور اليهود في الحرب ضد العراق قبل الهجوم على العراق، حتى إن (جيمس موران) النائب الديمقراطي من فرجينيا قال: "إن الولايات المتحدة ما كانت تخطط لغزو العراق، دون تأييد قوي من الجالية اليهودية"، وقال لصحف أمريكية: "إن زعماء الجالية اليهودية يتمتعون بنفوذ يكفي لتغيير الاتجاه للحرب، ولكنهم لا يفعلون، مما أثار عاصفة ضده اضطرته للاعتذار !.
وربطناه أيضا بسؤال (جيم كولبي) النائب الجمهوري من (أريزونا) لوزير الخارجية كولن باول، عن مدى حقيقة أن المؤيدين لإسرائيل، أو أي مجموعة أخرى تتآمر للتاثير على سياسة أمريكا، وما قالته صحيفتا (البوست ونيويورك تايمز) في منتصف مارس الماضي، حول الدور الذي لعبه النفوذ الإسرائيلي، لتوصيل إدارة بوش إلى حالة الحرب مع صدام حسين، بهدف دعم أمن إسرائيل .. إذا ربطنا كل هذا يتضح كم المكاسب الصهيونية من تدمير قدرات العراق العسكرية، وإخضاعه للاحتلال الأمريكي، وترك الصهاينة يعيثون فيه فساداً؛ كي يدخل العراق بيت الطاعة الإسرائيلي، ويخسر النظام الإقليمي العربي قدرات دولة عربية مهمة مثل العراق، كما خسر قدرات دول إسلامية كبرى، هي أفغانستان التي تحولت -بعد قصة كفاح إسلامي مشرفة ضد الغزاة طوال قرون- إلى تابع للمحتل الأمريكي والصهيوني !.
كوماندوز صهاينة يقتلون علماء عراقيين !
لقد كشف جنرال فرنسى متقاعد عن وجود 150 من وحدات الكوماندوز الإسرائيلية داخل العراق؛ لاغتيال العلماء الذين وردت أسماؤهم فى قوائم مفتشي الأسلحة الدوليين(!!).. وقال الجنرال الفرنسي المتقاعد -في تصريحات لقناة التلفزة الفرنسية الخامسة يوم 8 أبريل الجاري- إن أكثر من 150 جنديا إسرائيليا من وحدات الكوماندوز دخلوا الأراضي العراقية في مهمة تستهدف اغتيال العلماء العراقيين، الذين كانوا وراء برامج التسلح العراقية، وقدمت أسماؤهم إلى لجنة مفتشي الأسلحة الدولية برئاسة (هانز بليكس).
وقال الجنرال الفرنسى: "إن مخطط الاغتيال هذا تم وضعه من قبل مسئولين أميركيين وإسرائيليين، وأن لديه معلومات دقيقة بوجود الكوماندوز الإسرائيليين داخل العراق حاليا، بهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا نواة برامج التسلح الصاروخي والنووي والكيماوي، التي أرعبت إسرائيل، وعددهم - حسب الجنرال الفرنسي - قرابة ثلاثة آلاف و500 عالم عراقي عالي المستوى، من بينهم نخبة تتكون من 500 عالم عملوا في تطوير مختلف الأسلحة، وهذه النخبة هي المستهدفة من العمليات الإسرائيلية بالدرجة الأولى.
كما أكد الدكتور (محسن خليل) السفير العراقي في القاهرة، مشاركة إسرائيل في الحرب ضد العراق، عبر أنماط من الأسلحة استخدمت من قبل القوات الأمريكية في العمليات العسكرية، بعضها صواريخ وبعضها أجهزة مناظير ليلية بأشعة ليزر، إضافة إلى وضع القمر الصناعي الإسرائيلي في خدمة العمل العسكري للحلفاء ضد العراق، واستخدام صواريخ من صنع إسرائيلي .
