إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تيار المقاومة العراقية وتيار المشروع الإيراني .. أين الفتنة؟

السبت 23 ذو الحجة 1427 الموافق 13 يناير 2007  
تيار المقاومة العراقية وتيار المشروع الإيراني .. أين الفتنة؟
مهنا الحبيل

أعاد مشهد استشهاد الرئيس العراقي السابق صدام حسين -رحمه الله- تفجّر الموقف العربي على نحو لم يسبق له مثيل؛ إذ اختلطت الصورة التاريخية لاستشهاده، فصاغت المشهد من جديد، وأحالته لأصل مشروع الاحتلال الأمريكي الإيراني المزدوج للعراق، وأعقبه مباشرة التحضيرات الضخمة التي تعيشها بغداد من محاصرة للميليشيات الطائفية في تزامن مع إعلان المالكي عن خطته الأمنية التي أعطت دلالة واضحة لتوجه المالكي المندفع مع مشروع تصفية الوجود العربي لبغداد.
وهذه المرة كان المشهد واضحاً للغاية في إعلان وإفصاح هذه الجهات والمؤسسات الأيدلوجية المعادية للعروبة والإسلام الأصيل في أن تعبر بكل وضوح وصراحة عن حقائق تؤكد ما تحدثت عنه المقاومة العراقية الإسلامية والقومية العسكرية والسياسية دائماً -وبُح حلقها- عن الشراكة الإستراتيجية العميقة بين المشروع الأمريكي والمشروع الإيراني في العراق.
هذه القضية المفصلية التي باتت حتمية لدى المقاومة العراقية والتيار الضخم المؤيد لها في المشرق العربي وعموم منطقة الخليج والجزيرة والشام ومصر وباقي الوطن العربي ليست وليدة بروباغندا إعلامية، وليست محل تلاعب بين محور واشنطن ومحور طهران كما يحلو للبعض أن يصوره، بل هي حالة وعي تقوم على تأمل ودراسات ومتابعة للإستراتيجية القائمة على الأرض في العراق وباقي منطقة الخليج كمواقع مرشحة لتحالف المشروعين أو اختلافهما بعد انتهاء المشروع الموحد لتحقيق عزل الخصم التاريخي لكلا القوتين، وهو الوجود العربي الإسلامي في المنطقة، سواء كان ذلك المشروع روحاً جامحة بخلفية انتقامية لدى الطرفين أو كان مشروعاً وقائياً لتفكك النظام الرسمي في الخليج واختلاط الأوضاع واضطرابها، مما يوجد أجواء جديدة تفرض على القوى الدولية إعادة تشكيل المنطقة وضمان مصالحها، وأهم ما في هذا التشكيل هو محاصرة القوى الحية للتيار العربي الإسلامي، وضمان تحييده بكل وسيلة ممكنة.
ويأتي في طليعتها حتى الآن -و على الرغم من كل ما قيل عن الاختلافات والصراع بين طهران وواشنطن- فصائل الثورة الإيرانية، كما هو الحال في العراق، وكما يُرجى منه لباقي منطقة الخليج، وهو بالضبط ما أكده تقرير (بيكر هاملتون) حين أمّل في عودة الحلف الإستراتيجي بينهما لاستكمال المشروع، أسوة بما سماه التقرير أنموذج أفغانستان.
وهذا السياق يعود بقوة ليطرح: من هو الطرف المسؤول عن تصعيد الروح الطائفية ولا يزال؟ ومن هو الشريك الأكثر فاعلية على أرض المعركة في العراق والخليج؟ الصورة واضحة وتنبئ عن جواب واحد: إنها فصائل الثورة الإيرانية وقيادتها المركزية في طهران، ليس من باب الخطاب العاطفي المشحون، وليس تفريغاً لحالة من مشاعر الغضب والقهر لدى الشارع العربي تجاه فعاليات الأطراف الإيرانية في المنطقة مع المشروع الأمريكي، ولكنها قراءة دلائل وشواهد يقينية تتوالى على الأرض لا تحتاج إلى التذكير بها من قبل الاحتلال وبعده؛ إذ شُكّلت فصائل المعارضة العراقية في لندن وواشنطن بالتنسيق مع طهران وأثناء الحرب والاحتلال، خاصة بعد الكشف عن أن المرجعيات الإيرانية أفتت ودعت في أتون المعركة مناضلي هذه الفصائل بتقديم المعلومات والإحداثيات عن المواقع العسكرية العراقية للقوات الأمريكية، وأصبح الأمر محل افتخار من هذه المؤسسات والحركات الإيرانية التي شاركت بفعالية باحتلال العراق، وشاركت بفعالية أكبر في مشروع ما بعد الاحتلال.
هذا الاحتلال الذي دشن نوعاً من الاستعمار الوجودي بشهادة كل الأطراف الدولية والمنظمات الحقوقية استهدف بكل قوة ووضوح الوجود العربي الإسلامي وهوية العراق التاريخية.
ومع كل هذه الدلائل فقد نجحت إيران في إيجاد فريق من المثقفين العرب بعضهم ينتمي إلى التيار القومي وبعضهم تكنوقراط فكري، وبعضهم بأهداف لها ارتباط بالعمق الحاكم في سوريا، وبعضهم صادق، ولكنه استُغل بصورة ذكية في خلط الأوراق العربية، وبالتالي الاستفادة من هذه النخبة كحصان طروادة يحقق في زمن خطير الغاية لتغطية إعلامية ضرورية لمرحلة زحف المشروع الإيراني المدعوم في هذه اللحظة أمريكياً كسياق مهم في محاصرة قوى المقاومة والممانعة العربية، وليس لدى هذا الفريق دائماً إلاّ أن يطرح بصورة مضطردة كدليل يؤسس عليه موقفه ويستدل به لرأيه، وهو قولهم إن الخطورة تكمن في المشروع الأمريكي الذي أُسند من قبل النظام الرسمي في الخليج تجاه العراق، وأن استثمار إيران لهذا المشروع هو حق طبيعي لها؟
هنا تكمن العبثية الخطرة حين يُستثمر هذا الخطاب، وهذه الاستدلالات في مقابل حقائق ووقائع يسعى هذا الطرف المدافع عن المشروع الإيراني، والذي اخترق حركة القوميين العرب وقطاعاً من الإسلاميين، وتبوأ مناصب متقدمة في مؤسساته، وإن كان هذا الموقف اجتهادياً لم يصدر من روح تآمرية أو عميلة للمشروع الإيراني، وهذا ما يعزز استفادة طهران وقواها في الخليج من هذه النماذج التي تُصور حديثها على أنه رؤى عقلانية، وأن مسألة التنسيق أو اعتماد المصالح بين واشنطن وطهران في العراق هو أمر مثير للسخرية باعتبار أن القيادة الإيرانية دائمة الهجوم على الولايات المتحدة، وأنها تدعم إعلامياً حركة المقاومة الإسلامية حماس.
فلنعد لتفكيك هذا الخطاب أين الخلل وأين الخطر؟
أولاً: جسر العبور فوق السؤال هو النظام الرسمي. في الخليج كيف ذلك؟
يسعى هذا التيار تيار الدفاع عن المشروع الإيراني إلى طرح موقف النظام الرسمي في الخليج من الحرب على العراق المعروف والمتفق عليه، والذي لم يشكك فيه تيار المقاومة العراقية، ولكن هذا الطرح إنما يُطرح لكي يُستخدم كجسر عبور فوري عند أي حلقة نقاش أو مؤتمر أو ندوة تلفازية تبتلع بسرعة ودهاء في طيات طرحها لمسؤولية النظام الرسمي في الخليج حقائق ضخمة تُعفي إيران والفريق المؤيد لها من المسؤولية المباشرة المزدوجة عن تدمير العراق والتوسع في المنطقة ذاتياً أو بالشراكة مع الاحتلال الأمريكي. و نقول مجيبين:
لم يطرح تيار المقاومة العراقية في المشرق العربي مطلقاً مبدأ الدفاع، ولا التبرئة، ولا الاعتذار عن النظام الرسمي في الخليج لا في ما مضى، ولا في ما يستجد من تنسيق بينه وبين واشنطن، بل إن هذه المقاومة والتيار المؤيد لها لا يزالون محل حصار وتضييق من هذا المحور إنما أطلق مبادئه ونهجه ووسائله التي قدمتها المقاومة العراقية الإسلامية والقومية العسكرية والسياسية في استقلال تام في المبدأ والنهج عن هذه التأثيرات، أما مسألة أن تتقاطع الجغرافيا العربية القلقة من المد الإيراني والاحتمالات المتزايدة بتسليم الأمريكيين بالأمر الواقع الجديد في الخليج، وبالتالي قلب الطاولة على الحدود السياسية والسيادية إن بقيت سيادة للخليج، وبالتالي يسعى هذا الفريق علم أم لم يعلم لإفشال خطاب المقاومة العراقية واستفادتها من هذه الأجواء، وهي صاحبة معركة وقضية شريفة متفق عليها، وهذه التقاطعات ليست مشروعة وحسب بل ضرورة في عرف المقاومات الوطنية في العالم.
ولذا يُخطئ هذا الفريق حين يتقمص دور المدافع عن الجلاد الإيراني في شراكته للاحتلال في أطوار المعركة جميعا،ً وفي نفس الوقت يسعى بكل ما أُوتي من فصاحة لسان وقوة تعبيرية لخنق مشروع المقاومة العراقية وتشجيع الحليف الإيراني للاحتلال الأمريكي على ضرب هذه المقاومة وتضييقها ومحاصرة مناطق العرب السنة.
وهنا يبرز السؤال واضحاً وصريحاً: أين دور هذه النخب وهي ذات علاقات حيوية وإستراتيجية مع طهران، وتتردد على جميع مؤتمراتها وفعالياتها ذات الشأن من المشروع الإيراني في العراق بعد أن أنهينا موضوع النظام الرسمي في الخليج؟
أين هي حتى من المبادرات الإنسانية كحماية مناطق العراق التي تُشن عليها حملات مسعورة ليلاً ونهاراً وفق برنامج مباشر تنفذه على أقل تقدير فصائل الثورة الإيرانية في العراق، مع اعتراف ضخم كضوء الشمس في رابعة النهار بالوجود الأمني والسياسي والديموغرافي والإستراتيجي للثورة الإيرانية في العراق سُحق تحته عشرات الآلاف من مناطق المقاومة بأبشع وسائل التصفية الجسدية التي عرفتها الإنسانية؟
أين هي من عمليات التصفية الدائرة حالياً للجالية الفلسطينية، ثم الجالية السورية، وتحديداً السنية التي تتعرض لحرب إبادة مع أن قرار حماية هذه المناطق خاصة في المدائن مقر اللاجئين كان بالإمكان أن يتحقق بأمر مباشر في أي لحظة من القيادات التاريخية لإيران، فضلاً عن جميع مراحل العملية السياسية التي نفذها الاحتلال عبر هذه القوى الإيرانية؟ فأين دور هؤلاء المدافعين عن طهران؟
وإذا توسعنا كعمق إستراتيجي لعموم منطقة الخليج، هل هذه النخب المؤيدة للمشروع الإيراني تعرف وتدرك حجم التنسيق الفعلي لمكاتب ومناضلي فصائل الثورة الإيرانية في الخليج في لندن وواشنطن وفي المناطق المستهدفة للخرائط الجديدة لواشنطن؟ وهذا الأمر لم يكن أبداً بعد دعوة عمار الحكيم إلى توسيع التحالف الأمريكي الشيعي كما سماه لضم جميع مناطق الخليج، بل سبق ذلك بفترة طويلة تبلور منذ أحداث 11 أيلول وإعداد مؤسسة (راند) لمشروع التقسيم الشهير، فنشطت فيه تلك الفصائل على الأرض وعبّر أعضاء الكونجرس المؤيدين لإسرائيل، وبادرت إلى تجسير العلاقات بقوة، حتى ظهرت على السطح ورآها الناس في برامج إعلامية مؤخراً مع أن هذه القيادات التابعة للفصائل الإيرانية كانت ولا تزال تُقدم نفسها جزءاً من مفاهيم الثورة الإيرانية، وأن مرجعياتها الكبرى تعود إلى هناك.
وحين نتحدث عن هذه الجوانب والأدلة نسوقها كدلالة على الوعي الإستراتيجي للفكر الإسلامي العربي المنتمي، وسبق أن تحدثنا عنه وقدمنا من حريتنا في سبيله حين كان النظام الرسمي في الخليج لا يريد أن يتحدث عنه، ويعتقد بأن الأمريكيين سيضبطون حراك الفصائل الإيرانية في الخليج العربي بعد احتلال العراق، لكن الطاولة انقلبت على الجميع، وشعروا بجدية تحوّل المشروع أو وصوله إليهم خاصة بعد تصريحات هذه الفصائل تجاه الخليج، وقد كان خطابنا دائماً ولا يزال مختلفاً عن التقاطعات المسعّرة للخطاب الطائفي في المنطقة لمصلحة موسمية تكتيكية لهذا الطرف أو ذاك، إنما كنا ولا نزال نتحدث بمهنية في كتاباتنا، لكنها تنتمي بكل تأكيد لمشروع المقاومة الوطنية العراقية بعمقها العربي الإسلامي المتحد مع المقاومة الإسلامية في فلسطين.
إن خطورة استمرار هذا الدور للبعض، وتوسّعه في حركة القوميين العرب، وبعض المؤسسات الإسلامية العظيمة التي قامت لتوحيد علماء المسلمين، والدفاع عن قضاياهم الأممية، وعن الوطن العربي كجغرافيا ووطناً للرسالة الإسلامية الخالدة، ثم تحولت هذه المؤسسات وهذه النخب إلى حملات علاقات عامة فاعلة ومؤثرة تُدافع لا عن المشروع الإيراني وحسب بل عن المشروع الأمريكي الإيراني الذي يقود تلقائياً كما تثبت الأحداث إلى الحرب الطائفية الشاملة، بخلاف ما تهتف بالتحذير منه هذه النخبة، أي أنها شاركت من حيث لا تشعر بنفس ما تتهم به الآخرين، وأصبحت أدوات للمشروع الأمريكي الإيراني، ولكن بغطاء قومي وإسلامي.
إنني والله يعلم أكن لهذه الشخصيات احتراماً عميقاً من أبناء الحركة القومية والإسلامية، لكني ألاحظ أن لديها روحاً استعلائية كبيرة تحتقر الموقف الفكري والسياسي للمقاومة العراقية، وتظن أن المنظور العقلاني والإستراتيجي مغيب لدى المقاومة، وبالتالي تسارع في محاربة المقاومة العراقية دون أن تُسميها أو تقصدها، وهي بالتالي تشارك مشاركة فعّالة مع فصائل الثورة الإيرانية ومشاريع المخابرات الأمريكية في تحقيق الزحف الشامل على المشرق العربي، والذي رأينا بكل وضوح آثاره التدميرية على العراق هوية ووحدة وسلماً أهلياً وعمقاً عربياً إسلامياً، وكلما شعر شركاء الاحتلال في إيران بأن مشروعهم قد انكشف أمام الشارع العربي صاحوا بإخواننا: الفتنة الطائفية والحرب الأهلية، فأوجدوا مع الأسف الشديد صدى لدى هذه النخبة ليدافعوا تلقائياً عن مشروع طهران، وهم وهذا المشهد أمامنا هم صُنّاع الفتنة ووقود الحرب الطائفية يشهد عليهم الواقع، ويُجمع على ذلك معنا أشقاؤنا الشيعة العروبيون خلافاً لفريق طهران، وإنما سنبقى ندافع عن مشروع المقاومة العراقية والمحارب لواشنطن وحلفائها في طهران والموحد للعراق كما هو الحال في فلسطين، والذين يخذلون المقاومة العراقية يدعمون أعداءها ولو رددوا ليلاً ونهاراً الفتنة.. الفتنة.. ألا في الفتنة سقطوا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم