إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

طريقة المتكلمين في الدراسة الأصولية

السبت 26 صفر 1430 الموافق 21 فبراير 2009  
طريقة المتكلمين في الدراسة الأصولية
سليمان بن الحسن القـراري

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، والشكر له كما يجب لجزيل نعمائه وكثير ألطافه، والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه.    
وبعد: لمَّا كان علم أصول الفقه منهاجَ الفقيه المجتهد، فإنّ نشأته تكون موازية لنشأة الفقه ذاته، والرعيل الأول من الصحابة ـ وإن لم يسبق وأن دوَّنوا هذا العلم ـ كانوا يقضون ويفتون بالنصوص التي فهموها بملكتهم السليمة من غير حاجة إلى قواعد لغوية مدوَّنة يهتدون بها في فهم النصوص، كما كانوا يستنبطون الأحكام بقريحتهم التشريعية التي ترسَّخت في أذهانهم إثر صحبتهم الطويلة للرسول صلى الله عليه وسلم، وبمعرفتهم لأسباب نزول الآي، ولأسباب ورود الأحاديث النبوية، يقول ابن خلدون: &artshow-86-108621.htm#171;وكان السلف في غنية عنه ـ علم الأصول ـ بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصا فمنه أخذ معظمهم.» وبعد عصر الصحابة ظهرت طائفتان من الفقهاء، أهلُ الحجاز وأهل العراق، حيث تميزت كل طائفة عن الأخرى بمميزات تشريعية قامت على أصول مدوَّنة، كاستعمال الرأي والأخذ بفتاوى الصحابة . ومع اتساع العالم الإسلامي اتسع مجالُ الفتوى لتوالي الأحداث، وأقدم من ليسوا أهلا للاجتهاد على الإفتاء ـ نظرا لتدني الملكة اللغوية، واستفحال ظاهرة اللحن في الكلام ـ فعزم العلماء على تدوين ضوابط تكون بمثابة موازين للفهم والاستنباط مع وضع شروط للاجتهاد سدًا لأهل الأهواء، فكان من مجمع هذه الضوابط وتلك الشروط تكوُّن علم أصول الفقه، فجاء تدوين هذا الفن على هذا المعنى خصوصا مع عصر الأئمة الكرام، حيث نجد المناهج الأصولية قد تميزت بشكل واضح، كما تبينت قوانين الاستنباط وظهرت معالمها صريحة على لسانهم، بل وتنوعت ـ بفضلهم ـ مسالك هذا العلم، فكان لكل إمام طريقته الخاصة في الاجتهاد بناها على قواعد بعضها لقي حظ التدوين، والبعض الآخر صار في حكم المفقود. من هنا أُشكل على العلماء فيمن دوّن علم الأصول أولا، فالإمامية من الشيعة تزعم أن الإمامين الباقر وابنه الصادق أول من أمليا قواعد هذا العلم على أصحابهم، والحنفية من أهل السنة ترى خلاف ذلك مؤكدة على أن فضل السبق في تدوين القواعد الأصولية يرجع إلى أئمتهم، أما جمهور الشافعية والمالكية فيرون أنَّ الإمام الشافعي هو أول من دوَّن هذا العلم في كتابه الرسالة. وفي اعتقادي القول الأخير هو الأقرب إلى الصواب، لأن "الرسالة" هو الكتاب الوحيد الذي وصلنا من ذلك العهد، ولو كانت هناك كتب أخرى لوجدنا آثارها والنقول عنها في أمهات الأصول، والذي ذهب إليه الإمامية في شأن الإمامين لا يبعد أن يكون مجرد إملاء دون تصريح بالتصنيف، أما الحنفية فلا يمكن الاعتماد على مقالتهم من أجل معارضة تصنيف موجود مستوعب لأبواب علم الأصول كالرسالة، فتكون أولوية التأليف في علم الأصول للإمام الشافعي بلا منازع.

ظهور المدارس الأصولية:
تتابع العلماء على التأليف الأصولي بعد الأمام الشافعي، إنما لم يسيروا على نهج واحد، حيث تنوَّعت مناهجهم في التصنيف والتبويب، بعضهم سلك اتجاهًا نظريًّا غير متأثر بالفروع، وأكثرهم من الشافعية والمالكية، وأطلق على طريقتهم مدرسة المتكلمين، وبعضهم تأثر بذلك في صياغة القواعد الأصولية وأكثرهم من الفقهاء، و يعبَّر عن طريقتهم بمدرسة الأحناف؛ لأن أغلب من كتب على منوالها هم الحنفية، وطريقتهم تقوم على النظر في الأحكام الفرعية بقصد جمع المتناظر والمتشابه منها، والخروج بذلك إلى قاعدة أصولية تضبط كل هذه الأحكام المتماثلة، والذي دفع هؤلاء الأحناف إلى اتباع هذه الطريقة دون غيرها محاولةُ استقراء القواعد الأصولية التي وظَّفها أئمتهم في عملية الاستنباط بتتبع تفريعاتهم الفقهية، لذلك فإنَّ رائدهم في تحقيق هذه القواعد الأحكامُ التي استنبطها أئمتهم بناءً عليها لا لمجرد البرهان النظري، لذا أكثروا في كتبهم الأصولية من ذكر الفروع الفقهية، غير أن الذي يؤخذ عليهم في تتبع هذه الطريقة أن بعض قواعدهم جاءت ملتوية كنتيجة طبيعية لتحكيمهم الفروع تحكيمًا تامًا، كما أنهم ذكروا أمورا ليست من موضوع الأصول، كالفروع الفقهية التي عرضوا للاختلاف فيها، لذلك تراهم إذا ما قعَّدوا قاعدة، ثم وجدوا فرعًا فقهيًّا شذَّ عنها أعادوا تقريرها ومحاولة صياغتها على شكل يتلاءم مع الفرع الشاذ، إما بوضع قيد، أو زيادة شرط، مما جعلها تبدو غريبة. ورغم هذا فإنَّ للطريقة دورًا في إثراء الفكر الفقهي، لكونها دراسة مطبقة في فروع فقهية ساهمت في إثراء المذهب الفقهي على كل حال.
وبين الطريقتين سلك البعضُ الآخر مسلكا وسطا مثَّله المتأخرون، فإذا كان مسلك المتكلمين في تحقيق القواعد الأصولية قائما على منهج نظري يحكّم الأصول في الفروع، وفي مقابله مسلك الفقهاء الذي يقوم على منهج عملي يحكّم الفروع في الأصول، فإن مسلك المتأخرين في التأليف نهج طريقا جامعا للمسلكين، حيث عني فيه أصحابه بتحقيق القواعد الأصولية وإقامة الأدلة على صحتها عنايتهم بتطبيقها على الفروع الفقهية وربطها بها، وبهذا جمع أصحاب هذه الطريقة بين خدمة القواعد بإثباتها بالدليل والبرهان تحقيقا، وبين خدمة الفقه بذكر الفروع العملية تمثيلا للقواعد الأصولية وتطبيقا.

التعريف بمدرسة المتكلمين الأصولية:
الاتجاه النظري في التأليف الأصولي تولاه ـ كما ذكرنا ـ المتكلمون، وقد سميت طريقتهم طريقة الشافعية تغليبا، إذ نجد من كتب على منوال هذه الطريقة من مختلف المذاهب كالمالكية والظاهرية وبعض الحنابلة والشيعة، الأمر الذي دفع بالبعض إلى إنكار هذه التسمية، والاقتصار على تسمية المتكلمين،  لأنه من كتب في تقرير الأصول وتقعيد القواعد على طريقة النظر والبرهان دون الالتفات إلى فروع المذهب ـ إلا بقصد التمثيل ـ علماءُ الكلام على اختلاف مذاهبهم الفقهية، فما أيدته العقول من القواعد أثبتوه ووقفوا عليه، وما خالف ذلك لم يلتفتوا إليه، ومن ثم جاءت طريقتهم محكِّمة للأصول في الفروع من غير تعصب للمذهب، بل منهم من خالف إمامه فيما ذهب إليه. إلا أن فرط ولعهم بالكلام دفعهم إلى الاستطراد في ذكر مباحث نظرية لا مدخل لها في عملية الاستنباط، لذا فإن هذه التسمية ـ  طريقة المتكلمين ـ هي أليق بهذه المدرسة من غيرها، ويعد ابن خلدون أول من أطلقها على متكلمة الأصول تمييزا لها عن طريقة الفقهاء. أما حجة الذين أطلقوا عليها طريقة الشافعية هي أن الإمام الشافعي هو أول من كتب على منوالها، وأن المتكلمين إنما نهجوا منهجه، وسلكوا طريقته التي انتهجها في دراسة القواعد الأصولية في كتابه. ونحن إذا تمعنا "الرسالة" لا نقف ولا على مبحث من المباحث الكلامية والمنطقية التي وظفها المتكلمون في مؤلفاتهم الأصولية، بل أحيانا نقف على مخالفات صريحة لأصول الشافعي.. يقول أبو زهرة: &artshow-86-108621.htm#171;كان الاتجاه الأول ـ اتجاه المتكلمين ـ نظريًّا خالصًا، فعناية الباحثين فيه متجهة إلى تحقيق القواعد وتنقيحها من غير اعتبار مذهبي، بل يؤدون القواعد بالأدلة، ويختارون أقواها دليلا، سواء كانت تؤدي إلى خدمة مذهبهم أم لا تؤدي، ولقد كان منهم من خالف الشافعي في أصوله وإن كان متبعا لفروعه».
وحتى المنهج النظري الذي أقام عليه الشافعي دراسته للقواعد الأصولية لم يتقيد المتكلمون بتمامه، بل تصرفوا فيه، وأضافوا إليه وجوها نظرية أخرى وِفق ما اعتادوه من غلبة التجريد العقلي في علم الكلام. ومن بين الكتب المؤلفة على هذه الطريقة "العمد" لعبد الجبار (توفي:415ﻫ)، و"المعتمد" لأبي الحسين البصري (توفي:436ﻫ)، و"البرهان" للجويني (توفي:478ﻫ)، و"المستصفى" للغزالي (توفي:505ﻫ)، وهذه الكتب الأربعة هي أصول هذه الطريقة، وما أُلِّف بعدها جاء تلخيصا لها ككتاب "المحصول" للرازي (توفي:606ﻫ)، و"الإحكام" للآمدي (توفي:631ﻫ)، وهذان الكتابان الأخيران اختصرهما العلماءُ، وتوالت عليها الاختصارات، فاختصر الكتاب الأول ـ المحصول للرازي ـ سراج الدين الأرموي (توفي:682ﻫ) في "التحصيل"، وتاج الدين الأرموي (توفي:653ﻫ) في "الحاصل"، وعن هذين المختصرين اقتطف القرافي (توفي:684 ﻫ) مقدمات وقواعد في كتابه "التنقيحات"، وكذلك فعل البيضاوي (توفي:685ﻫ) في كتابه "المنهاج"، أما الكتاب الثاني ـ الإحكام للآمدي ـ فاختصره ابن الحاجب (توفي:646ﻫ) في "المنتهى" فتوالت الشروح على هذه المختصرات.

منهج الدراسة الأصولية:
يمكن القول بأن التشابه الكبير الذي أدركه المتكلمون بين منهجي الدراسة في الأصلين ـ أصول الدين وأصول الفقه ـ كان عاملا مهما دفع بهم إلى البحث في أصول الفقه،  فالإمام الشافعي في "الرسالة" اختار منهجًا نظريًّا أقام عليه دراسته للقواعد الأصولية بتجريده لها من فروعها وتطبيقاتها الفقهية، فمثَّل بذلك أرضية خصبة ألِفها المتكلمون ـ من قبل ـ في علم الكلام، مما سهَّل عليهم دراسة المباحث الأصولية إلى درجة تطوير منهجها النظري الموظف في كتاب "الرسالة"، حيث جاءت مؤلفاتهم الأصولية قائمة على تجريد القواعد العامة من المسائل الفرعية، بالاستناد إلى الاستدلال والبرهان العقلي الموضوع أساسه في الرسالة، إضافة إلى توظيف مهارات عقلية كانت متداولة قبل الشافعي نفسه، فأضافوا ـ بذلك ـ إلى المنهج الأصولي صبغة نظرية أكثر تجردا، فلم يتقيدوا بالمنهج النظري الموروث، وإنما تصرفوا فيه وفق ما اعتادوه من غلبة التجريد العقلي في علم الكلام. ويمكن رصد بعض معالم المنهج الكلامي الذي وظَّفه الأصوليون في أصول الفقه في ثلاثة مسالك: التعليل، والتأصيل، والاحتجاج، أما مسلك التعليل فهو عبارة عن طريقة تفسَّر بها الأشياء، ومسلك التأصيل فهو دعامة الإثبات، ومسلك الاحتجاج هو مجال النقاش،. فالأصولي في تقسيمه لمباحث علم الأصول يفسر ذلك بعقد بيان وجه الحصر الذي يتم من خلاله تبرير هذا التقسيم دون غيره، ويقيم الاحتجاج على ما تقرر من الإمكان في عقله، ثم يؤصل فيعتمد أصالة الرجوع بالمسائل إلى المقدمات، والأصول الكلية التي تكون حاكمة على جزئيات هذه المسائل، والتي تم تقريرها في مباحثها الخاصة بها، بما يجعل الأصول محكمة والفروع منسجمة معها تمام الانسجام. وعقليات التعليل والترجيح والتأصيل هذه لازمت الأصولي وهو متكلم، خصوصا المنهجية التأصيلية الموظفة في علم الأصول نجدها بتمامها في علم الكلام، الذي هو الآخر يقوم على إثبات كل ما يتوقف عليه من المقدمات التي يعتمد عليها، بما يجعل العقائد مسلمة برجوعها إلى مبادئها الأولية. ومسلك الاحتجاج يعتبر السمة البارزة في علم الكلام تجلى أيضا في علم الأصول ليفتح بذلك باب الجدل على مصراعيه، مما ساهم في إثراء مباحث هذا الفن.
وعموما فإن المنهج الموظف في علم الأصول لم يكن ليكتمل من جهة كلامية فقط، بل كان الأثر في بلوغ كماله من الجهتين معا الكلامية والأصولية، لأنه إذا كان "الأصوليون قد استفادوا من علم الكلام طريقة في التفكير، فإن المتكلمين قد استفادوا من علم الأصول طرقا أخرى."
 
طريقة المتكلمين في الخلط بين العلمين الكلام والأصول:
أضاف المتكلمون إلى علم الأصول مباحث كلامية ـ لم تُوظف قبلا ـ لها ارتباط بأدلة وقواعد هذا الفن، إذ المتمعن في كتاب "الرسالة" لا يجد ولا مبحث من المباحث الكلامية أو المنطقية التي استخدمها هؤلاء الأصوليين في مؤلفاتهم، لتكون محاولتهم ـ تلك ـ مبادرة جدية في ربط العلمين الأصول والكلام. وبتتبع المباحث الكلامية الدخيلة على أصول الفقه نجدها على ثلاثة أنواع، نوع لا علاقة له بعلم الأصول، ذكره متكلمة الأصول لغرض الاستئناس أو التمثيل، كمسائل عصمة الأنبياء، والاجتهاد في أصول الدين، ومائية العقل وغيرها من المسائل المجردة، ونوع له علاقة مشتركة بين العلمين، كالمقدمات الكلامية التي ترجع في طبيعتها إلى المنطق الأرسططاليسي، ونوع له ارتباط وثيق بأصول الفقه يُتوقف عليه في فهم بعض المباحث الأصولية، ففي مباحث الحكم التكليفي تعلق بمبحث الحاكم حديث عن قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، التي تندرج تحتها قضايا شرعية كوجوب شكر المنعم، وحكم الأعيان قبل ورود السمع، وتعلق بمبحث المحكوم عليه حديث عن خطاب المعدوم، وما تفرع عنه من إمكان تعلق التكليف بالمكلف حال عدمه، وحديث عن وجوب معرفة الله تعالى عقلا، وما تفرع عنها من قضايا كأول واجب على المكلف ما هو، وفيما يتعلق بمبحث المحكوم به جرى الحديث عن مسألة التكليف بما لا يطاق، التي تتعلق بقضية القضاء والقدر، هذا وقد تعلَّق بمبحث الحكم الشرعي الحديث عن طبيعة الكلام الإلهي، أيكون قديما فيكون خطابه كذلك، أم حادثا فيكون خطابه حادثا أيضا. 
أما في مبحث الحكم الوضعي فقد تعلقت مقولات كلامية بتحديد العلة الشرعية، أشهرها مسألة تعليل أفعال الباري تعالى، ونظرية الصلاح والأصلح، وقاعدة التحسين والتقبيح العقليين، كما تعلقت بتحديد السَّبب الشرعي مقولتا العلة والسبب العقليان.
وحجة متكلمة الأصول في مزج هذه المقولات الكلامية مع علم الأصول أن مبادئ أي علم يقوم على البرهان النظري هي التصورات والتصديقات المسلمة فيه، وهي مبادئ غير مبرهنة في هذا العلم لتوقف أكثر مسائله عليها، ولما كان علم الكلام هو العلم الكلي الذي تنتهي إليه العلوم الشرعية، فقد تم برهان مبادئ هذه العلوم و مسلماتها في علم الكلام، وعلم أصول الفقه كباقي هذه العلوم الشرعية يقوم على مبادئ مسلمة تم البرهان عليها صحة أو فسادا في علم الكلام. وهذه المسائل ذِكرها في علم الأصول يكون على قدر التحديد والتصوير، وإلا فإن الإطالة منها يعتبر خروجا عن طبيعة المسلمات، الأمر الذي دفع بالغزالي (توفي:505هـ) إلى تشديد النكير على من أطنب في بيان مثل هذه المقدمات من متكلمة الأصول، واعتبر عقد الأدلة والبراهين على صحتها في علم الأصول خروج عن موضوع هذا الفن وخلط له بعلم الكلام.
وهذا ما يفسر ما ذكره الشاطبي (توفي:790هـ) في كتابه الأصولي "الموافقات" حين قال: "ولنقدم قبل الشروع في المطلوب مقدمة كلامية مسلمة في هذا الموضع، وهي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل." وهو كلام سديد لا غبار عليه، مادام الرجل التزم بقانون المسلمات، إذ لم يكن من اللائق به ـ وهو المتكلم الأصولي ـ أن يقيم الدليل على سلامة هذه الدعوى في علم أصول الفقه، وقد تمَّ الحديث عنها في موضعها علم الكلام، الذي تكفل بإقامة البرهان عليها صحة أو فسادا، والشاطبي كان مدركًا لهذه الحقيقة، فلم يكن ليفتح على نفسه باب النزاع حول هذه المقدمة، وهي بمثابة اللبنة الأولى التي وضعها لنظرية علم المقاصد. لذلك لا معنى لما ذكره الريسوني حين قال: &artshow-86-108621.htm#171; فقد وصف ـ الشاطبي ـ هذه المقدمة بأنها مسلمة، وهذا يعني أنه لا خلاف فيها، ومع ذلك فقد احتاج إلى القول: هذه دعوى لابد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادا.. وليس هذا شأن المسلمات، ثم لست أدري ما عنى بقوله: وليس هذا موضع ذلك، مع أن هذا هو أنسب موضع لذلك..».
ويمكن رصد بعض إيجابيات خلط الكلام بالأصول، فمن حيث مباحث علم الأصول فإنها عرفت بعد الإمام الشافعي تطورًا كبيرًا لا يسعنا إلا الاعتراف به،  فبفضل طريقة المتكلمين ـ التي شكَّلت مدرسة لها تاريخها ورجالها ـ انتقلت الدراسة الأصولية من دائرة الجهد الفردي إلى دائرة الجهد الجماعي الذي أتم مباحث هذا العلم تلقينا وتدوينا، ولولا الجامع الفكري الذي وحَّد هؤلاء الأصوليين ـ والذي تجلى في وحدة الفكر الكلامي القائم على المنهج النظري ـ لما اكتملت لعلم الأصول صناعة، ولما تمَّ له بنيان، ولوصلتنا المؤلفات الأصولية ـ على قلتها ـ متفرقة لتباعد الأمصار، وتقطع الأوصال، ولما نال الفكر الأصولي حظا من التطور. ونحن نرى كيف تعددت مباحث علم الأصول ـ بفضل مدرسة المتكلمين ـ إلى مباحث لغوية فقهية كلامية منطقية أحدثت بنية جديدة لهذا الفن. بجانب النزعة النظرية التي ألِفها المتكلمون في دراستهم الكلامية بتوظيفها في علم الأصول كانت كفيلة بقلب المنهج الحنفي الذي حكَّم الفروع في الأصول زمنًا، وذلك بعدما وجدوا في المنهج النظري الذي خلفه الإمام الشافعي العون الأكبر في تحكيم الأصول في الفروع، وبما طبعوا عليه في علم الكلام من تحكيم للأصول، فنقحوا وقرروا هذا المنهج ولم يقلدوا. الأمر الذي أفرز نماذج أصولية تميزت باستقلال الشخصية العلمية والفكرية وتحررها من التبعات المذهبية، واعتدادها بالعقل في النظر والاستدلال، مع الالتزام ـ قدر الإمكان ـ بالتوجه العقدي الذي لم يدع لأهل الأهواء مجالا في علم الأصول، وإن حاول منتحل أو مبتدع الخوض فيه تدافعته المدرسة الكلامية إلى أضيق السبل لعدم أهليته و جدارته.
أما سلبيات الخلط بين العلمين فإن أصول الفقه لما كان علمًا يهتم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية كان الإكثار من ذكر المسائل النظرية في مباحثه إطالة لا جدوى من ورائها، وهو الخطر الذي تنبّه إليه الشاطبي حين قال: &artshow-86-108621.htm#171;كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونا في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية، والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له، ومحققا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له... وعلى هذا يخرج عن أصول الفقه كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون وأدخلوها فيها.» والذي عوَّل عليه الشاطبي في ذلك أنَّ كل ما لا ينبني عليه عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، بدليل إعراض الشريعة عما لا يفيد العمل المكلَّف به، فاستدل في موافقاته بجملة من النصوص ليرسم بذلك منهجية محددة لتصفية علم الأصول من المباحث الدخيلة عليه، إلا أنه ـ في الوقت نفسه ـ ضيّق من سعة أصول الفقه لمّا رأى بأن كل مسألة مرسومة فيه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية، مع أن قابلية هذا العلم للنظر والفكر يتعدى مالا تحته عمل، شأنه في ذلك شأن كل العلوم التي تستند في مباحثها  ـ بجانب الأدلة النقلية ـ إلى الأدلة العقلية. وأقصى ما يمكن أن يفرزه هذا الخلط ـ في اعتقادي ـ الخلاف العقدي الذي لا أثر له في الواقع الفقهي، وهو خلاف كان من المرتقب حصوله من مدرسة نظرية كمدرسة المتكلمين، ولا يعني انحصار هذه السلبيات في مباحث كلامية، بل تتعداها إلى أخرى لغوية، كالخلاف حول حقيقة الكلام وأقسامه، ومآخذ اللغات، وحكم إثبات اللغة قياسا، وغيرها من القضايا النظرية.
 ولا شك أن التعصب المذهبي هو الدافع إلى الإكثار من النقاش الكلامي في أصول الفقه إلى حد صار فيه هذا العلم مجالا لإثبات العقائد، فجلُّ القضايا الكلامية نوقشت في علم الكلام باستفاضة، لكن لما اتسمت في وقت بحدة النقاش أدرجت في علم الأصول ليصير هذا العلم ميدانًا للخصومات الكلامية. إضافة إلى إسهاب المتكلمين في الاستدلال والمناقشة وإطالة الجدل الذي أفرزته المسائل الكلامية المقحمة في علم الأصول، مما أدى بالمباحث الأصولية إلى الإطالة المانعة من التركيز، خصوصا تلك المبالغات المثارة بوفرة الاعتراضات والفروض المتشعبة.
أمام هذه الإشكالات ـ التي حدَّت من وظيفة علم الأصول ـ جاءت دعوة تحريره من تلك الزوائد الكلامية ابتداء مع أبي الحسين البصري (توفي:436هـ) الذي ألَّف كتابه الأصولي "المعتمد"، وعدل فيه عن ذكر مالا يليق بأصول الفقه من دقيق علم الكلام فقال: &artshow-86-108621.htm#171;فأحببت أن أؤلِّف كتابًا مرتبة أبوابه غير مكررة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام إذ كان ذلك من علم آخر لا يجوز خلطه بهذا العلم، وإن يعلق به من وجه بعيد فإنه إذا لم يجز أن يذكر في كتب الفقه التوحيد والعدل وأصول الفقه مع كون الفقه مبنيا على ذلك مع شدة اتصاله به، فبأن لا يجوز ذكر هذه الأبواب في أصول الفقه على بعد تعلقها بها، ومع أنه لا يقف عليها فهم الغرض بالكتاب أولى، وأيضًا فإنّ القارئ لهذه الأبواب في أصول الفقه إن كان عارفا بالكلام فقد عرفها على أتم استقصاء، وليس يستفيد من هذه الأبواب شيئا، وإن كان غير عارف بالكلام صعب عليه فهمها، وإن شرحت له فيعظم ضجره وملله؛ إذ كان قد صرف عنايته وشغل زمانه بما يصعب عليه فهمه، وليس بمدرك منه غرضه، فكان الأولى حذف هذه الأبواب من أصول الفقه.» ونخلص بهذا إلى أن التأثير السلبي قد تمثل أكثر في تغليب الجانب النظري على الجانب العملي في أصول الفقه، وتحويله إلى ميدان لإثبات العقائد بدل قصره على وظيفته الرئيسة المتمثلة في استنباط الأحكام العملية، أما الجانب الإيجابي فإنه تجسد في إثراء علم الأصول منهجيا في التبويب والترتيب، وكذا حسن التقييم والتمهيد للمباحث والفصول، ومسايرة لتقرير القواعد الأصولية على منهج الإمام الشافعي، وموازاة مع ما يتطلبه الواقع من ملكة النظر في الاجتهاد.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - علا الدين
    مساءً 07:14:00 2016/11/16

    ازكر منها

  2. 2 - أبو مسلمة
    مساءً 09:10:00 2011/10/02

    بارك الله فيكم على هذا الشرح الوافي والرائع والجميل أود التعقيب انه باختصار تعتبر مدرسة المتكلمين مدرسة سطحية لا تعني بالتفحص في المسائل الفقهية ولا تعني بالفروع عند البحث عن مسألة معينة لان ذلك من اختصاص مدرسة الاحناف فقط . هي كما قلت تهتم بالادلة القوية او اقوى هذه الادلة وتعمل على صياغته صياغة جيدة او بالاحرى هي تهتم بالجانب اللغوي وتهمل الجانب التتبعي المحض . تقبلوا فائق احترامي

  3. 3 - نور الصفا
    مساءً 10:37:00 2010/10/10

    الله يعطيك العافية والله استفدنا الله يجعل هذا في ميزنات حسناتك

  4. 4 - husen el andunisy
    ًصباحا 10:12:00 2010/03/23

    ممتاز

  5. 5 - ابوفيصل
    ًصباحا 02:57:00 2010/01/27

    جزك الله خيرا ، لقد استفدت مما عرضت

الصفحة 1 من 1