مصير العراق في يد حفنة متعصبين مسيحيين
وليت الأمر يقتصر على تولية صهيوني وليكودي التوجه ( جي جارنر) لحكم العراق مستقبلا، وإطلاق يد الصهاينة في مستقبله ونفطه، ولكن الأخطر أن صحفاً غربية كشفت معلومات مهمة عن دور من أسمتهم (المحافظون الجدد) في تحديد مستقبل العراق .
فقد تناول مقال نشرته جريدة الجارديان البريطانية، في الرابع من أبريل للكاتب (بريان ويتكر) العديد من التساؤلات والمخاوف حول هوية من يفكر المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية الحالية في توكيله قيادة عراق ما بعد الحرب لهم، وقال الكاتب إن أحد هؤلاء هو محامٍ يدعى (مايكل موبس) ساعد البنتاجون على تقوية صلاحيات الرئيس الأمريكي وسلطاته في مجال الحرب ضد الإرهاب، وقال الكاتب:" إن موبس عمل في إدارة الرئيس الأمريكي السابق (ريجان)، وعرف عنه رؤاه المتشددة فيما يتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وأنه يرتبط بعلاقات قوية مع (ريتشارد بيرل ودوجلاس فيث) وهما من صقور المحافظين الجدد في الإدارة الحالية.
كما أبدى الكاتب مخاوفه بخصوص شخصية أخرى تتردد أنباء حول كونها مرشحة –بقوة- للمشاركة في قيادة العراق في فترة ما بعد الحرب وهو مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) السابق (جيمس ووسلي)، وقال: "إن ووسلي هو عضو بمجلس إدارة المعهد اليهودي لشئون الأمن القومي، وهو مركز أبحاث مساند لإسرائيل معروف بواشنطن، وأنه يتوقع أن تثير روابط (ووسلي) بمعهد الأبحاث اليهودي الأمريكي ردود أفعال عدائية في العراق.
حرب عالمية رابعة ضد سوريا وإيران والإسلاميين
وقد لوحظ أن شبكة (سي إن إن) الأمريكية اهتمت -في الرابع من أبريل الجاري- بتصريحات جيمس وسلي (المرشح للعب دور كبير في إدارة عراق ما بعد الحرب) في إحدى جامعات ولاية كاليفورنيا الأمريكية مؤخراً، والذي تحدث فيه عن (حرب عالمية)، وأن أمريكيا ستطال أيضا سوريا وإيران وإسلاميين متطرفين وفق زعمه .
حيث أكد ويسلي أن الحرب الباردة كانت هي الحرب العالمية الثالثة، وأن أمريكا منخرطة حاليا في حرب عالمية رابعة قد تطول لسنوات عديدة، وحدد ووسلي ثلاثة أعداء رئيسيين للولايات المتحدة في هذه الحرب العالمية الرابعة التي نشبت بالعراق، وهم حكام إيران، وحكام سوريا والعراق، والإسلاميين المتطرفين مثل القاعدة كما قال !.
القضية بالتالي أكبر من حديث عن احتلال أمريكي للعراق، و ترتيب للمنطقة، وكأن دولها أحجار على رقعة الشطرنج، ولكنها قضية علو كبير للوبي الصهيوني في أمريكا، إلى حد تسيير أعضاء الحكومة الأمريكية كالدمى في مسرح العرائس، وتوافق بين المتطرفين الصهاينة والمتطرفين المسيحيين في أمريكا في الأفكار والمؤامرات للإجهاز على العالم العربي والإسلامي، وهو ليس غزواً مسلحاً وتنتهي اللعبة، ولكنه يتعدى ذلك لتعيين عملاء للمحتل في هرم السلطة، وتغيير مناهج التعليم وضرب العقيدة الإسلامية في نفوس شباب المسلمين؛ كي ينشأوا على التقاليد والإباحية الأمريكية، فلا يقوم للمسلمين قائمة بجيل خانع مُضلل، لا يعرف شيئاً عن تاريخه.. فمتى يتحرك المسلمون ؟!.