الملاحظ للمواقف التركية على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، وخاصة بالنسبة للحالة الفلسطينية، يجدها صاحبة مواقف مُشَرِّفة تجاه القضية الفلسطينية، وتضرب حكومتُها أروعَ الأمثلة في التعامل مع حكومة الاحتلال الغاصبة لأراضي الشعب العربي والإسلامي، بشكل يفوق دُعاة القضية أنفسهم، ومن يجاورهم من العرب، أصحاب الحديث المتكرِّر عن أدوارهم، والتي تشبه في كثير من الأحيان دور "السماسرة".
وليس أدل على ذلك من المواقف والتصريحات النارية التي صدرت عن العاصمة أنقرة أخيرًا بعد الهجوم التَّترِيّ من جانب الاحتلال الإسرائيلي على "أسطول الحرية"، واستهدافه لمدنيين ومؤن ومساعدات إنسانية، كانت تتوَجَّه من تركيا إلى غزة الصامدة، في أسطول شارك فيه ما يزيد على 33 دولة مما له دلالة على أنّ إسرائيل بجريمتها لم تكن في مواجهة تركيا وحدها وإنَّما كانت في مواجهةٍ مع العالم.
وعبر السطور القليلة المقبلة نتوقَّف عند التصريحات الأخيرة لرئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان والتي حملت تهديدًا ووعيدًا للحكومة الإسرائيلية، والتي لا تكاد تُقارن بحال مع التصريحات التي يُطْلقها تُجّار القضية الذين يزايدون بها عليها، وفي نفس الوقت "يسمسر" بها غيرهم من تجار المزدادات.
والملاحظ للتصريحات القوية لأردوغان يجد أنه لم يكتفِ بها وفقط، بل ترجمها في نفس الوقت إلى خطوات عملية للردّ على المجزرة الصهيونية.
"وقاحة" إسرائيلية
وفي الوقت الذي كانت تتواصل فيه الاحتجاجات في تركيا ضدّ إسرائيل بسبب هجومها على فرسان الحرية، كان أردوغان يعود إلى بلاده بعدما قطع زيارةً له إلى تشيلي، فضلًا عن الشعارات الهائلة التي كانت تعمّ تركيا والتي كانت تناهض إسرائيل وأمريكا وتدافع عن الفلسطينيين، وتجمع المئات أمام مكان إقامة السفير الإسرائيلي جابي ليفي في أنقرة وترديدهم هتافات معادية ضد إسرائيل.
وعلاوة على ذلك فقد تظاهر أكثر من 500 سائق سيارة أجرة أمام القنصلية الإسرائيلية في اسطنبول، وأطلقوا أبواق سياراتهم احتجاجًا على الهجوم الإسرائيلي.
وكانت أقوى التصريحات التي تدين الإجرام الصهيوني، تلك الصادرة عن أردوغان، والتي وجَّه فيها انتقادات شديدة اللهجة لإسرائيل، ووصف حكومتها بأنَّها "وقحة" وتشكل دُمَّلًا مفتوحًا في طريق السلام الإقليمي. داعيًا إلى معاقبتها على "المجزرة الدموية".
كما اعتبر هجومها هجومًا "دَنِيئًا"، محذرًا إياها من اختبار صبر أنقرة، وأنّه "بقدر ما تكون صداقة تركيا قوية فإن عداوتها أقوى لإسرائيل". مطالبًا دولة الاحتلال برفعٍ فوري للحصار المفروض على قطاع غزة، الذي تعهّد بالاستمرار في مواجهته.
ولم يكتفِ أردوغان بذلك بل دعا إلى معاقبة الكيان الصهيوني على "عمليتها اللاإنسانية" على سفن تحمل على مَتْنِها مدنيين من بينهم نساء وأطفال ومسئولين دينيين من مختلف المعتقدات، وأنّ "هذا الهجوم الوقح وغير المسئول، الذي ينتهك القانون ويدوس على الكرامة الإنسانية، يجب حتمًا أن يُعاقَب عليه، وأن هذه المجزرة الدامية التي نفذتها إسرائيل تستحقّ كل أنواع اللعنات، فهذا هجوم على القانون الدولي والوعي الإنساني وسلام العالم".
خطوة عملية
ويُعطي أردوغان الدرس لدُعَاة القضية وسماسرة بيعها بأبْخَس الأثمان من خلال مواقف عملية، ليؤكد أن تركيا سوف تستخدم كل وسائل القانون الدولي والدبلوماسي، وستستمر على ذلك طوال الأيام المقبلة، "ولهذا سحبنا سفيرنا في تل أبيب وألغيت ثلاثة تدريبات عسكرية مشتركة مع إسرائيل".
وفي هذا السياق فقد دعا وزير خارجيته أحمد داود أوغلو إلى التوجُّه لنيويورك لدعوة مجلس الأمن إلى عقد اجتماع طارئ، وإصدار بيان يدين إسرائيل ويدعو إلى الإفراج مباشرة عن المدنيين والركاب الجرحى.
فضلًا عن ذلك فقد ألغى مباريات بين فريقي كرة القدم التركي والإسرائيلي. وحذّر أردوغان إسرائيل من مغبّة نفاد صبر تركيا، "وأنه لم يَعُد واردًا إغماض أعيننا على المظالِم التي ترتكبها إسرائيل، وعلى الإدارة "الإسرائيلية" أن تدفع الثمن".
وفي مزيد من الخطوات العملية تعهّد أردوغان لإسماعيل هنية (رئيس الوزراء الفلسطيني) باستمرار دعم غزة من أجل رفع الحصار، وإنهائه كليًا عن القطاع باعتباره استحقاقًا للشعب الفلسطيني، وأن تركيا ستظلّ تدعمه "حتى لو بقينا وحدنا".