أفغانستان بعد قرضاي

أفغانستان بعد قرضاي
كان لابد أن يكون للاحتلال الأمريكي لأفغانستان الذي بدأ في 7 أكتوبر عام 2001م، ومازال مستمرًا حتى اليوم، تأثيره الواضح والقوي على الحياة السياسية في هذا البلد المسلم الفقير، فقد جاء الاحتلال الأمريكي والغربي لأفغانستان بمجموعة من العملاء، التابعين له، والمنطلقين من نفس منطلقاته، وجعلهم حكامًا، بعد أن تم إسقاط الحكم الوطني لحركة "طالبان". ومن هنا جاء انتخاب الرئيس حامد قرضاي في عام 2004م، ليكون رئيسًا لأفغانستان، بعد نیله 55 % من الأصوات فی الانتخابات البرلمانیة التي جرت في ذلك الوقت، ثم أعيد انتخابه عام 2009م، بعد انتخابات شابتها اتهامات بالتزوير وأعمال عنف. وإذا كان الأفغان يحلمون برئيس وطني، لا يأتمر بأوامر الاحتلال الأمريكي الغربي، فإن ذلك لن يتحقق بشكل كامل، بسبب الوجود العسكري الأمريكي والغربي، والذي ما زال يوجه الحكام الأفغان ويختار لهم السياسات، وكلها ينبثق من واقع الاحتلال ويعبر عنه. ومع اقتراب الموعد المحدد لانتخابات الرئاسية الأفغانية المقررة في أبريل القادم‏,‏ يواجه ذلك البلد المنهك من سنوات الحرب المستمرة منذ ‏12‏ عامًا، مرحلة فاصلة في تاريخه المعاصر‏,‏ فإما أن تمهد الانتخابات لمرحلة جديدة واعدة في مستقبله تنطلق به لآفاق التنمية والتحرر الوطني، خاصة مع بدء انسحاب القوات الأجنبية من أراضيه‏,‏ أو أن تقوده لمصير مجهول يعود به سنوات طويلة للوراء‏.‏ وإذا كانت أماني وأحلام الأفغان كبيرة، فإن الواقع المعاش لا يدعو للتفاؤل، فالمرشحون للانتخابات الرئاسة حتى الآن، لا يوجد بينهم من يثق به الناس ويلتفون حوله، وهو ما يبعث في نفوس الأفغان الخوف من تكرار سيناريو انتخابات 2009م، عندما ظلت كل الجماعات المعارضة في البلاد مختلفة ومنقسمة علي نفسها حتى اللحظة الأخيرة، مما أدي إلي حسم نتيجة الانتخابات الرئاسية في النهاية لصالح الحكومة ومرشحها حامد قرضاي، رغم دفع البعض بأن النتائج تم تزويرها. وإذا كان الرئيس الحالي حامد قرضاي لن يتمكن من ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة, بعد أن أكمل فترتين رئاسيتين، فلم يظهر في الساحة الأفغانية حتى الآن شخصية سياسية لها وزنها، وتستطيع أن تحشد الأفغان حولها، وتستطيع أن تقنعهم بمشروع تحرر وتنمية وطني، يحقق طموحاتهم ويلبي أمانيهم. فالمرشحون للمنصب الرئاسي حتى الآن لا يخرجون عن كونهم أمراء حرب أو زعماء ميليشيات، في ظل غياب واضح للوجوه الجديدة الشابة والتكنوقراط، وهذا من شأنه أن يوقع المرشح الفائز في دائرة جهنمية من الروابط والمصالح التي يسعى الرئيس الحالي حامد قرضاي لفرضها، كي يبقى هو المحرك الأول للأحداث وصانع السياسات حتى ولو لم يكن داخل القصر الرئاسي. فالمرشح عبد الله عبد الله، الذي خاض أمام قرضاي معركة 2009 م الانتخابية, حاز احترام الجميع وتقديرهم بمن فيهم زعماء القبائل والميليشيات المسلحة لدي ظهوره مؤخرا في مؤتمرات أحد التحالفات الانتخابية، مما عزز من فرصه كمرشح رئاسي, وكان عبد الله قد حل ثانيًا في الجولة الأولى من انتخابات 2009م، بنسبة أصوات تجاوزت 30 في المائة، ثم انسحب في الجولة الثانية احتجاجًا على عمليات تزوير كثيفة، ما أدى إلى إعادة انتخاب قرضاي. ويتعين على طبيب العيون المولود في 1960م من والدة طاجيكية ووالد بشتوني، نيل أصوات من خارج عشيرته أو منطقته، وقد كان عبد الله عبد الله متحدثًا باسم أحمد شاه مسعود، المقاوم الشهير للاتحاد السوفيتي والمعارض لحركة "طالبان"، والذي اغتيل في 9 أيلول/ سبتمبر 2001م، وقد تم تعيين عبد الله عبد الله وزيرًا للخارجية في الحكومة الأولى لقرضاي. ورغم هذه المميزات التي يتمتع بها عبد الله عبد الله، إلا إن الأفغان في أغلب الظن لا يريدون تكرار تجربتهم مرة أخري، ويبحثون عن وجوه جديدة تتلاءم مع الوضع الجديد لهذا السباق الانتخابي. أما المرشح أشرف غني، فيعرف بشخصيته الحادة وسرعة غضبه، وقد درس في جامعة كولومبيا وجامعة جون هوبكنز في الولايات المتحدة، قبل أن ينضم إلى البنك الدولي، وشغل بعد ذلك منصب وزير المالية في أفغانستان من 2002 إلى 2004م. وهو من الباشتون، أكبر جماعة عرقية في أفغانستان، إلا إنه ليس وجيها قبليًا