شهِد العالم كله من شرقه إلى غربه، عربه وعجمه، خلال الأسبوع الماضي موجةً من الغضب والاستنكار -لم يشهد العالم مثيلًا له من قبل- استنكارًا لما أقدم عليه قراصنة إسرائيل من قتل نشطاء الحرية بدم بارد، على متن أسطول الحرية الذي أراد ناشطوه أن يكسروا حصار غزة الظالم من قِبل إسرائيل وعملائها منذ أزيد من أربع سنوات.
هذا الغضب، شيء جميل ورائع ساهم الإعلام، وخاصة الإعلام الحر كقناة الجزيرة، في إذكائه، لكن هذا الغضب لكي يؤتي أُكُلَه ويكون غضبًا فاعلًا ومؤثرًا، يجب ألا يكون مجرد ردة فعل آنيَّة لحظيَّة ستذهب أدراج الرياح بعد شهر أو شهرين من الآن، ينبغي أن يرشُد هذا الغضب ويُحوَّل إلى شكل مؤسسي فاعل على غرار أسطول الحرية وحملة غزة الحرة.
لا شك أن دماء شهداء الحرية أضرمت كل هذا الغضب في أرجاء العالم، وكشفت سوأَةْ الهمجيَّة الصهيونية المتوحشة والقبيحة، التي يحاول عملاؤها أن يُجَمِّلوها بسكوتهم المميت وغضِّهم الطرف عن كل سلوكياتها الهمجية، بل والإسهام في تنفيذ مشروعاتها القَذِرة كما هو الحال في حصار غزة طوال كل هذه السنين الأربع.
دماء شهداء الحرية هي فداءٌ لشعب غزة المحاصر ظلمًا وعدوانًا على مدى أربع سنوات مضت، ولكن لكي نُكرِّم أصحاب هذه الدماء ونَفِي بعهدهم الذي بذلوا من أجله دماءهم يجب أن يستمرَّ هذا العملُ من خلال حملات متواصلة بالسفن والأساطيل الحملة تلو الأخرى حتى يملَّ العدو همجيتَه، وترتعدَ فرائصه، أمام إصرارنا وتضحياتنا الكبيرة، لأن هذا العدو أجبن مما نتخيَّل ونتصوَّر.
لا سبيل لفكّ حصار غزه إلا أن يتكرر مشهد أسطول الحرية بشكل دائم ومتواصل؛ لأن حصار غزة لن تفكَّه الأنظمة العربية الرسمية التي يُعد حصار غزة هو مسئوليتها أمام الصهاينة والأمريكان، وأن فك الحصار هو مسئولية الشعوب الحية التي يجب أن لا تنتظر من أي جهة رسمية عربية أن تتحرك.
تجربة أسطول الحرية تجربة ثريَّة وعظيمة لن يقف أثرها على فك الحصار عن غزة، بل سيمتدُّ أثرُها إلى كل أرجاء عالمنا العربي والإسلامي المحاصر والمُقْمَع من أنظمته الحاكمة، فهذه تجربة في الحرية ستنعكس على كل حياتنا وحقوقنا وكرامتنا كشعوب مضطهدة ومُستَبَدّ بإرادتها، وسيكون لها أثر كبير ما إن استمرت بهذا الزخم الكبير والحماس المنظَّم.
هذه التجربةُ التي يقف على رأسها واحدٌ من أنبل وأعظم قادة العالم لا أقول الإسلامي بل العالم كله اليوم، الطيب رجب أردغان، هي نقطة تحوُّل كبرى في التاريخ المعاصر، ليس في المنطقة العربية فحسب بل على مستوى العالم الإنساني كله، لما ستتركُه هذه التجربة من نتائج على مستقبل البشرية كلها.
فمن نتائج هذه التجربة أن الصحوة الإنسانية الكبيرة التي عمَّت العالم الذي استطاع على إثرها أن يميِّز بن الحقيقة والكذب، ويقول للكاذب كذبت، هذه ربما هي المرة الأولى التي أدرك العالم فيها همجيَّة إسرائيل وعدالة القضية الفلسطينية، هي لا شك مرحلة فارقة سيحسم على إثرها الكثير من الإشكاليات العالقة في ذهنية الرأي العام العالمي المخدوع بديكورية الديمقراطية الإسرائيلية والأمريكية.
فمن وحي تجربة أسطول الحرية، صحا العالم العربي من سُباته وأدرك أن سجانه أوهن من بيت العنكبوت، وأن نظامه الرسمي لم يعدْ غير أجير عند القوى الخارجية ينفِّذ أجنداتها، وأنه لم يعُدْ يمثِّل غيرَ نفسه ومصالحه الخاصة وأنه لم يُعد يربطه به رابط.
من وحي هذه التجربة أيضًا أن العمل المدني هو خير وسيلة للنضال بقليل من الضجيج وبقليل من التضحيات من أجل نتائج كبيرة وسريعة، فبقليل من الدماء وبكثير من الصبر والتنظيم تتحقق الأهداف العظيمة والكبيرة أفضل بكثير من ضجيج القاعدة التي أدى ضجيجها لنتائج كارثية على العالم الإسلامي والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
إذن لمزيدٍ من النجاح في طريقنا ليس فقط لفك حصار غزة، بل لفك الحصار المضروب على كل الشعوب العربية والإسلامية المغلوبة على أمرها -باستثناء تركيا العدالة والتنمية طبعًا- يجب أن تستمر قوافل الحرية من كل حدب وصوب باتجاه غزة التي ستحرِّرُنا حتمًا لا محالة كما قالها يومًا نزار قباني، حينما طلب من مجانين غزة أن يعلموه الجنونا.