سطر واحد في خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بجامعة القاهرة كان كافيا ليعيد الجدل داخل إسبانيا حول تاريخ الوجود العربي والإسلامي بها، وحول الخلافة الإسلامية في الأندلس، وما تعرض له المسلمون بعد سقوط غرناطة من تنكيل وتقتيل وإكراه على تغيير الدين الإسلامي واعتناق المسيحية قسرا، وما حصل من جرائم في محاكم التفتيش. ما كاد أوباما ينتهي من إلقاء خطابه، الذي اختيرت كلماته بدقة متناهية لا تحتمل أي انزلاق ديبلوماسي، حتى بدأت التعليقات في الأوساط الفكرية والإعلامية والسياسية في إسبانيا.
الإشارات التي حركت الإسبان في خطاب الرئيس الأمريكي وردت في الفقرة التالية التي قال فيها أوباما"إن التسامح تقليد عريق يفخر به الإسلام، نشاهد هذا التسامح في تاريخ الأندلس وقرطبة خلال فترة محاكم التفتيش. لقد شاهدت بنفسي هذا التسامح عندما كنت طفلا في أندونيسيا، إذ كان المسيحيون في ذلك البلد الذي يشكل فيه المسلمون الغالبية، يمارسون طقوسهم الدينية بحرية. إن روح التسامح التي شاهدتها هناك هي ما نحتاجه اليوم، إذ يجب أن تتمتع الشعوب في جميع البلدان بحرية اختيار العقيدة وأسلوب الحياة القائم على ما تمليه عليهم عقولهم وقلوبهم وأرواحهم بغض النظر عن العقيدة التي يختارونها لأنفسهم".
اختلفت المواقف بين مؤيد وغاضب من توظيف أوباما لتاريخ الوجود العربي والإسلامي في الأندلس عامة وفي مدينة قرطبة بشكل خاص، إذ وجد الجميع نفسه معنيا بتلك الإشارات بشكل أو بآخر. فقد اعتبر البعض أن أوباما أساء إلى تاريخ قرطبة الإسبانية، نافين أن يكون قد حصل فيها بالفعل أي ملاحقة لأتباع الأديان المختلفة من قبل المسيحيين، وأكدوا أن الإسلام واليهودية تم التعامل معهما بشكل متساو وفي احترام تام، في اعتبر البعض الآخر أنه كان على أوباما أن يتحدث عن تاريخ بلاده، وعن أعمال الاستئصال التي طالت الأقليات التي كانت تعيش بها قبل مجيئ الغزاة الأوروبيين، دون أن يقفز على تاريخ بلاده ويقدم إسبانيا كنموذج لعدم التسامح الذي حصل في التاريخ مع المسلمين. أما الفريق الثالث فقد رأى في إشارات أوباما عين الحقيقة، وأكد بأن تاريخ إسبانيا شهد بالفعل ملاحقات لأسباب دينية تعرض لها المسلمون واليهود.
الانقسام الذي سببه خطاب أوباما في الصف الإسباني يعكس حقيقة الاختلاف الحاصل بين الإسبان حول النظر إلى تاريخهم الماضي، والحقبة التي عاش فيها المسلمون هناك وأنشأوا نموذجا حيا لتعايش الثقافات والأديان المختلفة بين سقف واحد. فطيلة السنوات القليلة الماضية فتح نقاش طويل في الجامعات ودوائر البحث والصحف والمجلات حول تلك الحقبة، وظهر شعور بالدين التاريخي للعرب والمسلمين على الإسبان في العصر الحالي، وهو ما أعطى العديد من الكتب والأبحاث التي تدور حول تواجد الموريسكيين في إسبانيا، بعد مرحلة سقوط غرناطة، وما تعرضت له هذه الأقلية المسلمة التي مارست دينها في الخفاء، والجريمة التي قام بها المسيحيون، متمثلة في إرغام هؤلاء المسلمين على إخفاء هوياتهم وثقافتهم والعيش تحت التهديد الدائم، وآخر تلك الكتب الهامة هو الكتاب الذي ألفته المؤرخة الإسبانية لوسي لوبيز بارالت تحت عنوان"الأدب السري لآخر المسلمين في إسبانيا"، الذي صدر قبل أيام قليلة بمدريد في 704 صفحات، والذي تكشف المؤلف لأول مرة كيف أن المسلمين الذين بقوا في إسبانيا اضطروا للعيش في الخفاء، بسبب الخوف والتضييق، وكيف اختلقوا لغة جديدة هي خليط من العربية والقشتالية للتحايل على المسيحيين، بحيث كانوا يكتبون العربية بالأحرف اللاتينية، وكان العديد من الكتاب والادباء المسلمين يكتبون بأسماء إسبانية ويخفون أسماءهم العربية الحقيقية لتجنب الملاحقة.
ويظهر أن الإسبان لم يبتعلون أن يكون أوباما سباقا إلى إعطاء المثل على التعايش بين المسيحية والإسلام بهم هم دون غيرهم، في وقت يريدون فيه أن يلعبون م هذا الدور التصالحي مستثمرين تاريخ التواجد الإسلامي فوق أرضهم طيلة سبعة قرون. فقبل سنوات طرح رئيس الوزراء الحالي، خوصي لويس رودريغيث زباثيرو، مبادرته حول حوار الثقافات، لكن الكثيرين في إسبانيا يقولون إن الحكومة الإسبانية لم تحسن توظيف تاريخها نفسه لإنجاح التقريب بين العالمين الغربي والإسلامي الذي راهنت عليه، وتعاملت معه كبلد جزء من الاتحاد الأوروبي فقط، لذلك لم يستسيغوا أن يكون أوباما هو من يفعل ذلك وليس زباطير.
الإحراج الذي أصيب به الإسبان دفع عمدة قرطبة، أندريس أوكانيا، إلى توجيه رسالة إلى أوباما بعد يومي من إلقائه خطابه في جامعة القاهرة، يدعوه فيها إلى زيارة المدينة لكي يرى عن كثب معالم التعيش بين المسيحية والإسلام في مدينة واحدة بإسبانيا. وحسب الرسالة، التي نشرت فقرات منها وكالة"إيفي" الإسبانية الرسمية، وصف العمدة مدينة قرطبة بـ"مدينة التسامح"، ودعا الرئيس الأمريكي إلى زيارتها لكي يتعرف على الطريقة التي"تعايشت بها مختلف الأديان والثقافات والأفكار"، وقال إن المسلمين والمسيحيين واليهود تعايشوا فيها بسلام"واعطت للبشرية مفكرين وفلاسفة كانوا نماذج في ثقافة التسامح والاحترام".
رسالة عمدة قرطبة سرعان ما تلقفها وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس بشكل رسمي، وتكلف بإيصالها إلى البيت الأبيض، وأعلن أن إسبانيا تنتظر زيارة أوباما لبلاده خلال شهر يناير 2010.