إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

حديث أسواق خاصة بالمسلمين

الاربعاء 16 ذو القعدة 1430 الموافق 04 نوفمبر 2009  
حديث   أسواق خاصة بالمسلمين
د. محمد بن عبد الله القناص

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:

يردد البعض حديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حثَّ على إقامة أسواق خاصة بالمسلمين حتى تدور الثروات فيما بينهم، حيث لم أقف على الحديث، إلا  أنه  ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار مكان السوق، ويظهر أن هذا كان عند هجرته للمدينة، فقد روى الطبراني من طريق الحسن بن علي بن الحسن بن أبي الحسن أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت موضعاً للسوق، أفلا تنظر إليه؟ قال: بلى، فقام معه حتى جاء موضع السوق ، فلما رآه أعجبه، وركض برجله ، وقال: نِعْمَ سوقكم هذا ، فلا ينقص ولا يضربن عليكم خراج. [1]

ورواه ابن ماجة بلفظ:"ذَهَبَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى سُوقِ النَّبِيطِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لَكُمْ بِسُوقٍ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سُوقٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لَكُمْ بِسُوقٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا السُّوقِ فَطَافَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سُوقُكُمْ فَلَا يُنْتَقَصَنَّ وَلَا يُضْرَبَنَّ عَلَيْهِ خَرَاجٌ"[2]

وقد حث الإسلام على التكسب، وطلب الزرق الحلال عن طريق التجارة وغيرها، قال الله عز وجل:"وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ"[3]، عن عمر بن الخطاب قال: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي ألتمس من فضل الله، ثم تلا هذه الآية "وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ"[4] ، وقال تعالى:" لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ"[5]، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ فَنَزَلَتْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ [6]، وكان من هدي الأنبياء وأتباعهم بإحسان البحث عن التكسب ، وطلب الرزق، فعن أبي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ. [7]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ" [8] .

وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا .... " [9].

وأورد البخاري هذا الحديث في كتاب البيوع ؛ وقال الحافظ ابن حجر:"وَالْغَرَض مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيث اِشْتِغَالُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِالتِّجَارَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَقْرِيره عَلَى ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ الْكَسْبَ مِنْ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا أَوْلَى مِنْ الْكَسْب مِنْ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا"[10]

ولما استخلف أبو بكر رضي الله عنه قال:"لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِي ... "[11]، وقد كان رضي الله عنه تاجراً، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: خرج أبو بكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تاجراً إلى بصرى .... "[12].

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن نفسه:"أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ" يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ. [13]، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ ..... "[14] 

وعَنْ عُرْوَةَ البارقي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ . [15]

ولم يشغل الصحابة رضي الله عنهم التكسب والعمل عن القيام بواجبات الدين، بل إنهم كما وصفهم الله بقوله:"رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ" [16]، قال قتادة :"كَانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ"[17]، ولهذا فإن العمل والسعي في طلب الرزق لا ينافي التقوى والعبادة، بل هو من العبادة إذا حسنت النية ، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، ولم يُؤثر عن واحدٍ منهم أنه ترك العمل والتكسب وجلس في بيته، بل ورد عنهم ذم ذلك. قال عمر رضي الله عنه:"لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني؛ فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة"[18]، وكذلك من جاء بعدهم من السلف اقتفوا أثرهم في الحث على التكسب بالطرق المشروعة. قال سعيد بن المسيب:"لا خير فيمن لا يجمع المال فيكف به وجهه، ويؤدي به أمانته ، ويصل به رحمه"، وحكي أنه لما مات ترك دنانير فقال:" اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها ديني وحسبي". [19]

وقال رجل للإمام أحمد: إني في كفاية، فقال:"الزم السوق؛ تصل به الرحم، وتعود به على نفسك"[20]

هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. 

________________________

(1) - المعجم الكبير ( 19/264 )، قال الهيثمي:  رواه الطبراني في الكبير وفيه الحسن بن علي بن الحسن أبي الحسن البراد ولم أجد من ترجمه.

(2) - أخرجه ابن ماجه ح ( 2224 )، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (3/27)  : "  هذا إسناد ضعيف لضعف رواته إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن علي ابني الحسن وشيخهما الزبير بن أسيد قال المزي رواه الحسن بن علي بن أبي الحسن البراد عن أبيه عن الزبير بن أبي أسيد عن النبي r مرسلاً

(3) - سورة المزمل الآية:20

(4) - أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، ينظر الدر المنثور ( 8/323 )

(5) - سورة البقرة الآية: 198

(6) - أخرجه البخاري ح ( 2050 )

(7) - أخرجه البخاري ح ( 2073 )

(8) - أخرجه البخاري ح ( 2262 ) من حديث أبي هريرة

(9) - أخرجه البخاري ح ( 2049 )

(10) - فتح الباري 4/290

(11) - أخرجه البخاري ( 2070 )

(12) - أخرجه أحمد ح ( 25465 )

(13) - أخرجه البخاري ح ( 2062 )

(14) - أخرجه البخاري ح ( 118 ) ، ومسلم ح ( 2492 )

(15) - أخرجه البخاري ح ( 3643 )

(16) - سورة النور الآية: 27

(17) - أخرجه البخاري تعليقاً ( 4/297 )

(18) - انظر إحياء علوم الدين ، للغزالي ( 2/ 65 )

(19) - شرح السنة ، للبغوي ( 14/219 ) وسير أعلام النبلاء ( 4/ 245 )

(20) - الآداب الشرعية ، لابن مفلح (3/ 269)

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم