إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

خيرٌ فبركةٌ فسلامٌ

الاثنين 06 رمضان 1431 الموافق 16 أغسطس 2010  
خيرٌ فبركةٌ فسلامٌ
عبد المجيد محمد الغيلي

 

تأتي كرامة القيم والمناهج من كرامة المصدر الذي صدرت منه، ومن كرامة السياق الذي أتت فيه. وخير منهج عرفه الإنسان هو القرآن الكريم، فهو النور والهدى والبينة.

لقد بينت سورة القدر أن كرامة المنهج تأتي من ناحيتين:

الأولى: كرامة المكان، فهو منهج سماوي نزل من السماء، أنزله الله -جل جلاله- إذن فهو ليس منبعثا من الأرض، بل هو نازل من أعلى إلى الإنسان، ونزوله يحمل دلالة المكانة العظمى التي يتبوؤها.

الثانية: كرامة الزمن الذي نزل فيه، فـالله - جل جلاله - أنزله في ليلة القدر، وهي ليلة قَدْرها عظيم عند الله - جل جلاله –"وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ"؟! هذه الليلة هي أعظم ليلة في السنة، في أعظم شهر في السنة، وهي ليلة الخير والبركة والسلام، فهي "خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ"، وهي ليلة مباركة "تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ"، وهي ليلة السلام "سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ".

إن هناك ارتباطا وثيقا بين شهر الهدى، وبين منهج الهدى، بينته سورة القدر أتم بيان، وأحسنه. تتضح هذه العلاقة في ثلاثة مرتكزات، وهي: الخيرية، والبركة، والسلام، فليلة القدر تتسم بهذه السمات الثلاث، وهي صفات تنعكس مباشرة على المنهج المنزل فيها، فهو خير من كل المناهج التي دونه، وفيه البركة والنماء لمن اتبعه في الدنيا والآخرة، وهو السلام الذي يحل على الأرض وعلى أهلها جميعا.

خير:

إن شهر رمضان هو خير الشهور، وكذلك القرآن الكريم هو خير الكتاب ... فمن أين أتت الخيرية؟ وما تجلياتها في حياتنا؟

إن الخيرية تتمثل في أن هذين يعمدان إلى منازع الشر عند الإنسان، فيحطمانها، ويعريانها، ويهدمان البناء الذي يرتكز عليه الشر، ويقوضانه بمعاول الحق والفلاح. رمضان يمتد على ثلاثين يوما، يجد المسلم فيه فرصة لمراجعة حياته، والنظر إلى ما مضى من عمره، وقراءة صفحات كتابه الذي كتبه بأعماله، وسطره بإنجازاته – نظرة متأنية فاحصة، وسرعان ما يجد عند النظر محطات الخير التي مر بها ولم يتزود منها، ومحطات الشر التي ملأ سيارته من وقودها، وهو وقود وهمي، لا يعطي السيارة قوة دافعة، وإنما يعطيها قوة مثبطة لا تظهر له إلا حين يقف فيتأمل ويقارن.

إذن فرمضان فرصة زمنية للإنسان تشعل فيه نوازع الخير، وتوقدها، وتطفئ منازع الشر وتهدمها...ومن هنا يكون رمضان خير الشهور، وذروة الخيرية فيه هي في ليلة واحدة تمتد من غروب الشمس حتى مطلع الفجر. وتظل هذه الليلة غير معلومة، ليبذل المسلم كل طاقاته، ويستنفر كل ذرات الخير فيه، لينال فضلها، فإذا فعل ذلك تفجرت فيه بحار عظيمة من الخير تعطيه قوة دافعة لألف شهر...

والقرآن الكريم هو المنهج العظيم الذي تعبر عنه (77436) كلمة، وكل كلمة منها مليئة بأشعة من النور والهدى والبينات...والإنسان حين يقف مع هذه الكلمات فإنه ينطلق محلقا في فضاء آخر، يسمو على المناهج والقيم الأرضية الدونية، فهو يصل حبله بحبل الخالق العظيم، ليتلقى منه مباشرة أسس الهداية والنور، وعندئذ تجد روحه حياة أخرى، ويجد عقله معاني أخرى، ويجد جسمه لذائذ أخرى، وكل هذه تدفعه إلى أن يصبح نموذجا للخير في الأرض بقوله وفعله وحتى بتفكيره ومشاعره.

إذن فرمضان زمان مختلف عن سائر الأزمنة، واختلافه يعطيك فرصة لتفقد محطات الخير التي لم تتزود منها، وكذلك القرآن الكريم كلام مختلف عن سائر الكلام، واختلافه يعطيك فرصة لتسمو بروحك وكيانك وعقلك ومشاعرك إلى سحب الخير فلا تمشي على أرض، وإنما تطير مع المسارعين إلى الخيرات.

بركة:

إن الخير الذي يسعى إليه الإنسان يعد من دأبه وجهده، فهو الذي يبذل ويسعى حتى يعمل الخير، ويقول الخير، فيصبح فعله في الحياة خيرا لنفسه وللآخرين، ويصبح قوله خيرا لنفسه وللآخرين... أما البركة فشأنها آخر.

إن البركة هي هدية الله للإنسان الذي يسعى إلى الخير، وعلى قدر سعيه إلى الخير يحصل على البركة.

والبركة هي الزيادة والنماء، وهي زيادة محسوسة وغير محسوسة، ولا تقتصر على ما ليس بمحسوس كما يرى بعض المفسرين، فكل زيادة يحصل عليها المرء في جسمه أو في صحته أو في رزقه أو في أهله أو في جاهه فهي بركة، وكل زيادة يحصل عليها المجتمع في قوته أو في أمنه أو في عزته أو في فخره فهي بركة... وطريق الوصول إلى كل ذلك هو السعي إلى الخير.

إن شهر رمضان هو شهر البركة، ففيه تتضاعف الحسنات، وتزداد الأجور على الطاعات، وتزداد الأمة سعادة ورفعة، وكثيرا ما حقق المسلمون انتصاراتهم في شهر البركة، وكثيرا ما تحققت إنجازات الأمة العظمى في شهر البركة، وفي شهر البركة أنزل الله للإنسان مصدر النور والهدى والبينات ... فأي بركة أعظم من هذا؟

وكذلك القرآن الكريم، فهو كتاب مبارك، كما قال تعالى: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ"، وطريق الوصول إلى بركة القرآن هو تدبره أولا، ثم الاتعاظ به وتفعيله في حياتنا، حتى تسير وفقا له، فتهتدي بهديه، وتستضيء بنوره،،، وعندئذ يجد متبعوه كل البركة في حياتهم.

وهل الحضارة الإسلامية التي أشعت أنوارها لقرون عديدة إلا بركة من بركات القرآن الكريم على القوم الذين اتبعوه، وبهذه الأنوار استضاء أقوام آخرون لم يتبعوه، فنهضوا في حياتهم، وإن كانت آخرتهم بوارا؟!

إن البركة التي يحصل عليها أتباع القرآن الكريم - لا تقف عند حد، بدءا من السعادة والطمأنينة والسكينة، للفرد، ومرورا بأمن المجتمع، ورخائه، وتكافل أبنائه، وتحابهم، وتراحمهم، وانتشار كافة معاني الإخاء بينهم، وانتهاء بقوة الدولة وازدياد نفوذها وثرواتها، وهيبتها...كل ذلك يحتاج منا فقط أن نجعل القرآن الكريم برنامجا لحياتنا.

سلام:

لن أطيل الكلام على هذه النقطة، بالرغم من الحاجة الملحة إلى إعادة عرضها عرضا مختلفا يناسب عظمة المقام الذي نتحدث عنه... غير أني سأقول باختصار: إن البشرية كانت راتعة في بحار من الشقاء والمعاناة والاستبداد والشر والإثم والفتك...الضعيف يفترسه القوي، كما يفترس الأسد غزالة عجزت عن اللحاق بالسرب، والصغير يذله الكبير، والمرأة قد سلبت من إنسانيتها وجردت منها، ولم تعد إلا ملحقا بالبيت في أحسن حالاتها... والشعوب تئن، ولعل من أحسن من وصف تلك الحالة أحمد شوقي حين قال:

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم*** إلا  على  صنم  قد  هام في  صنم

والأرض مملوءة  جورا  مسخرة*** لكل  طاغية  في الخلق  محتكم

مسيطر الفرس يبغي في رعيته*** وقيصر الروم من كبر أصم عم

يعذبان  عباد الله في شبه *** ويذبحان  كما ضحيت بالغنم

والخلق يفتك أقواهم  بأضعفهم*** كالليث  بالبهم أو كالحوت بالبلم

فما الذي صار إليه حال البشرية بعد ذلك؟

لقد كانت تلك الليلة العظيمة – ليلة القدر- التي نزل فيها القرآن العظيم، هي ليلة التحول في تاريخ البشرية...إنني أكتب هذه الحروف وجسدي يقشعر استشعارا لعظمة تلك الليلة، ودموعي تهطل على قلمي، فماذا عسى أن نقول عنها؟! وماذا عسى أن نسطر في عظمتها؟! إنها الليلة التي أذن الله فيها بأن يعم السلام كافة البشرية، وأن يسترد هذا الإنسان المظلوم حقه في أن يعيش بسلام وأمن وطمأنينة، دون علاقة ذلك الحق بدين يتبعه أو طائفة ينتمي إليها... فمن حق كل إنسان أن يعيش في أمن وسلام، ومن واجبنا نحن كمسلمين أن ندافع عن أي إنسان يصيبه الظلم أو الاضطهاد،،، ومن حق الناس جميعا علينا – نحن حملة القرآن الكريم – أن ندافع عن سلامهم الذي سرقته كثير من الأنظمة والإمبراطوريات الزائفة، التي تبيع لنا سلات كبيرة من الأوهام، ولكنها سلات متعفنة، لا تستطيع أن تقترب من ريحتها على بعد خمسمائة عام!!!

إنها ليلة تشع بالسلام كما يشع به شهر رمضان، وكما يشع به نور القرآن الكريم. والله أراد أن تكون الأرض دار سلام، فأنزل القرآن العظيم، ودعانا إلى دار السلام الأخرى، وهي الجنة "وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".

وأخيرا:

إنها ثلاث مراحل متتالية، كل واحدة منها تقود إلى الأخرى، عليك أن تبدأ الخطوة الأولى، فتسعى إلى الخير، وعندئذ سيمن عليك الله بالبركة في رزقك ونفسك وأهلك وكل شؤون حياتك، وكمحصلة نهائية لهذين فإنك ستحظى بالسلام والعيش الآمن المطمئن.

وكذلك الأمة، لن تصل إلى السلام إلا عبر بوابته الطبيعية، الخطوة الأولى، هي السعي إلى الخير، وعمله، وإقامته، والنضال في سبيله، والحفاظ عليه، وذود كل من يثبط عنه، وتولي أهله، ... وعندئذ ستحل عليهم بركات الله، من رزق وراحة وسكينة وتوفيق وحفظ ورعاية وحماية، وبعد ذلك ستنعم الأمة بالسلام في النفوس وفي الأرض...أعرفنا إذن؟!

تأمل قوله تعالى: "يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ"، فالوصول إلى السلام لا يكون إلا بعد أن يسعى الإنسان باتباع رضوان الله، وهذا هو السعي إلى الخير.

وبعد، فإنني أدعو كل المتحدثين والكُتاب إلى أن يُفعّـلوا هذه القيم في حياتهم أولا، ثم في حياة الناس ثانيا،،، ويعيدوا صياغتها بأي عبارة يريدون، وبأي لغة يشاءون، فالهدف أن تصبح ثقافة عامة للمسلين جميعا، بل ولغيرهم. فديننا بمنهجه وشعائره يقوم على هذه الأسس الثلاثة: الخير والبركة والسلام.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - خالد الشهاري
    مساءً 03:46:00 2010/08/17

    تعجبني في كتاباتك أخي عبدالمجيد أنك تبتكر زوايا جديدة للكتابة في مواضيع قد تبدو مألوفة من الوهلة الأولى وهذا الابتكار في طريقة تناول الموضوع هو ما يميزك عن الكثبر من الكتاب فسلمت يداك ونحو مزيد من الابداع.

  2. 2 - منير بارحمه
    مساءً 03:09:00 2010/08/17

    موفق دائما اخي أ. عبدالمجيد جزاك الله خيرا قشعرت لي جسدي معك!!

  3. 3 - عباس محمد
    مساءً 01:57:00 2010/08/17

    سلام كبير للكاتب أؤيد الكاتب بأن نجعل الكلام عملا قابلا للتطبيق.

الصفحة 1 من 1