بحوث متفرقة
بحوث دعوية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
الخلافات الزوجية: أسبابها، وعلاجها
السبت 23 محرم 1431 الموافق 09 يناير 2010
 
الخلافات الزوجية: أسبابها، وعلاجها

د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي

إن الحياةَ الزوجية مشروعُ العمر، ومتنُ الحياة، نواةُ المجتمع، وسرُ بقاء البشرية. علاقةٌ جليلةُ تنعقد بكلمة الله، وتحوطها أمانةُ الله. طرفاها الذكر والأنثى، وثمرتهُا الذريةُ الطيبة، قال تعالى:"والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة"[النحل: 72].
وهذه الحياة يمكن أن تكون:
1- جنةً وارفةَ الظلال، يجد فيها المرء سَكَنه، ويلتقط نفَسَه، ويأوي إلى حبيبه، في هجير الكبد الذي خلق فيه، والكدح الذي يجري في مضماره.
2- جحيماً لا يطاق، يضاعفُ همومَه، ويزيدُ توتَره، ويشوشُ ذهنَه، ويكدرُ صفوَه.
3- وقتاً هدراً، وزمناً ضائعاَ. جسداً بلا روح، ورسماً بلا معنى. لا تعدو أن تكون(مأوىً) و(مطعماً) و( قضاءَ وطر)، خاليةً من(السكن) و(المودة) و(الرحمة).
 
والسعادة الزوجية، حلمٌ ينشده الجميع، وأمنيةٌ تراود كل زوجين، ولكن المقاصد تنال بالأسباب، ليس بأمانِيكم ولا أمانيِّ أهلِ الكتاب. ولا يقوم بناء السعادةِ الزوجية إلا على ركنين أساسيين:
أحدُهما: جلبُ أسباب المودة، واستدامتُها.
والثاني: دفعُ أسباب الخلاف، ورفعُها.
ومحلُ بحثِنا في هذه المحاضرة، في الركن الثاني، المتعلقِ بالخلافاتِ الطارئةِ على الحياة الزوجية، وأسبابهِا، وطرقِ علاجها. والله المستعان، وعليه التكلان.
 
تبتدىء الحياةُ الزوجية بالتقاء روحين، وبدنين، ينتميان إلى تكوينات نفسية، وعقلية، واجتماعية، متقاربة، أو متباعدة. وتغمر بهجةُ العرس، والفرحُ بالحياة الجديدة، جميعَ النتوءات والتباينات المختزنةِ لدى كل منهما. حتى إذا ما هبط منسوب هذا الفيضان المؤقت، بدت تلك الفروق الطبيعية، وانكشف كل منهما على صورته التي جبله الله عليها، أو اكتسبها من أبويه ومجتمعه. وحينئذ: إما أن يتمكن الطرفان من التوافق والتقارب، فيهنئآ، ويسعدا، أو يتنازعا، فيفشلا، ويقع الفراق، أو النكد المستديم.
 
وقد أرسى الإسلام قواعد العلاقة الزوجية على أسس ثابتة واضحة، توزع الحقوق والواجبات على طرفي عقد الزوجية، تتمثل في جمل عامة، مثل:
1-"الرجال قوامون على النساء" [النساء: 34]. أي بالولاية والرعاية والنفقة والمسكن.
2-"وعاشروهن بالمعروف" [النساء: 19]. أي بالصحبة الجميلة، وكف الأذى، وبذل الندى.
3-"ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة، والله عزيز حكيم" [البقرة: 228]. فكما أن على المرأة حقاً لزوجها، فإن لها حقاً عليه. إلا إن حقه أعظم لما عليه من القوامة.
4-"إن لكم عليهن ألا يُوطئن فُرَشَكم أحداً تكرهونه … ولهن عليكم رزقُهن وكسوتهُن بالمعروف" رواه مسلم.
كما عالج الإسلام المشكلاتِ التي تعترض مسيرة الحياة الزوجية، ووجَّه كلاً من الزوجين في حال نشوز صاحبه، وإعراضه، كما وجه الولاةَ المصلحين، فقال:
1-"واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً" [النساء: 34]. مخاطباً الأزواج، واعظاً إياهم بذكر اسمين من أسمائه الحسنى، ليعلموا أن فوقهم من له الكبرياء والعظمة.
2-"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير، وأحضرت الأنفس الشح، وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا" [النساء: 128]. في جانب الزوجة، فتتنازل عن بعض حقها في سبيل حفظ باقيه.
3-"وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، إن الله كان عليماً خبيراً" [النساء: 35]. مخاطباً الحكام والقضاة.
 
إن منشأ الخلاف بين الزوجين يرجع إلى أسباب متنوعة؛ منها ما يتعلق بالطبيعة البشرية لكل من الزوجين، ومنها ما يتصل بمؤثرات اجتماعية، ومنها ما يرجع إلى الجهل بأحكام الشريعة، والفهم الخاطىء للحقوق والواجبات. وسوف نتناول جملة من أسباب الخلاف الزوجي الشائعة في بعض بيوتات مجتمعنا، كما أفصحت عنها الاستشارات، والاستفسارات الهاتفية الكثيرة، التي يتلقاها طلبة العلم، ولجان الإصلاح الأسري، ثم نتبعُها بطرائقِ الوقاية، أو العلاج الممكنة.
 
أولاً: الأسباب الطبْعِية:
لعل معظمُ حالات الخصام اليومي بين الزوجين ترجع إلى الصفات النوعيةِ الخُلُقِية التي طبع عليها كل منهما. فالمرء في بيته يتعرى من المجاملة، والتصنع، والتزويق التي قد يلاقي بها الأبعدين، ويظهر على حقيقته. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" رواه الترمذي وابن ماجه.
ثمَّ صفاتٌ لدى بعض الأزواج من جنس: الغضب، الوَجد، اللامبالاة، بذاءة اللسان …
وصفاتٌ لدى بعض الزوجات من جنس: الغفلة، الإهمال، اللجاج والجدل، الكسل …الخ
وربما العكس، حملها كل منهما من مسقط رأسه إلى البيت الجديد، فأثمرت فصولاً من الخصام والشجار اليومي، كلما تصادمت تلك الطباع المتباينة.

العلاج: يتلخص في أمرين:
أحدهما: ضرورةُ مجاهدةِ المرءِ نفسَه، وكبحِ جماحِها، وكسرِ سورتهِا، وتهذيبِ أخلاقِه ورياضتِها حتى تعتدلَ، أو يخففَ من غلوائها. قال تعالى:"والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين" [آل عمران: 134]. وقال:"وإذا ما غضبوا هم يغفرون" [الشورى: 37]. وقال:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين" [العنكبوت: 69].
الثاني: تعرفُ كلِّ طرفٍ على طبيعة الآخر، وفهمُه له، ومعاملتُه وفق ذلك الفهم. فيتحاشى أسباب إثارته، وإن بدت له تافهة، ويتلمسَ مواطن رضاه، وإن شقَّت عليه.
 وربما كان الأزواجُ يتحملون العبءَ الأكبرَ من العلاج، لما يتميز به جنس الرجال، عموماً، على جنس النساء، من الصبر والاحتمال. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:( استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضِلَع، وإن أعوجَ شيءٍ في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمَه كسرتَه، وإن تركتَه لم يزلْ أعوجَ. فاستوصوا بالنساء خيراً) رواه البخاري.
 
ثانياً: الأسباب الاجتماعية:
تتأثر الأسرةُ الناشئةُ بالوسط المحيط، سلباً وإيجاباً، سيما أقاربِ الزوجين. فقد يقع احتكاك بين أحد الزوجين ووالدِ الآخر أو والدتِه، أو بعضِ إخوانِه أو أخواتِه، فينحيَ باللائمة من حيث يشعرُ أو لا يشعر على شريك حياته، ويفرغَ فيه فورةَ غضبِه وحنقِه. وقد يسعى بعض أقارب الزوجين لأسباب مختلفة، لاستشراف الحياة الخاصة بهما، والتدخلِ في شؤونهما الخاصة، فتنشأ خلافات لم تنبع من ذاتيهما، وتكثر الأطراف، والقيل والقال،وتتعقد المشكلة. ومن أمثلة ذلك:
-  شعورُ أمِّ الزوجِ بمزاحمة الزوجة، واستئثارِها بابنها، فتعمد إلى مضايقتِها، وتأليبِ ابنها عليها.
- حفزُ أمِّ الزوجةِ لابنتها على المطالبة بمزيد من النفقة من زوجها.
- سماع أحد الزوجين ما يسوؤه من أهل الآخر، أو بدوُّ تصرفٍ، غيرِ لائقٍ منهم.

والعلاج: يتلخص في أمرين:
أحدُهما: أن يحرص الزوجان على حفظ خصوصياتهِما، وعدمِ بذلها لكل طفيلي مستطلع، وأن يحيطا حياتهما الزوجية بسور من المهابة والاحترام، يحجز الآخرين من انتهاكها، بالاقتراحات والإيحاءات، وجميعِ صور التخبيب.
الثاني: أن يستيقن كلٌّ منهما أنه لاتزر وازرة وزر أخرى، وأنْ ليس من العقل والدين والمصلحة أن يجر أخطاء الآخرين إلى عقر داره، فتتضاعفَ مصيبتُه. بل يخلع على عتبة بابه، وحدود مملكته جميع الملابسات الخارجية، ولا يسمح لها أن تفسد عليه عيشه، أو أن يرمِ بها بريئاً.
 
ثالثا: الأسباب المسلكية:
يكتشف أحد الزوجين في صاحبه بعد فترة من الزواج بعض الممارسات والسلوكيات المنحرفة. وربما طرأ ذلك على أحدهما بعد سنين من العشرة الحسنة. وحينئذٍ تهتز العلاقة الزوجية، وتعصف بها رياح الخلاف، وقد تقتلعُها. ومن أمثلة ذلك من جانب الزوج:
- التدخينُ، وربما شربُ المسكر، أو تعاطي المخدر.
- مشاهدةُ القنوات الفضائية الماجنة، أو المواقع الإباحية في الإنترنت.
- السفرُ المريب إلى الخارج مع رفقة السوء.
-  التساهلُ في الصلاة، وربما تركها.

العلاج: إنالتعامل مع هذه الانحرافات من جانب الزوجة يتفاوت بحسب درجة الانحراف، وتأثيرِه على العشرة الزوجية. وهو لا يخلو من حالين:
أحدهما: أن يكون انحرافاً مسلكياً محتملاً شرعاً، أو عشرةً، فحينئذٍ ينبغي للزوجة العاقلة الحصيفة أن تسلك مسلك الموعظةِ الحسنة، والتذكيرِ المستمر، والصبرِ والتحمل، حتى يُعافى قرينُها مما ابتلي به، وألا تصعِّدَ الخطاب، وتقطعَ خطَّ الرجعة عليه، بل تغلبَ المصلحة الراجحة ما دام في قوس الصبر منزع، وفي الرجاء مفزع. ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلُّها؟! ومن ذا الذي يخلو من جميع أسباب الفسق، وخوارم المروءة؟!
وأما إن نشز الزوجُ عن زوجته، وأعرض عنها، لرغبته عنها؛ لكبرٍ، أو مرضٍ، أو نوع كره، فلا بأس أن تسترضيَه بالتنازل عن بعض حقها، إن شاءت، حتى لا يطلقها. قال تعالى:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، والصلح خير" [النساء: 128]. قالت عائشة، رضي الله عنها، هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها، ويتزوج عليها، تقول له: أمسكني، و لا تطلقني، وأنت في حل من النفقة علي، والقِسمة لي)، وكما فعلت أمُّ المؤمنين سودة، رضي الله عنها،حين أسنت، وخشيت أن يفارقَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت يومها لعائشة رضي الله عنها.
الثاني: ألا يكون ذلك الانحراف مما تتسع له دائرة الإسلام، كترك الصلاة، أو لا تطيقه حرائر نساء المسلمين، من الأخلاق الرذيلة، ثم لم تجُد معه الموعظة والنصيحة، فلا غرو أن تفتك الحرة نفسها، وتسعى في الفراق بخلع أو فسخ أو طلاق. فإن آخر الطب الكي.
فإن كان الانحراف من جانب الزوجة، ككثرة خروجٍ بغير إذنه، ومهاتفاتٍ مريبة، وتبرج، ونشوز عن الزوج، ونحو ذلك، فقد رتب الله لعباده طرائقَ في التربية والتأديب للنساء، فقال:
"واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، إن الله كان علياً كبيراً" [النساء: 34]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله:( عظوهن ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته، والترغيبِ في الطاعة، والترهيبِ من المعصية فإن انتهت؛ فذلك المطلوب، وإلا؛ فيهجرها الزوج في المضجع؛ بأن لا يضاجعَها، ولا يجامعَها بمقدار ما يحصل به المقصود بواحد من هذه الأمور، وأطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً؛ أي فقد حصل لكم ما تحبون؛ فاتركوا معاتبتَها على الأمور الماضية، والتنقيبَ عن العيوب التي يضر ذكرُها، ويحدث بسببه الشر).
 
رابعاً: الأسباب المالية:
جعل الله أمر النفقة منوطاً بالزوج، وعلل به قيامه على المرأة، فقال:"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم" [النساء: 34]. وتبتدىء الالتزامات المالية للزوج تجاه زوجته بالصداق، وهو العوض الذي يدفع بعقد النكاح، ثم نفقة مثلها من قوت، وكسوة، وسكنى، بعد العقد، إذا تسلمها، حتى المعتدة في طلاق رجعي، وحتى البائن بفسخ أو طلاق إن كانت حاملاً. وتقديرُ النفقة يرجع به إلى العرف.
وربما نشأ بين الزوجين خصام بسبب تأخير الصداق من الزوج، أو تقتيرِه في النفقة. أو بسبب تبذير الزوجة، ومطالبتها بمزيد نفقة. وقد جرى شيء من ذلك في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أزواجه أن يوسع عليهن في النفقة، وهو لا يملك، فأنزل الله تعالى آية التخيير:"يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً" [الأحزاب: 28- 29].
وفي السنوات الأخيرة، بعد أن صار كثير من النساء يعملن في الوظائف الحكومية، ويكون لهن دخول تضارع دخول أزواجهن أحياناً، فيشترك الزوجان في مواجهة متطلبات الحياة الزوجية من بناء منزل، وتأثيثِه، وشراءِ سيارة، وربما استراحة، ونحو ذلك. ويكون الحال في أول الأمر مبنياً على التسامح، والإغضاء، والعاطفة، من جانب الزوجة، والغفلة أو التغافل من جانب الزوج، حتى إذا ما بدت بوادرُ خلاف، أعادت الزوجة النظر، وطالبت بمستحقاتها، سيما إذا بلغ الأمر حداً مأساوياً في نظرها، بأنْ فكَّر الزوج بالتعدد، فتتفاقم المشكلة حينئذ.

العلاج: يتلخص في أمرين:
أحدُهما: أن يتقيَ الزوجُ ربَّه في بذل كاملِ الصداق، كما أمر الله الأزواج بقوله: "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً" [النساء: 4]. قال ابن كثير رحمه الله:(إن الرجلَ يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتماً، وأن يكون طيب النفس بذلك). وأن يبذل النفقة الواجبة التي تليق بزوجته، من غير شحٍ، ولا منَّة. ولا يحل له أن يأخذ شيئاً من مالها، غصباً، أو إلجاءً، أو إحراجاً، من بقية مهرٍ، أو إرثٍ، أو هبةٍ، أو راتبِ وظيفة، أو غيرِ ذلك، إلا بطيب نفسٍ منها. ولا أن يسقط النفقة بناءً على أن عندها ما يكفيها، كما يتوهمُ بعض الأزواج. فإنَّ كلَّ أحدٍ تلزمه نفقة غيره، تسقط نفقته بغناه، إلا الزوجة.
كما أن على الزوجة أن تتقيَ الله، وألا ترهقَ زوجها بالسؤال، سيما إذا كان ضعيف الحال. وأن تحسن تدبير بيتها، وتوفرَ على زوجها، يبارك الله لها في عيشها. وقد وعظ رسول الله صلى الله عليه و وسلم النساء يوماً، فقال:"يا معشر النساء: تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثرَ أهلِ النار. فقالت امرأة منهن جَزلَة: ومالنا يا رسول الله أكثرَ أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير" متفق عليه.
وإذا كانت الزوجةُ ذاتَ وظيفة، قد أذن لها زوجُها فيها، أو شرطت عليه الاستمرار فيها حين العقد، فقبل، فإن مقتضى المروءةِ أن تبذل شيئاً من دخلها، تخففَ به عن زوجها، لأنه قد ضحى بشيء من كمال العشرة من أجلها، ولو شاء لمنعها، أو فارقها.
الثاني: أن على الزوجين أن يضبطا حصصَهما المالية فيما يشتركان فيه من نفقات كبيرة، كبناء منزل، ويوثقا ذلك بالكتابة والشهود، حتى لا يقعَ بينهما خلف واشتباه في المستقبل. فإنَّ بذلَ المرأةِ مالهَا لزوجها، في الغالب، نوعٌ من الإقراض، أو الشركة. وقد أمر الله عبادة بكتابة الدين، والإشهادِ عليه في أطول آية في القرآن، وعلل ذلك، وهو الحكيم الخبير بعباده، بقوله:"ذلكم أقسط عند الله، وأقوم للشهادة، وأدنى ألا ترتابوا" [البقرة: 282].
خامساً: الأسباب الفنية:
تنشأ بعض الخصومات اليوميةِ، أو الأسبوعيةِ، أو الشهريةِ، بين الزوجين بسبب خلل في التنظيم، والسياسة المنزلية، في أمور تبدو تافهة، وبسيطة، ولكنها تلقي بظلالها القاتمة على الحياة الزوجية، وتركُها عالقةً دون حسمٍ يؤدي إلى تراكماتٍ غيرِ محمودةِ العواقب. ومن أمثلة ذلك:
- الخلافُ حول مواعيد الوجبات؛ تقديماً وتأخيراً.
- الخلافُ حول زيارات الأقارب، من الطرفين.
- الخلافُ حول الإنجاب و توقيت الحمل.
- الخلافُ حول الذهاب إلى السوق، لشراء الاحتياجات.
- الخلافُ حول السفر للنزهة، ونحوها.
- الخلافُ حول استقبال الزوار من الطرفين.

العلاج: يتم حسمُ هذه القضايا برسم خطةٍ واضحةٍ ينتهجها الطرفان، ويتفقان عليها في أجواء مطمئنة، حسب ما تقتضيه مصالحُهما، ويحددان مواعيدَ زمنيةً؛ يوميةً، أو أسبوعيةً، أو شهريةً أو سنويةً، بناءً على تجاربهما السابقة، ثم يلتزمان باحترامها، وعدمِ خرقها، أو إعادة البحث فيها، إلا لموجِبٍ يتفقان عليه، وبذلك تستريح الأسرة من غُثاء كثير.
 
سادساً: الأسباب المتعلقة بالأطفال:
الأطفال زينةُ الحياة، وبهجةُ البيوت، وثمرةُ العلاقة الزوجية. قال تعالى:"وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة" [النحل: 72]. ولكن هذه النعمة تنقلب نقمةً في بعض البيوت، حين يجعل منها الزوجان ميداناً لاختلافاتهِما، ومحلاً لتجاذباتهِما. فالأب يلقي باللائمة على الأم في التفريط بخدمتهم، والقسوةِ في معاملتهم، والأم تنعى عليه إهمالهَم، وتركَهم يتسكعون في شوارع الحي. وتتم هذه المشاهدُ غالباً بمرأىً ومسمعٍ من هؤلاء الأطفال الأبرياء، وربما عمد أحد الأبوين إلى اجتذاب الأطفال إلى صفِّه، وإيغارِ صدورهم على الآخر، فيقع هؤلاء الأطفال ضحيةً للاضطرابات النفسية المبكرة.

العلاج: يتلخص في أمرين:
أحدهما: أن يتقيَ الله كلٌّ من الأبوين فيما يدخل تحت مسؤوليته. فقد قال الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" [التحريم: 6]. وقال صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته؛ والمرأة راعيةٌ على بيت زوجها وولدِه" متفق عليه. فالواجب على كلٍ من الزوجين القيامُ بما استرعاه الله، وائتمنه عليه من الذرية،كلٌ فيما يخصه، سواءٌ كان ذلك مما يتعلق بأمر المعيشة؛ من طعامٍ، وشرابٍ، وكسوةٍ، أو كان يتعلق بالتربية، والرعاية، والتأديب. وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم:"ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت، وهو غاشٌ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة". متفق عليه. وفي رواية:"فلم يحُطها بنصحه، لم يجد رائحة الجنة".
الثاني: أن يتحاشيا الخلاف والشجار أمام أطفالهما، فضلاً أن يسعيا، أو أحدهما، لتحزيبهم، أو تأليبهم، وأن يتناقشا فيما يتعلق بسياسة أطفالهما في خلوتهما بروِيَّة، وبعدِ نظر.
 
سابعاً: التعدد:
لعل من أعظم دواعي الخلاف الزوجي في مجتمعنا الراهن، اقترانُ الزوج بزوجةٍ أخرى، أو سعيُه فيه، أو حتى مجردُ تفكيره به، والتصريحُ بذلك، أو التلويح، فتفقدَ الزوجة صوابها، وتخرجَ عن طبيعتها، حيث تشعرُ بالطعن في كفايتها، والنيلِ من تفردها، والتخوفِ من الآثار الاجتماعية لهذه الخطوة. وهو أمر طبيعي لا تلام عليه المرأة على وجه العموم. ولكن آثاره على الحياة الزوجية قد تتعدى المدى المتوقع، ولا تكون سحابةَ صيفٍ عما قليلٍ تقشَّع. بل تطبع العلاقة الزوجية بطابع النكد المستمر الذي يفضي إلى الفصام. وفي كثير من الحالات يتلهى بعض الأزواج باستفزاز زوجاتهم بالحديث عن التعدد، غيرَ مبالين بالألم النفسي الذي يجترحونه تجُاه زوجاتهم، وربما كانوا غيرَ جادين في دعواهم، فلا يخرجون إلا بالإثم والسخط.

العلاج: يتلخص في ثلاثة أمور:
أحدُها: أن يكف الزوج عن مضغ هذه التعريضات، أو التصريحات المؤذية، التي تعكر صفو الحياة الزوجية، وليس من ورائها طائل، حتى وإن كان صادقاً.
الثاني: أن يتلطفَ بزوجته الأولى إذا صح منه العزم، وأن يحتملَ منها ردَّ الفعل العنيف، والصدمةَ الأولى، حتى تعود إلى حال السواء. كما أن على الزوجة أن تصبرِّ نفسها، وتعلمَ أن هذا حقٌ شرعي لزوجها، وأن تحمد الله أن جعله في الحلال، ولم يصرفه في الحرام.
الثالث: أن يقوم الزوج بالقسطِ والعدلِ بين زوجاته فيما يملك من القسمِ والنفقة، وأن يحذر من الجور. قال صلى الله عليه وسلم:"من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقُّه مائل" رواه الخمسة. ومن ذلك:
-  ألاَّ يجمع بينهما في مسكنٍ واحدٍ إلا برضاهما.
- أن يسويَ بينهما في القسم، ليلةً وليلةً، حتى وإن كان مريضاً، أو كانت هي مريضةً، أو حائضاً، أو نفساء. لفعله صلى الله عليه وسلم، ولأن مقصودَ القسمِ الأنسُ والإيواء. وعمادُ القسم الليلُ، وما يليه من النهار تبعٌ له. وله الدخول على ضرتها في يومها للحاجة، من غير أن يطيل ولا يجامع.
- يستحب له أن يسويَ بينهن في الاستمتاع، و لا يجب، لقوله تعالى:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرَصتم" [النساء:129]. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: في الحب والجماع. وقالت عائشة، رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ويعدل، ثم يقول:( اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك) رواه الخمسة.
-  إذا أراد السفر بهن جميعاً، قسم كما يقسم في الحضر.وإذا أراد السفر ببعضهن أقرع بينهن.
-  أن يعدل بينهن في كل شيءٍ؛ من نفقةٍ واجبةٍ، أو عطيةٍ، على الصحيح.
 
هذه بعض أسباب الخلافات الزوجية الشائعة، وعلاجُها. ولا ريب أن السعادة الزوجية لا تكتمل إلا بانضمام أسباب تحصيل المودة وبنائِها، مما يحتاج إلى مقامٍ آخر. أسأل الله اللطيف الخبير أن يصلح حال المسلمين، وأن ينزل السكينةَ والطمأنينةَ على بيوتهم، وأن يهديَهم سبل السلام، وأن يقيَهم الفتنَ ما ظهر منها وما بطن، وأن يصرف عنهم شرورَ أنفسِهم، وشرَ الشيطان وشِركه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
ام فاطمة   |       
مساءً 06:22:00 2013/06/25
مارأيك في تارك للصلاة -متعاطي للمخذرات -شارب خمر -مدمن انترنيت - عاجز جنسيا -مبذر جداجدا على حاله فقط -لايتصرف وفق مبادئ وانما خبط عشواء -لا ينفق على أهله رغم تيسر حاله -سليط اللسان -مريض بالأعصاب .....

الليلي   |       
ًصباحا 11:46:00 2013/03/03
للاسف اغلبالنساء عندما تجد الدلال والعطف والحنان والحب من الزوج تعتقد بأنه خلاص لايستطيع التخلي عنها فتكابر بالمشاكل وتنكيد الزوج وعدم الاحترام.

IMANE   |       
ًصباحا 02:23:00 2013/01/14
JAMIIIIIIIIIIIIIL

عتمان العبود   |       
ًصباحا 12:59:00 2012/12/09
ممتاز

ياسر   |       
ًصباحا 10:54:00 2012/11/23
ماالحل في ان الزوجة لاتحترم زوجها؟مثلا ترفع صوتها وتزجره ولا تراعي شعوره وبالمقابل هو يعامهاباحسان وينفق عليهابغير من ولا ازي. هل يطلقها؟ مع العلم انه صبر كثيرا افيدونا

منال   |       
مساءً 12:38:00 2012/04/28
شكرا على هذه مواضيع التي تصب في واقع الحياة

ام محمد   |       
مساءً 03:44:00 2012/02/12
بارك الله فيك الموضوع جداً مهم نود سعادتكم مناقشة مثل هذه المواضيع في كل اللقاءات والمجالس وخطب الجمعة لتوعية الازواج باهمية الحفاظ على السعاده الاسرية والترابط الاسري فكثير من الاسر متفككة وعلى شفا حفرة من الطلاق والحلول بسيطة لمن اراد والحوار الناجح سيد الحلول وفقنا الله جميعاً لما يحبه ويرضاه

مدرسة   |       
مساءً 02:50:00 2012/01/19
يا رجال حتى الطعام يضعه الرجل في فم زوحته له به صدقة والشكوى الى غير الله مذله

زوجة   |       
ًصباحا 03:09:00 2011/08/28
الموضةع رائع ادعو لى الله ان استرد سعادتى انا وزوجى

د. رانيا   |       
ًصباحا 09:54:00 2011/05/06
الموضوع جميل ومهم جداً شكراً لكم

أمنـــيه   |       
مساءً 09:25:00 2011/03/15
بورك بجهودك أخي الكريـــم ..

ريماس   |       
ًصباحا 01:11:00 2011/03/06
شكرا لك يا دكتور على الموضوع الجميل لانه بهذا الوقت يحتاج الكثير من الازواج الاطلاع على هذةالحلول المناسبة لتجنب مثل هذه المشاكل.

عبدالرحيم   |       
مساءً 08:37:00 2011/02/17
شكرا دكتور وجزاك الله خير . وادامكم لخدمة الأسلام والمسلمين .

فريد   |       
ًصباحا 02:02:00 2010/12/24
بسم الله الرحمن الرحيم في البداية أشكرك أخي الفاضل على هذا الموضوع القيم الذي أتحفتنا به ومن حسن الصدف أني طالب في الكلية وفي السنة الأخيرة وأنا بصدد انجاز بحث الاجازة وقد اخترت عنوان البحث منهج القرآن في اصلاح الخلافات الزوجية سورة النساء نموذجا بماذا تنصحني حول هذا الموضوع وإذا كان بإمكانك أن تزودني ببعض المصادر والمراجع والسلام عليكم

مظلومه   |       
ًصباحا 11:08:00 2010/12/22
ما الحل فى زوج ترك زوجتهاوهى تحبها واعرض عنها بسبب المواقع الاباحيه ويعلم الله انها فى غاية الجمال كيف يعلاج من هذه المشكله فقد جربت معه جميع الطرق ولكن بلا فائده وهى معها اطفال وصابره من اجلهم ومن اجل حبها له

طارق هانى   |       
مساءً 06:00:00 2010/12/12
موضوع يحتاج لمزيد من البحث والدراسة لذلك انا باعمل بحث عن المشكلات المادية والجنسية عند الزوجين ارجوا الافادة بدراسات اوكتب فى هذا الموضوع

محمود ابو عامود   |       
ًصباحا 10:03:00 2010/08/26
اشكركم على هذا الموضوع

مقهورة   |       
مساءً 08:17:00 2010/08/02
أحياناالرجل ينسى أن للمرأة أقارب يجب حضور مناسباتهم لأنها بسبب الزوج لاتذهب إليهم إلا نادراًومع هذا يخلق مشكلة عند وجود مناسباتهم حتى لاتذهب للمعلومية لايحب أن يأتي الناس إلى بيته إلا في يوم محدد ووقت محدد وهي تطيعه ويعتبرها عاصية له وهو إنسان متدين******* هل الملتزمين هكذا؟

زوجة   |       
مساءً 10:35:00 2010/06/20
الموضوع جد مهم خصوصا للازواج الذين لايحترمون الزوجةويستهزؤن بمشاعرها لطبيعةماتربون عليه

ايملن   |       
مساءً 09:28:00 2010/05/02
موضوع جميل جداً

الصفحة 1 من 2

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم

   

الحقوق محفوظة لمؤسسة الإسلام اليوم 1420هـ - 1436 هـ