إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

حكم إجراء العقود الفاسدة

حكم إجراء العقود الفاسدة

الاحد 18 ربيع الثاني 1433 الموافق 11 مارس 2012  
حكم إجراء العقود الفاسدة
عبد المجيد بن صالح المنصور

المقدمة
حكم الدخول فيه ابتداء
حكم الاستمرار فيه

المقدمة:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لانبي بعده أما بعد:
فإنه لما أقبلت الدنيا، وجاء كفران النعمة، وهاجت فتن الشبهات والشهوات، وغلب الهوى، وعز اليقين، وتساهل الكثير في الاكتساب، حتى غدا الفاصل بين الحلال والحرام واهياً ضبابياً، وتجاوز آخرون الحلال إلى الحرام إلا من رحم الله، كان من الواجب على الدعاة والخطباء تذكير الناس عامة بوجوب تحري الكسب الحلال، وتحريم إجراء العقود الفاسد، والمكاسب الخبيثة، والربوية منها بخاصة، ولقد أصبح اليوم ذلك التذكير مطلباً ملحاً أكثر من أي يوم مضى.
وتناقش هذه الدراسة حكم إجراء العقود المحرمة ابتداءً، وحكم الاستمرار فيها بعد الدخول، مع بيان النصوص الشرعية، وبيان أقوال علماء المذاهب في ذلك؛ ليعود للحق من كان قد تشبث بقول عالم عن طريق الخطأ، والفهم الغلط.
ولأجل حصر الموضوع وحمايته من التشعب؛ جعلته في فرعين:

حكم الدخول فيه ابتداء
العقد الفاسد (1) إنما سمي فاسداً؛ لأن الشارع نهى عنه، وكل عقد نهى الشرع عن إجرائه فهو فاسد أو باطل(2)، فالفساد في العقود إنما هو نتيجة وأثر للنهي الوارد عليها، وإذا عُرِف هذا عُرِف الحكم التكليفي لإجراء العقد الفاسد والدخول فيه ابتداء وهو التحريم.
وتحريم إيقاع العقود الفاسدة والإقدام عليها أولى وأشد من تحريم إيقاع الشروط الفاسدة؛ لأن التحريم فيها عائد إلى ذاتها، بخلاف الشرط، فإنه أمر خارج عن ذات العقد، فكل عقد فاسد يفسد العقد وما لحقه من الشروط، وليس كل شرط فاسد يفسد ذات العقد.
قال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-: ( إيقاع العقود الفاسدة أو الشروط الفاسدة حرام لا يجوز؛ لأن الفساد نتيجة التحريم وثمرته، فلا فساد إلا بتحريم، ولهذا نقول: " كل فاسد محرم وليس كل محرم فاسداً، ومعنى فاسداً أي: لا تترتب عليه أحكامه")(3)
و تحريم الدخول في العقد الفاسد لم يختلف العلماء فيه في الجملة، حتى عند الحنفية الذين أثبتوا ملكية الفاسد بالقبض فقالوا: ( إن المقصود سلامة الدين التي لها شرعت العقود وليندفع التغالب، والوصول إلى دفع الحاجة الدنيوية وكل منهما بالصحة، وأما الفاسد فعقد مخالف للدين، ثم إنه وإن أفاد الملك لكن لا يفيد تمامه إذ لم ينقطع حق البائع من المبيع، ولا المشتري من الثمن إذ لكل منهما فسخه بل يجب عليه)(4).
ولذلك قال بعض الحنابلة: ( ويحرم تعاطيهما عقداً فاسداً من بيع أو غيره) (5) ، وقال بعض الشافعية: (العقد الفاسد تعاطيه حرام )(6).
قال الزركشي: (وقال ابن الرفعة: ما كان من العقود منهياً عنه فالإقدام عليه حرام) (7).
ومعنى هذا التحريم عند جمهور العلماء: أن العقود الفاسدة التي نهى الشرع عنها يحرم تعاطيها ولا ينتقل الملك بها لو تراضى على ذلك المتعاقدان، فقولهم: (يحرم ذلك ) يعنون: أن من فعل ذلك فهو آثم؛ لأنه فعل ما لا يجوز له فعله، ومع الإثم لايتم به ملك أيضاً؛ لئلا يظن الجاهل أن من فعل ذلك فسد عقده فقط، بل يقال يأثم ويفسد العقد، ولا يملك به، فيجب رد السلعة إلى البائع، وصور العقد الفاسد كثيرة لا تنضبط، يدخل فيه كل بيع نُهي عنه سواء أكان من الربويات أم من غيرها كالطعام الذي يباع قبل قبضه وكالعينة، وكما لو جمع بين سلف وبيع، أو بيع ما ليس عنده(8).
أما معنى ذلك عند الحنفية: أن العقود الفاسدة التي نهى عنها الشرع يحرم تعاطيها ولو تراضى على ذلك المتعاقدان، فإذا قبضه فإنه يملكه ملكاً خبيثاً يجب فسخه ويأثم في قبضه، وهنا نجد أن ثم قدر مشترك بين الجمهور والحنفية وهو تحريم تعاطيه وخبثه ووجوب فسخه و التراد (9).
ومع أن هذا هو حكم الدخول فيه إلا أنه قد يجوز الإقدام عليه أحياناً، وذلك عند الضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات.
قال الزركشي: ( وقد يجوز الإقدام على العقد الفاسد للضرورة كالمضطر يشتري الطعام بزيادة عن ثمن المثل ) (10).
وجاء في مغني المحتاج: ( وتعاطي المعقود الفاسد حرام في الربوي وغيره إلا في مسألة المضطر المعروفة، وهي فيما إذا لم يبعه مالك الطعام إلا بأكثر من ثمن المثل فله أن يشتري شراء فاسداً إن أمكن حتى لا يلزمه أكثر منه) (11).

حكم الاستمرار فيه:
سبق في الفرع السابق بيان تحريم الدخول في العقد الفاسد الذي علم فساده، وهذا التحريم يستمر حتى ولو عصى المسلم ربه ودخل فيه، ودخوله فيه لا يصيِّره عقداً مباحاً ولا صحيحاً.
فلا يحل له الاستمرار والمضي فيه سواء طرأ عليه الفساد أم كان فاسداً من الأصل؛ لأن المضي والاستمرار في الفاسد مضادة لله عز وجل؛ فالحق سبحانه إنما حرم هذا الشيء وأفسده لئلا يرتكبه الناس، والمضي فيه ارتكاب له، واستثنى بعض العلماء من ذلك الحج والعمرة.
ويحرم المضي فيما فسدا*** إلا بحج واعتمار أبداً (12)
وهذه قاعدة من القواعد الفقهية التي جرى التطبيق عليها في كثير من أبواب الفقه عدا الحج والعمرة عند بعض العلماء.
قال الشافعي: ( وليس شيء يمضى في فاسده إلا الحج ) (13).
ففي البيع، لو تبايع رجلان شيئاً مجهولاً كبيع الحمل في البطن وبيع المجهول فاسد؛ لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهى عنه (14)، ثم تبين لهما بعد العقد أن البيع فاسد فلا يجوز لهما أن يمضيا في البيع، بل يجب أن يقطعاه، وأن يعود لكل منهما ماله الذي كان له قبل العقد؛ لأن هذا البيع فاسد، واستمراره مضادة لله.
وكذلك لو أن إنساناً عقد عقداً ربوياً بأن باع درهماً بدرهمين، أو صاعاً من البر بصاعين من البر، فإن هذا عقد فاسد يجب رده، ويحرم أن يمضي فيه، فترد السلعة إلى البائع ويرد الثمن إلى المشتري (15).
والدليل من السنة على تحريم الاستمرار في العقد الفاسد: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- قال: جاء بلال بتمر برني فقال له رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : ((من أين هذا؟)) فقال بلال: تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي –صلى الله عليه وسلم- ، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: ((أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به )) (16) وفي رواية لمسلم: ((فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا)) (17) فأمر برده؛ لأن هذا ربا والربا يجب رده، وهذا نتيجة القول بالفساد والتحريم؛ لأننا لو قلنا يفسد وبقيت السلعة في يد المشتري والثمن في يد البائع لم يكن لقولنا إنه فاسد معنى ولا ثمرة بل لا بد من إعادته (18).
قال النووي عند هذا الحديث: ( وقوله –صلى الله عليه وسلم- : [هذا الربا فردوه] هذا دليل على أن المقبوض ببيع فاسد يجب رده على بائعه وإذا رده استرد الثمن ) (19).
وقال ابن حجر: ( وفيه أن البيوع الفاسدة ترد) (20).
قال مالك:( وكل بيع حرام لا يقر على حال إن أدرك رد وإلا فقيمتها على المشتري)(21).
قال الشافعي: ( والبيع الفاسد لو مرت عليه الآباد أو اختار المشتري أو البائع إنفاذه لم يجز) (22).
قال ابن عبد البر: ( ومعروف في الأصول أن ما ورد التحريم به لم يجز العقد عليه ولا بد من فسخه) (23).
(فالقابض مخاطب شرعاً برد المقبوض بهذا العقد الفاسد إلى مالكه في كل لحظة) (24) وتصرفه يؤدي إلى البقاء على المعصية وهذا لا يجوز .
وهكذا كل ما ملك بعقد فاسد حرم المضي فيه، ووجب مبادرة الرد إلى صاحبه بكل حال (25) ولو بدون طلب صاحبه، ويجب فسخ العقد الفاسد وتصحيحه حتى على رأي الحنفية الذين يرون ثبوت الملكية فيه بالقبض حيث قالوا: ( إذا أصر البائع والمشتري على إمساك المشترى فاسداً، وعلم به القاضي فله فسخه حقاً للشرع، وقالوا: إنه يفيد الملك الخبيث، ولا يطيب للمشتري الأول، ويأثم به، ويجب فسخه، وقالوا: إن التصرف – أي في المقبوض بعقد فاسد – الذي فيه انتفاع معين كأكل الطعام ولبس الثوب وركوب الدابة فالصحيح عندهم أنه لا يحل؛ لأن الثابت بهذا البيع ملك خبيث والملك الخبيث لا يفيد إطلاق الانتفاع؛ لأنه واجب الرفع، وفي الانتفاع به تقرر له، وفيه تقرير الفساد، ولهذا لم يفد الملك قبل القبض تحرزاً عن تقرير الفساد بالتسليم) (26) حتى لو تقادم عليه الزمان لا يثبت الملك، لأن الفاسد لا يصير صحيحاً بتقادم الزمان ولو حكم الحاكم بنفاذه (27) ؛ لذا لم يختلفوا على وجوب رد المقبوض بعقد فاسد بعينه إن كان قائماً ولم يخرج عن يد قابضه (28).
قال ابن رشد: ( اتفق الفقهاء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان أو حوالة سوق (29) أن حكمها الرد أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون )(30).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه) (31).
ومن خلال ما سبق يمكن أن نلخص النتائج بما يلي:
أولاً: أن فساد العقد إنما مرده إلى ورود النهي عليه، وكل عقد نهى الشرع عن إجرائه فهو فاسد أو باطل.
ثانياً: تحريم الدخول في العقد الفاسد لم يختلف العلماء فيه في الجملة، حتى عند الحنفية الذين أثبتوا ملكية الفاسد بالقبض.
ثالثاً: أن الفساد في العقد يعني لحوق الإثم على فاعله، وخبث المقبوض،ووجوب رده، ولا تثبت فيه الملكية عند الجمهور، ويثبت عند الحنفية بالقبض مع أنهم يقولون بوجوب رده وخبثه.
رابعاً: أن الاستمرار في العقد الفاسد والمضي فيه مضادة لشرع الله تعالى، باستثناء الحج والعمرة.
هذا، وإن للمقبوض بعقد فاسد من حيث ملكيته وحكم التصرف فيه والانتفاع به أحوال، وهو موضع خلاف بين الجمهور والحنفية، أسأل الله عز وجل أن يسهل في المستقبل عرض هذه المسألة بأقوالها وأدلتها، وبيان الراجح فيها، في بحث مستقل.
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير ويجنبنا الشر والفسوق والعصيان، ونسأله جل وعلا أن يطيب كسبنا، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


(1) الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة لايفرقون بين الباطل والفاسد فالباطل عندهم هو الفاسد والعكس بالعكس، فهما مترادفان إلا في بعض المسائل، وأما الحنفية فيفرقون بينهما فالفاسد ماشرع بأصله دون وصفه
والباطل: ما لم يشرع بأصله ولا وصفه.
(2) هذا في الجملة، ولقد تكلم علماء الأصول عن مقتضى النهي، وهناك تفاصيل وخلاف بين المذهب الواحد حول هذه المسألة يرجع فيها إلى كتب الأصول.
(3) منظومة أصول الفقه وقواعده للشيخ ابن عثيمين ص(214).
(4) شرح فتح القدير لابن الهمام( 6/401).
(5) الإنصاف للمرداوي (4/473)، وكشاف القناع للبهوتي (3/245)، ومعونة أولي النهى شرح المنتهى لابن النجار(4/177)، وفتح الملك العزيز بشرح الوجيز (3/561).
(6) المنثور في القواعد للزركشي(3/16)، وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص(312).
(7) المنثور في القواعد للزركشي(1/452-254 )، وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص(312).
(8) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (6/43).
(9) انظر بدائع الصنائع للكاساني(5/304)، والبحر الرائق لابن نجيم (6/103)، وحاشية البناني على جمع الجوامع (1/106).
(10) المنثور في القواعد(1/354) ومابعدها.
(11) مغني المحتاج (2/30).
(12) منظومة أصول الفقه وقواعده ص(216).
(13) المنثور من القواعد (3/18).
(14) عن أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الغرر . صحيح مسلم (كتاب البيوع- باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر) رقم 1513(3/1153).
(15) منظومة أصول الفقه وقواعده بتصرف ص(216).
(16) رواه البخاري في صحيحه(كتاب الوكالة- باب إذا باع الوكيل شيئاً فاسداً فبيعه مردود) 2188(2/613) ومسلم في صحيحه(كتاب المساقاة- باب بيع الطعام مثلاً بمثل) 1594(3/1215).
(17) رواه مسلم في صحيحه (3/1215).
(18) منظومة أصول الفقه وقواعده ص(216) و (69).
(19) شرح النووي على صحيح مسلم (11/22).
(20) فتح الباري (4/401).
(21) المدونة الكبرى (10/318 ) بتصرف.
(22) الأم (6/250).
(23) التمهيد (20/58).
(24) روضة الطالبين للنووي (3/72) بتصرف يسير.
(25) قواعد ابن رجب المسمى بـ(تقرير القواعد) بتحقيق مشهور حسن آل سلمان (1/292)، وتحفة أهل الطلب بتحقيق: د. خالد المشيقح ص(33)، وشرح تحفة أهل الطلب د. عبد الكريم اللاحم (128) القاعدة الثانية والأربعون.
(26) بدائع الصنائع للكاساني(5/304)، والبحر الرائق لابن نجيم (6/103)، وحاشية البناني على جمع الجوامع (1/106).
(27) بداية المجتهد(2/230)، وحاشية الدسوقي(3/54)، والقواعد والفوئد الأصولية ص (11)، والخدمات الاستثمارية في المصارف د. الشبيلي(2/270).
(28) انظر الكافي لابن عبد البر ص(354) و(356)، والمجموع شرح المهذب(9/372-373)، والمغني (6/327)
(29) حوالة الأسواق:أي أن تزيد القيمة أو تنقص فتتحول من حالة إلى أخرى.
(30) بداية المجتهد (2/145).
(31) اقتضاء الصراط المستقيم ص (247- 248).

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم