كعادتها دائمًا، تروِّج دولة الاحتلال للعديد من مظاهر الخداع والتضليل التي تمارسها عقب كل جريمة ترتكبها، أو مجزرة توجِّهُها بحق الشعب الفلسطيني أو المتضامنين معه.
والواقع، فإن دولة الكيان تثبت يومًا بعد آخر أنها لا تجيد إلا لغة القتل وارتكاب الجرائم والمجازر، وتتصرف كدولة -أو هي كذلك- فوق القانون الدولي والقانون الإنساني، تضرب بعرض الحائط الشرعية الدولية والقرارات الأمميَّة، لسبب بسيط لا يرتبط بقوتها وقدراتها العسكرية بقدر اطمئنانها للانحياز الأمريكي الذي يمنع اتخاذ أي قرار يضعُ حدًّا لجرائمها ومجازرها الدموية واحتلالها بقوة السلاح لأراض فلسطينية وعربية.
إن دولة تتصرف على هذا النحو من التمرُّد تكون النتيجة جريمة بحجم ما تعرَّض له المتضامنون على متن "أسطول الحرية"، الذين واجهوا قوات كبيرة مدجَّجة بالسلاح وبقِطع بحرية حربية ومروحيات مقاتلة شاركت في معركة دامية ضد نشطاء مسالمين تركوا منازلهم وأسرهم وبلادهم لنصرة سكان قطاع غزة المحاصرين منذ أربعة أعوام.
ماكينة زائفة
الكيان الغاصب لم يكتفِ بجريمته في قلب المياه الدولية بقتل المتضامنين مع الشعب الفلسطيني واعتقال أحرار العالم، بل راح يسوّق ضد جريمته من خلال ماكينة إعلامية وسياسية ممجوجة، وكأنه هو الضحية، وما دونه هو الجاني.
هذه الأراجيفُ اعتمد الاحتلال فيها على مبدأين أساسيين: تحميل المسئولية للضحايا الذين يسقطون بنيران جيشه، والترويج بأنه كان في حالة الدفاع عن نفسه، إذ زعمت الرواية السياسية والعسكرية الإسرائيلية أن الجنود المدججين بالسلاح الذين هاجموا المتضامنين العزَّل تعرَّضوا للخطر فاضطروا للدفاع عن أنفسهم.
وفي الواقع هي رواية تثير السخرية والاشمئزاز فكيف لأكثر من ألف جندي من وحدات النخبة الصهيونية تساندهم زوارق ومروحيات حربية أن يتعرضوا لخطر من متضامنين لا يزيد عددهم بحال عن 750 شخصًا، دفعتهم أخلاقهم وواجبهم الإنساني لحمل المساعدات الإغاثية والطبية لمساعدة المحاصرين في غزة.
وفي إطار ذات الرواية الكاذبة لدولة الاحتلال من أجل تبرير جريمتها، ادَّعى قائد أركان الحكومة الإسرائيلية المتطرفة أن هدف المتضامنين كان استفزازيًّا، إذ أن قطاع غزة ليس محاصرًا ولا يحتاج مساعدات إنسانية وطبية، وكأن القطاع خارج هذا الكون ولا أحد يدري بحجم المعاناة والألم الناجمَيْن عن الحصار، والذي أدى إلى ارتفاع كبير في معدلات الفقر والبطالة، ووفاة أكثر من 370 مريضًا لم يجدوا العلاج في غزة ولم يتمكنوا من السفر لتلقي العلاج في الخارج في ظلّ إغلاق المعابر، فضلًا عن البنية التحتية وآلاف المنازل المدمَّرة ومنع سلطات الاحتلال إدخال مواد البناء من أجل إعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية قبل حوالي 16 شهرًا.
إذن كلها روايات كاذبة وخادعة تمارسُها دولة الاحتلال، ولا تنطلي على أحد، فأركان الجريمة وتفاصيلها واضحة بعدما اختلطت مياه البحر بدماء الأحرار والشرفاء من دول العالم.
لقد هزم المتضامنون العزَّل دولة الاحتلال ونجحوا في إيصال رسالتهم الإنسانية والأخلاقية إلى أرجاء العالم ومفادُها يجب كسر حصار غزة ورفع الظلم عن الفلسطينيين، رغم أنهم لم يتمكنوا من الوصول بمساعداتهم الإنسانية والإغاثية إلى غزة المحاصرة.
تأييد عالمي لحماس
إنَّ الجريمة البشعة التي ارتكبتها دولة الاحتلال بحق هؤلاء المتضامنين أظهرتها أمام العالم كدولة مارقة ومحتلة ومنتهكة للقانون الدولي، خصوصًا أن الجريمة وقعت في المياه الدولية، وربما تكون إسرائيل بهذه الجريمة قد قربت اللحظة التي سيكسر فيها الحصار كليًّا عن قطاع غزة، وبالتالي ستكون كلُّ المحاولات التي تمارسها إسرائيل، والدولية وحتى العربية لعزْل حركة "حماس" وحكومتها المقالة في غزة قد باءت بالفشل إثر الفشل في الحرب والحصار.
وفي هذا السياق فإن الحركة المقاومة التي واجهت حربًا دموية وحصارًا خانقًا دون أن تخضع لإرادة الاحتلال والمجتمع الدولي وتقرُّ بشروط اللجنة الرباعية الدولية، باتت تحظى بتعاطف شعبي واسع على المستوى الدولي، بعدما أظهرتها الحرب وتجربة الحصار، أنها الضحية والممثلة لمعاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال.
ولقد استطاعت "حماس" استثمار زيارات الوُفود الأجانب إلى قطاع غزة خلال السنوات الماضية، وخصوصًا بعد الحرب الأخيرة، في الترويج لنفسها ونقل صورة مغايرة عن صورة الحركة الإرهابية التي يروِّجُها عنها الاحتلال، وكسبت بذلك تعاطف الكثيرين حول العالم، وأصبحت الدعوات لفك الحصار والحوار مع الحركة الإسلامية تتعالى باستمرار.
ولم تكن إسرائيل تتصور ردَّة الفعل الغاضبة من دول العالم على جريمتها النكراء، بعدما اعتادت على ارتكاب جرائمها أمام صمت دون أن يحرِّك ذلك العالم ساكنًا.
لكن ردة الفعل الغاضبة حاليًا من كثير من دول العالم إزاء الجريمة تؤشر إلى أن حالة من الوعي الدولي بدأت في الظهور والتنامي يومًا بعد يوم، وإدراك حقيقة هذا الكيان الغاصب والدموي.
حالة الوعي والإدراك الدولي بحقيقة السياسة العنصرية والدموية التي تنتهجها دولة الاحتلال عكستها الاستدعاءات الكثيرة لسفراء هذه الدولة المارقة في كثير من دول العالم، وموجَة التنديد والشجب الواسعة بالجريمة البشعة ضد المتضامنين.
لكن يبقى الموقف العربي الرسمي دون المستوى، فلا يعقل أن يتساوى العرب مع غيرهم ويكتفون ببيانات الإدانة لجريمة ضد أبرياء قطعوا مسافات طويلة وغامروا بحياتهم من أجل نصرة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
إن القضية الفلسطينية كانت وستبقى قضية العرب والمسلمين الأولى، رغم أن الدولة القطرية التي فرضها الاحتلال بحدوده الوهمية في قلب العالم العربي تسببت في غفلة عربية وإسلامية عن قضيتهم الأولى.
المطلوب من النظام العربي الرسمي بعد الجريمة بحق "أسطول الحرية" المبادرة فورًا بكسر الحصار المضروب على قطاع غزة بالفعل وليس بالقول، وتطبيق قرارات سابقة كانت اتخذتها الجامعة العربية بكسر الحصار ونجدة سكان غزة، الذين يعيشون ظروفًا بالغة القسوة والتعقيد في ظل حصار خانق أهدافه سياسية ظالمة.