آخر تحديث الساعة 18:20 (بتوقيت مكة المكرمة)

تركيا وأوروبا وعتب تناقض القيم.. محمد زاهد جول

الخميس 08 ذو القعدة 1437 الموافق 11 أغسطس 2016
تركيا وأوروبا وعتب تناقض القيم.. محمد زاهد جول

 

كانت القيم والأفكار الغربية من بين القيم والأفكار والأسباب التي دفعت الأتراك وهم في أواخر العهد العثماني للمطالبة بالإصلاح والديمقراطية، باعتبار أنها قيما إنسانية وتمنح الشعب حرية أكبر في تقرير مصيره وإدارة شؤون حياته بقناعاته، وكانت إقامة النظام الجمهوري على تلك القيم على خطى الاقتداء بالقيم الأوروبية تعني أن تركيا قد دخلت مرحلة تقارب وانتماء إلى أوروبا، ورغم وقوف الأتراك ثلاثة وخمسين (53) عاما على أبواب الاتحاد الأوروبي ينتظرون دخول الاتحاد الأوروبي، إلا أن الأوروبيين لا يقابلون الأتراك بالترحيب ولا يقابلون الود بالود، فالقلوب الأوروبية غير الأقوال، بل بلغ فيها الحال ألا تتضامن مع تركيا بالأقوال أثناء انقلاب 15 يوليو 2016، وكأنها - أي الدول الأوروبية - كانت تتمنى أن ينجح الانقلاب، أو ألا ينجح الشعب التركي بالدفاع عن دولته وديمقراطيته وحكومته الشرعية المنتخبة، ولذلك انتظرت كثيرا حتى أعربت عن رفضها للانقلاب، بل كانت أكثر حرصا على حماية حقوق الانقلابيين، وكأنهم كانوا في رحلة صيد ولم يتمكنوا فيها إلا من قتل 240 مواطنا تركيا، وجرح أكثر من ألفي جريح، فضلا عن قصفهم بالطائرات الحربية بمقار الدولة المدنية والعسكرية بطريقة لم تعرفها الدولة التركي في انقلاب عسكري سابق.

 

هذه المواقف الأوروبية لا تمر في نظر الشعب التركي وحكومته دون تنديد واستنكار واعتراض، لأن الشعب التركي توقع أن تكون الشعوب الأوروبية وحكوماتها من أوائل الشعوب العالمية التي تندد بمحاولة الانقلاب العسكري، وأن تسارع بعرض المساعدات التي تحبط الانقلاب العسكري، وهذا ما دفع الشعب التركي إلى الاعتقاد بأن أمريكا وبعض الدول الأوروبية مشاركة في مؤامرة الانقلاب وداعمة له، وهو ما أخذ يتكشف يوما بعد يوما، مع وجود أدلة شبه قاطعة منذ اليوم الأول، ومع ذلك فإن الحكومة التركية ورئيس الجمهورية التركية أردوغان لا يرغبون بتوتير العلاقات مع أمريكا أو مع الدول الأوروبية المتهمة شعبيًا بدعم الانقلاب، لأن الشعب التركي دافع عن ديمقراطيته وحكومته الشرعية المنتخبة، ودافع عن مؤسساته المدنية والعسكرية وأفشل الانقلاب الذي تزعمه القابع في أمريكا زعيم التنظيم الانقلابي فتح الله جولن، والذي قدمت الحكومة التركية لأمريكا أكثر من ثمانين ملفًا حقوقيًا يثبت تورطه بالعملية الانقلابية الفاشلة، وتسببه بما نتج عنها من خسائر إنسانية ومادية، وتطالب بتسليمه إليها.

 

ولذلك ليس غريبا أن يكرر الرئيس التركي الشبهات نحو التورط الأمريكي بالانقلاب، واتهام العقل الأعلى في أمريكا بأنه هو من خطط للانقلاب، وأن فتح الله جولن هو شخص ضعيف، ولم يكن أكثر من أداة تم استغلال أمنياتها بالهيمنة على القرار السياسي في تركيا في المشاركة في هذه العملية الانقلابية بكل ما يملك من نفوذ إعلامي وتربوي وانتشار واسع لجماعته في مؤسسات الدولة التركية المدنية والعسكرية، وبعضها تم بمساعدة الحكومة التركية نفسها، بل من رئيس الوزراء التركي الأسبق رجب طيب أردوغان نفسه، وقد اعترف بذلك أمام وسائل الإعلام وفي محاوراته الصحفية الأخيرة بذلك، كما أن الشعب التركي لم يكن يتوقع قبل سنوات أن تتحول هذه الجماعة التي تقدم الخدمات للفقراء والمساكين، أنها سوف تتحول إلى كيان داخل الدولة التركية تمارس ابتزازًا على الحكومة التركية منذ عام 2013، وهو ما يجعل الحكومة التركية والمخابرات التركية تضعها تحت المراقبة والمتابعة القانونية، وهو ما سهل السيطرة عليها ليلة الانقلاب الغاشم.

 

لذلك كانت النقمة الشعبية على من خانها داخليا وهي جماعة الخدمة والكيان الموازي بدعم إجراءات الاعتقال الأمنية والقانونية، وكذلك كان لا بد أن تكون النقمة على من خانها خارجيا في أمريكا والدول الأوروبية التي دعمت الانقلابيين، ولكن كلتا النقمتين لا بد أن تتولى السلطات التركية الرسمية معالجتهما بالطرق القانونية والدستورية والقنوات الدبلوماسية السياسية أيضًا، وهو ما بدأ الرئيس التركي أردوغان التعبير عنه في مقابلاته مع الصحف الغربية قبل غيرها، ففي حوار مع صحيفة "لوموند" الفرنسية بتاريخ 8/8/2016، وهو الأول من نوعه مع الصحافة الأوروبية منذ محاولة الانقلاب، انتقد أردوغان نظرائه الأوروبيين والأمريكيين لعدم دعم الأتراك في الوقت الذي واجهت فيه تركيا عملية أكبر من كونها "هجومًا إرهابيًا عاديًا".

 

وكان مما انتقده أردوغان على الأوروبيين قوله: "إن العالم بأسره تفاعل مع الهجوم الذي استهدف مجلة "شارلي إبدو" وانضم رئيس وزرائنا إلى المسيرة في شوارع باريس. كنت أتمنى أن يتفاعل قادة العالم الغربي، أيضًا، مع ما حدث في تركيا، أو كنت أود أن يأتوا هنا، إلى تركيا"، وذلك للتعبير عن التضامن مع الشعب التركي كما تضامن مع الشعوب الأوروبية في أحزانه ومصائبه، وقال أردوغان بهذا الصدد: "هذا التردد تجاه تركيا، جعل العالم الغربي في تناقض مع القيم التي يدافع عنها. كان ينبغي عليهم التضامن مع تركيا التي تتوافق مع هذه القيم الديمقراطية. ولكنهم، للأسف، فضلوا ترك الأتراك بمفردهم".

 

هذا عتب متميز وكبير على دول صديقة في نظر تركيا، والهدف أن يقوم الأوروبيون بتصحيح مواقفهم السياسية، وإيقاف انتقادهم للحكومة التركية التي تقوم بحماية الشعب التركي من هؤلاء الانقلابيين، الذين استباحوا الدم التركي، واستباحوا حرمات الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، وانتقد الرئيس التركي تركيز اهتمام نظرائه الأوروبيين والأمريكيين على عملية تطهير المؤسسات العمومية والجيش التركي من الانقلابيين، بدلًا من التركيز على المحاولة الانقلابية نفسها، مذكرا لهم أن: "من حق الدولة أن توظف وتقيل الموظفين كما تشاء، تركيا لم تطرح، أبدًا، هذا السؤال على شركائها الغربيين. نحن أدرى بمن نحتفظ وبمن نقيل"، وفي الوقت نفسه دعا الرئيس التركي الاتحاد الأوروبي إلى "محاولة تصحيح" هذه العلاقة، معربًا عن أسفه إزاء النهج "غير الصادق" الذي يتبعه الأوروبيون تجاه بلاده".

 

كما ذكر الرئيس أردوغان الأوروبيين منتقدا ومقررًا: "نحن على أبواب أوروبا منذ 53 عامًا، الاتحاد الأوروبي هو الوحيد المسؤول والمذنب. لا أحد غير تركيا عومل بهذه الطريقة"، فالعديد من الدول الأوروبية الشرقية دخلت الاتحاد الأوروبي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قبل أن تستوفي ما حققته تركيا في هذا السبيل، ولذلك فإن الخلاصة الوحيدة هي أن: "الاتحاد الأوروبي لا يتصرف بصدق معنا".

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً