إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

"عين جالوت" صفحة بيضاء في تاريخ الأمة

الاحد 12 رمضان 1423 الموافق 17 نوفمبر 2002  
"عين جالوت" صفحة بيضاء في تاريخ الأمة
الإسلام اليوم/ خاص

سوف يبقى رمضان هو شهر الانتصارات الإسلامية إن شاء الله، فالروح الرمضانية المسلمة التي تجلت في كبريات الانتصارات الإسلامية بل قل في المعارك الفاصلة المهمة في تاريخ هذه الأمة، لابد وأن تعود ذات يوم ما، لتحمل هذا الإنسان على استفهام روح الأمجاد السالفة لأمتنا العظيمة، وتكون له عوناً في تحرير نفسه وتحرير أرضه، تحرير نفسه أولاً من رق الأنا وعبودية الهوى والشهوة، وتحريرها من الطواغيت الجائرة المستبدة في بعض ثغور الإسلام، ثم التحرير الشامل لهذه الأمة من كل دنس ولص ومستعمر ومحتل، إن معركة بدر لم تكن هي المعركة الفاصلة الوحيدة التي حدثت في رمضان من تاريخ هذه الأمة، فهناك إلى جانب بدر الفتح الأعظم لعاصمة الشرك أيام الدعوة الأولى، فتح مكة بلد الله الحرام، لقد كان ذلك في رمضان أيضاً، ولم تقتصر انتصارات رمضان على حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد امتدت في أعماق هذه الأمة وعلى مدى تاريخها، وفعل قارئي التاريخ يذكر أن فتح أوروبا بدأ من الأندلس في شهر الله الكريم، في شهر رمضان الانتصارات والأمجاد، كما أن لقارئ التاريخ ألا ينسى معركة حولت مجريات الأمور بعون الله لصالح هذه الأمة المسلمة، ألا وهي معركة عين جالوت لقد حدثت في رمضان أيضاً، إن رمضان تربية النفوس هو نفسه رمضان الانتصارات العظمى، والله أراد لهذه الأمة أن تدخل في مدرسة الصيام لتتعلم بأديب النفس وممارسة الجهاد ومواقف ظروف معركة عين جالوت، لابد وأن يوازن بين واقع المسلمين في ذلك اليوم، وواقعهم الآن، والحق أن هناك شبهاً كبيراً بين ظروف اليوم والظروف التي قادت المسلمين إلى عين جالوت، لكن عين جالوت وجدت القيادة المسلمة الحكيمة المجاهدة، الأمر الذي يجعل نتائج تلك الظروف تختلف بالضرورة عن نتائج الظروف التي تحياها الأمة في هذا العصر، لكن، كيف حدثت هذه المعركة العظيمة؟.
وصلت الأمة في بداية القرن الهجري السابع إلى حال من الفوضى قاتلة، فقد انحل تماسك الولايات وصار لكل مصر زعماء إقليمين، وأمراء محليين، منهم من يدين بالطاعة الشكلية للخليفة الذي كان يشغل منصبه في بغداد بشكل صوري ومنهم من خرج عن الطاعة واستقل بإماراته أو إقليمه، وقد شهدت هذه الانقاسامات انحدار الأمة فدب فيها الضعف بعد القوة، والتخلخل بعد التماسك، فكان أن أطمع هذا الوضع الغزاة الشرقيين والغربيين، فداهم الصليبيون الفرنجة بلاد الشام واحتلوا جزءاً مهما ً منها، حيث تمركزوا في عكا، وداهم التتار الشرقوين الأمصار الإسلامية في شرق الدولة إلى أن وصلوا إلى عاصمة الخلافة ومركزها بغداد، وأشبعوها دماراً وتخريباً، أليس الحال في هذه الأيام شبيه بالظروف التي أولدت معركة عين جالوت المظفرة؟
وتقدمت جيوش التتار بقيادة الإرهابي التاريخي "هولاكو" واقتحمت بلدان الخلافة واحدة واحدة، إلى أن تمركزت في بلاد الشام، وشاء الله –سبحانه - أن ينبعث روح الغيرة على هذه الأمة من خطر التتار في شخصية حاكم مصر آنذاك وأميرها "سيف الدين قطز" فقد سمع هذا الأمير المسلم بالأهوال والفظائع التي ارتكبها حواضر في حوافر العالم الإسلامي. حيث أحرقت جيوشهم الجرارة كل أخضر ويابس، وشاهد المآسي في تقاعس أمراء الولايات الإسلامية عن الوقوف في جبهة واحدة ضد هذا الزحف الحاقد على دين الإسلام.
وفي عام 658هـ أي بعد عامين من سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وسقوط الخليفة العباسي الأخير، أعد سيف الدين قطز عدته لمواجهة التتار، وصدهم عن احتلال بلاده ، ونادى منادي الجهاد أن حي على الفلاح، وقدر الله لمصر أن تخوض حرباً مظفرة، هي أحوج ما تكون إليها في هذا اليوم مع عدو الأمة الشرس، وأخذ القائد قطز كافة احتياطات الإعداد للمعركة، فاتصل بأمراء الشام، وتدارس معهم عزمه على خوض معركة الجهاد، وأخذ الحيطة من الفرنجة المتواجدين على شاطئ المتوسط في عكا، وكان من أبرز المعالم الحركية التي امتاز بها قطز في ذلك العصر المتأخر:
أ- فتح باب التعاون الكامل بينه وبين علماء الأمة وقادة الفكر فيها، فكان أن عهد إلى العز بن عبد السلام بإقامة ديوان خاص مهمته الدعوى إلى الجهاد في سبيل الله وقد جند هذا الديوان الدعاة والوعاظ، وسيرهم إلى قلب المدن والقرى، يبينون للناس معاني فريضة الجهاد، ويستحثونهم على القيام بهذا الواجب العظيم، وكان لهذه التعبئة الشعبية العامة أثر كبير في تجميع المجاهدين ومبايعتهم على الخروج في سبيل الله، مع وضوح الهدف من الحرب والقتال، ولعل أمتنا بحاجة ماسة إلى هذه التعبئة الدينية التي كبلت دحر هولاكو وجنوده، وتخليص ديار الإسلام من فسادهم.
ب- عندما سار الجيش المسلم منطلقاً من الديار المصرية نحو أرض سيناء فلاشام، كان على رأسه قائد الدولة وأمير الناس "سيف الدين قطز نفسه". لم يقعد هذا القائد في مقصورته ينتظر أنباء المعركة تأتيه في كتب يحملها الرسل، ولم يتخلف عن أداء فريضة الجهاد منشغلاً بالقضايا الداخلية للأمة. لقد صار على رأس جيشه وفي مقدمته ومعه زوجته الملتحمة التي ضربت مثلاً حياً للمرأة المسلمة المتفهمة لأركان دينها. إن القائد "قطز" كان عارفاً تماماً أن الجيش لن يكمل مسيرته إلا بوجود القيادة. ويروي التاريخ أنه عندما عزم على خوض المعركة الفاصلة، وبدأ بإعداد الموازنة المالية، باع حلي زوجته ومجوهراتها، ودفع ثمنها من أجل الإعداد العسكري لخوض المعركة. قد ضرب بذلك مثلاً حياً لأمراء الدولة آنذاك- وكانوا من المماليك- فقدموا أموالهم أسوة به. إن المعركة الناجحة المعطرة لابد لها من أمثال هذا القائد المؤمن الصادق، الذي سار إلى الجهاد بنفسه وبماله وبأهله، وقد استشهدت زوجته في الحرب وهي تقاتل ، فكان في مسلك هذا القائد أروع مثل للصدق وأفضل أسوة للاتباع، لأنه يسير بخطى الجهاد على سنن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
ج- وجد القائد المظفر قطز جبهة المسلمين قبل البدء بالمعركة، فقد أرسل إلى أمراء الشام يتدارس معهم الأمر، فقد رأى أن إعداد الجيش، وإكمال عدته ومؤونته ولوازمه ليس كافياً لملاقاة الزحف الرهيب للتتار، إذ لابد من أن يقيم دولة تقدمهم جبهة قوية متحدة تشمل بالإضافة إلى جيش مصر، ملوك الشام وأمرائها وجيوشها، ذلك أن الوعي العسكري عند هذا القائد أرشده إلى سقوط الشام في أيدي التتار وسوف يؤدي في النهاية إلى سقوط مصر، وسوف يتعرض شعبه لخطر الإبادة التي قام فيها التتار وهم في طريقهم وغزوهم، وقد أكد القائد قطز لزعماء الشام أنه لا يطمع بالسيطرة على بلادهم، وقد كان هدفه ألا يدرك أحد من أمراء تلك المنطقة يستسلم للتتار كما حصل في مناطق أخرى.
وبعد أن عبر القائد وجيشه سيناء ثم عكا، التقى الجيش المسلم بأعدائه وقد اختار القائد الحكيم الحصين موعد هجومه على أعدائه في وقت صلاة الجمعة، حيث يكون جيش المسلمين وأوقات انشغالهم بأمورهم العبادية، وشاءت حكمة الله – سبحانه - أن يفر قائد جيش هكفر "هولاكو" قبل التحام الجيشين بزمن، ويعود إدراجه إلى بلاده، ويوكل أمر القيادة إلى خليفته "كتبغا"، وبعد أن أمر قطز جند المسلمين بالهجوم، اندفعوا إلى الجهاد دون خوف أو رهبة، وهنا حاول التتار أن يقتلوا قائد الجيش المسلم، إلا أن قطز لم يكن بالخائف الجبان على الرغم من إحاطة السيوف والرماح به ومقتل فرسه.
فخلع خوذته وصار يصرخ بأعلى صوته بندائه الشهير "وا إسلاماه" مكرراً النداء بكل حماس، مما أشعل في قلوب الجند المسلمين نيران الحمية والاندفاع، فراحو يرددون معه.. واإسلاماه.. واإسلاماه.. وكرو على أعدائهم كرة رجل واحد، فاختلت صفوف التتار وعادوا متقهقرين خاسئين، وأكمل جنود الإسلام المسيرة في تطويق العدو، وحاولوا منعهم من الفرار من أجل القضاء عليهم، وهكذا فعلوا وحققوا النصر الأكيد المظفر، والذي قعد عند أمراء المشرق المتفرقين المتخاذلين.
وبتحقيق الانتصار امتلأ قلب الجيش المسلم بالسكينة والاطمئنان إلى نصر الله، وهرع قائد الجيش السلطان قطز يصلي شاكراً الله على هذه النعمة العظيمة، وكان السلطان هنا يتأسى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم فتح مكة، فهو يبطر لهذا النصر، ولم يفعل ما يخل بالوقار الإسلامي، وإنما قاده سلوكه المؤمن إلى الشكر لله على فتحه وعونه وعطائه.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - طبع الوفى
    مساءً 07:51:00 2009/04/05

    التقرير جميل جدا وارجو المزيدمن التقارير والبحوث

الصفحة 1 من 1