الرئيسة » السعـة » رأي
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
سبب نزول قوله تعالى: "إن جاءكم فاسق بنبأ..."
الاثنين 06 ذو الحجة 1430 الموافق 23 نوفمبر 2009
 
سبب نزول قوله تعالى: "إن جاءكم فاسق بنبأ..."

د. محمد بن عبد الله القناص

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:

ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على صدقات بني المصطلق، وقد رُوي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده ح (17991) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَا أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ، فَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنْ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  رَسُولًا لِإِبَّانِ كَذَا وَكَذَا ([1]) لِيَأْتِيَكَ مَا جَمَعْتُ مِنْ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لَهُ، وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِ، احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِهِ، ([2]) فَظَنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ؛ فَدَعَا بِسَرَوَاتِ قَوْمِهِ ([3]) فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  كَانَ وَقَّتَ لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنْ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  الْخُلْفُ وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سَخْطَةٍ كَانَتْ فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرِقَ ([4]) فَرَجَعَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ، وَأَرَادَ قَتْلِي فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ إِذْ اسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ، وَفَصَلَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُمْ الْحَارِثُ، فَقَالُوا هَذَا الْحَارِثُ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ؟ قَالُوا إِلَيْكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ، وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ قَالَ لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً وَلَا أَتَانِي فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  قَالَ: مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي، قَالَ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ سَخْطَةً مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ، قَالَ فَنَزَلَتْ الْحُجُرَاتُ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" إِلَى هَذَا الْمَكَانِ "فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"..

وهذا إسناد ضعيف: دينار والد عيسى هو الكوفي مولى عمرو بن الحارث تفرد بالرواية عنه ابنه عيسى، قال ابن المديني: لا أعرفه، ومحمد بن سابق: مختلف في توثيقه، ولهذه القصة شواهد ضعيفة من حديث ابن عباس عند الطبري في التفسير (26/123)، والبيهقي في السنن (9/54)، ومن حديث أم سلمة عند الطبري في التفسير (26/123)، والطبراني (23/ح (960)، ومن حديث جابر عند الطبراني في الأوسط  (3809)، ومراسيل عن قتادة ومجاهد وغيرهما عند الطبري (26/123-125)، وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر أنه لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ([5]).

وقد يُشكل ما جاء في هذه القصة من وصف الوليد بالفسق مع ما أجمع عليه العلماء من عدالة الصحابة –رضي الله عنهم-، والتي دلت عليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وليس المقام مقام بسط هذه الأدلة، وقد أجاب العلماء عن هذه القصة بأجوبة:

1- منهم من يرى أن هذه القصة لا تثبت؛ لأن جميع طرق هذه القصة لا تخلو من ضعف، قال الحافظ ابن كثير: "وقد بعث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الوليد بن عقبة على صدقات بنى المصطلق فخرجوا يتقلونه فظن أنهم إنما خرجوا لقتاله فرجع فأخبر بذلك رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فأراد أن يجهز إليهم جيشا، فبلغهم ذلك فجاء من جاء منهم ليعتذروا إليه، ويخبرونه بصورة ما وقع، فأنزل الله تعالى في الوليد: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" الآية ذكر ذلك غير واحد من المفسرين، والله أعلم بصحة ذلك، وقد حكى أبو عمرو بن عبد البر على ذلك الاجماع" ([6])، ومال ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم ([7]) إلى تضغيف القصة من جهة أن الوليد بن عقبة كان صغير السن في ذلك الوقت، ومن كان في مثل سنه لا يناسب أن يبعث مصدقاً، فقد ورد في مسند الإمام أحمد عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-  مَكَّةَ جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ فَيَمْسَحُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ وَإِنِّي مُطَيَّبٌ بِالْخَلُوقِ وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَى رَأْسِي وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ أُمِّي خَلَّقَتْنِي بِالْخَلُوقِ فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخَلُوقِ ([8])، وفي هذا الإسناد ضعف، فهو من طريق عبد الله الهمداني عن الوليد، وهو مجهول، والراوي عنه ثابت بن الحجاج تفرد بالرواية عنه، وقال البخاري في التاريخ الكبير: لا يصح حديثه. 

2- أن هذه الآية دلت على وجوب التثبت من خبر الفاسق، ولكن لا يلزم من ذلك وصف الوليد بالفسق؛ لأن الوليد لم يتعمد الكذب، بل أخبر بما رأى، فهو لما رأى الحارث وقومه ظن أنهم اجتمعوا لقتله، فأخبر النبي –صلى الله عليه وسلم-  بما ظنه، قال الرازي: "ما ذكره المفسرون من أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة حين بعثه إلى بني المصطلق، إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبت من خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهو ضعيف، لأن الوليد لم يقصد الإساءة إليهم، وحديث أحمد يدل على أن الوليد خاف وفرق حين رأى جماعة الحارث، فظن أنها خرجت لحربه، فرجع وأخبر رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  بما أخبره ظناً منه أنهم خرجوا لقتاله، ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ "الفسق" على الوليد شيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقاً"، وقال الحافظ ابن حجر -في ختام ترجمة الوليد بن عقبة-: "والرجل قد ثبتت صحبته، وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى، والصواب السكوت عنها" ([9])

3- أنه على تقدير وصف الوليد بالفسق فهذا شيء نادر في الصحابة، والنادر لا حكم له، ثم إنه حصلت له التوبة التي تُذهب وصف الفسق، قال العلائي: "الصحابة كلهم عدول،....  ولا يقال فقد وقع من بعض الصحابة الكذب كما نقله أهل التفسير في قصة الوليد بن عقبة، ونزول قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ" الآية.... لأنا نقول إن سُلِّم صحة ذلك فهو نادر جدا لا أثر له، والحكم إنما هو للغالب المستفيض الشائع، وقد تقدم قول البراء –رضي الله عنه- ولم يكن بعضنا يكذب بعضا، وهذا هو الأمر المستقر الذي أطبق عليه أهل السنة أعني القول بعدالة جميع الصحابة –رضي الله عنه-، ولا اعتبار بقول أهل البدع والأهواء ولا تعويل عليه"([10])، هذا والله أعلم..    

 

 



[1] - أي لوقت كذا وكذا ، والمراد وقت حصول الثمرة.

[2] - الحبس المنع والتأخير.

[3] - أي زعمائهم وسادتهم.

[4] - الفَرق: الخوف والفزع.

[5] - الاستيعاب ( 1/492 ).

[6] - البداية والنهاية ( 8/214 ).

[7] - ص ( 91 ).

[8] - أخرجه أحمد ( 4/32 ).

[9] - تهذيب التهذيب ( 11/142 – 144 ).

[10] - جامع التحصيل ص ( 96 ).

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
بنت القران   |       
مساءً 07:06:00 2013/02/13
جزاك الله خيرا اخي الفاضل

salma   |       
مساءً 01:38:00 2012/09/17
chokran chokran bazaf 3la had lma3loumat jazakomo allaho khayran

bouchram   |       
مساءً 12:29:00 2011/10/17
mérci bzafe 3la lma3lomate

تبارك الله   |       
مساءً 10:18:00 2010/12/30
شكرا شكراشكرا. تبارك الله.

الصفحة 1 من 1

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم

   

الحقوق محفوظة لمؤسسة الإسلام اليوم 1420هـ - 1436 هـ