إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

أوروبا بعد أوكرانيا

الاثنين 14 جمادى الآخرة 1435 الموافق 14 إبريل 2014  
أوروبا بعد أوكرانيا
الإسلام اليوم/ خاص

ترجمة حصرية لموقع الإسلام اليوم

زكي لآدي

باريس – عندما تنفجر الأزمات غير المتوقعة، يفترض الناس؛ أن الأمور لن تعود لما كانت عليه،  وهي نفس الخلاصة والاستنتاج الذي توصل إليه العديد من الأوروبيون، نتيجة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم. هل هم محقون في ذلك؟

بالرغم من أن غالبية القادة الأوروبين متفقون بالإجماع على إدانة أفعال روسيا في أوكرانيا، إلا أن التخمينات في تقييم الخطر الأمني الذي تمثله روسيا اختلفت كثيراً. تعتبر بولندا ودول البلطيق من بين الدول التي أقلقها كثيراً السلوك الروسي، بينما ظلت كل من جمهورية التشيك وسلوفاكيا وهنغاريا وبلغاريا حذرة من اتخاذ منهجية معادية لروسيا، وهو نفس الموقف الذي تشاطرها فيه دول من أمثال البرتغال وإسبانيا اللتين لا تعتمدان على إمدادات الطاقة الروسية.

يمكن تفسير هذه المواقف المتباينة من خلال الفروقات الشاسعة بين وجهات النظر التاريخية و الاستراتيجية لتلك الدول الأوروبية. فكل من روسيا وبولندا غزا بعضهما البعض، واحتل كل منهما أراضي الطرف الآخر لقرون مضت. وكانت كل من ليتوانيا ولاتفيا واستونيا من جمهوريات الاتحاد السوفيتي، لذا؛ فإن معارضة روسيا كانت سمة من السمات الرئيسة لعملية إعادة البناء. ومع تواجد أقليات ناطقة بالروسية في كل من استونيا ولاتفيا، فإن ذريعة بوتن لضم شبه جزيرة القرم – ألا وهي الحاجة للدفاع عن العشيرة الروسية العرقية المعرضة للتهديد افتراضياً – هذه الذريعة تلعب دوراً متأصل الجذور في زيادة القلاقل لهذه الدول.

وبالطبع فإن لكل من التشيكيين والسلوفاكيين والهنغاريين – والتي كانت جميعها دول سابقة في فلك الاتحاد السوفيتي– لها ذكريات مريرة مع روسيا. إلا أن استجابتهم لسجلاتهم التاريخية الصعبة دفعهم إلى تبني مواقف جانبية متدنية وإلى تجنبهم اتخاذ مواقف صلبة في القضايا الدولية الرئيسة. ونظراً لإتسامهم بالقرب (إن لم تكن الحساسية) من جيرانهم الأكثر قوة منهم فلقد جعلوا من تهميشهم السياسي والاستراتيجي أمراً داخلياً.

ولحد ما، موقف هذه الدول يعكس فهماً دقيقاً للسياسات الأوروبية. وبعد كل هذا، الموقف الأوروبي سيتحدد حتماً من قبل أربع قوى رئيسية هي: ألمانيا، وهي الشريك الرئيس لروسيا في مجالي الصناعة والطاقة، والمملكة المتحدة، وهي صاحبة البنك الروسي، وفرنسا وهي المعاون العسكري الروسي، وبولندا، وهي الكفيل الأوكراني.

ومن بين هذه الدول الأربعة فإن لألمانيا الأثر الأكبر. فبقطع علاقاتها مع ألمانيا فإن روسيا فعليا تقطع علاقاتها مع الغرب، وبهذه الطريقة فهي تعجل بانهيارها. والأسوأ هو أن الانهيار الوطني أو القومي سيقوي من جشع نظام بوتن الحاكم وسيقوي النزعات الشوفينية بدلاً من اضعافها.

والحقيقة هي أن روسيا ليست قوة ناشئة ولكنها سلطة ريعية، تعيش فقط على أصول مصادرها الطبيعية المحدودة مع كثافة سكانية متقلصة. ويبدو أن الرئيس الروسي السابق فهم ذلك، وفي محاولة منه لتطوير وتنويع الاقتصاد الروسي سعى إلى تقوية العلاقات الثنائية مع ألمانيا. ومنذ عودة الرئيس بوتن للسلطة تم تأجيل هذه المبادرة.

وهذا لا يعنى أن الرئيس بوتن يتناسى أهمية ألمانيا. فهو يدرك أن تهديد تجميد صادرات الطاقة إلى ساعده القوي ألمانيا – والتي تعتمد بشدة على الغاز الروسي –  سيلحق الضرر الدائم بمصداقية روسيا التجارية وسيضعف الصناعة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الروسي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذه الخطوة قد تمكن لإيران تعزيز مطالبتها بالدخول في سوق الطاقة الأوروبي، وبذلك تخلق لروسيا منافسة غير مرغوب فيها. وحتى من دون إضافة صادرات الطاقة إلى ترسانتها الدبلوماسية فقد تتخذ روسيا إجراءات تقلل فيها من هذه المخاطرة، من خلال تشجيع إيران على تأجيل التوصل إلى اتفاق نووي نهائي مع المجتمع الدولي.

أما موقف المملكة المتحدة من روسيا، فهو أكثر غموضاً. بينما تُصر بقوة حكومة ديفيد كاميرون على معارضة تصرفات روسيا تجاه أوكرانيا. إلا أن مدينة لندن عازمة على الاحتفاظ برجال الأعمال الروس كعملاء لها. إذا استمر التوتر في أوكرانيا في التصاعد فإن كاميرون، الذي تميز منصبه حتى الآن بالضعف والتردد، سيجد نفسه مضطراً لإثبات وجوده.

ومن جانبها شهدت فرنسا تحولاً مميزاً في علاقتها مع روسيا. تنظر فرنسا إلى روسيا بوصفها النظير المفيد والموازي لميزان القوة التي لدى الولايات المتحدة. أما في السنوات الأخيرة فقد وقفت كل من فرنسا وروسيا مواقف متباينة تجاه القضايا الدولية الرئيسة – مثال على ذلك قضايا كل من ليبيا وإيران وسوريا – بينما وبشكل متكرر أصبحت مصالح فرنسا في خط واحد مع المصالح الأمريكية. وعلى الرغم من أن فرنسا ستتجنب أي شكل من أشكال المواجهة غير الضرورية مع روسيا إلا أن الأزمة الأوكرانية وثقّت وفاة التحالف الروسي الفرنسي.

أما الدور البولندي في الأزمة الحالية يختلف بعض الشيء. فهي مسئولة عن الدفاع عن المصالح الأوكرانية والمساعدة على تخفيف حماسة القوميين المتشددين.

ستواجه أوروبا التي تقودها هذه القوى الأربعة اختبارين استراتيجيين: الطاقة والأمن. الاختبار الأول يكمن في المخاوف الخاصة بجوانب مصادر الطاقة. لقد فشلت الجهود لتقليل اعتماد أوروبا على امدادات الطاقة الروسية في اعطاء نتائج مثمرة على الرغم من تحسن الموقف الأوروبي في الوقت الراهن عما كان عليه في السنوات القليلة الأخيرة. والطريق الوحيد لضمان حدوث تحسن أكثر هو اعتماد الحصول على مصادر بديلة وبناء سوق موحد للطاقة الأوروبية. وبالرغم من أن التهديد الروسي لن يكون كافيا تماماً ليتناسب مع مصالحه الوطنية في استثمار الطاقة ، فإن على  القادة الأوروبيون اغتنام هذه الفرصة للوصول إلى ذلك الهدف. الاختبار الثاني يكمن في المخاوف الأمنية؛ فأوروبا بحاجة إلى صياغة مبدأ متماسك ودقيق يتجاوز الاستراتيجية الحالية للأمن الأوروبي التي صيغت في عام 2003م بعد اندلاع الحرب على العراق والتي اشتملت على مضمون عملياتي ضعيف، ولا يأخذ بجدية المخاطرة بالطاقة الروسية. ومع أن الأزمة تولد الفرصة. إلا إن المحصلة الاستراتيجية للأزمة الأوكرانية ليست نهاية للجمود الأوروبي، بل هي إعادة تنشيط العلاقات بين دول أوروبا ودول الأطلسي الملزمة لحلف الناتو، ومع ذلك فقد قللت أمريكا من أهمية أوروبا. بينما ستستفيد أوروبا كثيراً من تدعيم وتعزيز مقدرتها الدفاعية غير أن تقوية العلاقة مع دول الأطلسي يوفر لها مصالح أخرى. فعلى سبيل المثال قد تسرع المفاوضات حول الشراكة الأوروبية مع دول الأطلسي في مجال التجارة والاستثمار.

لربما أصبح من الواضح أن النظام العالمي لن يعود كما كان بسبب حدوث الأزمة الأوكرانية. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان بإمكان القادة الأوروبيون تعزيز الأمن الأوروبي مهما كانت النتائج التي تولدها هذه الأزمة. ولهذا الغرض فلابد من اتخاذ منهجية موحدة كخطوة أولى.
المصدر بالإنجليزية

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم