من يريد أن يعرف ما إذا كان تولي أوباما قد مثل إنجازا للأقليات، عليه أن يتابع ما يجري هذه الأيام مع كبرى منظمات السود؛ الاتحاد العام للنهوض بالشعوب الملونة. فهي ما إن دعت حركة «حفل الشاي» لإدانة العنصرية بين ظهرانيها، حتى قامت الدنيا ولم تقعد في أميركا.
وتعرضت المنظمة لاتهامات كثيرة، ليس أقلها أنها تتوهم العنصرية في زمن وصل فيه أسود لأعلى منصب سياسي في البلاد. والقصة برمتها ذات دلالات بالغة الأهمية، فهي تكشف عن واقع المسألة العرقية في أميركا، بعيدا عن البروباغندا الإعلامية.
فالاتحاد العام للنهوض بالشعوب الملونة، من أهم وأعرق المنظمات السوداء وأكثرها احتراما، وهي صاحبة باع طويل في الدفاع عن الحقوق المدنية للسود منذ نشأتها عام 1909. ومن الجدير بالذكر أن المنظمة كانت قد تعرضت لحملة مشابهة فور تولي أوباما، حيث شكك الكثيرون في ضرورة استمرارها أصلا، باعتبار أن توليه هو قمة ما يمكن أن تطمح له.
والمشكلة في ذلك النوع من الطرح، هو أنه يختزل قضية بالغة التعقيد في مجرد الفوز بمنصب سياسي، حتى لو كان الأعلى في البلاد. فمن يعرف الواقع المعقد في أميركا، يدرك تماما أن انتخاب أوباما لم يكن في الحقيقة يعني أن المسألة العرقية قد انتهي أمرها، ولا أن أميركا مقبلة على ما سمي مرحلة «ما بعد العرقية» كما كان يحلو للكثيرين قوله. فالفوارق بين البيض والسود في أميركا، لا تزال موجودة وستظل كذلك، حتى بعد خروج أوباما من البيت الأبيض.
لكن المفارقة الأهم، هي أن تولي أوباما لم يؤد لانحسار العنصرية في أميركا. فمن يتابع ما يجري خلال العامين الماضيين، يستطيع أن يلمح بوضوح ازديادا لا انحسارا في الخطاب العنصري. وتقول إحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالي، أن عدد الميليشيات المسلحة قد ازداد مؤخرا بنسبة 40%.
والميليشيات هي منظمات متطرفة، تحمل السلاح وتتخذ موقفا معاديا لدور الحكومة الفيدرالية مقابل الحكومات المحلية. وهي في أغلبها تعتنق أفكارا عنصرية، كثيرا ما تختلط بنظرية المؤامرة المرتبطة عندهم بدور الحكومة الفيدرالية. والحكومة الفيدرالية هي أيضا التي ناصرت الأقليات تاريخيا، ضد القوانين الجائرة للولايات.
لكن التطرف العنصري في أميركا لا يقتصر على هامش الساحة السياسية ـ أي تلك الميليشيات ـ وإنما صار يفصح عن نفسه بأشكال كثيرة منذ تولي أوباما. وقد تجسد ذلك بوضوح في كثير من المظاهرات والفاعليات التي تنظمها حركة حفل الشاي منذ نشأتها.
وحركة حفل الشاي حركة سياسية يمينية، بدأت أولى إرهاصاتها في فبراير من العام الماضي، أي بعد أقل من شهر واحد على تولي أوباما الرئاسة. وقد ظهرت في فاعليات الحركة لافتات وهتافات بالغة العنصرية، استهدفت الرئيس شخصيا والقيادات السوداء في الكونغرس.
بل وصل الأمر ذات مرة إلى التعرض للنواب السود، والصراخ في وجوههم بألفاظ عنصرية اضطر معها الأمن الخاص في الكونغرس لاصطحاب أولئك النواب في الدخول والخروج.
وقد علق عليه جون لويس النائب الأسود صاحب النضال الطويل في حركة الحقوق المدنية، بقوله إن ما يسمعه اليوم لم يسمعه منذ 1960 في أوج الفترة العنصرية. وكل تلك وقائع معروفة، بل نشرتها مثلا صحيفة الواشنطن بوست وقتها بالتفصيل.
لكن حركة الشاي، مثلها مثل كل الحركات القاعدية، ليست كتلة واحدة. فهي مكونة من مئات الجماعات والمنظمات المحلية المستقلة، التي تختلف في توجهاتها وميولها.
فمنها جماعات يمينية معروفة وموجودة على الساحة منذ عقود، ومنها جماعات أخرى بالغة التطرف، وبعضها له طابع عنصري لا تخطئه العين. لذلك، صحيح أن الحركة ليست كلها عنصرية، إلا أن وجود نعرات عنصرية بين ظهرانيها يفرض واجبا على قياداتها ورموزها، لمواجهة مثل ذلك التطرف.
وهذا بالضبط هو ما دعت له المنظمة السوداء العريقة. فما قالته كان محددا، فهي لم تتهم الكل وإنما دعت رموز الحركة وأعضاءها لإدانة «العناصر والتصرفات العنصرية».
لكن رد فعل الحركة، بل واليمين الأميركي عموما، جاء بالغ الدلالة على أن الولايات المتحدة لم تتخط بعد المسألة العرقية، بل شهدت تراجعا منذ تولي أوباما. فقد كان الإنكار المطلق لوجود أية عنصرية، هو العنوان الرئيسي لمعظم التصريحات.
وبدلا من علاج المشكلة، فقد عكفت رموز يمينية مهمة على إهالة التراب على المنظمة السوداء وندائها. ولعل تصريحات سارة بيلين، التي صارت رمزا لحركة حفل الشاي، تمثل تجسيدا صارخا لخطورة الموقف اليوم.
فهي بدلا من أن تتخذ موقفا مسؤولا، اتهمت الاتحاد العام للنهوض بالشعوب الملونة، بالسعي «للتربح من التراشق العرقي»، وبممارسة «التخويف» لأعضاء حركة حفل الشاي باسم العنصرية.
وبعد أن أنكرت بالمطلق وجود أية ملامح عنصرية في فعاليات الحركة ـ رغم أن هناك وقائع محددة نقلها الإعلام الأميركي كله بالصوت والصورة طوال العامين الماضيين ـ استنكرت أن تتهم المنظمة السوداء «الوطنيين في أميركا بالعنصرية»! وسارة بيلين في الحقيقة تذكرني ببوش الابن وإدارته، فهي تلجأ لتخوين كل من يختلف معها والتشكيك في وطنيته!
والحقيقة أن فحوى ما قالته بيلين، تكرر على لسان الكثير من قيادات اليمين. وهذا هو بالضبط جوهر الموضوع ومصدر الخطورة فيه. فالحزب الجمهوري، إما يحتفي بهؤلاء أو يسكت عن تحديهم، لأنهم يمثلون قاعدته الانتخابية.
لذلك، فإن السؤال الأهم على الإطلاق، عشية الانتخابات التشريعية في نوفمبر التي قد يفوز فيها الجمهوريون بالأغلبية على الأقل في مجلس النواب، يدور حول أداء الحزب الجمهوري من الآن وحتى الانتخابات. هل سيتخذ الحزب مواقف مسؤولة من الهوس العنصري المتزايد في البلاد، أم أنه سيفضل مصلحته الانتخابية؟ الأرجح أنه سيختار الفوز، مهما كان الثمن.
*جريدة البيان الإماراتية