تمثل تجربة التحول الديمقراطي في الكويت حالة مغايرة, ووضعية متقدمة، قياسًا على بقية الدول الخليجية, وما يؤهلها لبلوغ هذه المكانة ما يحدث من تفاعلات كثيفة في مجالها العام, تبرز في مؤشرات محددة منها تطور المناهج التعليمية, وحيوية الندوات الثقافية, وازدياد مساحة الحريات الصحفية, وتعدد التجمعات, وتنوع التيارات الفكرية, بالإضافة إلى تأسيس الممارسة الديمقراطية والمتمثلة في مجلس الأمة الذي يتم اختيار أعضائه عبر انتخابات تنافسية مباشرة, بحيث يمارس النواب الجالسون تحت قبته أدوارًا تشريعية ورقابية قوية, الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى إحداث تغييرات وزارية عدة عقب مسلسل للاستجوابات النيابية, وخاصة للوزراء المنتمين للأسرة الحاكمة والتي لا تزال ممسكةً بالمناصب السيادية في كل التشكيلات الحكومية.
وكان مفهومًا حتى وقت قريب أن حجم الخلاف بين النظام الحاكم وقوى المعارضة في الكويت لا يتعدى أكثر من شكل الحكومة ومساءلة الوزراء وموعد الانتخابات وتفعيل المؤسسات وتوسيع الحريات, بحيث تعتبر المعارضة في الكويت مكملةً لنظام الحكم وليست بديلة عنه, وهو ما يتفق مع ما طرحه "وليم زارتمان" في بحثه الشهير المعنون "المعارضة كدعامة للدولة", وهي استخدام المعارضة كمتغير مستقل لتفسير ديمومة الدولة العربية عمومًا والخليجية خصوصًا.
فالمبدأ النظري العام يفترض أنه بوجود نوع ما من المعارضة يكون ذلك شرطًا طبيعيًّا لأي نظام سياسي، وبمنطق التناوب الديمقراطي بين من هم في الحكم ومن هم في المعارضة, بحيث يحدث تبادل للأدوار وانتقال للمواقع, لكن النظام الحاكم في الكويت يعطي حرية حركة نسبية لقوى المعارضة, سواء بتمثيلها في المؤسسة النيابية وانخراطها في تكتلات سياسية أو اختيار بعضها في المناصب الوزارية, دون السماح لها بالوصول لرئاسة الوزراء، في مقابل ذلك بدأت المعارضة داخل مجلس الأمة تتحدى الانفراد بالحكم عبر ما يطلق عليه البعض "إدمان المواجهات".
فقد شهدت الكويت خلال السنوات الماضية, أزماتٍ متلاحقةً بين الحكومة ومجلس الأمة, والتي تنتهي عادةً باستقالة الحكومة أو بحلّ المجلس, بحيث تراجع متوسط عمر الحكومات من عامين إلى ستة أشهر, وتراجع متوسط عمر مجلس الأمة من 4 أعوام إلى أقل من عام, وقد تكررت هذه الظاهرة, رغم التغيير الذي يطال تشكيلة الحكومة أو عضوية المجلس, الأمر الذي يثير التساؤل حول الأسباب الدافعة لذلك, والتي يبدو أنها تتجه إلى تفريغ التجربة الديمقراطية من مضمونها.
التفسير الأول يتعلق بسلوكيات الحكومة بوجه عام, والتي تفتخر دائمًا بأن الكويت "واحة الديمقراطية" في منطقة الخليج, لكنها -في الوقت نفسه- ترفض استجواب وزرائها, رغم أن الاستجواب هو أحد الملامح المميزة لأي نظام ديمقراطي برلماني فعال.
إن الديمقراطيات البرلمانية لا تعرف استجواب وزير وغض الطرف عن وزير آخر واعتباره "فوق المساءلة", وإلا عُدَّ ذلك مخالفة دستورية صريحة, ويستثنى من المساءلة الذات الأميرية كما يقول الدستور.، فالقبول بقواعد النظام الديمقراطي يفترض القبول بنتائجه والتعامل مع السيناريوهات المختلفة التي تسفر عن تطبيقه، ومن ثم فإن الحكومة الكويتية تواجه خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بالتوجه الديمقراطي بجميع شروطه المكفولة بالدستور, وإما استمرار دورة الأزمات السياسية بما يعطل حركة التنمية ومسار الإصلاح في البلاد، فالأزمات السياسية المتلاحقة التي تشهدها الساحة الكويتية تتكرر بنفس الوتيرة, حيث تتعدد الأزمات مع كل خلاف أيًّا كان حجمه, ولا يملك مجلس الأمة لإجبار الحكومة على التراجع عن قراراتها سوى اللجوء للاستجواب, بالتوازي مع شنِّ حملة إعلامية واسعة النطاق لتأليب الرأي العام الداخلي.
كما أن ثمة اتجاهًا بدأت تتصاعد أصواته داخل الكويت يدعو إلى ترتيب البيت الكويتي من الداخل والتعامل مع ما يسمي بـ"تيارات الأسرة الحاكمة", والتي بدأت تشهد صدامًا بين جناحي أسرة آل الصباح "السالم والجابر", وهو ما ظهر جليًّا في عام 2006 أثناء حسم مسألة الخلافة بعد إقالة الأمير السابق الشيخ سعد العبد الله الصباح لأسباب صحية، وقد اعتبر تعيين الشيخ صباح الأحمد أميرًا للبلاد, وهو ينتمي إلى جناح الجابر, خروجًا على تقليد معمول به منذ فترة طويلة لتقاسم السلطة بين جناحي الأسرة الحاكمة.
بخلاف ذلك, هناك ما يشير إلى وجود نزاع آخر بين أقطاب الأسرة الحاكمة مع فئات اجتماعية وسياسية طامحة للعب دور أكثر أهمية ورغبتها في الشراكة في السلطة, وهو ما يشير إلى أن الكويت ستشهد خريطة تحالفات سياسية جديدة في المستقبل.
التفسير الثاني يختص بأوضاع وممارسات المعارضة الكويتية ذاتها, حيث أنها تلجأ للأدوات الرقابية البرلمانية -في بعض الأحيان- بدون مبررات حقيقية, وإنما بهدف استعراض عضلاتها وإبراز أنيابها للحكومة, وربما تستغل المعارضة في مجلس الأمة الصراع الأميري الداخلي من خلال استجواباتها لإقصاء الأسرة الحاكمة من رئاسة الحكومة, وتعيين رئيس وزراء جديد من بين أفراد المجتمع الكويتي, على نحو ما هو قائم في الحالة الأردنية, والتوصل لمعادلة جديدة مفادها "لكم الحكم ولنا إدارته" بدلًا من صيغة "لنا الإمارة ولكم التجارة" التي حكمت توازن القوى داخل المجتمع الكويتي مثل غيره من بقية المجتمعات الخليجية.
واللافت للنظر أن السلطة التشريعية لم تعد تكتفي بدورها كأداة رقابة على الحكومة أو السلطة التنفيذية, بل تسعى بعض التيارات بداخلها إلى أن تكون أداة رقابة على المجتمع أيضًا, ليس انطلاقًا من اعتبارات موضوعية وإنما عبر افتعال -في كثير من الأحيان- لبعض القضايا غير الجادة والتي يبدو الكثير منها ساعيًا إلى تقييد الحريات العامة بل والشخصية, الأمر الذي جعل المشهد يبدو للناظر من الخارج أن السلطة التنفيذية تسعى إلى إتاحة هامش أكبر من الحريات الاجتماعية والاقتصادية.
يُضاف إلى ذلك أن استخفاف المعارضة بالأداة الرقابية صار واحدًا من المعوقات الأساسية لكثير من المشروعات التنموية التي تحتاجها البلاد, لا سيَّما في مواجهة آثار الأزمة المالية العالمية، فعلى سبيل المثال عارض أعضاء في مجلس الأمة تمرير وإقرار "خطة إنقاذ الاقتصاد" في مارس الماضي, بدعوى أنها تكلّف المال العام الكويتي نحو 20 بليون دولار, فضلًا عن خلوِّها من الشفافية, الأمر الذي نتج عنه تراجع البورصة الكويتية لفترة من الوقت, علاوةً على تأخر مشروعات قوانين تحوّل الكويت إلى مركز مالي وتجاري رائد في المنطقة.
التفسير الثالث يكمن في ضعف الثقافة الديمقراطية لدى قطاعات -بغض النظر عن حجمها- من الرأي العام الكويتي, والتي تعرقل عملية التحول الديمقراطي في البلاد، إن الافتراض الرئيسي في الأدبيات أن الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية تتخذ موقفًا معرقلًا للتحول الديمقراطي للحفاظ على مواقعها وبقائها في السلطة, غير أن المعادلة في الكويت وغيرها من دول الخليج تشير إلى أن الأفكار المعادية للديمقراطية والتوجهات الليبرالية تنبع أحيانًا من قلب المجتمع، وكما يؤكد فريد زكريا -في كتابه المعنون "مستقبل الحرية"- أن الديمقراطية التي تنشأ دون دعائم الليبرالية السياسية تؤدي إلى الديمقراطية المتعصبة.
ولا يجدي في هذه الحالة إصدار قوانين أو سن تشريعات, لكن الأهم من ذلك هو العمل على إصلاح بعض المفاهيم السائدة والأفكار الشائعة في الثقافة المجتمعية, والتي تحتاج لفترة طويلة، ووفقًا لنظرية الأواني المستطرقة, فإن الحالة السجالية بين الحكومة والمجلس لا تبدو غريبة على منظومة الأفكار والقيم التي تعتنقها قطاعات مجتمعية بعينها, والتي يغلب عليها ذات الأعراض التي توجه سلوك كل من الحكومة والمعارضة.
خلاصة القول أن النموذج الديمقراطي في الكويت يشير إلى ما يعرف بـديمقراطية منتصف الطريق, الأمر الذي قد يشير إلى استمرارية عملية الشد والجذب الحالية والتي تعد بدورها من مؤشرات تعثر تجربة التحول الديمقراطي, رغم التحولات الإيجابية التي تراكمت بمرور الزمن, إلا أن هناك هاجسًا ما زال مسيطرًا على المتطلعين لكويت أفضل أو لما يسميه البعض "لؤلؤة الخليج", مفاده أن يتم الاكتفاء بتحديث السلطوية التقليدية أو ما يطلق عليه "دمقرطة السلطوية " أكثر من كونها مدخلًا للتحول الديمقراطي الراسخ.