يَجهَد حزب الله كثيرًا في التأكيد على حرصه على لبنان وسلمه الأهلي، ويكرِّر، ويعيد ويزيد في التأكيد على أنه مجرد حركة مقاومة ولا أطماع سلطوية له، ولا يبحث عن جاهٍ أو سيطرة، ولا يريد أن يأخذ أدوار الآخرين.
ويؤكد بتكرارٍ شديدٍ وممِلّ أن سلاح المقاومة هو لمواجهة أعداء لبنان، ولن يُستعمل في الداخل اللبناني أبدًا إلا إذا كان بهدف الدفاع عن الذات كما حصل في 7 مايو، يبدو أن حزب الله يعيش تحت هاجس فُقدان التأييد الشعبي، أو استغلال الفُرَقاء الداخليين لتسليحه وعلاقاته بإيران للتشهير به وصدّ الناس عنه، إلخ، إنه معني كثيرًا كثيرًا وأكثر مما يجب بالظهور أمام كل اللبنانيين على أنه مقاومةٌ للبنان، كل لبنان، وليس لطائفة أو حِلْف أو مذهب أو منطقة.
وحقيقةً أرى أن تركيز حزب الله على هذه المسألة تخرجُ عن حد المعقول، وكأن الحزب يريد القول إنه ملائكي أكثر من الملائكة.
حزب الله ليس بحاجة إلى كل هذا الجهد، وعلى وَجْه اليقين، لن ترضى عنه الأطراف الأخرى المناوئة له حتى لو قام السيد حسن بالصلاة لسمير جعجع وسعد الحريري وأمين الجميل، لن يقبلوا منه صلاة أو صيامًا ليس لأنه غير صادق، وإنما لأن لديهم برامج أخرى مُغايِرة ومتناقضة مع المقاومة يريدون تنفيذَها، وهي برامج مرتبطةٌ مع دول عربية تُسمي نفسها بالمعتدلة، ومع الولايات المتحدة، ومباشرة أو ضمنيًّا مع إسرائيل، وإذا كان الحزب يريد البقاء ضمن دائرة الفِعْل وإغلاق أبواب الاتهامات الموَجَّهة ضده فإنه بالتأكيد لن ينتهي، وكلما أغلق بابًا فتحوا بابًا آخر وهكذا، ببساطة، هم ضد المقاومة مهما كان شكلها، ومهما كان مكانها، هم ضد حزب الله، وضد حماس، وضد المقاومة العراقية بكافة أطيافِها السُّنية والشيعية، وضد طالبان والقاعدة، وضد الهنود الحمر والزرق والخضر، وضد المقاومة في القطب الجنوبي وعلى سطح المريخ.
صبر الحزب طال
على مدى عدة سنوات منذ حرب 2006 والحزب يهتم كثيرًا بالإعلام والخطابات السياسية، والتي أعتقد أنها ضروريةٌ من أجل توضيح المواقف وشرح المتغيِّرات المختلفة للناس، لكنها أيضًا أخذت مساحة أكثر من اللازم بخاصة أن الحزب يكرِّر قدرته على مواجهة إسرائيل وتدمير جيشِها، وعلى الثأر للشهداء بخاصة الشهيد عماد مغنية، طالت المدة، ولم يلمس المتتبع حركة أو عملًا من نوع معيَّن تجعل لمادة الخطابات والتصريحات حيوية وحياة، بل إن طول المدة أخذ يأكلُ من حماس الناس ومن جذوة التأييد للحزب، وقد ساهم في ذلك تدرُّج الإعلام الخاص بالحزب نحو التركيز على المشاكل الداخلية اللبنانية أو المنَاكفات والمثالب، وما شابه ذلك.
كان أمام حزب الله فرصٌ عِدَّة لترجمة بعض أقواله، ولإثبات قوتِه وحضورِه الفاعل على ساحة المنطقة العربية والإسلامية، كان من الممكن أن يقوم حزب الله بعمل عسكري ما كدعم لغزة في حرب الكوانين 2008/2009، لكنه لم يفعل، وكان من الممكن أن يقومَ بخطف شهود الزور اللبنانيين أو بعضهم وإخضاعهم للتحقيق العلني، ومن الممكن أيضًا أن يقوم بعمل ما فيما إذا اعتدى الصهاينة على السفن اللبنانية المتجهة إلى غزة، إلخ، هناك فرص عدة كان من الممكن استغلالُ إحداها وبدون خوف من إسرائيل؛ لأن حسابات إسرائيل لا تخرج الآن عن دائرة الحيرة والشكّ والتردُّد.
مفهومٌ أن لحزب الله حساباته الداخلية، وهو يحاول أن يتجنب الاتهامات والتحريض والتشويه، لكنه يدفع ثمن هذا مرتين: الأولى أن خصومه الداخليين لن يرضوا عنه، كما أشرت، والثانية أن معنويات مؤيديه تتأثر سلبًا، والبحث عن نقطة التوازن يبقى من مُهِمات الحزب.
حكومتان في لبنان
في لبنان حكومتان تجتمعان رسميًّا تحت مسمى الحكومة اللبنانية، هناك حكومة 14 آذار، وحكومة 8 آذار، وهما يجتمعان كنوْعٍ من التوافق الهَشّ أو المشكوك فيه، ولا يستطيعان العمل معًا إلا في مجال الحياة اليومية والمدنية للبنانيين، هما أشبه ما يكون بحكومة تسيير أعمال حذِرة من التصادُم الداخلي، ولا تستطيعان العمل على المستوى الاستراتيجي مثل تبنِّي خُطط اقتصادية استراتيجية لتطوير الاقتصاد اللبناني، ولا خطط بناء عسكري، ولا خطط تغيير اجتماعي، وغير ذلك، ولولا الرغبة الحزبية في استقطاب التأييد الداخلي لرأينا تعطيلًا واسعًا للأعمال اليوميَّة للشعب اللبناني.
لقد فرضت الظروف تشكيل هذه الحكومة، وما زال استمرارُها مرتبطًا بهذه الظروف، لم تكن الحكومة وليدة توافق حقيقي، ومن غير المتوقع أن يتطور توافق جدّي على قاعدة استقلال لبنان ومواجهة إسرائيل، وواضح من سير أعمال الحكومة اللبنانية وتصريحات وزرائها أن الوئام بعيد جدًّا، والاطمئنان للطرف الآخر غيرُ وارِد.
من المهِم المحافظة على هذا التوافق الهَشّ، لكنه من المهِمّ أيضًا ألا يكون في ذلك فرصة للعمل الدءوب ضد الحزب والمقاومة، لقد انشغل اللبنانيون كثيرًا بمسألة المحكمة الدولية، واشتغل حزب الله مؤخرًا في هذه المسألة، وكأنها جبهةٌ مفتوحةٌ تستنفذُ القوى والطاقات، إعادة التفكير في المقاربات الحاصلة الآن على الساحة اللبنانية ضروريَّة، والقلب يضعُف كلما اتَّسع.