في العلاقة بين اللغة والفكر، يرى لغويون محدثون أنه لا تفكير بلا لغة, ويختلف علماء اللغة العرب القدامى في النظرة إلى اللغة, أتوقيفية هي, أم اصطلاحية, وأياً كان الرأي؛ فإن المسمى قد كان أولاً, ثم وُضِع له اسمٌ يميزه عما سواه عند إرادة التعبير عنه في عملية التخاطب؛ فارتبطا معاً، بحيث إذا ذكر الاسم تبادر إلى الأذهان مسمّاه, ومن تلك المسميات أشياء كالحجر والفَرَس, محسوسة, ومنها أفكار ومعاني, معقولة, كالحق والباطل.
هذا يدل على أسبقية الفكرة في الوجود, وهي كذلك سابقة في الحياة, وعند العمل, وقد قالوا: "الفكرة فَخُّ العمل".
أما الفكرة في ميزان القوة والتأثير فهي كذلك في الصلب والقمة؛ إذ أرقى أنواع القيادة ما كان بالفكر, لا بالغريزة, أو بالمال, أو بالهوى. على هذا سارت دعوة الأنبياء بالخطاب العقلي, وبالتغيير الفكري, وبهذا حققت الثورات نتائجها في تغيير المجتمعات, سواء صح الفكر المغيِّر, أم لم يصح؛ فإن تلقف الناس له, واحتضانهم إياه, هو الذي مكن له, وسلّمه القيادة.
لكن تجليات الواقع قد تكشف عن مفارقات؛ إذ لا تنقاد مجتمعاتنا في كثير من شؤونها للفكر وأهله, وينسحب هذا على مجتمعات غيرنا أيضاً, بل إننا نشهد انقياد كثير من المثقفين لذوي السلطة, ولأرباب الثروة والمال؛ ذلك لم يكن بمعزل عن تحكم رأس المال في مستويات الحياة, وحتى قمة الهرم.
ومن هنا تنبعث جدليةٌ مستمرة, وتفاعل لا يخفى بين المستوى الثقافي والسياسي. وتستحيل العلاقة بين السياسة المأخوذة بالمصالح, والثقافة المهمومة بالحقائق إلى علاقة تضادّ.
والباحثون عن النهوض, أو التأثير مترددٌ نظرُهم بين هذا وذاك, فمن يأخذه اليومي والسطحي, يُغلِّب السياسة ومفاعيلها, ومن تأخذه الأناة ويتتبع الداء يكاد يستأثر به الخطاب الثقافي.
وإذا نحَّينا المنطق الرأسمالي المادي جانباً، فإن الأدلة على أسبقية الثقافة تستغني عن البيان؛ فالرأي قبل الشجاعة، وقبل الحرب, وما السياسة إلاّ تفعيل لتلك القرارات العقلية, ورعاية لها, ومن تلك القرارات الثقافي البيِّن, كآليات نشر الفكر, واستمالة الأمم, ومنها التكتيكي, وحتى هذا غير خارج عن منظومة الثقافة والفكر, وإنما هو خادم لها, أو غير متعارض معها, على أقل تقدير.
ومن النافذة السابقة ننظر إلى الواقع العربي, وإلى العلاقة بين السياسيِّ والمثقف، هل هي محكومة بالتضاد والتعارض؟ أم ثمة فرصة لبناء قاعدة ومرجعية بينهما؟
سؤال يُطرح, دون أن تكون هذه العجالة مضطرة للإجابة عنه, كما ينبغي له. وقبل الشروع فيها, لا بد من الالتفات إلى خصوصية كل من السياسي, والمثقف, والحاجة إلى كل منهما, دون السماح بتوسع أحدهما على حساب الآخر.
كما يلزم التنبه إلى أن العلم والثقافة, على جلالة قدريهما, لا يؤهلان صاحبهما بالضرورة إلى خوض غمار السياسة, وإن كانا يؤهلانه, حتماً, لإبداء الرأي, والتوجيه, والمساءلة؛ فشخصية الفقيه، وحدها, قد لا تصلح لتقمّص دور السياسي, والاضطلاع بمسؤولياته, وامتلاك خبراته, وأدواته. وقد كان رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يراعي هذا في اختياراته, للولاة, والقادة؛ ففي صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: "يا أبا ذر! إنك رجل ضعيف، وإنها أمانة، وإنها خزي وندامة يوم القيامة". قال بعض المحدثين: ضعيف التصريف؛ لأن بعض الأتقياء لا يصلح في الإدارة. فلا يخفى أن الحكم والإدارة تستدعي صفات وقدرات شخصية تزيد عن مجرد العلم والثقافة.
وكما أن دواعي العلم ومتطلباته قد تُضْعِف خصائص الحكم وشروطه، فكذلك الحاكم معرّضٌ للانهماك بالمعطيات السطحية, والتطورات اليومية, والضغوط الواقعية, عن الاسترشاد بالفكرة, والاهتداء بالرأي؛ فلا مناص من العمل على جسر الفجوة بين المستوى السياسي والثقافي في واقع الأمة, بالاتفاق على مرجعية فكرية توطد في الأمة بناءها وتجانسها, وتُضافِر جهودها, وتجمع شتات سعيها. حينها يصبح الحاكم رمزاً حقيقياً للأمة بفكرها ووجدانها، تدافع عنه, وتفاخر به, كما هو كذلك يصبح درعاً للأمة وردءاً يحفظ كرامتها, ويصون مقدراتها, ومقدساتها.
وفي سعينا المشروع عن خطاب ثقافي موحّد لا نجد في منطقتنا مثلَ الخطاب الإسلامي, من حيث علاقةُ المنطقة به؛ عَقَدياً, ووجدانياً, وثقافياً, وتاريخياً, حتى لغير المسلمين لا نجد خطاباً فكرياً حضارياً متجانساً, شاملاً لأنظمة الاقتصاد والاجتماع, والتعليم والسياسية والقضاء, وغيرها, مثل الإسلام.