آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

أحكام بورسعيد.. بداية القصاص العادل

الثلاثاء 17 ربيع الأول 1434 الموافق 29 يناير 2013
أحكام بورسعيد.. بداية القصاص العادل
محاكمة مذبحة بورسعيد

كان التمهيد لأحكام مذبحة بورسعيد بإحالة أوراق واحد وعشرين متهمًا إلى فضيلة مفتي الديار المصرية -تمهيدًا للنطق بإعدامهم- لحظةً تاريخية وفارقة في تاريخ ثورة الخامس والعشرين من يناير. ذلك أن الأغلبية العظمى من قضايا قتل المتظاهرين انتهت إلى براءة المتهمين، لعدم وجود الأدلة الكافية لإدانتهم، رغم ثقة الناس بأنهم هم المتهمون، ومعظمهم ضباط شرطة أطلقوا النار عمدًا على المتظاهرين، مما ولَّد لدى الناس عدم ثقة في الأجواء التي تكونت بعد الثورة، بل وفي المسئولين الذين حكموا البلاد في أعقاب أحداث الثورة.

ومن هنا كان القصاص للشهداء من أهم مطالب الثورة والثوار، ذلك أن دماء ما يقرب من تسعمائة شهيد كانت هي المفجر الحقيقي لثورة الخامس والعشرين من يناير، وبالتالي فإن الوفاء لهؤلاء الشهداء واجب أخلاقي وتاريخي وسياسي وإنساني.

وقد وقف دون تحقيق مطلب القصاص أمران أساسيان:

الأمر الأول: هو عدم وجود إرادة سياسية لدى المجلس العسكري الذي حكم البلاد في أعقاب الثورة.

الأمر الثاني: هو وجود نائب عام (المستشار عبد المجيد محمود) من مخلَّفات النظام البائد، وقد فعل كل ما بوسعه من أجل إفساد جميع التحقيقات؛ حتى لا يصدر حكم بالإدانة في أية قضية قتل للثوار.

لم يكن المجلس العسكري لديه الإرادة السياسية والرغبة والتوجه للقصاص، بل لم يكن يريد ابتداءً أن تكون هناك محاكمات، وقد اضطر تحت وطأة ضغط المظاهرات الشعبية أن يجري هذه المحاكمات، وعلى رأسها محاكمة الرئيس المخلوع مبارك. فقد كان العسكر يعتقدون أن المحاكمات ستزيد الأمور اشتعالاً في البلاد بينما هم كانوا حريصين على أن يسود الأمن والاستقرار. كما كانوا يريدون ألا يحاكم أي ضابط، سواء كان ضابطًا عسكريًّا أم ضابط شرطة، فهم كانوا غير ثوريين وإنما كانوا يجارون الثورة فقط.

أما النائب العام السابق المستشار عبد المجيد محمود فقد كان صنيعة الرئيس السابق، وكان امتدادًا طبيعيًّا لنظامه، ولذلك فقد كان يدين بالولاء له، ويبذل كل ما في وسعه من أجل عدم توريط أذناب هذا النظام أو محاكمتهم، ولذلك فقد تعاون مع المجلس العسكري من أجل أن تئول قضايا قتل المتظاهرين إلى لا شيء، فقد جاءت تحقيقات النيابة وقرارات الإحالة (الاتهام) مهترئة وغير مكتملة ولا تحمل أي دليل للإدانة.

لكن قضية مذبحة بورسعيد كانت مختلفة، فقد كانت منقولة على الهواء أمام العالم بأسره، وكان الشهود موجودين، وكانت الخطوط العامة للجريمة واضحة، صحيح إن هناك يقينًا لدى المصريين أن المحكوم عليهم هم مجرد الأداة التي نفذت، أما العقل المدبر فمازال مطلق السراح، ولعل الحكم التمهيدي من الممكن أن يجعل المتهمين يعترفون على المحرض الرئيسي أو المحرضين الرئيسيين ويفضحونهم أمام الرأي العام المصري.

ولا يمكن أن نتحدث عن مجزرة بور سعيد والأحكام التمهيدية الصادرة فيها بدون أن نتحدث عن ظاهرة "الألتراس" وبصفة خاصة "ألتراس" النادي الأهلي الذين فقدوا زملاءهم في هذه المذبحة البشعة. و"ألتراس أهلاوي" مجموعات كبيرة جدًّا وشديدة التنظيم، وبفعل حركتها ومظاهراتها وضغطها على الشارع وعلى الدولة، أرغمت الدولة على تأجيل الدوري العام حتى يتم القصاص للشهداء، وحاولت الدولة أن تتجاهل تهديداتهم ولكنها في النهاية لم تستطع واستسلمت للضغوط.

وقبل صدور الأحكام التمهيدية بأيام هز "ألتراس أهلاوي" القاهرة هزًّا، وفي عدة مرات نزلوا إلى الشوارع وأوقفوا خط مترو الأنفاق كما أوقفوا المرور أعلى كوبري 6 أكتوبر، وهددوا بمحاصرة المقر العام للإخوان المسلمين وجريدة حزب الحرية والعدالة، رغم أن الإخوان والرئيس مرسي لا يملِكون شيئًا في هذه القضية، فالقضاء مستقل تمامًا، بل إن القضاء في غالبيته وكذلك الإعلام يناصبون الرئيس العداء، ويعملون على إفشاله وتفريغ أي قرار له من محتواه.

وعلى الجانب الآخر، وقفت القوى المعارضة للرئيس مرسي وللإخوان موقف المتربص، وكانوا يتمنون ألا يصدر الحكم الذي يرضي "الألتراس" حتى يشعل هؤلاء الشباب البلاد نارًا وفوضى، لكن ما إن صدر الحكم التمهيدي حتى أصاب المعارضة الأنانية الفاشلة بسهم نافذ، فأخذوا يتحدثون عن أن الأحكام التمهيدية قاسية، وأن المتهمين ضحايا، بينما العقل المدبر مطلق السراح. وهذه أنانية صارخة، فقد ذهل القوم من الحكم لأنه منعهم مددًا إضافيًّا لنشر الفوضى في البلاد، كانوا يعدون أنفسهم

لاستقباله، وليكون هناك عدو جديد وإضافي للرئيس مرسي وللإخوان المسلمين، فيسهِّل من مهمة هذه المعارضة الفاشلة في إسقاط الرئيس، كما يحلمون.

كان أغلب المصريين يتوقعون صدور أحكام ضعيفة في قضية مذبحة بورسعيد، فقضايا قتل المتظاهرين انتهت إلى لا شيء، ولكن عندما صدرت الأحكام التمهيدية، باركها جمهور "الألتراس"، بل وباركها كل الثوريين وكل المصريين الأسوياء، لأن القصاص أمر طبيعي، وهو حياة للنفوس وصيانة للبشرية كما أكد الإسلام، ذلك أن عدم صدور أحكام قاطعة بالقصاص كان معناه أن المحرض والمنفذ سينفذان الجريمة مرة أخرى في أماكن أخرى، أما الآن فقد عوقب كل مجرم وارتدع من في نفسه وساوس شيطانية.

والمصريون الآن يطالبون بضرورة معاقبة المحرضين كما تم عقاب المنفذين، وتتحدث أوساط واسعة عن رموز بالحزب الوطني المنحل، وعن مسئولين سابقين مثل: فتحي سرور، وصفوت الشريف، كما يتحدثون عن أعضاء بارزين في المجلس العسكري الحاكم سابقًا، بل عن دور بارز للدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء السابق، والدكتور فايزة أبو النجا وزيرة التخطيط السابقة ونائب رئيس الوزراء، ومسئولين في النادي المصري البورسعيدي. لكن الإيقاع بأي من هؤلاء يقتضي تعاون جهات قضائية عديدة، كما يقتضي التحقيق الدقيق في تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الدكتور محمد مرسي.

وقد كان لمذبحة بورسعيد امتدادات أخرى، ذلك أن كثيرًا من السياسيين وأعضاء مجلس الشعب السابق قادوا حملة نفاق رخيصة لجماهير المدينة، معتبرين أن المجني عليهم في المذبحة ماتوا نتيجة التدافع والزحام وأن أهل المدينة أبرياء، وبالتالي فإنه مرفوض إدانة أو إصدار أي حكم على مواطن من بورسعيد، وهكذا خانوا الأمانة، فقد كان يتوجب عليهم مصارحة الناس والسير وراء العقلانية والمنطق بدلاً من دغدغة مشاعر الناس والسير وراء ما يحبون ولو كان خطأً.

وهكذا نمت هذه الأفكار بين الناس وانتشرت انتشارًا كبيرًا، وأصبح هناك رفض كامل للاقتراب من المتهمين، وهو ما تأكد قبل جلسة النطق بالحكم بأسبوع حيث تظاهر أهالي المدينة رفضًا لإخراج المتهمين من سجن بور سعيد لحضور جلسة النطق بالحكم في القاهرة، وكان نتيجة هذا الشحن هذه الموجة العارمة من العنف الذي انتشر في المدينة فور النطق بالحكم التمهيدي، ومحاولة اقتحام السجن بالأسلحة الخفيفة والثقيلة لإطلاق سراح المتهمين، نكاية في المحكمة وفي جمهور "ألتراس أهلاوي"، وهو ما نتج عنه وفاة سبعة وثلاثين من أبناء المدينة، وتدخل الجيش للسيطرة على المدينة التي خرج أبناؤها رافضين الحكم وحارقين كل شيء أمامهم من مؤسسات الدولة ومن منشآت المدينة.

لو كانت هناك عقلانية لخاطب العقلاء والمسئولون الناس بخطاب مختلف، مفاده أن ضحايا مذبحة "الاستاد" قد قتلوا في المدينة وليس خارجها، ولم ينزل أحد من السماء لقتلهم، كما لم يأت أحد من خارج المدينة، وإذا كان قد جاء أحد من الخارج؛ فلماذا لم يمسكوا به ويسلموه إلى أجهزة الأمن؟!

لم يتحمل الساسة في المدينة وأعضاء البرلمان السابقين والعلماء مسئوليتهم في تهيئة الناس لقبول الحكم، فالمحكمة ليس بينها وبين المتهمين خصومة، وإنما كانت هناك مداولات وتحقيقات على مدار أحد عشر شهرًا، جعلت المحكمة تطمئن إلى جرم كل متهم وما قام به في المذبحة. ثم إن الحكم تمهيدي ومازال هناك نقض له في محكمة النقض؛ فلماذا كل هذه العصبية التي أدت إلى مقتل ضعف عدد المحكوم عليهم تمهيديًّا؟!

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً