من ضمن جملة الحجج التي اتخذها الكثير من مؤيدي الحرب على العراق هي ديكتاتورية النظام السابق، والمقابر الجماعية التي كان للإيرانيين أيام الثمانيات من القرن الماضي نصيب كبير في دفن العراقيين فيها. وجاءت بعدها حرب الكويت أيضًا، ليمارس الأمريكان أبشع الجرائم الإنسانية بحق العراقيين، إذ دفن الكثير من الجنود وهم أحياء تحت الدبابات الأمريكية , وبعد ذلك جاء الغزو الأمريكي ليأتي بالديمقراطية والحرية بشكلها الجديد على موديل القرن الواحد والعشرين ليرتكب الكثير من جرائم الحرب والإبادة الجماعية من خلال أفعاله العسكرية المباشرة أو من خلال تشجيعه للكثير من المليشيات والعصابات لترتكب جرائمها في الداخل العراقي على مرأى ومسمع من القوات الأمريكية، والحجة أن هذا أمر داخلي وحرب أهلية ونزاع طائفي، ولا يخفى على العاقل دور إيران المستمر إلى يومنا هذا في هذه الأحداث.
ولذا نجد أنه من بعد الاحتلال الأمريكي إلى يومنا هذا تم اكتشاف أكثر من 426 مقبرة جماعية، ضمت رفات الكثير من العراقيين الأبرياء، إضافة إلى الكثير من المقابر التي لم يتم الكشف عنها لحد الآن , وآخر تلك المقابر التي أطلعتنا عليها الصحف ووسائل الأعلام المختلفة، هي تلك المقبرة التي تم اكتشافها في محافظة ديالى، والقريبة من الحدود الإيرانية، والتي شهدت تصفية جذرية للمكون السني من 2003 ولحد الآن، ولإيران حصة كبيرة من تلك الجرائم والإبادة لأبناء سنة العراق من أبناء هذه المحافظة , فلقد تم اكتشاف 36 مقبرة جماعية في هذه المحافظة فقط، تضم أكثر من 600 جثة، وبالتأكيد ستشهد الأيام القادمة اكتشاف الكثير من تلك المقابر.
مدير منظمة حقوق الإنسان في العراق طالب الخزرجي قال: إن الأجهزة الأمنية عثرت منذ عام 2008 وحتى اليوم على 36 مقبرة جماعية منتشرة في مناطق متفرقة من المحافظة"، مبينًا أنه تم فتح بعض تلك المقابر بموجب قرار رسمي صادر من القضاء العراقي.
وأضاف الخزرجي أن 32 مقبرة تعود لضحايا "الإرهاب" الذين قتلوا على يد التنظيمات المسلحة خلال فترة التدهور الأمني الذي حدث بين 2006-2008، مشيرًا إلى أن "تلك المقابر تحتوي على 360 جثة، بعضها يعود لنساء وأطفال، ويتركز وجودها في جنوب وشرق بعقوبة".
وأكد الخزرجي أنه تم العثور على ثلاث مقابر جماعية أخرى، في مناطق جنوب بهرز (8 كم جنوب بعقوبة)، تضم جثث كثير من أبناء تلك المحافظة، قتلوا بزعم انتمائهم إلى تنظيم القاعدة، كما يدعي الخزرجي، والحقيقة أنهم ما قتلوا إلا لأنهم سنة، وأشار الخزرجي إلى أن "تلك المقابر تحتوي على أكثر من 263 جثة". وأضاف الخزرجي أن الأجهزة الأمنية عثرت أيضًا في منطقة السادة (8 كم شمال شرق بعقوبة) على مقبرة تضم رفات ثلاثة أطفال قتلوا بنيران قوات الاحتلال الأمريكي، موضحًا أن "هذه المقبرة تم فتحها من قبل اللجان المختصة بعد الحصول على الموافقات القضائية". وتوقع الخزرجي "وجود مقابر جماعية أخرى لا تزال مجهولة المكان في الوقت الحاضر"، مبينًا أن "أعمال العنف أسهمت في اختفاء آلاف المدنيين".
وكانت وزارة حقوق الإنسان العراقية أعلنت خلال العام الماضي العثور على 400 مقبرة جماعية بعد سقوط النظام السابق عام 2003، لافتة في الوقت نفسه، إلى أنها لن تستطيع فتح أكثر من عشر مقابر في السنة، لكونها بحاجة إلى جهود كبيرة في إخراج الجثث والتعرف على هوية أصحابها.
وأعتقد أن علة تصريح وزارة حقوق الإنسان بعدم القدرة على فتح مقابر أكثر هو السعي لعدم إثارة ضغينة الكثير من العراقيين الذين فقدوا أحباءهم وأبناءهم بعد الغزو الأمريكي، وليس لعدم قدرة الوزارة على فتح تلك المقابر.
والجدير بالذكر أن أكبر مقبرة جماعية تم اكتشافها بعد الغزو الأمريكي، والتي تعتبر أكبر مقبرة جماعية في تاريخ العراق المعاصر، تضم 4020 جثة، معظمها لنساء وشباب ورجال وشيوخ وأطفال من أبناء قضاء المحمودية وما حولها.
وذكر شهود عيان من السكان المحليين أنهم ضحايا اختطاف وذبح الميليشيات الطائفية التابعة للنظام الإيراني من أمثال بدر، وأحد أجنحة حزب الدعوة، وميليشيا جيش المهدي في عامي 2005 و 2006.
وأوضحت مصادر قريبة من التحقيق في المقبرة الجماعية أن آمر اللواء 45 من الفرقة السادسة رفض فتح مقبرة جماعية للجثث في جامع الأمين لتضاف إلى مقبرة سابقة اكتشفت قبل ساعات وضمت 114 جثة من شباب مدينة المحمودية.
يذكر أن الأحداث الطائفية التي شهدها العراق في الفترة من 2006- 2008 شهدت تصفية جماعية لأبناء المكون السني العراقي، وخاصة في المناطق المحيطة بالعاصمة بغداد، في خطة مدروسة لإبادة المكون السياسي، تمهيدًا للتغيير الديمغرافي الذي يشهده العراق، وسيطرة المكون الشيعي من أبناء العراق بالتعاون مع القوى الإيرانية على مقدرات الشعب العراقي، وحرمان وتهجير أبناء السنة من العراق.
إن قضية المقابر الجماعية في العراق في ظرف عراق اليوم مفتوحة ولن تغلق، لأن عمليات الإبادة مستمرة، خاصة في ضوء سياسة الديكتاتور الجديد الذي يحكم العراق بسياسية الحديد والنار.