إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

فقه نوازل الصيام [2/2]

نوازل الصيام [2/2]

الثلاثاء 08 رمضان 1434 الموافق 16 يوليو 2013  
نوازل الصيام [2/2]
د.عبدالله بن حمد السكاكر

النازلة الثانية عشر: القسطرة
النازلة الثالثة عشر: منظار البطن
النازلة الرابعة عشر: الغسيل الكلوي
النازلة الخامسة عشر : الغسول المهبلي
النازلة السادسة عشر: الحقنة الشرجية
النازلة السابعة عشر: التحاميل الشرجية
النازلة الثامنة عشر: المنظار الشرجي
النازلة التاسعة عشر: ما يدخل عبر مجرى البول
النازلة العشرون : التبرع بالدم
النازلة الحادية والعشرون : أخذ الدم للتحليل ونحوه
النازلة الثانية والعشرون: السفر من بلد إلى بلد يختلفان في الرؤية
النازلة الثالثة والعشرون: وهي السفر بالطائرة ونحوها بعد مغيب الشمس أو قبله

النازلة الثانية عشر: القسطرة.
فما هي القسطرة وما حكم هذه القصطرة بالنسبة للفطر بها وعدمه؟
القصطرة هي إدخال جهاز أو أنبوب مثل ما ذكرنا عن المنظار الذي يعطى عن طريق البلعوم أو عن طريق المريء للمعدة سواء كان للتشخيص أو للعلاج فالقصطرة مثل هذا الجهاز أو يختلف عنه اختلافا بسيطا يدخل عن طريق الوريد حتى يصل الأوردة والشرايين المتصلة بالقلب أو في أي مكان في البدن ويستعمل هذا النوع من العلاج أحيانا لأغراض تشخيصية لاكتشاف التجلطات في الأوردة والشرايين وأحيانا لأغراض علاجية مثل فتح بعض الشرايين المغلقة أو التي فيها تجلط هذه هي قصة القصطرة وهي معروفة تصنع لمرضى القلب ونحوهم أما حكمها وهل يحصل الفطر بها أو لا فقد اتخذ مجمع الفقه الإسلامي قراراً بالإجماع وذكر بعض أهل العلم أن في المسألة إجماعا من المعاصرين على أنه لا يحصل الفطر بها لأن هذه القصدرة ليس مما ورد به النص مما يفطر وليست مما في معنى المنصوص وهذا الكلام مشروط بأن لا يكون هناك أمور مصاحبة كما في مسألة المنظار فإن المنظار لو وضع عليه مادة هلامية أو مادة دهنية حصل الفطر به فكذلك القصطرة فإذا كانت عملية القصطرة بدون إضافات فإنه لا يحصل الفطر بها لأنها ليست مما نص الشارع على الفطر به وليست في معنى المنصوص لكن لو حصل مع هذه القصدرة أن أعطي المريض بعض الإبر أو الحقن أو المحاليل المغذية في الدم فإنا نقول حينئذ إنها تبحث إذا كانت أشياء علاجية مثل الإبر وإن كانت مغذية فتأخذ حكم الإبر المغذية لكن القصطرة بذاتها إذا لم يصاحبها إدخال أشياء أخرى إلى جسم المريض فإنها لا تفطر لأنها ليست من المنصوص على التفطير به ولا في معنى المنصوص .

النازلة الثالثة عشر: منظار البطن.
تكلمنا عن المنظار الذي يعطى للمريض مع البلعوم فالمريء إلى المعدة هذا نوع من المناظير ومن أنواع المناظير مانتكلم عنه الآن وهو منظار انتشر بعد تطور الطب يدخل في بطن المريض عن طريق جدار البطن فتفتح فتحة صغيرة في جدار البطن ثم يدخل هذا المنظار وهذا المنظار يذهب إلى تجويف البطن لكنه لا يذهب إلى المعدة فإذا قلنا إن تجويف البطن هو الجوف قلنا هذا وصل إلى الجوف لكن إذا حصرنا كما مر معنا واتفقنا في الدرس الأول أن الجوف مقصود به المعدة فإن هذا المنظار لا يذهب إلى المعدة إنما هذا المنظار يذهب إما لأغراض علاجية مثل استئصال المرارة أو استئصال الزائدة الدودية أو استئصال حصوات معينة وهو أحيانا يكون لأغراض تشخيصية تصوير ونحو ذلك وأحيانا يكون لأخذ عينات من الكبد أو نحو ذلك فهو لا يصل إلى المعدة وإنما يذهب إلى تجويف البطن إلى الزائدة أوالمرارة أو الكلى أو الكبد أو نحو ذلك فما حكم هذا المنظار الذي يصل إلى البطن؟
هذا المنظار حكمه تابع للخلاف الذي ذكرناه في الدرس الأول وهو المقصود بالجوف فمن قال: بأن تجويف البطن يعتبر جوفاً وأن ما وصل إليه يعتبر مفطرا فإنه يقول إن المنظار يفطر لأنه يصل إلى الجوف ولكن حينما نتأمل أن هذا المنظار أولاً لا يصل إلى الجوف الذي رجحنا أنه الجوف وهو المعدة.
الثاني: أن هذا المنظار ليس مما يطعم ولا يشرب فحتى لو وصل إلى المعدة فقد سبق وأن قررنا أنه لو وصل إلى المعدة شيء مما لا يطعم ولا يشرب كأن يبتلع الإنسان خرزة مثلا أو حديدةً أو قرشا أونحو ذلك لا يفطر بذلك فإننا نقول إن هذا المنظار: أولا لا يصل إلى الجوف الذي رجحناه وهو المعدة وثانيا أن هذا المنظار لو وصل فإنه ليس مما يطعم ولا مما يشرب ولهذا فإن الراجح هو أن منظار البطن ليس مما نص الشارع على أنه يحصل الفطر به ولا في معنى المنصوص ولهذا اتخذ مجمع الفقه الإسلامي قرارا بالإجماع على أن منظار البطن لا يحصل الفطر به وهذا بالطبع كما قلت لكم في مسألة القصطرة ما لم يصاحب هذا أمور أخرى فتبحث لوحدها لكن المنظار إذا أدخل المريض دون أن يعطى أشياء أخرى أو محاليل أو سكريات أو أملاح أو نحو ذلك فإن المنظار بحد ذاته ليس مفطراً على الصحيح من قولي العلماء وهو الذي اتخذ فيه مجمع الفقه الإسلامي قرارا بالإجماع أنه لا يحصل الفطر به .
النازلة الرابعة عشر: الغسيل الكلوي.
بعض المرضى يصاب بفشل كلوي وحينئذ يحتاج إلى أن يجرى له غسيل كلوي دوري كل يومين أو كل ثلاثة أيام من أجل إخراج هذه السموم والمواد الضارة من دمه هذه العملية وهي عملية غسيل الدم وإخراج هذه السموم والمواد الضارة من الدم هي مايسمى الغسيل الكلوي ، والغسيل الكلوي له طريقتان الطريقة الأولى: الغسيل الكلوي عن طريق ما يسمى الكلية الصناعية وهي أداة أو جهاز يوصل بالمريض عن طريق الوريد فيستخرج دم المريض عن طريق الوريد إلى هذا الجهاز فيقوم هذا الجهاز بتنقية هذا الدم عن السموم والمواد الضارة ثم يضاف إلى هذا الدم بعض السكريات والأملاح ثم يعاد ضخه إلى المريض مرةً أخرى هذه هي الطريقة الأولى. الطريقة الثانية هي الغسيل الكلوي عن طريق ما يسمى بغشاء البريتون أو البرايتون وهذا الغشاء موجود داخل تجويف البطن فيفتح للمريض فتحة فوق السرة ثم يضخ عن طريق هذه الفتحة كميات من السوائل فيها كميات كبيرة من السكريات والأملاح وتبقى داخل تجويف البطن عند ما يسمى بغشاء البرايتون فهذا الغشاء يتبادل مع هذه السوائل السموم أو المواد الضارة الموجودة في الدم امتصاصاً وإفرازاً ثم يقوم الطبيب بإخراج هذا السائل مرةً أخرى ويضخ سائلا آخر مرة أخرى يبقى في البطن مدة من الزمن ثم يمتص أو يستخرج وهكذا ، هذه هي الطريقة الثانية من طرق الغسيل الكلوي وتلاحظون أنه في كلا الحالتين أن العملية تتم بإضافة قدر من السكريات والأملاح والماء أحيانا ولاشك أن السكريات والأملاح في معنى الأكل والشرب فالمغذي الذي يعطى للمريض هو عبارة عن ماء وأملاح وسكريات كما أعرف فغسيل الكلى بالطريقة الأولى أو الطريقة الثانية يشتمل على هذا الأمر فيصل إلى دم المريض سكريات وأملاح عن طريق هذا الغسيل وبناء على ذلك ذهب أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية والشيخ عبد العزيز بن باز’ ومجموعة من أهل العلم إلى أن الغسيل الكلوي مفطر من مفطرات الصيام وذلك لأنه وإن لم يكن أكلاً ولا شرباً إلا أنه في معنى الأكل والشرب مما يحصل للمريض به من التقوي ونحو ذلك .
ومن أهل العلم من قال إنه لا يحصل الفطر بالغسيل الكلوي وذلك لأنه ليس أكلاً ولا شرباً ولا ينفذ إلى الجوف لكن هذا القول ليس بشيء لأنه كما ذكرنا قبل قليل أن إيصال المواد الغذائية مثل السكريات والأملاح إلى الدم يحصل به من القوة والنشاط ما يحصل بالأكل والشرب فالمغذي أحياناً يجلس عليه الإنسان يومين أو ثلاثة أيام ويكتفي به عن الأكل والشرب ويحس معه المريض بالري والشبع ولا يحتاج معه إلى طعام فالغسيل الكلوي لاشك عندي والله أعلم أنه يحصل الفطر به هذا فوق أنه يحصل للإنسان به من الإجهاد والضعف والإنهاك ما هو أشد مما يحصل للإنسان بالقيء مثلاً أو بالحجامة أو حتى بدم الحيض ودم الحيض مما قام الإجماع على الفطر به والقيء ثبت الحديث أن النبي ‘ قال:" من استقاء فعليه القضاء " وأكثر أهل العلم يعلل القيء بأنه يضعف والحجامة الذين يقولون بأنه يفطر بها يعللون ذلك بما يحصل من الإضعاف للبدن ، والغسيل الكلوي يظهر لي أنه لا يقارن بهذه الأمور فهو ينهك المريض أكثر مما تنهكه الحجامة أو القيء أو الحيض ولهذا فالنفس مطمئنة إلى أن الغسيل الكلوي يحصل الفطر به.

النازلة الخامسة عشر : الغسول المهبلي.
والمقصود بالغسول المهبلي هو ما يكون من محاليل مطهرة أو علاجية تتعاطاها المرأة عن طريق الفرج (القبل) هذا الغسول المهبلي محل خلاف بين أهل العلم مبني على خلاف قديم لأهل العلم قديماً فيما إذا أدخلت المرأة مائعاً في فرجها هل يحصل الفطر لها بذلك أو لا يحصل؟ فأهل العلم قديماً اختلفوا في ذلك بناءً على اختلافهم في هل الفرج يعد منفذا إلى الجوف أو لا ؟ تعرفون أن كثيراً من هذه الأمور لم يجزم بها ويقطع بها إلا بعد تطور علم الطب والتشريح أما في السابق من المعروف أن الميت له حرمة لهذا لم يكن مثل ذلك متاحاً للفقهاء الأقدمين فمن أهل العلم قديماً من قال إنه يفطر به لأن هذا منفذ إلى الجوف وبتالي يحصل الفطر به ومن أهل العلم من قال إن هذا لا يعد منفذا إلى الجوف وبتالي لا يحصل الفطر به وفي العلم الحديث أن هذا لا يعد منفذا إلى الجوف ولا يصل مطلقاً وليس هناك قناة بين الفرج وبين المعدة وبتالي فإن هذا الغسول ليس أكلاً ولا شرباً ولا مما يحصل الفطر به بالنص ولا في معنى ما ورد النص بالفطر به ولهذا اتخذ مجمع الفقه الإسلامي قراراً بالإجماع بأن الغسول المهبلي لا يعد مفطراً للصيام .
التحاميل المهبلية والمنظار المهبلي وأدوات الفحص المهبلية وكل ذلك المقصود به ما تحتاجه المرأة في العلاج سواءً كان ذلك بالتحاميل التي تعطى للمرأة كمواد علاجية أو كان بالمنظار المهبلي الذي يكون لأغراض علاجية أو تشخيصية أو كان ذلك بالأدوات التي يفحص بها في فرج المرأة وفي قبلها وهذه الأدوات الثلاث أو النوازل الثلاث إذا قلنا إن الغسول المهبلي لا يحصل الفطر به فهذه مثلها أو أولى منها فلا يحصل الفطر بهذه التحاميل ولا بالمنظار ولا بأدوات الفحص لأنها ليست مما ورد النص بالفطر به ولا في معنى المنصوص ولهذا اتخذ مجمع الفقه الإسلامي قراراً بالإجماع بأن هذه الأمور لا يحصل الفطر بها .

النازلة السادسة عشر: الحقنة الشرجية.
والحقنة الشرجية هي ما يعطى للمريض في الدبر وهي نوع معالجة وغسيل للأمعاء بضخ الماء وبعض الأدوية كما هو معروف وهذه المسألة ليست جديدة لكنها الآن أخذت صبغة علمية باعتبار أنها عمل طبي يعالج به وقد اختلف فيها أهل العلم قديماً وحديثاً على قولين: فمن أهل العلم من قال إنها تفطر لأنها تصل إلى الجوف وبتالي فإنها تفطر وذلك لما قررناه سابقاً من أن الجوف المقصود به المعدة والأمعاء لأنها موضع الامتصاص ومن أهل العلم من قال إنها لا تفطر واحتجوا على ذلك بأنه لا يحصل للإنسان بها نوع تغذية وإنما هي للتنظيف فلا يحصل منها غذاء فهي ليست أكلا ولا شربا ولا في معناهما وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ’ وقبل أن نذكر ما هو الراجح في هذه المسألة أنبه بأن الأطباء يقولون إن الدبر متصل بما يسمى بالمستقيم ثم بعد ذلك القولون أو الأمعاء الغليظة والحقنة تكون في هذه المنطقة والأطباء يقولون إن امتصاص الغذاء يحصل أغلبه في المعدة وفي الأمعاء الدقيقة ويحصل منه امتصاص يسير للماء والأملاح والسكريات في الأمعاء الغليظة وبناء على ذلك فإن المريض إذا أعطي هذه الحقنة الشرجية أعزكم الله والتي تشتمل على السوائل والمحاليل وأمور طبية أنها تصل إلى هذه المنطقة التي يحصل بها الامتصاص وهي الأمعاء الغليظة ولهذا فالقول بالتفطير هو الأظهر والأرجح وقد أختار الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ أحمد الخليل -حفظه الله – في هذه المسألة أن ما يحقن في الدبر إذا تضمن الماء أو شيئا من المحاليل المغذية مثل الأملاح أو غيرها فإنه يحصل به الفطر أما إذا لم تشتمل هذه الحقنة إلا على أشياء دوائية فليس فيها سوائل ولا ماء ولا أملاح فإنها لا تفطر وعندي أن هذه الحقنة والله سبحانه وتعالى أعلم تفطر على كل حال مادام أنها تصل إلى الأمعاء الغليظة التي يحصل فيها الامتصاص فإن الأمعاء الغليظة ومراكز الامتصاص تمتص الدواء وتمتص الماء وهذه الأمور كلها مفطرة ولهذا والذي يظهر والله تعالى أعلم أن هذه الحقنة الشرجية مفطرة بهذا المعنى هذا هو الراجح أنشاء الله تعالى.

النازلة السابعة عشر: التحاميل الشرجية .
التحاميل الشرجية هي ما يوضع في دبر المريض وتشبه المراهم وتستعمل لعلاج بعض الأمراض مثل البواسير ولتخفيض الحرارة وهي معروفة فهذه التحاميل أيضاً محل خلاف بين أهل العلم باعتبار أنها تصل إلى الجوف وبتالي هل يحصل بها التفطير لوصولها إلى الجوف أم لا يحصل بها التفطير وهو بالتأكيد قياس قول من قال إنه لا يحصل التفطير بالحقنة الشرجية . فالذي يقول إن الحقنة الشرجية لا تفطر فإنه من باب أولى يقول إن هذه التحاميل لا تفطر وعلى كلام الشيخ محمد بن عثيمين ’ أن هذه أيضاً لا يحصل بها الفطر ومجمع الفقه الإسلامي قد أجل البت في هذه القضية على اعتبار أنها محل خلاف بين أعضاء المجمع وبالتأكيد أن مثل هذه التحاميل لا توضع في بدن المريض إلا لأن البدن يمتصها ثم ينتفع بها، فالحقنة الشرجية مثلاً هي نوع من الغسيل للأمعاء وربما لايبقى الماء أو السوائل أو نحو ذلك مدةً بحيث يحصل لها امتصاص لكن مثل هذه التحاميل الأصل أنها تمتص تقريباً بالكامل ولا ينتفع منها المريض إلا إذا امتصها البدن ولهذا ليست مثل الحقنة، الحقنة يحقن الإنسان مثلاً بهذه الحقنة الشرجية أعزكم الله ثم يستفرغ مرةً أُخرى لكن مثل هذه التحاميل توضع ولا تزال وهذا يدل على أن البدن يمتصها نعم هي ليست أكلا ولا شربا ولا في معنى الأكل والشرب فإذا قلنا إن الإبر التي يأخذها الإنسان في العضل أو في الوريد لا يحصل بها الفطر مع أنها تصل إلى الدم مباشرة فمثل هذه التحاميل الشرجية الذي يظهر والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يحصل الفطر بها وليست مثل الحقنة باعتبار أن الحقنة الشرجية المواد المغذية فيها أكثر وقد مر معنا في بداية هذه المجالس أن هناك أمورا يسيرة كثيرة جداً قد عفي عنها كما يحصل في الفم بعد المضمضة فهذه التحاميل الشرجية إذا امتصها البدن فهي أشياء دوائية لا تصل إلى مراكز الامتصاص في الغالب وهي الأمعاء الغليظة وإنما ما دون ذلك ولهذا فإنها لا تأخذ حكم الأكل والشرب لا حقيقةً ولا حكماً فالذي يظهر والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يحصل الفطر بها.

النازلة الثامنة عشر: المنظار الشرجي.
المنظار الشرجي الكلام فيه كالكلام في منظار المعدة وقد سبق أن تكلمنا علية وقلنا إن منظار المعدة إذا خلاء من أشياء تضاف إليه فإنه بمجرده لا يحصل الفطر به لكن إذا أضيف إليه مثلاً مواد هلامية أو دهنية أو محاليل كما حدثني أحد الأخوة الأطباء الذين حضروا معنا أن أحد كبار المتخصصين في المناظير يقول إن المنظار الذي يعطى في المريء ويصل إلى المعدة لابد أن يضخ معه ما يقرب من مائتي ملليلتر من محلول ملح الطعام لإزالة الأطعمة ونحو ذلك عن المنظار بحيث يسهل عملية التصوير والتشخيص ثم يسحب جزء من هذا المحلول فهذا لا إشكال في أنه يكون حينئذٍ مفطراً كما قلنا إنه إذا وضعت علية مادة هلامية أو دهنية أو أدخل معه أو ضخ عبرة شيء من المحاليل أو نحو ذلك فإنه لا شك بالتفطير به وعلى هذا فالمنظار الشرجي كمنظار المعدة بحيث إنه إذا وصل إلى مناطق الامتصاص وهي الأمعاء الغليظة فما فوق إلى المعدة فإن ضخ معه شيء من السوائل أو المحاليل أو المواد الهلامية أو الدهنية أو نحو ذلك فإنها تصل إلى مكان الامتصاص وحينئذً تكون في حكم الأكل والشرب فيحصل الفطر بها، أما إذا لم يصل إلى أماكن الامتصاص أو لم يضف إليه محاليل أو مواد مسلكه فإنه حينئذٍ لا يفطر كما تكلمنا في منظار المعدة.

النازلة التاسعة عشر: ما يدخل عبر مجرى البول.
وهذا له عدد من الأنواع أحياناً يُدخل عبر مجرى البول- أعزكم الله- منظار مثل ما مر معنا في منظار المعدة والشرج والمنظار المهبلي وأحياناً تُدخل بعض المحاليل لغسيل المثانة وأحياناً تُدخل بعض الأدوية و أحياناً تُدخل بعض المواد التي تصاحب عملية التشخيص بالأشعة ليتضح التصوير بإضافة هذه المواد فيضخ عبر مسالك البول هذه المواد حتى تتضح في أجهزة التصوير، فهذه الأمور التي تدخل عبر مجاري البول سواءً كانت للرجل أو للنساء محل خلاف بين أهل العلم قديماً ، فأهل العلم ذكروا بعض التصورات كما لو أن الإنسان أدخل في إحليله ماءً أو دهناً أو نحو ذلك هل يفطر بذلك؟ وقد أختلف العلماء قديماً في هذه المسألة بناء على اختلافهم هل مجرى البول ينفذ إلى الجوف الذي اتفقنا عليه وهو المعدة أو لا؟ فمن رأى أن مجرى البول ينفذ إلى الجوف قال إنه يحصل الفطر به. ومن رأى أن هذا لا ينفذ إلى الجوف قال إنه لا يحصل الفطر به وعلم التشريح الحديث والطب الحديث يثبت أن مسالك البول ليست منفذً إلى المعدة ولا إلى الأمعاء الغليظة أو الدقيقة أو مراكز الامتصاص أو الجهاز الهضمي كما مر معنا. فهي لا تتصل بذلك مطلقاً فالقول الراجح أن هذه التي تدخل من مجاري البول أنها لا تعد مفطرةً . وهذا هو الذي أفتى به أعضاء مجمع الفقه الإسلامي في دورته العاشرة.
النازلة العشرون : التبرع بالدم.
وهذه لا شك أنها من النوازل التي تعم بها البلوى فإن الإنسان ربما يعرض لقريبه أو لأحد من المسلمين حاجة واضطرار إلى الدم في نهار رمضان فهل التبرع بالدم يفطر أو لا يفطر؟
وهذه المسألة أكثر أهل العلم يجعلونها مقيسة ومتفرعة على مسألة الحجامة. هل يفطر الإنسان بالحجامة أو لا يفطر؟ والحجامة معروفة وهي ما يوضع من المحاجم على الرأس أو على أي جزء من أجزاء البدن بحيث يشرط الجلد ثم يمتص الدم من الجلد بهذه المحاجم هذه هي الحجامة وهي معروفة. وقد أختلف أهل العلم قديماً في الحجامة. هل يحصل الفطر بها أو لا يحصل؟ وذلك تبعاً لتعارض الأدلة الواردة في الحجامة فبينما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح أنه قال "أفطر الحاجم والمحجوم "، ذلك أن النبي ‘ أتى البقيع فوجد رجلاً يحتجم فقال: أفطر الحاجم والمحجوم والحديث رواه الترمذي وهو حديث صحيح. وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جعفر بن أبي طالب _ يحتجم فقال: أفطر هذان – يعني الحاجم والمحجوم – هذا الدليل يدل على أن الحجامة تفطر بينما ثبت كما في صحيح الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس إحتجم وهو صائم وقد أختلف أهل العلم في التوفيق بين هذه الأدلة فمن أهل العلم وهم جمهور أهل العلم الحنفية والمالكية والشافعية من قال إن حديث أفطر الحاجم والمحجوم منسوخ ، وأن هذا الأمر كان في البداية مفطراً ثم نسخ ويستدلون على ذلك بما روى الدار قطني وغيرهُ عن أنس _ أنه قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة ثم رخص بها – يعني للصائم- قال الدار قطني إنه لا يعلم لهذا الحديث علة وقال الجمهور إن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي فهذا يدل على أن الترخيص كان بعد النهي. ومن أهل العلم من تعامل بين هذه النصوص بالعكس فقال إن الحجامة كانت في بداية الأمر غير مفطرة ثم بعد ذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تفطر وهذا قول الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو اختيار أيضاً الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، و احتجوا على هذا الترجيح بأن أحاديث الترخيص بالحجامة هذه مبقية على الأصل وحديث أفطر الحاجم والمحجوم ناقلة عن الأصل فإن الأصل أن الحجامة لا تفطر. و الناقل عن الأصل مقدم على المبقي على الأصل فأفطر الحاجم والمحجوم ناقل عن الأصل قد غير حكم الأصل وحديث إحتجم وهو صائم مبقٍ على الأصل والناقل عن الأصل مقدمٌ على المبقي عليه وبناء على هذا الخلاف بين هذين القولين ذهب بعض أهل العلم إلى أن مسألة التبرع بالدم فرع عن مسألة الحجامة فإذا قلنا إن الحجامة تفطر فالتبرع يفطر وإذا قلنا إنها لا تفطر فالتبرع لا يفطر أيضاً ولهذا فإن الشيخ محمد بن صالح العثيمين ’ لما كان يرجح أن الحجامة تفطر رجح أن التبرع يفطر والذين قالوا لا تفطر الحجامة قالوا إن التبرع لا يفطر، وعندي أن المسألة يمكن أن يكون لها مأخذ غير هذا المأخذ وأنه حتى لو رجحنا قول الجمهور في أن الحجامة لا تفطر فإنه ليس بلازم أن نقول إن التبرع بالدم لا يفطر وذلك لأنه يختلف الأمر بين الحجامة والتبرع بالدم وكلكم أو من رأى الحجامة أو سأل عنها أو خبرها يعرف أن الدم الذي يؤخذ بالحجامة قليل جداً بالنسبة لما يؤخذ بالتبرع بالدم فأحياناً التبرع بالدم يؤخذ نصف لتر من الإنسان وأحياناً يؤخذ لتر كامل بينما الحجامة ما يصل أحياناً ما يؤخذ من المحتجم عن خمسين مللي لتر أو ثلاثين فهي كمية يسيرة فهل يصح أن نقيس عدم التفطير بأخذ خمس مئة مللي لتر من الإنسان أو لتر كامل على عدم التفطير بأخذ ثلاثين ملي أو عشرين ملي أو حتى خمسين ملي خاصة إذا أدركنا أن العلة في التفطير بالحجامة إضعاف البدن ولهذا ثبت كما في صحيح البخاري عن ثابت البناني ’ أنه سأل أنس ابن مالك رضي الله عنهما فقال: أكنتم تكرهون الحجامة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنس _ لا إلا من أجل الضعف فهذا يدل على أن العلة في التفطير بالحجامة سواءٌ كان هذا الأمر باقيا محكما أو كان منسوخا ما تورثه من الإنهاك والضعف للبدن فإذا كانت هذه هي العلة، فلا يصح أن نقيس التبرع بالدم على الحجامة للفارق بينهما فإن هذا أكثر إنهاكا للبدن من الحجامة وهذا أمر معروف فأنت لو ذهبت الآن إلى مستشفى من أجل أن تتبرع بالدم لرأيت من الاحتياطات التي يفعلها الطبيب ما لا تراه حينما تقدم على الحجامة في مستشفى، دعونا من الإقدام على الحجامة مثلاً عند الحجامين الذين لم يلموا بعلوم الطب لكن لو أحتجمت بمركز صحي أو مركز طبي لما رأيت من الرعاية والعناية بالمريض أو المتبرع مثل ما تجد حين التبرع فإنهم في مسألة التبرع بالدم يشترطون على الإنسان أن يكون تناول غذاءً كافيا ويمدونه بالسوائل أثناء التبرع وبعد التبرع وهذا ظاهر الدلالة على أن عملية التبرع تنهك البدن أكثر مما تنهكه الحجامة فالحجامة شيء يسير يخرج من البدن هذا أمر، الأمر الثاني أنه أيضاً روى الخمسة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من استقاء فعليه القضاء ومن ذرعهُ القيء فلا قضاء عليه "ففي هذا الحديث أن من استقاء متعمداً يفطر بذلك، وقد ذهب من قال بأن من استقاء متعمداً يبطل صومهُ إلى أن العلة هي ما يورثه القيء – أعزكم الله- من الضعف والإنهاك للبدن وما يقال في الاستقاء يقال في التبرع بالدم بل ربما يكون في التبرع بالدم إضعاف للبدن أكثر من إضعافه بالقيء ،الأمر الثالث يمكن أن يقاس التبرع بالدم على الحكم بالفطر للحائض فإن جمعا من أهل العلم ذهبوا إلى أن الحكمة من كون الحيض مفطرا من مفطرات الصيام أنه ينهك بدن المرأة وهو حالة مرضية تضعفها فيكون في إيجاب الصيام عليها إضعاف لها وضرر عليها ولهذا قضى الله سبحانه وتعالى بأن الحيض مفطر من المفطرات وأنه لا يصح الصيام معه ، وبناء على ذلك فإن الذي يظهر لي والله سبحانه وتعالى أعلم أن التبرع بالدم مفطر من مفطرات الصيام على القولين جميعاً، سواء قلنا بأن الحجامة تفطر أو لا تفطر. فالتبرع بالدم مفطر من المفطرات والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

النازلة الحادية والعشرون : أخذ الدم للتحليل ونحوه.
وهو ما يؤخذ من المريض للتحليل ، وهذه المسألة تختلف عن المسألة السابقة لأن الفرق واضح وبيّن في أن الدم في التبرع بالدم كثير وأما في مسألة التحليل فإن ما يؤخذ شيء يسير ولهذا ما قلناه قبل قليل من التعليلات بفطر من تبرع بالدم لا يصح فيما يتعلق بأخذ عينة للفحص والتحليل ولهذا ذهب كثير من أهل العلم منهم الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين ، إلى أن أخذ عينات من الدم للتحليل لا يحصل الفطر به وبالتأكيد من قال إن التبرع بالدم لا يفطر به الإنسان فإنه من باب أولى يقول إن هذا لا يحصل الفطر به وهذا الذي يظهر والله سبحانه وتعالى أعلم أنه هو الراجح فإن أخذ كمية يسيرة من الدم لا يضر الصائم وهو مثل مالو قلع الإنسان ضرسهُ أو أصابهُ جرح يسير أو نحو ذلك، فذلك لا يؤثر في بدنه ولا ينهكه إنهاكا يشبه مثلاً الاستقاء أو التبرع بالدم أو الحيض بالنسبة للمرأة.
هذه هي النازلة العشرون وهي أخر النوازل المتعلقة بمفطرات الصيام، بقي عندنا نازلتان نختم بهما هذه الدروس .

النازلة الثانية والعشرون: السفر من بلد إلى بلد يختلفان في الرؤية.
فأولاً نصور هذه المسألة ، هذه المسألة ليست جديدة ولا نازلة على الحقيقة لكن لما تيسرت في هذا الزمن وسائل المواصلات وأصبح الانتقال كثيراً جداً أصبحت من المسائل التي تعم بها البلوى فكأنها بالنسبة للناس من النوازل وإلا فالمسألة قديمة وقد تكلم عليها أهل العلم قديماً وهي مسألة ما إذا انتقل الإنسان من بلد إلى بلد أخر قد اختلفت رؤية البلد الأول عن البلد الثاني وقد يترتب على هذه الأمر أن الإنسان يسافر من بلد إلى بلد فتختلف بداية الشهر بين البلدين فإذا اختلفت البداية ربما تختلف النهاية فقد يترتب على ذلك أن الإنسان إذا صام مع البلد الثاني الذي انتقل إليه قد يصوم واحد وثلاثين يوماً وقد يحدث العكس وهو ما إذا تقدمت رؤية البلد الذي قدم إليه فقد يصوم ثمانية وعشرين يوما، ونضرب لهذا مثال. فلو صمنا في المملكة العربية السعودية يوم السبت و في الباكستان صاموا يوم الأحد، فمن بدأ الصيام بالمملكة يوم السبت ولمّا مضى عشرة أيام أو عشرون يوما ذهب إلى الباكستان وفي الباكستان لم يرو الهلال ليلة الثلاثين فأتموا ثلاثين يوماً هذا الإنسان الذي بدأ الصيام في المملكة يوم السبت وذهب إلى الباكستان، الباكستان أتموا الشهر ثلاثين يوماً ، إذا تابع الباكستان في الصيام سيصوم واحدا وثلاثين يوما هذه صورة، الصورة الثانية لنفترض أننا في المملكة صمنا يوم السبت وأن مصر صاموا قبلنا بيوم أي يوم الجمعة فهذا شخص صام يوم السبت مع بلده وهو المملكة ثم بعد عشرة أيام انتقل إلى مصر، كانت مصر قد صامت قبلنا بيوم ولما مضى من الشهر في مصر تسعة وعشرون يوماً تراءى الناس الهلال فرأوه فما صاموا بمصر إلا تسعة وعشرين يوماً فإذا صام هذا معنا وأفطر معهم فمعنى ذلك أنه سيصوم ثمانية وعشرين يوما فقط، السؤال هو هذا الذي سافر إلى الباكستان وذلك الذي سافر إلى مصر يتبع من ؟ وإذا ترتب على صيامه في الباكستان أن يصوم واحد وثلاثين يوماً فما الحكم؟ هل يصوم واحدا وثلاثين يوما وهل يكون الشهر الهجري واحدا وثلاثين يوماً والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الشهر هكذا وهكذا وهكذا أو هكذا" يعني الشهر يكون ثلاثين و يكون تسعة وعشرين يوما، ولا يمكن أن يكون الشهر الهجري ثمانية وعشرين ولا أن يكون واحد وثلاثين يوما فهذا الذي ذهب إلى الباكستان إذا قلنا له صم مع الباكستان معنا هذا كأننا قلنا الشهر الهجري يمكن أن يكون واحدا وثلاثين يوما، وهذا الذي ذهب إلى مصر إذا قلنا له صم مع مصر فمعنى ذلك كأننا قلنا إن الشهر الهجري يمكن أن يكون ثمانية وعشرين يوما، هذه هي المسألة التي بين أيدينا، ذهب الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين ’ وجمع من أهل العلم إلى أنه إذا انتقل من بلد إلى بلد أخر فإنه يتبع البلد الذي انتقل إليه فيصوم معهم ويفطر معهم حتى لو ترتب على ذلك أن يصوم واحد وثلاثين يوماً أو ثمانية وعشرين يوما فإذا أفطروا أفطر معهم وقد استدلوا على ذلك بعدد من الأدلة من أصرح هذه الأدلة ما رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وصححه النووي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون" فهذا الذي ذهب إلى الباكستان حكمه حكم الناس الذين هو معهم وهذا الحديث فوق أنه يدل على الحكم في هذه المسألة فإنه يدل على مسألة عظيمة جداً وهي أهمية اجتماع الكلمة بالنسبة للأمة الإسلامية حتى وإن ترتب على ذلك أن الإنسان قد يخالف حتى لو رأى هو الهلال ولم يؤخذ برؤيته فإنه يصوم مع الناس ويفطر مع الناس حتى لو أخطأ الناس ووقفوا بعرفة في اليوم العاشر أو في اليوم الثامن فإن حجهم صحيح وهذا يدل على أهمية جمع الكلمة في الإسلام وألا يشذ الإنسان أو يخرج عن الناس هذا هو الدليل الأول.
وأيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته هذا الذي ذهب إلى الباكستان الأصل أنه يصوم لرؤية الهلال ويفطر لرؤية الهلال و يكون تابعا للبلد الذي ذهب إليه لو رئي هلال العيد قلنا له: إن غداً هو واحد من شوال ولا يجوز لك أن تصوم هذا اليوم فإن صيام يوم العيد مما قام الإجماع على تحريمه والنبي صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وقد رئي وأفطروا لرؤيته وقد رئي وهذا من الأدلة الدالة على وجوب أن يكون مع الناس الذين أتى إليهم ومما استدل به أيضاً الشيخ محمد بن صالح العثيمين ’ في هذه المسألة ، أن الإنسان لو افترضنا أنه صام في بريده أمسك في بريده، وفي بريده يؤذن المغرب الساعة السادسة مساءً فلما كان منتصف النهار ركب طائرة وذهب إلى المغرب وفي المغرب ما تغرب الشمس إلا الساعة الثامنة فهل يفطر إذا كانت الساعة السادسة تبعاً لبريده التي أمسك فيها أم أنه ينتظر حتى تغرب الشمس لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " فكما أن هذا اليوم زاد لأنه انتقل من بلد إلى بلد فكذلك الشهر يزيد لأنه انتقل من بلد إلى بلد فلو ترتب على ذلك أن يصوم واحداً وثلاثين يوماً فنقول له صم ولو وصلت إلى واحد وثلاثين يوماً لأنك أتيت إلى بلد آخر فأنت كما إذا أمسكت في بلد وانتقلت إلى بلد آخر ، فإذا صام واحداً وثلاثين يوماً فلا إشكال في ذلك لما سبق لكن الإشكال هو في المسألة الثانية وهي ما إذا انتقل من هنا إلى مصر ، ومصر قد أمسكت قبلنا بيوم وأفطرت قبلنا بيوم تسعة وعشرين يوما وبالتالي إذا أفطر معهم فمعنى ذلك أنه لن يصوم إلا ثمانية وعشرين يوماً والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشهر لا يكون أقل من تسعة وعشرين يوماً فنقول له أولاً أفطر معهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وأنت و من كنت في البلد الذي أتيت إليه قد رأوا الهلال فيجب أن تفطروا هذا الحكم الأول, فيتبعهم وإن لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوماً.
الحكم الثاني. باعتبار أن الشهر لا يمكن أن يكون أقل من تسعة وعشرين يوماً نقول إن هذا كما لو حصل خطأ في أول الشهر فأكملوا العدة بسبب الغيم ثم تبين الهلال في آخر الشهر ليلة تسع وعشرين فنقول هذا مثله, فعليه أن يقضي يوماً مكان هذا اليوم الذي نقص من شهره فإذا أفطر للعيد بعد ذلك يكون عليه يوم من رمضان يقضيه.

النازلة الثالثة والعشرون: وهي السفر بالطائرة ونحوها بعد مغيب الشمس أو قبله.
وهذه عبارة عن مسألتين :
المسألة الأولى:
أن تغرب الشمس على الإنسان في بلده ثم يفطر ثم يركب الطائرة فتطلع عليه الشمس فما الحكم بالنسبة له؟ الحكم بالنسبة له أنه صام بدليل شرعي { ثم أتموا الصيام إلى الليل } وأفطر بدليل شرعي وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" فهذا قد أفطر بيقين وبدليل شرعي وبالتالي فرؤيته للشمس بعد ذلك لا تضر ولا يجب عليه الإمساك مرة أخرى فهو كما لو غربت الشمس ثم صعد على جبل مثلا ورأى الشمس مرة أخرى فهذا لا يؤثر لأنه تم له هذا اليوم وهو تماماً مثل لو أن الإنسان كان في الصحراء وفاقدا للماء ثم تيمم وصلى وبعد الصلاة جاءت سيارة معها ماء هل نقول يعيد صلاته مرة أخرى؟ نقول: لا ، الصلاة صحت لأنه أداها بدليل شرعي وهو التيمم عند فقد الماء فكونه يزول العذر بعد ذلك لا يؤثر ، وبالتالي فلا يجب عليه الإمساك .
المسألة الثانية:
أن يسافر الصائم قبيل غروب الشمس في بلده بزمن يسير إلى جهة المغرب فيتأخر غروب الشمس بالنسبة له كما إذا كانت الشمس تغرب في بلده الساعة السادسة مساءً وقبيل السادسة بعشر دقائق ركب الطائرة مسافراً إلى المغرب فكل ما مشى في هذا الطريق كلما طال النهار فالشمس ما تغرب في المغرب إلا الساعة الثامنة فبقي ساعة أو ساعتين والشمس طالعة فما نقول له؟ نقول: لا يفطر حتى تغرب الشمس حتى لو زاد عليه ساعتان أو أربع أو خمس أو أكثر فهو بالخيار إما أن يأخذ حكم المسافر فيفطر ترخصاً وإما أن يمسك إذا أراد لصومه أن يتم لأن القرآن جعل للفطر حداً {ثم أتموا الصيام إلى الليل}والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :"إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"
فما لم تغرب الشمس فإنه لم ينته اليوم بالنسبة لهذا الإنسان وبالتالي فإنه يجب عليه أن يمسك حتى تغرب الشمس أو يترخص رخصة السفر فيفطر ويقضي يوماً مكانه.هذه هي آخر النوازل التي يسر الله سبحانه وتعالى الإتيان عليها.
وقبل أن أختم حديثي في هذه النوازل أنبه على أن أفضل ماكتب في هذه النوازل مايلي :
1 – مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي العدد العاشر الجزء الثاني .
2- مفطرات الصيام المعاصرة للدكتور أحمد بن محمد الخليل الاستاذ المساعد بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم .
بالإضافة إلى الفتاوى المنثورة لأهل العلم في كتبهم وفي مواقع الشبكة المعلوماتية ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

|1|2|

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم