آخر تحديث الساعة 18:24 (بتوقيت مكة المكرمة)

صناعة الفرعون الإله

الاثنين 12 جمادى الأولى 1431 الموافق 26 إبريل 2010
صناعة الفرعون الإله

أكلما التقى الرئيس نظيرا له اعتبر ذلك «قمة»، حتى إذا كان اللقاء على سبيل المجاملة والتعبير عن مشاعر المودة والتقدير؟ وهل لابد أن تكون كل تحركات الرئيس واتصالاته مشاورات سياسية وليس فيها مكان لما هو إنسانى؟ وهل يعقل أن تكون كل محادثات الرئيس محصورة فى الانكباب على صناعة التاريخ، وليس فيها شىء يخرج من العام إلى الخاص ومن الفضاء الكونى إلى أمور الصحة واستعادة العافية؟

هذه الاسئلة وأمثالها من وحى ما تنشره الصحف القومية المصرية من عناوين عريضة وتعليقات مستفيضة تخص لقاءات الرئيس مبارك فى شرم الشيخ التى يقضى فيها فترة النقاهة بعد العملية الجراحية الدقيقة التى أجريت له. وقد توافد عليه بعض القادة العرب لتهنئته بسلامة العودة ونجاح العملية.

وهو تقليد مقدر يعبر عن طيب المشاعر ونسيج الروابط الإنسانية بين الزعماء العرب. لكن صحفنا القومية تصر على أن الأمر ليس كذلك، وأن اللقاءات لم تكن سوى مباحثات حول مصير القضية الفلسطينية والعالم العربى وغير ذلك من الملفات الساخنة التى تهم الإقليم.

ورغم أن الصور المنشورة لا تعطى انطباعا بأنها لمحادثات من أى نوع، فلا جلسات عمل عقدت ولا وفود للمختصين شاركت ولا بيانات رسمية صدرت، فإن صحفنا ظلت مصرة عن أن «تنفخ» فى أخبار اللقاءات، حتى نسجت من حولها حكايات من الخيال ودبّجت المقالات والتحليلات، التى سعت إلى تحويل اللقاء الإنسانى إلى حدث سياسى.

قبل حين، عندما سافر الرئيس مبارك إلى ألمانيا والتقى هناك المستشارة السيدة ميركل، نشرت صحفنا خبر اللقاء وصوره. وخرجت علينا صحيفتنا «الكبرى» بمقالة على صفحتها الأولى، تحدث فيها كاتبها الهمام عن اللقاء المهم بين ميركل كقمة أوروبية والرئيس مبارك كقمة عربية.

وأفاض فى تحليل واستعراض خلفية الروابط بين البلدين والمصالح المتبادلة بينهما. لكننا اكتشفنا فى اليوم التالى أن الرئيس توجه إلى ألمانيا لا لبحث علاقات البلدين، ولا لعقد القمة، ولكن لكى يدخل إلى المستشفى المتخصص الذى أجرى له الجراحة الدقيقة.

وكل الذى حدث أنه قام بزيارة مجاملة للمستشارة الألمانية قبل دخول المستشفى. وبعد أن سربت إحدى الصحف الألمانية خبر الجراحة، لم يكن هناك مفر من إصدار بيان رسمى مصرى متضمنا الخبر ومعلنا الحقيقة. وهو ما اعتبرناه فى حينها «شفافية» محمودة.

إذا تجاوزنا عن الحرج الذى وقعت فيه الصحيفة الكبرى جراء ذلك، فالشاهد أن ذلك التصرف كان جريا على التقليد الذى يصر على النفخ فى تحركات الرئيس، بحيث تصبح كلها أحداثا سياسية مهمة، لا مكان فيها للنوازل الإنسانية العادية.

وفيما سمعت من أحد المطلعين فإن دبلوماسيى بعض الدول الغربية التى اعتاد الرئيس على زيارتها فى غير المهام الرسمية (فرنسا مثلا التى زارها الرئيس أكثر من خمسين مرة) يتناقلون هذه الملاحظة فيما بينهم.

إذ عبروا عن عدم ارتياحهم إزاء إصرار السفارة المصرية على إاضفاء الصفة الرسمية على زياراته من خلال ترتيب لقاءات مع كبار المسئولين فى إطارها، لكى تبدو كأنها رحلات عمل. فى حين أن المهمة الحقيقية لم تكن تستدعى ذلك.

لا يقلل من شأن الرئيس ولا يغيره بأى حال أن تنشر الصحف أن القادة العرب جاءوا لزيارته وتهنئته بعد أن منّ الله عليه بالشفاء. ليس فقط لأن تلك هى الحقيقة التى تمليها الأمانة المهنية، وليس فقط لأن ذلك مما تقتضيه الرصانة والاحتشام، ولكن أيضا حتى لا يحمل المشهد بأكثر مما يحتمل.. ورغم أننى لا أشك فى أن أمثال تلك اللقاءات لم تخل من تطرق إلى بعض القضايا العامة، فإن السياق ومختلف الشواهد تدل على أن ذلك لم يكن موضوع الزيارة ولا الهدف الأساسى منها.

إن بعض الكتاب وعناصر الحاشية لا يريدون أن يقدم الرئيس بحسبانه بشرا يمشى على الأرض كغيره من الناس، ويصرون على استخدام لغة الكهنة فى العصور السحيقة فى إشارتهم إلى «الفرعون الإله». وتلك لغة موحية بأن الرئيس فى حقيقة الأمر ليس اختيار الناس، ولكنه قدر مكتوب تكفلت به العناية الإلهية التى بعثت به مخلصا وصانعا للتاريخ.

وهؤلاء لا يخدعون الناس فحسب، وإنما يخدعون أنفسهم أيضا، لأن التاريخ لا تصنعه مقالات الصحف وأغانى التليفزيون، وإنما تشهد به وتدل عليه الحقائق الماثلة على أرض الواقع.


*جريدة الشروق المصرية

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - Mwaten 05:04:00 2010/04/26 مساءً

    رائع كعادتك، وبالطبع أنت لست في حاج لتقريظ مني، لكني استحييتُ أن أمر من هنا دون توقيع. سلمتَ

  2. 2 - مطر 09:29:00 2010/04/26 مساءً

    وأكثر من رائع. سيّد الكتّاب ..

  3. 3 - عيسى 10:00:00 2010/04/26 مساءً

    مقال صريح ويلامس حقيقة العالم العربي [ والله إننا مللنا من تصوير الحاكم كإله مخلص وليس كبشر ] الله يعطيك الصحة والعافية وينور قلبك كما أنرتنا بمقالك .

  4. 4 - لا معبود بحق الا الله و كفى 11:43:00 2010/04/27 مساءً

    الفرعون الإله ..الفرعون الإله ..الفرعون الإله ..الفرعون الإله ..الفرعون الإله ..الفرعون الإله ..الفرعون الإله ..الفرعون الإله ..الفرعون الإله ..الفرعون الإله (ليس في مصر وحدها، بل لكل مصر الاه أو آلهة.."وهؤلاء لا يخدعون الناس فحسب، وإنما يخدعون أنفسهم أيضا، لأن التاريخ لا تصنعه مقالات الصحف وأغانى التليفزيون" (يعني هامان و سحرة القرن الواحد و العشرون، طبعا من لم يؤمن منهم بوحدانية الله و أحقيته في حكم شؤون عباده)..

  5. 5 - مصر القديمة وتعدد الآلهة 02:52:00 2010/04/28 صباحاً

    لقد عاد مبارك ونجله بمصر إلى عصور مصر القديمة عندما كان المصريون يعبدون 32 إله وأحيانا 42 إله أو أكثر -والأرقام بحسب ما أتذكره من دراستي لتاريخ مصر القديمة في مدارس مصر التعليمية- فليس فرعون وحده إله في مصر بل فرعون هو كبير الآلهه ففي مصر الآن تسب الذات الإلهية علناً في المساجد وباليكروفونات في الحملة على شائعات خروج المهدي المنتظر من الصعيد ويسجل بعض الناس هؤلاء الأئمة صوت وصورة ولكن لا يجرؤ أحداً على سب مبارك علانية وإن حدث هذا فسيتعرض للإعتقال فقوات الأمن تسمح بسب الذات الإلهية داخل المساجد وتعتقل من يهاجم فقط أو يعارض مبارك.... وصار الناس يخشون فرعون وآلهته كخشية الله بل أكبر من خشية الله ذاته وأصبح رئيس مباحث أمن الدولة إلة ورئيس المجالس المحلية بالمحافظة إله والمحافظ إله والوزير إله ورئيس الوزراء إله ونجل الرئيس إله إلى أن تصل إلى كبير ءالهة مصر....................

  6. 6 - كلمة إلى فرعون مصر 02:56:00 2010/04/28 صباحاً

    إن لم تستح فافعل ما شئت، وكما تدين تدان.

  7. 7 - أبو زياد 01:14:00 2010/04/29 صباحاً

    وهل هناك من يستطيع ان يكون بديل عن السيد الرئيس في الثمانين ملون انا كان هناك فليتقدم وليرنا نفسه والقصه معروفه لنا الله

  8. 8 - مصرى 01:12:00 2010/04/30 صباحاً

    لا نظلم فرعون فى عهد الفراعنة كانت هناك نهضة وريادة لمصر ومشكلته انه علا واستكبر ولكن فى العهد المبارك استكبار مع خزى شكرا لكاتبنا صاحب المبادىء والاخلاق

  9. 9 - مختار الجزائر 04:40:00 2010/04/30 مساءً

    هناك قصة جميلة يرويها أحد المصريين عن أصل الحظارة المصرية وبناء الأهرامات من المفيد جدا الاطلاع عليها..ومفادها أن الفراعنه قد زيفوا التاريخ وادعوا بناء الأهرامات و الحظارة المصرية القديمة..ولما ترى ما يجري اليوم من تزييف التاريخ الحاضر من جعل اليهود أصدقاء للشعب المصري و العربي و من الغزاويين أعداء الأمة المصرية الواجب دفاعهم بكل الوسائل (وحتى بفتواوى من الأزهر)، كل هذا في عهد الأسرة 33 أو 34 للفرعون مبارك، تدرك حقا أن التاريخ لم يكتب يوما الا مزيفا.. موقع محمد سمير عطا و قوم عاد البمنة الحقيقيون للأهرامات.

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً