لاشك أن عقد قمة الجوع بعد طول غياب في العاصمة الايطالية روما، ولمدة ثلاثة أيام، يمثل اتجاهًا فارقًا في العلاقة بين الدول الفقيرة والدول الغنية، وتأريخًا جديدًا للعلاقة بين هذه الدول بعضها البعض، ويمثل أيضًا حضور 60 زعيمًا من جميع أنحاء المعمورة، دلالة على الاهتمام بالجوع والجائعين حول العالم، والذي تجاوز تعدادهم المليار نسمة بحلول العام 2009، وبزيادة تقدر بحوالي 100 مليون نسمة عن العام الماضي.
تعاطفًا مع الجوعى
ومنذ البداية بدا واضحًا أن هناك تعاطفًا بالغًا مع الجوعى في جميع أنحاء العالم، حيث انضم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وعمدة روما جياني اليمانو إلى المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) جاك ضيوف، في صومه عن الطعام لأربع وعشرين ساعة، عشية قمة الجوع المنعقدة في روما. ودعا جاك ضيوف المجتمع الدولي إلى مشاركته الامتناع عن الطعام ليوم كامل تضامنًا مع مليار إنسان في العالم يعانون من المجاعة وسوء التغذية المزمن، برغم أن العالم يمتلك الوسائل التقنية والموارد من أجل استئصال الجوع من العالم، لكن الأمر يتعلق بالإرادة السياسية، التي رأى أن الرأي العام يجب أن يؤثر عليها. ويسعى المشاركون في القمة على مدى ثلاثة أيام لدفع خطط مكافحة الجوع وسوء التغذية، الغريب في الأمر أن منظمة “الفاو” تؤكد أن الأزمة الاقتصادية العالمية قد زادت من تفاقم الوضع بتأثيرها على العمالة وتعميق حدة الفقر، مشيرة إلى أن هناك أكثر من مليار شخص في العالم يعانون من الجوع، بزيادة تقدر بنحو 100 مليون عن عام 2008.
في نفس السياق وجهت 48 منظمة حقوقية مصرية وعربية رسالة إلى قادة العالم المجتمعين بالعاصمة الإيطالية روما خلال قمة الجوع، طالبت فيها بإدراج انتهاك “الحق في الغذاء” ضمن الجرائم ضد الإنسانية، وقالت المنظمات، في بيان لها: إن “مشاهدة طفل إفريقي يموت جوعًا على شاشات الفضائيات هو بمثابة مشاهدة جريمة قتل بدم بارد سبقها تعذيب بطيء”. وتابع البيان: “مشاهدة طفل يموت جوعًا لا تختلف عن مشاهدة الجرائم “الإرهابية” والقتل الجماعي، فالفرق بينهما أنه في الأولى القاتل غير ظاهر ومجهول بالنسبة للضحايا وفي الثانية القاتل واضح ومعلوم ويعلن عن مسؤوليته عن جريمته”.
تحذير لمصر
وليس بعيدًا عن هذا الموضوع طالبت منظمة العفو الدولية في تقرير جديد السلطات المصرية باتخاذ خطوات فورية لحماية سكان القاهرة الأكثر فقرًا، والذين قالت إنهم يعيشون في مناطق غير آمنة ويتهددهم خطر سقوط كتل صخرية ومخاطر أخرى.
ووجه تقرير المنظمة الصادر بعنوان (دُفنوا أحياءً: سكان المناطق العشوائية في القاهرة بين فكي الفقر والإهمال) تأنيبًا شديدًا للسلطات المصرية على ما اعتبره تقاعسها عن اتخاذ خطوات فعالة لحماية سكان منطقة الدويقة، وهي منطقة عشوائية في حي منشأة ناصر بالقاهرة، من انهيار صخري مميت في 6 سبتمبر 2008.
ودعا التقرير السلطات المصرية إلى تخفيف حدة المخاطر التي تهدد الأرواح في المناطق غير الآمنة في القاهرة الكبرى وعددها 26 منطقة، وحماية حقوق السكان في الصحة والمسكن الملائم، مشيرة إلى أن الحكومة المصرية لم تقم بإجلاء السكان الفقراء من منطقة الدويقة قبل وقوع كارثة عام 2008، بالرغم من أن خطر الانهيار الصخري كان أمرًا معروفًا.
مالكوم سمارت مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية قال: "إن آلاف الفقراء في مصر يقعون فريسةً بين فكي الفقر والإهمال، مما قد يؤدي في نهاية الأمر إلى موتهم. ويتعين على الحكومة المصرية أن تسارع إلى معالجة المخاطر التي يواجهها من يعيشون في مناطق تُوصف بأنها غير آمنة، وأن تعمل على إيجاد حلول بالتشاور مع المتضررين بشكل مباشر". ويتابع سمارت كلامه :
"لا يزال كثير من سكان الدويقة وغيرها من المناطق غير الآمنة، يعيشون في خوف على منحدرات خطرة أو تحت خطوط كهرباء ذات توتر عال لأنهم لم يجدوا أي مكان آخر يلوذون به، بعدما حُرموا من أن يكون لهم صوت فعال، وقُوبلوا بالتجاهل إلى حد كبير من أولئك الذين بيدهم مقاليد السلطة"، وأن سكان المناطق العشوائية يعيشون حياة تتسم بالحرمان والإهمال وافتقاد الأمان واستمرار خطر الإخلاء القسري، مبينًا أنه ينبغي على الدولة أن تضمن حق هؤلاء السكان في المسكن الملائم، وأن تضع حدًا لعمليات الإخلاء القسري.
على أية حال لا يظن أقرب المتفائلين على أن قمة الغذاء الملقبة بقمة الجوع والتي عقدت في روما وانتهت مؤخرًا ستسفر عن إجراءات فورية وآنية تحسن من حال الفقراء والجوعى حول العالم برغم حضور 60 زعيمًا من جميع أنحاء المعمورة، وأيضًا برغم بدايتها المأسوية بإضراب قادة كبار بالإضراب عن الطعام، وبخاصة بعد تزايد أعداد الجوعى في أنحاء العالم من 900 مليون إلى مليار نسمة في العام الأخير، والمفاجأة الكبرى أن معظمهم من المسلمين.