إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

جوابكم غير مقنع

جوابكم غير مقنع

الاحد 29 ذو الحجة 1426 الموافق 29 يناير 2006  
جوابكم غير مقنع
د. عمر بن عبد الله المقبل

ورد نافذةَ الفتاوى سؤالٌ عن (مخالفة الصحابي للسنة هل تدل على نسخها؟! ) فأحيل إلى الشيخ عمر بن عبد الله المقبل (عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم) ، ثم نشر جوابه في جديد الفتاوى، فوردنا تعقيب من أحد الزوار يستشكل فيه بعض المسائل، وبعد عرض التعقيب على الشيخ أرسل إلينا هذا التوضيح، فإليكم التعقيب والتوضيح.

التعقيب:
قرأت جوابكم عن مخالفة الصحابي لسنة النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو غير مقنع، بل شممت فيه روح التبرير. فأريد جواباً مقنعاً حول حرب السيدة عائشة –رضي الله عنها- لسيدنا علي، ولحرب معاوية، ولحرب الخوارج لسيدنا علي –رضي الله عنه-. لأني لو نظرت لامرأة، أو ارتكبت أي ذنب سيعاقبني الله، أما الذين خاضوا في دماء المسلمين، وقتلوا الآلاف فنظل نمجدهم لقرون ونبرر لهم، فبصراحة –ياسادتنا العلماء- إن مسألة: اجتهد فأخطأ فله أجر واحد لها قوانينها إن صحت، وفي مسائل فقهية بسيطة لا في أمور سياسية تقود لدماء وأحقاد. ثم ما الداعي لأن نعصم أو نقول بعصمة كل الصحابة بدون أن نصرح بذلك؟ فأزواج النبي كن أقرب إليه من أصحابه، ومع ذلك فالقرآن هددهن -إن هن عصين- بأن يضاعف لهن العذاب، فلماذا لا يحاسب من خاض في دماء الآلاف؟
أرجو جواباً مقنعاً يرضي الله. وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التوضيح:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأشكر للسائل تواصله، وحرصه على الاستيضاح، آملاً أن يحاول أن يكتب الاستشكال والإيراد بنفس متأملة، ولغة هادئة؛ لأني لاحظت أن السائل كتب ما كتب بنوع من الانفعال -هكذا بدا لي- والذي يكتب بهذه الحال -إن صحّ ظني- قد لا يتصور الأمر كما ينبغي.
ووصية أخرى، أن يكون رائدنا عند السؤال هو طلب الحق -كما قلتَ في آخر سؤالك- "أرجو جواباً مقنعاً يرضي الله"، فإن الإنسان إذا كان يبحث عن الحق فسيوفق له بإذن الله، أما إذا كان يسأل من أجل المماراة، أو ترسيخ قناعةٍ سابقة، ولو ظهر له -بالأدلة العلمية- أنها غير صحيحة، أو مجانبة للصواب، فقد يعاقب بحرمان التوفيق للحق، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً" أي فرقاناً تفرقون به بين الحق والباطل، رزقني الله وإياك هذا بمنه وكرمه.
أعود إلى المهم، وهو الإجابة على الإشكال، وسألخصه في النقاط التالية -حسب إيراد الأخ السائل- سائلاً الله التوفيق للصواب:
أولاً: كان جوابي -بورك فيك- يتعلق بالتقعيد للمسألة من ناحية حديثية وأصولية، بغض النظر عن الصحابي الذي اجتهد، هل هو أبو بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، فضلاً عن بقية الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- فلا أدري لماذا حشر السائل قضية القتال بين الصحابة في هذه المسألة؟
ولا أدري –أيضاً- لماذا حشر حربَ الإمام السيد الكبير عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- للخوارج، مع القتال الذي وقع بينه وبين معاوية وعائشة -رضي الله عن الجميع-؟
فقتال الخوارج كان قتالاً شرعياً لا إشكال فيه عند أهل العلم قاطبة، ولا يترددون أن الحق فيه كان مع علي –رضي الله عنه- وقتال الخوارج من أفضل القربات التي نال عليٌ –رضي الله عنه- شرفها.
أما قتال الفتنة -الذي وقع بين الصحابة –رضي الله عنهم- فكلام أهل العلم فيه طويل جداً، والذي تدل عليه الأدلة -وهو قول جمهور السلف- أن علياً كان أولى بالحق من معاوية -رضي الله عنهما- كما ثبت في الصحيحين -في شأن ذي الثدية الخارجي-: "تقتله أولى الطائفيتن بالحق"، وليس هذا مجال بسط الأدلة في ذلك.
إلا أن الذي يجب أن يُعْلم هنا، أن ذلك لا يبيح وصف أحدٍ من الطرفين بالفسق، فضلاً عن التكفير -والعياذ بالله- فإنهم مجتهدون، وراغبون في الوصول إلى الحق -رضي الله عنهم- بغض النظر عن المصيب منهم في هذه القضية-، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص –رضي الله عنه- أنه قال : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجرٌ واحد"، ولا يختلف أهل العلم أن كبار الصحابة الذين شاركوا في القتال هم من المجتهدين، وليس كل مجتهدٍ مصيب.
ثانياً: من حيث العموم -وبعيداً عن قضية الاقتتال بين الصحابة- فقد أثبت الله تعالى الإيمان بين المقتتلين، فقال تعالى: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... الآية) ، [الحجرات:9]، فتأمل قوله: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا" فسماهم مؤمنين مع سل السيوف، وإزهاق النفوس! وهذا الحكم يشمل المؤمنين إلى قيام الساعة، وإذا كان هذا الحكم ثابتاً، ولو كان القتال على سبيل البغي والعدوان، فما ظنك إذا كان القتال بتأويل واجتهاد؟!
كما أن الله –عز وجل- أثبت عقد الأخوة بين القاتل والمقتول في آية سورة البقرة، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ...الآية"، [البقرة:17].
فتأمل -بارك الله فيك- كيف سمّى الله القاتل أخاً؟ كلُّ ذلك حفاظاً على أصل الأخوة الإيمانية حتى وإن وجد ما ينغصها، ويكدرها، وهو القتل.
ثالثاً: قولك -وفقنا الله وإياك للصواب-: "فبصراحة -يا سادتنا العلماء- إن مسألة "اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحدٌ" لها قوانينها -إن صحت-..." ،فأقول:
قد ذكرتُ لك قبل قليل -بورك فيك- أن هذا الحديث متفق على صحته، فلا مجال للتشكيك فيه، بل هذا الحديث من أعظم الأدلة على رحمة الله بهذه الأمة، وبأهل العلم خصوصاً، وهو من أعظم ما يعين على بذل العلم، والاجتهاد في البحث، إذْ الباحثُ لن يعدم أجراً -إذا بذل وسعه- والحمد لله على هذا.
رابعاً: قولك: "...لها قوانينها -إن صحت- وفي مسائل فقهية بسيطة، لا في أطماع سياسية تقود لدماء وأحقاد،وو ... ".
أما قولك: "لها قوانينها"، فهذا صحيح من جهة أنه ليس كل أحدٍ له حق في الاجتهاد، بل هذا منوط بمن يحق لهم الاجتهاد، إما الاجتهاد المطلق، أو الاجتهاد الجزئي -كما هو معروف عند الأصوليين-.
واسمح لي أن أسألك سؤالاً -بعد هذا-: ما دليلك على تخصيص عموم حديث النبي –صلى الله عليه وسلم- بمسائل فقهية بسيطة؟! وما حجتك في تخصيصها بمسائل الفقه؟ ثم ما ضابط البساطة فيها؟! وهل المسائل الفقهية المتعلقة بالصلاة –مثلاً- أو بالزكاة، أو المتعلقة بالأنكحة والحدود، أو بغيرها من المسائل الكبرى= لا يعذر فيها المخالف؟! وهل قال بهذا التخصيص -الذي أشرت إليه- أحدٌ من أهل العلم؟!
دعني أضرب لك مثلاً بهذه المسألة من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف قديم بين الصحابة، ومن أشهر المخالفين لجمهور الصحابة -ومن بعدهم- فيها: أمير المؤمنين علي، وابن عباس –رضي الله عنهما- وهي عدة الحامل التي مات عنها زوجها:
فجمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم، أن عدتها بوضع حملها، بينما ذهب أمير المؤمنين علي –رضي الله عنه- وابن عباس –رضي الله عنهما- في أصح الروايتين عنه- إلى أنها تعتد بأطول الأجلين: إما الولادة، أو انتهاء العدة، فيا أخي: هل نؤثم علياً، أو ابن عباس لأنهما خالفا قوله تعالى -في سورة الطلاق-: "وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ"؟! معاذ الله! فلهم عذرهم وتأويلهم، وليس هذا مقام بحث المسألة فقهياً، إنما أردت أن أبين لك خطورة هذا التشطير للحديث، والتخصيص له من دون دليل علمي.
وأما قولك -غفر الله لك-: "... لا في أطماع سياسة ... الخ" فكم تمنيت أن يعف لسانك عن هذا الكلام، فإن هذه تهمه خطيرة، وهي تدخلك في متاهات لا نهاية لها، ومحاذير كبيرة، وورطات عظيمة، إذ يلزم منها تفسيقُ وتضليل من قاتل علياً في وقعة الجمل! وهذا يجرك إلى الوقوع في المحذور الذي نهى عنه النبي –صلى الله عليه وسلم- في قوله: "لا تسبوا أصحابي"، وسيترتب على هذا هدم جزءٍ من السنة ليس باليسير روته عائشة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، فضلاً عن بقية من كان معهم من الصحابة -رضي الله عن الجميع- إلى غير ذلك من المفاسد الكثيرة.
فضلاً عن مخالفة هذا كله، لما أخبر الله تعالى به عن أهل الإيمان الذين يأتون من بعد الصحابة -من المهاجرين والأنصار-، بقوله عنهم: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ" [الحشر:10].
فقوله: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ" يشمل جميع المؤمنين إلى يوم القيامة -جعلني الله وإياك منهم-.
فمن طعن في أحد من الصحابة بمثل هذه المسائل التي اجتهدوا فيها، فقد أعان على إخراج نفسه من هؤلاء الذين أثني عليهم في هذه الآية، ولهذا اتفق أهل السنة على أن أسلم طريق في التعامل مع هذه الفتنة الكبيرة، هو كف الألسن في الخوض في تفاصيلها -خصوصاً أمام عامة الناس- لأن الدخول في التفاصيل يوقع في إشكالات كثيرة -ذكرت بعضها قبل قليل-.
ثم لنفترض -أخي السائل- أن معاوية وعائشة -ومن شاركهم من الصحابة في القتال -رضي الله عن الجميع- كانوا مخطئين خطأً لا صواب فيه، بل اتبعوا أهواءهم، ورغبوا في مطامع سياسية -كما قلتَ أنت- أو أغراض شخصية، أفيصح أن تهدر بقية فضائلهم وحسناتهم بمثل هذا؟ أين فضائلهم، وعظيم حسناتهم، وسابقتهم في الإسلام؟! أليس لهم النصيب الأوفى من قوله تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ"؟! وكيف تخرجهم من قوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة:100) فمعاوية ومن كان مثله من مسلمة الفتح، داخلون بلا ريب في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ"، وقد بيّن الله تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه "وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"، وهم –أيضاً- موعودون بالحسنى، كما في قوله تعالى: "لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" فأخبر الله أن بين الفريقين تفاوتاً، وأثبت أن الجميع موعودون بالحسنى، ومعاوية ومن كان على شاكلته -كعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد- داخلون في هذه الآية، إذ هم ممن أنفق من بعد الفتح، وقاتل، ولو لم يكن لهم منقبة إلا خروجهم مع النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك لكفاهم، فهل بعد هذا تعشى العين، أو يعمى القلب عن إدراك الحقيقة؟!.
ولهذا كان من أعظم مناقب الحسن رضي الله عنه وعن أبيه، أنه تنازل بالخلافة لمعاوية –رضي الله عنه- وتحققت فيه نبوءة جدِّه -صلى الله عليه وسلم-كل ذلك حقناًً لدماء المسلمين، والسؤال: أفكان الحسن -وهو أفضل أهل البيت في وقته- يتنازل بالخلافة لرجلٍ فاسق، فضلاً عن كافر -كما يقوله بعض الرافضة عن معاوية-؟!
وعلى مذهب من يفسق معاوية، أو يكفره -عياذاً بالله- يجب أن تنقلب هذه المنقبة -التي مدحه بها النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى نقيصة ومذمة، وهذا هو الضلال المبين، نعوذ بالله من ذلك.
قال ابن تيمية -رحمه الله- "وإن قُدِّرَ أن لهم ذنوباً فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقاً، إلا إذا انتفت الأسباب المانعة من ذلك، وهي عشرة، منها: التوبة، ومنها: الاستغفار، ومنها: الحسنات الماحية، ومنها: المصائب المكفرة، ومنها: شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنها: شفاعة غيره، ومنها- : دعاء المؤمنين، ومنها ما يهدى للميت من الثواب والصدقة والعتق، ومنها: فتنة القبر، ومنها: أهوال القيامة.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وحينئذ فمن جزم في واحدٍ من هؤلاء بأن له ذنباً يدخل به النار قطعاً، فهو كاذبٌ مفترٍ، فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلاً، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟!.
فمن تكلم فيما شجر بينهم، وقد نهى الله عنه من ذمهم، أو التعصب لبعضهم بالباطل، فهو ظالم معتد، وقد ثبت في الصحيح عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق"، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال -عن الحسن-: "إن ابني هذا سيدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، وفى الصحيحين -عن عمار أنه قال- "تقتله الفئة الباغية"، وقد قال تعالى : "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، فثبت بالكتاب والسنة، وإجماع السلف على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن علي بن أبي طالب -والذين معه- كانوا أولى بالحق من الطائفة المقاتلة له، والله أعلم" [ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 4/432].
خامساً: قولك: "ثم ما الداعي لأن نعصم، أو نقول بعصمة كل الصحابة بدون أن نصرح بذلك؟" والجواب عن ذلك بأن أقول:
من قال بأن الصحابة معصومون؟ لا أحد يقول بذلك ممن يعتد به من أهل العلم، بل هم -بالإجماع- يصيبون ويخطئون!
ولم نسمع عن العصمة لغير الأنبياء -في أمة محمدٍ –صلى الله عليه وسلم- إلا عند الشيعة الإمامية الذي يدعون العصمة لأئمة أهل البيت، وقدوتهم في ذلك ابن سبأ الذي ادعى العصمة لعلي –رضي الله عنه-.
وأفهم من قولك: "بعصمة كل الصحابة" أنك ترى أن بعضهم قد يكون معصوماً! وهذا ما لم يقل به أحدٌ أبداً من السلف -كما قلت لك- بل لن يستطيع أحدٌ أبداً أن يأتي بحرف واحدٍ عن أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- يقول فيه بعصمة أحدٍ منهم، وإذا كان هذا في حقهم ممتنعاً شرعاً، أفتظن أن العصمة ستكون لمن جاء بعدهم؟!
سادساً: الآية التي استدللت بها لا تصلح للاستدلال على عدم ثبوت العصمة؛ لأن هذا في مقام بيان عقوبة مَن خالف الأمر والنهي، ولا يلزم منه الوقوع أصلاً، وهذا يستوي فيه جميع المكلفين، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ألم تقرأ قول الله –عز وجل-: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [الزمر:65] ؟! وقوله تعالى : "وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً" [الإسراء:75-74]؟!
ولا يمكن لأحد أن يقول بأن النبي –صلى الله عليه وسلم- يمكن أن يشرك شرعاً، أو يركن إلى الذين كفروا -حاشاه من ذلك-.
والذي يصلح أن يستدل به على عدم العصمة لغير النبي –صلى الله عليه وسلم- هو اتفاق أهل العلم على أن كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي –صلى الله عليه وسلم- وهناك أدلةٌ أخرى ليس هذا مجال الحديث عن العصمة، فالبحث فيها طويل متشعب.
سابعاً: قلت في ختام إيرادك -وفقني الله وإياك للحق-: "لماذا لا يحاسب من خاض في دماء الآلاف"؟!.
وأنا أسألك -وفقك الله-: من هو الذي تريده أن يحاسب الصحابة في الذين شاركوا في تلك الفتنة؟!.
ولعل قصدك -في كلامك هذا-: لماذا لا ينتقد من شارك في القتال؟ ولماذا لا يبين خطأه؟!
وما هذا الكلام -الذي تقدم- إلا جواب عن هذا السؤال، وأجزم أنها إنما هي إشارات فقط، أرجو أن تكون كافية في إيضاح الحق، وإلا فإن المسألة كتب فيها كتب، وسطرت فيها مجلدات، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وأختم جوابي بأمرين:
الأول: كما أن الإنسان يشكر على بحثه عن الحق، فإنه يشكر أكثر ويغبط أكثر وأكثر، ويسلم دينه أكثر وأكثر حينما يعيش ويموت وقلبه سليم على إخوانه المسلمين، فضلاً عن أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم- حملةِ الشريعة، ومبلغي السنة لبقية الأمة –رضي الله عنهم وأرضاهم- وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء-.
والله العظيم لن يسلم دين المرء، ولن يرتاح باله إلا بهذا المسلك، وتجارب إخواننا الذين تابوا من هذا المسلك الوخيم –أعني: سب الصحابة كالشيخين، أو معاوية أو عائشة- أكبر شاهد على ذلك، فاسألهم تجد عندهم الخبر اليقين.
واعلم –بارك الله فيك- أن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول –صلى الله عليه وسلم- يجرُّ إلى القدح في الرسول عليه الصلاة والسلام، كما قال الإمام مالك –وغيره من أئمة العلم-: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله، وإنما طعنوا في أصحابه؛ ليقول القائل: رجلُ سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحاً؛ لكان أصحابه صالحين.
وبهذا المسلك –أعني مسلك التسليم وترك الخوض فيما جرى- تسلم من بدعتين قبيحتين:
الأول: بدعةِ الرافضة الذين أعملوا ألسنتهم في شتم الشيخين، وعثمان، ومعاوية وجمع غفير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
الثاني: بدعةِ النواصب الذين يشتمون علياً وأشياعه –عياذاً بالله من ذلك-.
وأنا –يا رب- أبرأُ إليك من هؤلاء، وأسألك بما سألك به عبادك الصالحون –الذين جاءوا من بعد أصحاب نبيك –صلى الله عليه وسلم-: "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ".
وأرجو أن تتأمل معي هذين الموقفين اللذين وقفهما اثنان من كبار أئمة هذه الأمة :
أما الموقف الأول: فهو موقف الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز عندما قيل له: ما تقول في أهل صفين؟ فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها.
وأما الموقف الثاني: فهو موقف الإمام أحمد، حينما قال: إن علياً كان الأحق بالأمر، وكانت طاعته واجبة، فأورد عليه بعضهم فقال: إذا قلت كان إماماً واجبَ الطاعة، ففي ذلك طعن على طلحة والزبير، حيث لم يطيعاه، بل قاتلاه! فقال لهم الإمام أحمد: إني لست من حربهم في شيء !
علق الإمام ابن تيمية على هذا الكلام، مفسراً كلمة الإمام أحمد، فقال:
(يعنى أن ما تنازع فيه عليٌّ وإخوانه لا أدخل بينهم فيه؛ لما بينهم من الاجتهاد والتأويل الذي هم أعلم به مني، وليس ذلك من مسائل العلم التي تعنيني حتى أعرف حقيقةَ حالِ كل واحد منهم، وأنا مأمور بالاستغفار لهم، وأن يكون قلبي لهم سليماً، ومأمور بمحبتهم وموالاتهم، فلهم من السوابق والفضائل ما لا يهدر) [ينظر مجموع الفتاوى 4/440].
فهذان موقفان يريحان قلب المسلم، ويسلم له دينه، ويمثلان منهجاً وسطاً في التعامل مع هذه المسائل الكبار، والتي الخلل فيها –سببٌ من أسباب الضلال والانحراف في الاعتقاد- كما هو ظاهر في التاريخ، بل والواقع-.
الثاني: مما أختم به جوابي –أن هذه الفتنة- التي أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- وقعت ومضت بما فيها "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون" فليس من العقل ولا من الشرع أن نختصر ديننا وعقيدتنا، وفهمنا للشريعة في هذه الفتنة العمياء! بل علينا أن نقرأها في سياقها التاريخي الذي يعين على فهم ملابساتها وأسبابها، وأن ننزلها منزلتها اللائقة بها، والتماس العذر فيها لمن أخطأ، فإن الفتنة إذا وقعت عمي أكثر الناس عن فهمها، وإذا أدبرت أدركها كل أحد، وأن نتجاوزها لنقف كثيراً عند السيرة المعصومة –التي أمرنا بالاقتداء بها، والتأسي بها –سيرة محمد –صلى الله عليه وسلم- (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً)، فهي السيرة الخطية التي ستجد فيها الترجمة الحقيقية لهذا الدين: تحقيقاً للتوحيد، وعناية ببقية الأركان، ونصاعة في الأخلاق، وعظمة في حسن المعاملة، وأن نحاول التأسي بها، وأن نطبقها عملياً في حياتنا قدر الإمكان، فذلك –والله- خير وأبقى.
أسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شرور أنفسنا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم".
وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم