قبل حوالي العقدين ونصف من الزمن لم يكن في اليمن أزمة تعرف بأزمة الحوثيين، وكان النسيج اليمني منسجمًا ومتكاملاً على الرغم من وجود يمنَيْن. أما اليوم فالأزمة المتصلة بالحوثيين باتت تهدد وحدة اليمن، فضلاً عن أنها تنذر بحرب كبرى قد تُشعل المنطقة أو ربما قد تكون المقدمة لها.. بعلم اليمنيين أو بغير علمهم.. بإرادتهم أو بغير إرادتهم.
اليوم تجرِّد الحكومة اليمنية حملة عسكرية للقضاء على ما تعتبره تمرد الحوثيين، وهي ليست الحملة الأولى، كما لا يمكن الجزم - إلى الآن - أنها ستكون الأخيرة أمام إصرار المتمردين على الصمود والبقاء، وإصرار الحكومة على اجتثاث التمرد. إنها الحرب السادسة كما اصطُلح عليها، ويبدو أن الحكومة جادة بشكل كامل في حملتها لاجتثاث عناصر التمرد وأسبابه والسيطرة على الأوضاع وسط السيادة الحكومية على كامل التراب اليمني، كما يبدو أنها تحظى بغطاء عربي ودولي واسع في حملتها هذه، ما خلا بعض الأصوات الخجولة التي اعترضت بطريقة أو بأخرى على الحملة العسكرية للحكومة.
إلا أن هذه الحرب السادسة فاجأت الجميع؛ فعلى الرغم من حجم القوة المستخدمة من قبل الحكومة والجيش اليمني (طائرات ومروحيات ودبابات...) فقد أبدى الحوثيون صمودًا كبيرًا، وأظهروا قدرة عالية في القتال، وتكتيكًا لم يكن معروفًا عندهم من قبل، كما استخدموا أسلحة متطورة في قتالهم كالصواريخ والمدفعية والآليات والرشاشات الثقيلة، مما أعطى انطباعًا بأنهم يملكون قوة ليست بالمستهانَة، كما وأنهم يتمتعون بدعم عسكري ولوجستي ومالي على مستوى التسليح والتخطيط والتدريب، وبالتالي فإن الموضوع بات يوحي بأن الحركة أوسع من عملية تمرد بسيطة كما كانت في السابق، وأن الأهداف غير المعلَنة قد تكون مختلفة كليًّا عن الأهداف المعلنة، وأن من قام بالتسليح والتدريب والتمويل يُخفي هدفًا مختلفًا كليًّا عن هدف الحوثيين، ومن هنا يمكن الحديث عن هذه الحرب كمقدمة لحرب كبرى قد تكون المنطقة مسرحها.
الحكومة اليمنية اتهمت الجمهورية الإيرانية صراحة وعلنًا بدعم الحوثيين، كما أعلنت أنها ضبطت كمية كبيرة من الذخيرة والأسلحة الإيرانية بحوزة الحوثيين، وأنها تملك أدلة دامغة على التورط الإيراني في هذه القضية اليمنية الداخلية. والإيرانيون لا يخفون دعمهم للحوثيين، ويظهر ذلك من خلال إعلامهم المساند لهذا التمرد، وإن كانوا يعتبرون هذا الموضوع شأنًا داخليًّا يمنيًّا على المستوى السياسي الرسمي الإعلامي.
والمتابع للتطورات الجارية يرى أن هناك مصلحة إيرانية واضحة وراء دعم الحوثيين والوقوف إلى جانبهم واستمالتهم؛ فإيران تتعرض لتهديدات متتالية بقصف منشآتها النووية لإفشال المشروع العسكري النووي؛ كما وأنها تتعرض في هذه الأيام إلى ضغوطات كثيرة داخلية وخارجية. فعلى مستوى الداخل هناك الأزمة التي تتهدد النظام، وعلى مستوى الخارج هناك الضغوطات الدولية، وهناك المُهَل المعطاة لها بشأن الملف النووي، والتي تنتهي في أيلول، ولذلك هي تحتاج إلى أذرع، والحوثيون منها، خاصة وأنهم يقطنون في المناطق اليمنية الشمالية الغربية المحاذية والقريبة من البحر الأحمر، ذاك البحر الذي يشكِّل منفذًا وحيدًا يصل البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي الذي تغسل مياهه الشواطئ الإيرانية، وهو ما يعني أن القوة الأمريكية أو الأوروبية أو الإسرائيلية تحتاج إلى المرور عبر هذا البحر للوصول إلى تلك الشواطئ، وعليه فإن تواجد حلفاء لإيران كأذرع عند المناطق المحاذية لشاطئ هذا البحر المنفذ، يجعل التحركات الأمريكية الأوروبية الإسرائيلية باتجاه المحيط الهندي أو بالعكس في مرمى نظر وحتى نار حلفائهم، وعليه فإن مصلحة الإيرانيين تقضي بمساندة التمرد الحوثي كذراع متقدمة عند تلك البوابة.
إذا أدركنا ذلك، أدركنا لماذا فتح الحوثيون المعركة، ولماذا يصرّون عليها، لأنها تمثل تحرك أحد الأذرع لمواجهة الأخطار في مرحلة متقدمة، كما أدركنا لماذا تحركت الحكومة اليمنية بهذه الطريقة لأنها حظيت بهذا الغطاء الدولي، وهي فرصة بالنسبة للحكومة اليمنية قد لا تتاح في أي وقت، للتخلص من التمرد.
إذا أدركنا كل ذلك، أدركنا أيضًا أن هذه الحرب قد تكون المقدمة لحرب أكبر وأشمل، لأن الانتهاء منها سيعني الانتهاء من أحد الأذرع الإيرانية، وبغض النظر عن مواقف الحكومة اليمنية التي تعتبر أن ما يعنيها من الموضوع القضاء على التمرد دون الالتفات إلى الأجندات الخارجية والدولية، وبالتالي فإن ذلك سيعني الانتقال إلى ذراع آخر للوصول إلى ضربة قد توجَّه إلى إيران فعلاً بعد الانتهاء من معالجة الأذرع، وانتهاء فرص التفاوض والحوار.
الذراع الأخرى التي يمكن أن تكون هدفًا، هو حزب الله في لبنان، وقد سمعنا، قبل مدة، التهديدات الإسرائيلية المتكررة للبنان وللحزب، وقد ارتفع منسوب التوتر في الفترة الأخيرة، حتى شعر معه اللبنانيون أن الحرب على الأبواب أو قاب قوسين منهم، وهذا التوتر وإن كان قد تراجع، إلا أنه لم ينتهِ، وعليه فإنه قد يتجدد في أية لحظة، ويتحوَّل إلى حرب مفتوحة أيضًا بين الكيان الإسرائيلي وحزب الله. وإن وقع ذلك – لا سمح الله – سيشكِّل ثاني إرهاصات الحرب الكبرى في المنطقة، والتي قد تكون بهذه الطريقة أقل حدَّة وكلفة من فتح كل الجبهات مرة واحدة ودفعة واحدة.
الحديث عن كل ذلك لا يعني وجود تنسيق بين هذه الجبهات وبين إدارتها؛ فلا حزب الله يعتبر نفسه معنيًّا بالموضوع الحوثي في اليمن، ولا الحكومة اليمنية حليفة للكيان الإسرائيلي، ولكنْ ظروف اللعبة، والمتحكمون بها، هم الذين قرروا ويقررون هذا الإخراج، وبرضا أو بعدم رضا الأطراف المعنيَّة فيه، ليبقى السؤال الأهم: هل اتُخذ قرار الحرب الكبرى فعلاً؟ ومتى ساعة الصفر؟..