وقاعدته الانتخابية ضيقة. وقد ترشح غني للانتخابات الرئاسية السابقة في 2009م، وحل في المرتبة الرابعة في الجولة الأولى، متأخرًا جدًا عن الفائز الرئيس حامد قرضاي، الذي أعيد انتخابه حينها. ثم يأتي بعد ذلك المرشح باسم الله شير، رئيس حزب "وفاق ملي" أي الاتحاد الوطني، وهو لا يبدو قادرًا على حشد ما يكفي من القوى ليتطلع إلى دور كبير في الاقتراع. لكننا نتوقف عند المرشح أحمد زيا مسعود, شقيق الزعيم الأفغاني الراحل أحمد شاه مسعود، المناهض لحركة "طالبان", ورغم إن قطاعًا غير قليل من الأفغان يعتبره بارقة الأمل الوحيدة، لرئاسته أكبر تحالف انتخابي في أفغانستان، ورغم دعوته لبناء توافق سياسي بين كل أطياف المجتمع، للبعد عن القبلية والتعصب, وبناء حكومة لامركزية، تخدم المواطنين جميعا دون تمييز، إلا إنه فشل في تأليف قلوب الأفغان حوله، ورفض الكثير من التكنوقراط تلبية دعوته والانضمام إلي تحالفه، بسبب أن كل مؤتمرات تحالفه تضم علي منصتها ضمن من تضم، الجنرال عبد الرشيد دوستم، أحد الجنرالات السابقين للجماعات المسلحة في شمالي أفغانستان، التي يعتبرها الأفغان المتهم الأول في الوضع المأساوي الذي آلت إليه البلاد. وبالرغم من هذا الواقع السلبي، إلا إن هناك تقارير تؤكد أن الأمور التنظيمية للانتخابات الرئاسية القادمة، تحرز تقدمًا لافتًا، حيث تم تسجيل نحو350 ألف ناخب جديد في مراكز الاقتراع المختلفة في البلاد, كما تم اختيار مفوضية جديدة للانتخابات، ويجري حاليًا إعلام الناخبين بكل التطورات والمعلومات التي يرغبون في معرفتها عن المرشحين المحتملين عبر الرسائل النصية علي هواتفهم المحمولة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لكن على الجانب الآخر فإن هناك عاملاً شديد الأهمية في المشهد وهو تربص حركة "طالبان" لإفشال أي مشهد انتخابي تخوضه البلاد، وقد توعدت الحركة بتكثيف هجماتها قبل الانسحاب المقرر لقوات الحلف الأطلسي بنهاية العام المقبل، كما وصف زعيمها الملا عمر تلك الانتخابات بأنها "مضيعة للوقت"، وكانت الحركة في الانتخابات السابقة قد دعت الأفغان إلى مقاطعة التصويت وأرسلت مقاتليها لإغلاق الطرق المؤدية إلى مراكز الاقتراع واستهدفت مرشحين وناشطين. وفيما يتعلق بالوجود الأمريكي، فإن الولايات المتحدة تأمل في التوصل إلى اتفاق حول الوجود العسكري الأمريكي المقبل في أفغانستان بحلول نهاية تشرين الأول/ أكتوبر، رغم رفض الرئيس حامد قرضاي استعجال في ذلك. فالولايات المتحدة تعتزم سحب غالبية جنودها البالغ عددهم 57 إلفًا في أفغانستان بنهاية 2014م، وتخطط مبدئيًا للاحتفاظ بقوة أصغر حجما تضم نحو 10 آلاف جندي، غير إنه من الضروري وضع اتفاقية أمنية جديدة تسمح بانتشار الجنود ما بعد 2014م، تنطوي على بنود تتضمن السماح للقوات الأمريكية بدخول مختلف القواعد العسكرية. لكن قرضاي يصر على عدم استعجال أفغانستان في المفاوضات، وألمح إلى احتمال عدم إنجاز أية اتفاقية قبل الانتخابات الرئاسية في نيسان/ أبريل 2014م، وقال في آب/ أغسطس الماضي: "لسنا في عجلة، إذا حصلت الاتفاقية في عهد حكومتي فحسنا، وإن لم تحصل يمكن للرئيس الجديد مناقشتها والموافقة عليها أو رفضها". ولا يمر أسبوع حتى تعلن الإدارة الأمريكية رغبتها في التفاوض المباشر مع "طالبان"، ليقينها أن مفتاح الاستقرار الحقيقي في أفغانستان هو "طالبان"، فقد أعلن الموفد الأمريكي الخاص إلى أفغانستان وباكستان جيمس دوبنز، أن الولايات المتحدة لا تزال تأمل في التفاوض مباشرة مع "طالبان" بهدف تحقيق مصالحة في أفغانستان، وأعلن أسفه لكون "طالبان" ترفض حتى الآن التحاور مع الولايات المتحدة ومع الأفغان ومع أي جهة كانت، مؤكدًا أن واشنطن لن تفقد الأمل. وترفض حركة "طالبان" التفاوض مباشرة مع الرئيس الأفغاني، حامد قرضاي، بذريعة أنه دمية في يد الأمريكيين، وكانت الحركة قد افتتحت لوقت قصير مكتبًا في الدوحة بهدف بحث إرساء الاستقرار في أفغانستان، لكن هذا الأمر أثار استياء قرضاي الذي ضغط على الولايات المتحدة حتى اضطرت لغلقه.
اليمن الى اين؟

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم


تبقى لديك حرف

   

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...