الرئيسة » السعـة » رأي
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
ضوابط الاختلاف
ضوابط الاختلاف
السبت 6 ربيع الثاني 1429 الموافق 12 إبريل 2008
 
ضوابط الاختلاف

مختار طيباوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إن الاختلاف بين الناس فطرة فيهم، لاختلاف مدارك العلوم النقلية والعقلية، فاختلاف التحصيل، واختلاف الثقافة والتلقي، واختلاف النفوس في جبلتها وطبيعتها وبديهتها وذكائها وغير ذلك، مما له علاقة بالعلم والحكم والرأي، أمر كامن داخل النفس البشرية، ولذلك تعددت آراء الناس واجتهاداتهم، واختلافاتهم في كل شيء.
ولما كان الإسلام دين الفطرة الذي جاء ليكملها وينميها بالمعارف الإلهية والنبوية، ولم يأت ليقصيها من مجال المعرفة الإنسانية، فقد ضبط الاختلاف بين المسلمين، وبين المسلمين وغيرهم من أهل الملل الأخرى، وحدد أصول التعامل البيني بين مختلف التوجهات، وجعل حدودا للمسلم يجب عليه ألاَّ يتجاوزها وإلا كان ظالما، وهذه الضوابط والأصول بعضها علمي عقلي، وبعضها الآخر خلقي نفسي.
و اليوم أصبحنا نشاهد خلافا بين المسلمين بعضه حق، إذ هو من الدفاع عن أصول الإسلام وثوابته، التي يجب أن يجتمع عليها كل المسلمين، ولكن الدعوة إلى هذه الأصول لا يكون إلا بحوار علمي موضوعي بعيد عن الحروب الكلامية والتراشق بالتهم، فإن بعضا ممن ينتسب للإسلام قد تنازل عن هذه الوسيلة الشرعية بل ألغاها كلية من منهجه، واستعاض عنها بنوع من التدابير الأمنية ارتدت عليه فألغته من المجتمع، أو حاصرته في زاوية منه انتهى فيها دوره الدعوي، لأنه نسي مهمته الأولى وهي الدعوة إلى الله، والعمل لإنقاد الناس وتقمص مهمة القضاة، ومعلوم أن القاضي لا أخ له في مجلس القضاء.
فهؤلاء الذين امتنعوا عن التعاون على الخير مع غيرهم بسبب هذه التدابير الأمنية الردعية الدفاعية لم يفهموا القرآن، بل تركوا ما دل عليه كقاعدة يتعامل بها المسلمون على مدار الزمن، وتمسكوا بما هو مؤقت وزمني يرجع لظروف معينة ويتلبس بشروطها، فأدخلوا في مسمى الهجر والبدعة ما ليس منها، فحكموا بحكم مراد النصوص من الهجر والمقاطعة على ما ليس منها، فسووا بين ما فرق الله عز وجل بينهما.
ثم لزمهم بعد ذلك أن أخرجوا من مسمى الأخوة الإسلامية والولاء الإسلامي والتعاون على البر والتقوى بعض أفراده الداخلة تحته، فسلبوا عنها حكمه، ففرقوا بين ما جمع الله بينهما.
فهؤلاء تركوا الواجب الشرعي في التعاون على البر والتقوى بحجة مقاطعة المخالف وهجره، وأهملوا شؤون السياسة العامة، وشؤون المجتمع بحجة الورع واجتناب الشبهات، ومعلوم أن التعاون نوعان: تعاون على البر والتقوى من الجهاد بالكلمة والقلم واليد وفق الشروط الشرعية، وتعاون على الحكم بحكم الله من إقامة الحدود، و إعطاء المستحقين حقوقهم، واستيفاء الحقوق، ورعاية الضعفاء من اليتامى والأرامل وتربية النشء ومساعدة الفقير/ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما أمر الله ورسوله، ومن أمسك عن هذا التعاون خشية عدم مقاطعة المخالف أو خشية أن يكون عونا له فقد ترك فرضا على الأعيان أو على الكفاية، متوهما أنه متورع وسني ومتبع لمنهج السلف الصالح، فما أكثر ما يشتبه الفشل والجهل والجبن بالورع إذ كل منهما كف وإمساك وامتناع.
إن الدعوة إلى الحوار، لا تعني التخلي عن هذه الأصول أو المساومة عليها، بل الحوار الممكن مع الغير هو تعريفه بهذه الأصول والثوابت المنهجية، فليس في الإسلام شيء يقبل التنازل عنه صغيراً كان أو كبيراً، ولكن مراتب الأعمال تختلف بحسب القدرة والإمكان، فالغرض من الحوار إظهار الحق بسائر الأدلة، ثم البحث عن المشترك وتجليته ثانيا، أما أن يكون الحوار نوعا من المفاوضات لإيجاد اتفاق سياسي أو اجتماعي على حساب جوهر وجودك الديني، فهذا ليس من الحوار في شيء.
والمشكل في الاختلاف العلمي عند المسلمين في هذا العصر أنه لم يحبس بين العلماء والمفكرين فقط، بل عندما تلبس بالحب والبغض، بالمدح والقدح لم يعد اختلافا علميا بل نعرة مذهبية أو طائفية، بل قد بلغ أواره بين أهل الجماعة الواحدة، حتى نزل إلى سوق العوام، وأصبح الصبية والأحداث يتحدثون بالجرح والتعديل، كأنهم يعرفون الجرح والتعديل، غير مميزين بين المتشدد والمتساهل، بين إجماع السلف وآراء بعضهم، وتميع هذا العلم الشريف الذي لا يقدر قدره ويعرف منزلته إلا الجهابذة من علماء المسلمين.
و المؤسف أن كثيرا من هذا الجرح والتعديل هو إما مدح محب أو قدح ساخط، ولا علاقة له بتاتا بعلم الجرح والتعديل إلا في النادر، فقد يصدر من الرجل الواحد كلاما بعضه حق وبعضه هو محض رأيه وتأويله، بل قد فقد هذا العلم قيمته عندما ارتد على نفسه بفعل بعض الدعاة الأحداث المتهورين، الذين استخدموه لأغراضهم الشخصية للتخلص ممن يعتقدون أنه ينافسهم على رئاسة العوام.
فمن وثقه أهل العلم ووثقته الأمة، جرحه بعض هؤلاء المولعين بالكلام في الناس جرحا مبهما غير مفسر، بل يوثقون في مناسبة ويجرحون في أخرى تحكما، ومعلوم أن تعارض أقوال الشخص الواحد يستلزم تناقضه، وكون قوله الأول هو الصواب أو الثاني يحتاج إلى دليل.
ولا يعني هذا أن من وثقته الأمة أو وثقه العلماء لا يجوز انتقاد أقواله، ولكن يجب التفريق بين الانتقاد والجرح، بين نقد القول ونقد الشخص، فليس كل من ننتقده يستلزم أن جرحناه كما كان المحدثون قديما يجرحون رواة الحديث المتهمين بالكذب وما شابهه، فالتوثيق يبقى دليلا عاما، والانتقاد دليلا خاصا، أو استثناء من العموم.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
السلام عليكم   |       
مساءً 10:24:00 2010/03/27
للشيخ الطيباوي الان موقع ينصر فيه السنة بالعلم والاعتدال .......

الصفحة 1 من 1

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم

   

الحقوق محفوظة لمؤسسة الإسلام اليوم 1420هـ - 1433 هـ