إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

الجانب الدعوي في السيرة النبوية [20/22]

الاحد 14 محرم 1430 الموافق 11 يناير 2009  
الجانب الدعوي في السيرة النبوية [20/22]
د. محمد بن لطفي الصباغ

ما زلنا نتحدث عن الصبر والثبات.. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المثل الأعلى. لقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً،وشتمه المشركون شتائم منكرة، واتهموه اتهامات باطلة.. فقد زعموا مرة أنه ساحر، وزعموا أنه كاهن مرة أخرى، وزعموا أنه شاعر، وزعموا أنه مفتر يلقن كلاماً فيقوله وقد ذكر ذلك ربنا سبحانه في كتابه الكريم فقال تعالى:"وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ". [الأنبياء:3]. وقال سبحانه:"بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ" [الأنبياء:5]. قالوا: إنه بشر مثلكن ولكنه ساحر، أفتتبعونه وأنتم تعلمون أنه ساحر.. هذه النجوى التي أسرها الظالمون المشركون.. ولم يكتفوا بذلك، بل اتهموه بأنه يرى أضغاث أحلام في نومه فإذا استيقظ أعلنها أنها قرآن موحى به من عند الله.. ثم قالوا: بل هو شاعر. قال الله تعالى:"وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ".[يس:69-70]. قال الأستاذ سيد:".. ثم ينفي لياقة الشعر بالرسول صلى الله عليه وسلم (وما ينبغي له) فالشعر منهج غير منهج النبوة، الشعر انفعال و تعبير عن هذا الانفعال، والانفعال يتقلب من حال إلى حال، والنبوة وحي على منهج ثابت على صراط مستقيم.. ولا يتبدل ولا يتقلب مع الأهواء الطارئة تقلب الشعر مع الانفعالات المتجددة التي لا تثبت على حال. والنبوة اتصال دائم بالله، وتلق مباشر عن وحي الله، بينما الشعر –في أعلى صورة- أشواق إنسانية إلى الجمال والكمال مشوبة بقصور الإنسان وتصوراته المحدودة بحدود مداركه واستيعاباته". وتعرض صلوات الله وسلامه عليه إلى الاستهزاء فصبر ولم يبال بهؤلاء الأشقياء قال تعالى:"وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ".[الأنبياء:36]. وقال تعالى تسلية لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:"وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون".[الأنبياء:41]. وقال تسلية له أيضا:"كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ".[الذاريات:52-53]. ومن إيذائهم له صلى الله عليه وسلم أنهم وصفوه بأنه مجنون قال تعالى:"وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ".[الحجر:6]. إنهم يستهزئون به عندما ينادونه بالذي نزل عليه الذكر ثم يخاطبونه: إنك لمجنون. وكانوا يستكبرون عن قبول دعوة التوحيد ويقولون: هل ندع آلهتنا لشاعر مجنون قال تعالى:"إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ". [الصافات:35-36]. وقد رد الله عليهم فقال:"بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ". [الصافات:37]. وكذلك فقد قالوا بعد أن أعرضوا عن دعوة الحق: إن هناك من يعلّمه وهو بعد ذلك مجنون، قال تعالى:"ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ".[الدخان:14]. ويأمر الله تبارك وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتذكير والتبليغ، وينفي عنه مقولاتهم الباطلة قال تعالى:"فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ". [الطور:29-31]. فقد ذكر ربنا في هذه الآيات ثلاثة اتهامات كانوا يطلقونها وهي أنه كاهن ومجنون وشاعر. وقال سبحانه:"مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ". [القلم:2]. وقال عز وجل:"وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ". [التكوير:22]. وأما اتهامهم إياه بالسحر فيجلو حقيقة هذا الاتهام قصة الوليد بن المغيرة كان الوليد من عظماء قريش، و هو عم أبي جهل، وكان في سعة من العيش، سمع القرآن مرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقومه بني مخزوم: ولله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فتوجه وقعد إليه حزيناً، وكلمه بما أحماه، فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه يهوس؟ وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعراً قط. وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم لا. ثم قالوا: فما هو؟ ففكر قليلاً ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه. فارتج النادي فرحاً، فأنزل الله في شأن الوليد في سورة المدثر مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم:"ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ". [المدثر:11-25]. وأما اتهامهم له صلى الله عليه وسلم بالكذب فقد ذكر ربنا تعالت أسماؤه مقولتهم في الكتاب الكريم فقال تعالى:"وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ". [ص:4]. وقال سبحانه:"وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ".[فاطر:4]. وقد قابل ذلك بالصبر والثبات. ومن الوقائع الشنيعة التي تعرض فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للأذى ما أخرجه البخاري في صحيحه وغيره عن عبد الله بن مسعود:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت في ظل الكعبة، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يجئ بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم: عقبة بن أبي معيط فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني عنه شيئا، لو كان لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون- ويميل بعضهم على بعض من الضحك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة-" وفي رواية:"فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرة فأقبلت تسعى- فطرحت عن ظهره وأقبلت عليهم تسبهم، ودعت على من صنع ذلك، فرفع رأسه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال:"اللهم عليك بقريش" ثلاث مرات. فشق عليهم إذ دعا عليهم، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى فقال:"اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد". قال عبد ا لله: فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب يوم بدر. ومن الوقائع الشنيعة التي تعرض فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للإيذاء ما ذكره السيوطي في ا لدر المنثور في التفسير بالمأثور في تفسير الفرقان ما ملخصه: أن عقبة بن أبي معيط صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال صلى الله عليه وسلم:"والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله". فتشهد، فبلغ ذلك أبي بن خلف الجمحي القرشي وكان صديقا له. فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء، دخل منزلي رجل شريف، فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم من طعامي فشهدت له. قال أبي: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ عنقه، وتبزق في وجهه، وتلطم عينه. فلما رأى عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل به ذلك. فأنزل الله في سورة الفرقان:"وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولا"ً. [الفرقان:27-29]. وكذلك كان الصحابة الذين تعرضوا للأذى من المشركين، لا سيّما من لم تكن له عشيرة تحميه، أُوذوا فصبروا. فمن ذلك بلال بن رباح رضي الله عنه الذي كان مملوكاً لأمية بن خلف الجمحي القرشي فكان يجعل في عنقه حبلاً ويدفعه إلى الصبيان يلعبون به وهو يقول أحد أحد، ولم يشغله ما هو فيه عن توحيد الله. وكان أمية يخرج به وقت الظهيرة في الرمضاء، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول: أحد أحد. ومر به أبو بكر يوماً فقال: يا أمية أما تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى تعذبه؟ قال: أنت أفسدته، فأنقذه مما ترى. فاشتراه منه وأعتقه. ومن ذلك ما لقي عمار بن ياسر وأبوه وأمه رضي الله عنهم أجمعين قال ابن حجر:[أخرج أبو أحمد الحاكم من طريق عقيل عن الزهري عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بياسر وعمار وأم عمار وهم يؤذون في الله تعالى فقال لهم:"صبراً يا آل ياسر-صبراً يا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة". وأخرج أحمد في "الزهد" من طريق يوسف بن ماهك نحوه مرسلاً، وأخرج الحارث في "مسنده" والحاكم أبو أحمد وابن منده من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عثمان وهو منقطع. وأخرجه الحاكم والطبراني في الأوسط من رواية أبي الزبير عن جابر مرفوعاً...] لقد كانوا يعذبون بالنار فمات ياسر وزوجته أم عمار وامتثلوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لهم:"صبراً آل ياسر". فصبروا وكانت لهم ا لجنة، فهنيئا لهم هذا المصير في الفوز ومرضاة الله العظيم. أقول: ما أشد حاجة الدعاة إلى الله في أيامنا هذه إلى استيعاب هذا الدرس والعمل به. والحمد لله رب العالمين.

|1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11|12|13|14|15|16|17|18|19|20|21|22

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم