إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

لجانب الدعوي في السيرة النبوية

الجانب الدعوي في السيرة النبوية [19/22]

الاحد 23 ذو الحجة 1429 الموافق 21 ديسمبر 2008  
الجانب الدعوي في السيرة النبوية [19/22]
د. محمد بن لطفي الصباغ

إن من أهم ما ينبغي أن يتصف به الداعية الصبر والثبات. فلقد كان سيدنا رسول ا لله صلى الله عليه وسلم أعظم الصابرين، وكان في الثبات على الحق والدعوة إليه المثل الأعلى.
ذلك لأن كل من يدعو إلى الحق معرض للإيذاء والاستهزاء والنفي والقتل قـال الله تعالى:"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ".[آل عمران:186].
فالداعية معرض إلى الابتلاء في ماله وفي نفسه وفي عرضه، وسيسمع الأذى الكثير من أهل الكتاب ومن الذين أشركوا، وهذا أمر متوقع.
 أجل.. إن من الطبيعي أن يتعرض الداعية إلى الحق للأذى من قبل أنصار الباطل، وهم أنواع كثيرة، وقد ذكرت الآية أهل الكتاب من اليهود والنصارى وذكرت المشركين، وكذلك سيتعرض إلى الأذى أيضاً من الفسقة من المسلمين، لأن الداعية يريد أن يهدم باطلهم الذي يؤمنون به ويقدسونه، تلك سنة الله. قال الله تعالى :"الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ".[النساء:76].
وقال الله تعالى على لسان لقمان في وصيته لولده:"يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ"[لقمان:17].
وهذه إشارة واضحة إلى أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر معرض للأذى فلا بد له من الصبر على ما يصيبه بسبب دعوته.
وقد أمر الله تبارك وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالصبر في تسع عشرة آية في كتاب الله أورد بعضها فيما يأتي:
فقال عز من قائل:"فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ".[هود:49].
وقال سبحانه:"وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ".[النحل:126-127].
وقال:"وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ* كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ* فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". [الروم:58-60].
وقال:"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ". [الأحقاف:35].
وقال:"وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا".[الطور:48].
إلى غير ذلك من الآيات، وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الله، فصبر وصابر، وكان أصبر الصابرين، وحض أصحابه على الصبر، وبشرهم بأن العاقبة للصابرين، فصبروا وكانوا أئمة في الصبر، رضي الله عنهم وأرضاهم.
إن العاقبة للصابرين لأن الله سبحانه وتعالى معهم قال جل جلاله: "قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ". [البقرة:249]. وقال عز من قائل:"وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".[الأنفال:46].
وقال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".[البقرة:153].
ومن كان الله معه فلن تغلبه قوة مهما عظمت، ووقائع التاريخ تقرر ذلك، فقد قص الله علينا في الكتاب الكريم كثيراً من أخبار الأمم السابقة ما يقرر هذه الحقيقة.. فلقد كان الله تبارك وتعالى مع الرسل الكرام وأتباعهم، وكانت العاقبة لهم على قلتهم، فنوح عليه السلام كانت العاقبة له ولمن آمن به، وإبراهيم نجاه الله من النار، ولوط وهود وصالح وشعيب وموسى وهارون صبروا على إيذاء أقوامهم وثبتوا على الحق، فنجاهم الله من كيد أعدائهم، وكان الخزي والدمار والغرق والهلاك لأولئك الأعداء.
والله تبارك وتعالى يحب الصابرين قال الله تعالى:"وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ".[آل عمران:146].
وهذا لعمر الله إغراء بالصبر وأي إغراء فالله الملك العظيم الجبار مالك الملك العزيز القوي يحبك يا عبد الله إذا صبرت على ما أصابك، وهذه المحبة شرف لا يعدل له شرف.
والعاقبة –كما ذكرنا- للصابرين في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى:"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ".[البقرة:155-157].
فالصابرون عليهم صلوات من الله ورحمة منه، ويحملون أرفع وسام وذلك أنهم هم المهتدون.
وقد جرت سنة الله في المؤمنين والدعاة إلى الله أن يلاقوا الإيذاء والابتلاء قال الله تعالى:"ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ".[العنكبوت:1-3]. وقال الله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ".[محمد:31].
وقال الله تبارك وتعالى:"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ".[البقرة:214].
وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال:
شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال:
"كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون". رواه البخاري (3612) و (3852)، وأبو داود (2649).
وهذا ما لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه في مكة قبل الهجرة.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل "وأنذر عشيرتك الأقربين" [الشعراء:214] أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى:"يا صباحاه" فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه، وبين رجل يبعث رسوله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟".
قالوا: نعم. قال:"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"
.
قال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا. فأنزل الله:"تبت يدا أبي لهب وتب" رواه البخاري في مواضع من صحيحه منها (4801) ورواه مسلم (208) والترمذي (3363) وأحمد والنسائي وغيرهم.
وفي رواية لمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت" وأنذر عشيرتك الأقربين"قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا فاطمة ابنة محمد. يا صفية ابنة عبد المطلب. يا بني عبد المطلب. لا أملك لكم من ا لله شيئاً سلوني من مالي ما شئتم". رواه مسلم (205) وأحمد (6/187) وروى مسلم نحوه عن أبي هريرة.
وذكر ابن الأثير في الكامل (2/40) أنه صلى الله عليه وسلم جمعهم وقال لهم:
"إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، وإنها لجنة أبداً أو لنار أبداً".
فتكلم القوم كلاماً لينا غير عمه أبي لهب الذي كان خصماً لدوداً، فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب، فإن سلمتموه إذن ذللتم، وإن منعتموه قتلتم. فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا، ثم انصرف الجميع.
قال الأستاذ محمد الحضري:
ولما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة سخرت منه قريش واستهزؤوا به في مجالسهم، فكان إذا مر عليهم يقولون: هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء! وهذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء! لا يزيدون على ذلك.
فلّما عاب آلهتهم وسفه عقولهم وقال لهم:"والله يا قوم لقد خالفتم دين أبيكم إبراهيم" ثارت في رؤوسهم  حمية الجاهلية غيرة على تلك الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم، فذهبوا إلى عمه أبي طالب الذي أخذ على نفسه حمايته من أيدي أعدائه، فطلبوا منه أن يخلي بينهم وبينه، أو يكفه عما يقول. فردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يريد، لا يصده عن مراده شيء.
فتزايد الأمر، وأضمرت قريش الحقد والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحث بعضهم بعضاً على ذلك، ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، وقالوا له: إن لك سناً وشرفاً ومنزلة منا، وإنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك، فلم تنهه، وإنا والله لا نصير على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه عقولنا، وعيب آلهتنا.. وقالوا لأبي طالب: إما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا، فعظم على أبي طالب فراق قومه، ولم يطب نفساً بخذلان ابن أخيه فقال له:
يا ابن أخي. أن القوم جاءوني فقالوا لي كذا، فأبق على نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
فظن الرسول صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله فقال له: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه".
ثم بكى وولّى.
فقال أبو طالب: أقبل يا ابن أخي: فأقبل عليه فقال: اذهب فقل ما أحببت والله لا أسلمك.
صبر وثبات لا نظير لهما في الناس.. فصلى الله وسلم عليه تسليما كثيراً.

|1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11|12|13|14|15|16|17|18|19|20|21|22

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم