آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

د. محمد أبو فارس ومسيرة دعوة

الاربعاء 7 ربيع الثاني 1425 الموافق 26 مايو 2004
د. محمد أبو فارس ومسيرة دعوة
الدكتور محمد أبو فارس أحد أبرز قيادات الحركة الإسلامية التاريخيين في الأردن، ويحمل شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية- تخصص السياسة الشرعية، وله عشرات الكتب في العلم الشرعي والفكر السياسي الإسلامي، دخل الدعوة الإسلامية من أبواب متعددة سواء من باب العلم الشرعي والتدريس في الجامعات الأردنية، أو العمل التنظيمي كأحد أبرز قيادات جماعة الإخوان المسلمين والعلماء الذين تصدر عنهم فتاوى وأحكام الجماعة، أو من خلال العمل الوعظي والإرشاد الفكري العام، أو من خلال العمل النيابي.
من المعروف في الأوساط الفكرية والسياسية الأردنية عن الشيخ أبي فارس جرأته في قول الحق والصدع به، وتحديه كثيرًا من المحرمات السياسية التي تحاول الحكومات فرضها على الشعوب، ومن أجل ذلك تلقى الشيخ ابتلاءً كثيرًا في مسيرته الدعوية لم يقف عند حدود الأذى الشخصي والملاحقة والمطالبة، وإنما امتد إلى المحاربة في الرزق، لكن ذلك كان دومًا يزيد من رصيد الشيخ في المجتمع ولدى الشعب الذي كان يعبر عن مؤازرة الشيخ والوقوف إلى جانبه في مختلف المواقف.
حرصنا في موقع (الإسلام اليوم) على إجراء الحوار مع د. أبي فارس سعيًا إلى توثيق المسيرة الدعوية والإفادة من خبرته في هذا الحقل العظيم. فإلى الحوار مع شيخ الإخوان الأردنيين...


فضيلة الشيخ.. هل لكم أنْ تحدثونا عن بداية مسيرتكم الدعوية؟ كيف كان انخراطكم فيها؟ وكم كان عمركم آنذاك؟ وكيف كان حال الدعاة، وما هي طبيعة النظرة الاجتماعية إليهم في ذلك الوقت؟
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ورضي الله عن صحابته أجمعين ومن دعا بدعوته واستن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين؛ أشكركم شكرًا جزيلاً على هذا اللقاء، ثم أما بعد: تعرفي على جماعة الإخوان المسلمين كان في سن مبكر لم يكن يتجاوز عمري اثنتي عشرة سنة، كانت المدرسة التي أتعلم فيها بجوار شعبة الإخوان المسلمين في الخليل بفلسطين، وكنت أتردد عليها وأنا طالب في المرحلة الأساسية أو الإعدادية؛ وكان نتيجة هذا التردد وحضور المحاضرات والندوات أنْ انضممتُ لها، وعملت معها وفيها، وكان ذلك تقريبًا بداية الخمسينيات وحتى الآن.
ثم تخرجتُ من الثانوية من الخليل وأكملت دراستي في جامعة دمشق كلية الشريعة، ثم أكملت دراستي في الماجستير والدكتوراه في القاهرة بجامعة الأزهر كلية الشريعة والقانون، وحصلت على الدكتوراه في السياسة الشرعية قبل ثلاثين سنة، وعملت في الجامعة الأردنية رئيسًا لقسم الفقه والتشريع وكذلك مدرسًا وأستاذًا مشارك في الدراسات العليا.
أما حال الدعاة؛ فكانوا قلائل، وكانت المطاردة والتضييق في العالم العربي على الدعوة والدعاة خصوصًا من النظام المصري في عهد جمال عبد الناصر، وكذلك في الأردن أيضًا هناك حزب ناصري أو ما يسمى الحزب الوطني الاشتراكي وكان هناك ما يسمى بحركة الضباط الأحرار في الجيش الأردني، وهناك تعاون وثيق للتأثير على الإخوان هنا أثناء وجود الإخوان المسلمين في مصر في السجون، وأعدم عبد الناصر مجموعة منهم سنة 1955، واستمر التضييق على الإخوان في الأردن من هذا التوجه خاصة لما كان هو المتنفذ في هذا البلد، وأيضًا نجد التضييق من وسائل الإعلام المصرية وغير المصرية ممن يتبع لها من الأحزاب الناصرية وغيرها.
أضف إلى ذلك جهل الناس بالإسلام في ذلك الوقت! فإنك تجد المساجد قليل روادها، وهذا القليل من الطاعنين في السن، حتى عندما كنت أذهب أصلي وأنا غلام في المسجد؛ كانوا ينكرون عليّ! ولما كنت أذهب إلى المسجد الإبراهيمي في الخليل أجد مجموعة قليلة من المصلين.. أجد صفًا أو صفين من الطاعنين في السن، فيخطر في بالي أنْ لو مات هؤلاء؛ سيغلق المسجد!
لكن بفضل الله -عز وجل- ومن ثم جهود العاملين لدين الله؛ أقبل الشباب على دين الإسلام وعلى الدعوة الإسلامية، وتحول جل رواد المساجد - في كل مكان- من طاعنين في السن إلى الأغلبية الساحقة من الشباب.
أما بالنسبة للّباس الشرعي في الخمسينات؛ لم يكن موجودًا بين الناس، فشاع هذا اللباس بتوفيق الله أولاً، ثم بجهود الدعاة، وتوعية الناس بالأحكام الشرعية فيما يتعلق بحياتهم وفيما يتعلق بلباسهم وبمعاملاتهم، في فقه المعاملات وفقه العبادات، حتى الفقه السياسي وعلاقة الإنسان بالسلطة الحاكمة ووجوب طاعتها ما دامت منفذة لشرع الله، أو بتحريم طاعتها، ووجوب التمرد عليها إذا كانت ترفض أن تطبق شرع الله عز وجل، فصار هناك تطوراً وتغيراً واضحاً في الشعب إجمالاً: رجالاً ونساءً شبانًا وشيبًا.
وكان العدد قليلاً - كما قلتُ- والثقافة قليلة والعلم قليل؛ فكانت العادة هي الشائعة في الناس، وتأثر كثير من الناس وخاصة في فلسطين بالاستعمار البريطاني والانتداب، فقد كانت بريطانيا منذ الحرب العالمية الأولى تحكم فلسطين والأردن، وكان الحاكم العسكري لفلسطين بريطانيًّا، وأول حاكم انتدبته بريطانيا على فلسطين يهودي اسمه (هيربت صموئيل)، وفي الأردن نفس الشيء؛ لذلك تأثر الناس بثقافة هؤلاء وعاداتهم، وصاروا ينظرون إلى الإسلام كما كانت أوروبا تنظر إلى الدين النصراني على أن الدين كهنوتي دين لا علاقة له بالحياة، وفصلت الدين عن الحكم والدولة، فكان أنْ غُزينا فكريًا بالإضافة للغزو العسكري، فصار هؤلاء يكررون: الدين أفيون الشعوب ولا بد أنْ نتخلص من أحكام الشرع،..إلخ.
وقبل أنْ يغادر البريطانيون البلاد أسسوا معاهد لتعليم أبناء الحكام وتخريج الحكام الذين سيحكمون المنطقة، فبريطانيا كانت أنشأت في الإسكندرية كلية (الملكة فكتوريا) ، وهي لتخريج أبناء الحكام والذوات، وفي لندن كذلك كانت كلية (سانتيرست) وهكذا، فلا شك أنه كان للوجود الفرنسي والبريطاني في هذه المنطقة -وبالذات في الأردن وفلسطين - ومقاومته لفكرة الجهاد، والتمهيد والتوطئة لقيام دولة اليهود على أرض فلسطين أثرٌ بالغ على الناس، بالإضافة إلى وجود استعداد عند تلامذة هؤلاء المستعمرين للتأثر بما يقولون وتبني ما يقولونه.

فضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد القادر من علماء الشريعة المميزين في الأردن خاصة وفي العالم الإسلامي عامة، فهل لكم أن تحدثونا عن طلبكم للعلم، وما الذي جعلكم تدرسون علم الشريعة دون غيرها من العلوم الأخرى؟
كنت أدرس الرياضيات والعلوم، وطلب العلم الشرعي كان متأخراً وهو رغبة قائمة في نفسي وكان لا يهمني ماذا آخذ، وإنما أريد أن أتفقه في هذا الدين؛ فكان هذا هو الباعث، ولذلك كانت كل دراستي من سنة أولى جامعية وحتى الدكتوراه خلال عملي في الحقل التربوي في وزارة التربية والتعليم الأردنية أو القطرية أو في الإمارات، ولم أجلس يومًا على مقاعد الدراسة مطلقًا؛ فدرجة اللسانس من جامعة دمشق وهي جامعة صعبة، كنت أجيء من الخليج للامتحان وأعود، فلم يكونوا يشترطون الحضور؛ فالطالب يسجل في الجامعة، وفي يوم الامتحان يأتي للاختبار.
وكذلك في مصر في الحصول على درجة الماجستير في السياسة الشرعية.. كنت في موعد الامتحان أجيء من قطر، وأقدم الامتحان سواء كان تحريريًا أو شفويًّا، ونفس الأمر بالنسبة للدكتوراه، فكل هذه الدراسة وأنا عامل ولم أتوقف يومًا من الأيام عن العمل، فكنت أُدَرّس وأَدْرُس وأبحث؛ حتى نلت شهادة الدكتوراه عام 1974 في السياسة الشرعية ولله الحمد.

هل تذكرون أبرز مشايخكم ومن كان له الأثر في مسيرتكم العلمية؟
من الذين أذكرهم في الشام الدكتور محمد فوزي، الأستاذ مصطفى الزرقا، وأيضًا الأستاذ مصطفى السباعي، وعبد الغني عبد الخالق من مصر عميد كلية الشريعة والقانون وعميد كلية أصول الدين وكان أحد المناقشين الأستاذ محمد علي السايس له كتاب " تفسير آيات الأحكام " – رحمهم الله جميعًا-.

ما هي أبرز الصعوبات التي واجهتكم في رحلتكم العلمية ومسيرتكم في طلب العلم، حيث لم تكن هناك وسائل كما في هذه الأيام؟
بالنسبة لمراجع الشريعة كانت متوافرة لأنها كتب قديمة، فهناك أكثر من مكتبة تحوي كتبًا كثيرة، فهناك مكتبة دار الكتب القطرية في قطر ومكتبة الحاكم كذلك، كانت هناك أكثر من مكتبة، فالمراجع كانت كافية، وفي الدكتوراه أشار علي المشرف على الرسالة وأخبرني أن هناك مخطوطًا في المكتبة الظاهرية " الأحكام السلطانية " لأبي يعلى الفراء، فذهبت إلى دمشق ومكثت فترة، واطلعتُ على كل مصنفات أبي يعلى الفراء الحنبلي الذي كتبتُ عنه وعن كتابه.

بخصوص جهدكم في مجال التأليف وما هو الجديد من مؤلفاتكم؟
بلغت مؤلفاتي ما يقارب (65) مؤلفًا مطبوعًا، آخرها فتاوى شرعية متنوعة في كافة المجالات وخصوصًا المعاصرة -في مجلدين- وهي أسئلة وجهت إليّ بوسائل شتى: عبر الهاتف والفاكس والمحاضرات، وفي أماكن عدة عبر سنين طويلة، ومن دول مختلفة.

بالنسبة لعلاقتكم بالشيخ عبد الله عزام -رحمه الله برحمته الواسعة-؛ هل لكم أن تحدثونا باختصار عن العلاقة؟
الأخ عبد الله عزام كنت أنا وهو زملاء في التدريس في كلية الشريعة وقضينا سنوات، والرجل - رحمه الله - كان صوّامًا قوّامًا ، وكان أيضًا قوّالاً للحق، وكان داعية إلى الله - عز وجل - بحق، يبذل ماله ووقته وحياته في التجوال بين الناس وبين القرى والمدن والمساجد؛ ليفقههم في هذا الإسلام وفي هذا الدين.
فصل من الجامعة الأردنية وكان بتوقيع من الحاكم العسكري العام؛ بالطبع لنشاطه الدعوي، ومن ثم سافر للديار السعودية وعمل بالجامعة، ثم برابطة العالم الإسلامي، ثم ذهب لباكستان ، وأسهم في حركة الجهاد في أفغانستان.

كثر في زماننا المنتسبين إلى هذا العلم والمتصدرين للفتيا، وقد يكونون ليسوا أهلاً لهذا الأمر؛ فهل من نصيحة تسدونها لطلاب العلم وكلمة توجهونها - والعلم الشرعي خصوصًا - وما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم؟
نحن في ديننا المطلوب ليس العلم فقط، المطلوب العالم الذي يراعي حكم الشرع في حياته، ويترجم هذا من خلال أعمال على جوارحه، ولهذا فطالب العلم إذا لم يعمل بما تعلم من أحكام شرعية ومن آداب وأخلاق إيمانية؛ هذا علمه سيكون حجة عليه يوم القيامة، ونحن نحفظ:
وعالمٌ بعلمه لم يعملن  
معذبٌ من قبل عباد الوثن

ونعرف الأحاديث الصحيحة، ونعلم أن من أول من تسّعر بهم النار يوم القيامة ذاك الحافظ لكتاب الله والمنتسب للعلم؛ فيقول له تعالى - وهو أعلم-: ما صنعت في هذا العلم ؟ فيقول : تعلمتُ وعلمتُ الناسَ ليلاً ونهارًا وأنا أبلغ دعوتك يا رب، فيقال له: كذبت، إنما تعلمت ليقال عنك عالم؛ وقد قيل! قد أخذت جزاءك، وكذلك يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى! كنت آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر, وآتيه ".
فلا بد من الإخلاص وإرادة وجه الله -عز وجل- في طلب العلم وفي العمل كذلك، فلا يكون الباعث على ذلك الرياء، والتنافس على الدنيا. لذا أنا لي ملاحظة حول حفظ القرآن و إعطاء الجوائز، فإذا لم ينتبه الناس فإنها ستأخذ أجورهم الأخروية، فأنا لا أعلّم ابني حفظ القرآن لأجل الجائزة، إنما أعلمه القرآن لأجل القرآن. كثير من الناس يرغب ابنه في حفظ القرآن من أجل الجائزة! فإذا أخذ ابنه جائزة سرَّ وفرح، وإذا لم يأخذ جائزة؛ حزن! فالأصل أن يُتعلم هذا العلم ويتفقه في هذا الدين لذات الدين، وليس لمطلب دنيوي، فصارت الدنيا تطلب بهذا القرآن وهذا العلم !!
فأنا توجيهي لطلاب العلم أولاً أن يخلصوا النية لله -عز وجل- وأن يكون العلم وطلب العلم والتفقه في الدين من أجل أن ينال الأجر من الله فقط، إذا ترتب على هذا أجر دنيوي ولم يكن ذلك قصده لا شيء عليه، أما أن يحفظ القرآن أو يكتب بحثًا من أجل أن ينال جائزة البحوث العلمية أو جائزة الدولة التقديرية، فذاك الذي يمحق الأجر، إنما الأصل عند طالب العلم كما قال الله تعالى : ( وما أسألكم عليه من أجرٍ إنْ أجري إلا على الله) فيكون الأجر في حديثه للناس في دعوته في كتابته وفي تأليفه وفي طلبه للعلم ... إلخ، فقط رضوان الله : " إنما الأعمال بالنيات " والله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان صوابًا خالصًا: صوابًا موافقًا للشرع، وخالصًا يراد به وجه الله.
فإذا أريد من طلب العلم الوظيفة أو أن يصبح المرء [بروفيسور] ومدرسا في الجامعة ويحصّل أموالاً! في الحقيقة في هذا الأمر خطورة على أجره وثوابه.

في رأي فضيلة الشيخ ما هي أبرز المعوقات الاجتماعية والسياسية التي تقف في وجه العمل الدعوي في الأردن بالذات؟
في الأردن وفي العالم العربي والإسلامي إجمالاً؛ هناك تقييد على حرية الداعية إلى الله، وتقييد بل تضيق سواء كان في المساجد أو في المؤسسات العامة أو الخاصة على كل عالم يريد أن يقيم الحجة على الناس، وبالتالي يمكن أن يعتقل؛ لأنه تحدث في مسجد! يمكن أن يفصل من العمل وأنا فصلت من الجامعة الأردنية؛ لأني أتحدث في المساجد وأدرّس الناس، ولا آخذ أجرًا على هذا إلا أني أرجو ثواب الله عز وجل.
ففي الواقع العقبات معظمها أمنية، فإذا تحدثت في مسجد في اليوم التالي تُستدعى.. لماذا تحدثت؟! هل معك رخصة؟! نقول: يا ناس الذي يريد أن يبين دين الله لا يحتاج إلى رخصة، أم أنكم تريدون أن تكونوا مثل فرعون عندما قال للسحرة بعد أن أمنوا : ( آمنتم له قبل أن آذن لكم )، إذا أراد الإنسان أن يقرأ القرآن ويفسره للناس هل يريد إذنًا؟ لا ، ولذلك نحن رخصتنا من الله، بل ليست رخصة؛ لأن الرخصة للإنسان أن يعمل أو لا ، بل نحن علينا واجب شرعي كما أنه واجب علينا أن نصلي وأنْ نصوم ، كذلك واجب علينا أن نبلغ دين الله للناس، وأنْ نقيم الحجة على الخلق ولا نخشى في الله لومة لائم.
وهذه المعوقات ليست في الأردن فقط؛ بل في معظم البلاد العربية والإسلامية، إذا نافقت الحاكم ومدحته؛ يُسكتُ عنك، أما إذا قلت كلمة الحق فإنك ستتعرض للأذى من أعوان السلطان وتتورم وجوه، وتسيل دماء، وقد تتعرض للفصل من العمل وقد تتعرض للسجن وللاعتقال، وقد يطول هذا الاعتقال.
لكن عزاء الداعية أن هذا هو طريق الجنة كما قال عليه الصلاة والسلام: "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات"، فلا بد أن يتوقع الداعية إلى الله أن يؤذى وأن يبتلى إذا ثبت على دينه وصبر واحتسب، وهذا يجري في العديد من البلاد العربية، وشيء طبيعي، ولا بد أن يوطن الإنسان نفسه على ذلك والله -عز وجل- قال: (والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق) ثم قال : (وتواصوا بالصبر).
الذي يتمحضُ لحمل الحق لا بد أنْ يؤذى فلا بد أن يصبر، ولا بد أن يعد نفسه إذا حمل الحق أن يتوقع أنْ يؤذى فيصبر، ونحن نعلم توصية لقمان لابنه : (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك) ، فلا بد أن تقول لصاحب المنكر: هذا منكر، وتقول للحاكم الذي يرفض أن يكون الحكم لله عز وجل : أنت ظالم أنت حكم الشرع فيك ينفى الإيمان عنك إذا رفضت شرع الله أو التحاكم إلى شرع الله؛ لأن الله عز وجل يقول: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا)، هذه الدعوة فيها مضايقات ولا بد، هذه طريق الجنة.
أما طريق النار فسهلة: "حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات"، طريق النار لا يوجد أسهل منها: كفر، معاص، فسق، شرب خمر ... إلخ ، أما طريق الجنة صعب : أشواك، آلام، جهاد، شهادة، قتل، سجن, وهكذا..

فضيلة الشيخ ذكرت النقلة النوعية بين السابق والحاضر ؛ كيف تقيم واقع الدعوة الإسلامية ومساهمات الحركة الإسلامية في الأردن : مجالات التقدم ومساحات الإخفاق والخطاء ؟
في الحقيقة مجالات التأثير مجالات كثيرة جدًا، فمجال النساء - كما ذكرت - في الخمسينات لا تكاد تجد امرأة واحدة في الأردن تلبس اللباس الشرعي تستر جميع وجهها ما عد الكفين والوجه، المحافظة تلبس إلى نصف الساق!! المرأة الفلاحة تلبس ثوبًا طويلاً وتغطي رأسها، لكن عنقها مكشوف وأذنيها وشيء من شعرها!.. ففي مجال المرأة وتثقيفها وتوعيتها وسلوكها، حصل تطور وتقدم.
وفي مجال الشباب والإقبال على الدين أيضًا حصل تقدم، حتى في مجال بعض الأحكام والسنن؛ فكنت تجد أهل بلد لا يوجد فيها من أكرم لحيته.. الكل يحلقها، وأنا أذكر أنني عندما أتيتُ بلحية؛ صار الأولاد الصغار ينادون ويقولون: أبو لحية! أبو لحية! فأصبحت هذه المظاهر في هذه الأيام شائعة لدرجة أنه - في المجتمعات المحافظة - إذا رأوا رجلاً حليقًا أنكروا، وإذا تقدم ليؤمهم في الصلاة؛ يتحرجون من الصلاة خلفه!.. أنظر لهذا التحول، في الماضي أكثر الأئمة تجدهم يحلقون لحاهم. أيضًا قضية السنن: الأضحية العقيقة ... إلخ ؛ الدعوة الإسلامية هي التي علمت الناس، هذه أحكام شرعية كانت غائبة الناس، في جميع المجالات كان هناك تقدم.
وفي الواقع يوجد عقبات في وجه أبناء هذه الدعوة؛ فمن ذلك تجد الأب - أحيانـًا - لا يصلي! الأم حاسرة وبنتها تريد أن تلبس شرعي! فتحصل مشاكل متعددة، وكنا نسعى لحلها. وأنا في قطر كنت أحدث الطلاب عن الصلاة والمحافظة عليها ... إلخ، وفي يوم جاءني ولي أمر طالب، وقال: أنا أريد أن أشكرك أنا لا أصلي وأمه كذلك، وابننا كان يقوم ويصلي ويذهب للمسجد، حاولنا أن نمنعه بالقوة عن يصلي؛ لم يسمع كلامنا، وبقي على ما هو عليه حتى صرتُ أنا أصلي ووالدته كذلك، وهو الذي هدانا لذلك، وكان الطالب في الصف الخامس الابتدائي.
الطاعنين في السن كان تدينهم قليلاً، حتى تدينهم على جهل! أضف إلى ذلك مؤسسات الدولة عندما كانت البنت تذهب لمدرستها متحجبة تنكر عليها مديرة المدرسة هذا اللباس، وأنا حصل ذلك مع بنتي وهي في الصف الثالث. فالأردن كان يحكمه الإنجليز منذ أن تأسس، فلباس المدرسات لباس إفرنجي وشعرها مكشوف، حتى إن أحد مشرفي العلوم الشرعية - آنذاك - كان يجلس مع حاسرات الرأس ويصافح النساء فصافح مرة معلمة، فقالت له ابنتي - وكانت في الصف الخامس -: لا يجوز ويحرم عليك أن تصافح هذه المعلمة، فقال لها : ليس حرام، قالت له: بل حرام وأنت دارس لأحكام الدين ولا يحل لك أن تصافحها، فقال: لا ليس حرام فقالت له: بلا حرام، وتعال في الغد وأنا آتيك بالحكم! وبالفعل دخلت إلى البيت وإذا بها تبحث في الكتب، وذهبت في اليوم التالي للمشرف وقرأت عليه حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.
الشاهد من هذا: حتى المشايخ كانوا لا يتحرجون من هذا.. في الحقيقة تغير الناس.
ومن هذه العقبات؛ أن المعلم - أحيانـًا يكون يساريًّا.. شيوعيًّا - فيتهدد ويؤذي الطالب، وأنا أذكر وأنا طالب أن معلم مادة التربية الإسلامية كان شيوعيًّا ويحاول أن يثبت لنا أن الله ليس موجودًا! ويشرح لنا نظريات اشتراكية في الاقتصاد، وكان يكتب لنا على اللوح (من كلٍّ حسب قدرته إلى كلٍّ حسب حاجته!) هذه النظرية الاشتراكية، والنظرية الرأسمالية (من كل حسب قدرته إلى كل حسب عمله!).. هذا كان يدرسنا الدين، حتى إنه لم يكن هناك متخصصون في علوم الشريعة.. مدرس الرياضة يأخذه حصة الدين ويخرج الأولاد ليلعبوا !
أما الأخطاء والإخفاقات، قد يكون الأسلوب - أحيانًا - غير موفق، وكذلك الانفعال غير المبرر، وثمة أمر خطير وهو أن أحدهم يقرأ كتابًا فيظن نفسه عالمًا؛ فيفتي بما لا يعرف، وتجده يكفـّر هذا، ويفسق ذاك، وبعضهم - والله - لا يتقن الوضوء!! ومع ذلك هم والحمد لله قلة في هذا البلد، لكنهم أعطوا أعداء الإسلام فكرة عن الإسلام ليست صحيحة، أنا لا يهمني الغربي يحبني أو لا يحبني، أنا الذي يهمني أن أقول: ديني هو كذا وكذا، فهؤلاء لجهلهم ولعدم استيعابهم للأحكام الشرعية وقعوا في تصرفات تسيء لهم ولدينهم، وأحيانًا تجد امرأته أو ابنته حاسرة الرأس وهو يحدث الناس عن الإسلام! وإن كانوا في الواقع قلة فإن أعداء الإسلام يأخذون تصرفات هذه الفئة القلية ويضخمونها، ويقولون: هذا الإسلام وهؤلاء هم المسلمون! وإنما هم قلة. فالذي لاحظته أن كثيرًا من الناس الجهلاء يتصدرون للفتوى في دين الله، وهم ليسوا أهلاً لها!

من خلال هذه التجربة الطويلة والمديدة ، هل تذكر لنا موقفًا أحزنك وكان له أثره في أعماقك؟
الأحزان كثيرة، فلسطين مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تدنس ويحتلها اليهود ويحرقون المسجد الأقصى ومنبر صلاح الدين، والذي هو في الأصل منبر نور الدين زنكي، بناه قبل تحرير القدس بعشرين سنة ، ووضعه في حلب وأعلن أنه سيحرر القدس، وكان صلاح الدين من أمرائه، ومات نور الدين ثم جاءت معركة حطين وحرر صلح الدين بيت المقدس.
فالأحزان كثيرة.. الدعاة إلى الله يسجنون ويطاردون! سيد قطب - رحمه الله - يعلق على عود المشنقة، ومحمد يوسف هواش، والعالم عبد الفتاح إسماعيل الأزهري، ومن قبله إخوانه عبد القادر عودة وهنداوي دوير ويوسف طلعت ...إلخ ، أناس يقتلون كما جاء في القرآن ما ذنبهم إلا أن يقولوا : ربي الله ، فهذا - بلا شك - يحزن.
إعدام سيد قطب -رحمه الله- كان له أثر عميق وحزنت لذلك حزنًا شديدًا أنا وأهلي، حتى الطعام لوقت طويل لم تكن نستسيغه ، والله المستعان.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً