إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

ـ الفكر الأشعري نموذجا ـ

نظريـة السَّببية في الفِكرَين العقدي والأصولي

الاربعاء 26 ربيع الثاني 1430 الموافق 22 إبريل 2009  
نظريـة السَّببية في الفِكرَين العقدي والأصولي
سليمان بن الحسن القـراري

تقـديم:
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له كما يجب لجزيل نعمائه وكثير ألطافه، والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله، محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فقد تحدث الحكماء قديما في مؤلفاتهم الفلسفية عن السَّببيّة ـ نظرا لِمَا لها من أهمية في تفسير الوجود بشقيه الغيبي والحسي ـ كنظرية محورية تقوم عليها جملة من القضايا الفكرية، إلا أنهم لم يميِّزوا هذه النظرية عن مفهوم العلِّـيّة، بيد أن السَّبب والعلَّة العقليين يطلقان عندهم على معنى واحد. وتبعهم في هذا الخلط فلاسفةُ الإسلام، وأكثر علماء الكلام. الأمر الذي أحدث تعقيدا في موضوع السَّببيّة، حتى إن الباحث ـ إزاء ذلك ـ يضيق صدره وهو يحاول تقصي أقوالا في الموضوع، لا تكاد تُفرق بين العلَّة والسَّبب العقليين. وفي هذه الدراسة سأحاول ـ بعون الله تعالى ـ تحديد مفهوم السَّبب العقليِّ عند المتكلمين، وأهم خصائصه التي تُميِّزه عن العلة العقلية، مقتصرا على فرقة الأشعرية لاشتغالها بأصول الفقه، حتى تتسنى لنا عند دراسة السبب الشرعي معرفةُ أهم الخلفيات العقدية المؤثرة في تحديده عندهم كأصوليين.

أولا: نظرية السببيَّة عند الأشاعرة في الفكر العقدي.
لا يمكن فهم نظرة الأشاعرة إلى السَّببيّة دون الوقوف على مفهوم العلِّـيّة عندهم، ويعد القفال الشاشي (توفي365ﻫ) من المتقدمين الذين وضعوا ضوابط تتميّز بها العلّة عن السّبب فقال: &artshow-86-111659.htm#471;بأن نَنْظر إلى الشيء، فإن جرى مقارنا للشيء، مع تأثير فيه دل على أنه علّته، وإن جرى مقارنا للشيء، لا تأثير فيه دل أنه سببه.» إنما هذا التفريق بين الوصفين الذي وضعه القفال ـ وهو المتكلم الأشعري ـ لا يليق بمذهبه الكلامي، لكون العلل العقليّة لا تكون مؤثرة بذاتها كما هو الحال عند المعتزلة، إلا إذا كان قصده من ذلك التأثير قصدا مجازيا. ويأتي من بعدُ فخر الدين الرازي (توفي606ﻫ) فكتب في شرح له: &artshow-86-111659.htm#471;السّبب هو كل ما يتعلق به وجود الشيء، من غير أن يكون وجود ذلك الشيء داخلا في وجوده، أو متحققا به وجوده.» فتكون العلّة العقلية ـ على حد قوله ـ ما تعلق بها وجود الشيء، وكان داخلا في وجودها، ومتحققا وجوده بها. ونحن إذا عرفنا أن تأخر المعلول عن العلّة ـ عند الأشاعرة ـ إنما هو في الرتبة دون الزمن، وبالتالي لا وجود لواسطة بينهما، تبين لنا أن هذا التداخل أشبّه ما يكون بالإيجاب. أما السّبب فبخلاف ذلك، فهو الوصف المنفصل عن المُسبَّب، وأثره الظاهر ما هو إلا اقتران جرت به العادة. فالذبح ـ مثلا ـ هو علة موجبة في كون الشيء مذبوحا، ولا معنى لهذا الإيجاب إلا التعلق، كقولنا  كانت العلة وكان المعلول، فلا أثر ولا مـؤثر ، أما السكين فمجرد سبب منفصل ـ لا أثر له ـ يتوصل به إلى الذبح، لجواز تخلف السّبب الذي هو فعل السكين، عن المُسبَّب الذي هو الذبح. كما في السكين التي امتثل الخليل إبراهيم عليه السلام ذبح ابنه بها ولم تذبحه، لكون المؤثر الحقيقي في إيجاد الذبح القدرة الإلهيـة التي لا تتخلف عنها المقدورات، بخلاف الأسباب الظاهرة التي تتخلف عنها مُسبَّباتها في كثير من الحالات ولا تتبعها.
وهذا المذهب الذي وضعه الأشاعرة للسَّببيّة صيَّروه في الأفعال والطّباع على حد سواء تماشيا مع نظرية العادة، والتي تعني أن &artshow-86-111659.htm#471;جميع ما يشاهد من الأفعال والطباع، لا يوجد ضرورة ولا وجوبا، وإنما وجوده يجري مجرى العادة، بمعنى وجود تكراره على طريقة واحدة، تمظهر لنا بمظهر السَّببيّة والتأثير.» ففي الأفعال أكد الأشاعرة على أن القدرة الحادثة تأتي مقارنة للمقدور غير مؤثرة في وجوده، وأن القدرة الإلهيـة هي العلَّة الفاعلة التي وقع التأثير بها، وأن جميع ما تولّد من الأفعال هو من فعله تعالى ابتداء. كحركة الخاتم ـ مثلا ـ فإنها من فعله تعالى، من غير أن يكون لحركة الأصبع دخل في التأثير. وهذا على خلاف مذهب أصحاب التولّد ـ المعتزلة ـ الذين قالوا إن حركة الأصبع علة لحركة الخاتم. لذا يكون الله تعالى هو العلّة الحقيقة في التأثير والإيجاد عند الأشاعرة، وباختياره تعالى ومشيئته تتم الأفعال، دون اعتقاد أن لغيره مدخلا في ذلك، فلا هو تعالى فاعل بالطَّبع، كالذي لا علم له بفعله مع كون الفعل ملائما لطبعه، ولا هو فاعل بالجبر كالذي له علم بفعله، إنما لا إرادة له في فعله ولا اختيار. بل الله تعالى متفرد بالفعل والخلق، عالم بما يفعل مريد له، وقد صنع العالم ابتداء دون وسائط، فخلق المُسبَّبات عند وجود الأسباب لا بها، لكونه علّة هذه الأفعال والطباع، من حيث إنه هو الفاعل على الحقيقة ابتداء لكل ما ظهر أنه تولَّد من الأفعال.
وإذا تتبعنا كلام الأشاعرة أكثر في الموضوع وجدنا أبا الحسن الأشعري (توفي324ﻫ) أول من أصل لنظرية العادة من الأشاعرة، فبعدما عكف على نقض قضية التولد في الأفعال عند المعتزلة، ثم قضية أثر الطباع في الأشياء، التجأ ـ في محاولة لإثبات وحدانية الفاعلية الإلهية في الإيجاد والتأثير ـ إلى وضع نظرية العادة التي مثَّل لها بقوله: &artshow-86-111659.htm#471;كسبيل حدوث الولد عند الوطء، والزرع عند البذر، وكل ذلك مما يجوز وقوع خلافه على نقض العادة، وهو لله سبحانه مقدور، وإن لم يحصل الآن إلا على وجه معلوم.» ويأتي من بعده القاضي الباقلاني (توفي403ﻫ) مؤكدا ـ كشيخه الأشعري ـ على أن القدرة الإلهيـة هي علّة وجود كل شيء، لا بوصفها علة موجبة &artshow-86-111659.htm#471;بل أنكرنا ذلك، لأن هذه الطبيعة ـ الموجبة ـ لا تخلو من أن تكون معنى موجودا، أو معدوما ليس بشيء، فإن كانت معدومة ليست بشيء لم يجز أن تفعل شيئا، أو أن يكون عنها شيء، أو يُنسب إليها شيء، لأنه لو جاز ذلك لجاز وجود الحوادث من كل معدوم... وإن كانت معنى موجودا، لم تخل تلك الطبيعة الموجبة عندهم لحدوث العالم أن تكون قديمة أو محدثة، فإن كانت قديمة، وجب أن تكون الحوادث الكائنة عنها قديمة، لأن الطبيعة لم تزل موجودة... وفي إطباقنا وإيّاهم ـ المعتزلة ـ على استحالة قدم الحوادث دليل على أنها لا يجوز أن تكون حادثة عن طبيعة قديمة.» وباعتراض كهذا يكون الباقلاني قد أبطل التلازم الضروريَّ بين طباع الأشياء، فلا علّة ولا معلول، إنما قدرة الله تعالى وإرادته شاملة لكل موجود، وأنه ليس فعله للعالم قديما، بل هو قادر في الأزل غير فاعل بقدرته. وحذا حذوه قطبان من أقطاب الأشعرية الأول أبو منصور البغدادي (توفي427ﻫ) الذي مثَّل لنظرية العادة &artshow-86-111659.htm#471;بإمكان عدم الإحراق بمماسة القطن النار، دليل على أن المؤثر الحقيقي خارج عن علاقة السّبب بالمُسبَّب.» والثاني أبو المظفر السمعاني (توفي489ﻫ) الذي كان يقول: &artshow-86-111659.htm#471;الطعام ـ مثلا ـ سبب للشبع ظاهر وليس هو بنفسه مشبعا، والمشبع هو الله تعالى على الحقيقة دون القول بأن في الطعام طبع الإشباع.» بهذا حصل الاتفاق بين الأشاعرة على أن السّبب لا تأثير له في المُسبَّب البتة، ومجرد اقتران السّبب بالمُسَّبب لا يدل على وجود تأثير داخل علاقة السَّببيّة، لكون جريان العادة وتكرارها غيَّب عنا تأثير القدرة الإلهيـة الخارجة من هذه العلاقة.
وذكر محمد شلبي في كتابه "تعليل الأحكام" بأن السبب العقلي ـ وعبَّر عنه بالعلة العقلية ـ عند الأشاعرة ما كان مؤثرا بخلق الله. وليس هذا مذهب القوم خصوصا المتقدمين منهم، لأن النار ـ مثلا ـ لا تأثير لها عندهم البتة في إيجاد الإحراق، سواء بالذات أو بالجعل، لأن الله تعالى ـ حسب مذهبهم ـ لا يفعل إلا ابتداء، فكيف يكون تعالى مؤثرا في إيجاد الإحراق بواسطة النار، وما النار في الشاهد إلا سببا مقترنا بالإحراق قد تمظهر بمظهر التأثير، وقد قال الأشاعرة: &artshow-86-111659.htm#471;ونحن نقول المؤثر في الإحراق هو الله تعالى، ولا تأثير للنار أصلا.» والذي قاله شلبي يصدق على بعض المتأخرين كأبي حامد الغزالي (توفي505ﻫ) الذي كان يرى مسألة السَّببيّة رابطة أثر بمؤثر، وليست مجرد علاقة مقارنة خالية من التأثير، إلا أن هذا التأثير الملحوظ في الطباع ليس منبثقا من ذاته، وإنما أودعه الله تعالى.. وإن قيل هو مذهب لا يبعد عن مذهب المعتزلة الذين قالوا: &artshow-86-111659.htm#471;النار مؤثرة بقوة يخلقها الله فيها، ويوجد الاحتراق عقيب المماسة.» فيُقال إن بين المذهبين فرقا وجب ملاحظته، فالمعتزلة يعتقدون بأن في السَّبب قوة مخلوقة، وهي المعنية بالتأثير الذاتي، دون توقفها على القدرة الإلهيـة، فالنار ـ مثلا ـ مؤثرة في الإحراق من غير توقف على معنى آخر، لِمَا تمتاز به من قوة محرقة أودعها الله فيها، فإذا ما توفرت شروط الإحراق كالمماسة، وزالت موانعه كالبلل، حدث الاحتراق لا محالة. أما الذي ذهب إليه الغزالي فعلى عكس ذلك، فهو يرى أن السبب العقلي لا يستقل بالتأثير عن القدرة الإلهيـة، فالنار لا تؤثر في وجود الإحراق إلا لمقارنتها بهذه القدرة، وإن استقلت النار بهذه الوظيفة فلا يكون لها تأثير في إيجاد الإحراق، لذلك كثيرا ما أنكر الغزالي فكرة الحتميّة السَّببيّة التي قال بها الفلاسفة، إذ في مقدوره تعالى خلق الإحراق دون النار، والشبع دون الأكل، وخلق الموت دون حز الرقبة.
وهذا الذي انتهى إليه الغزالي ـ في اعتقادي ـ هو المذهب المختار، لأنه من جحد كون الأسباب مؤثرة بإذن الله تعالى في مُسبَّباتها فقد أبطل الحكمة وأبطل العلم، ذلك أن العلم هو معرفة الأشياء بأسبابها، والحكمة هي المعرفة بالأسباب الغائبة، وعموم الأشاعرة حين بالغوا في نظرية العادة فأنكروا السببية، قادهم ذلك إلى اعتقاد مقولات غريبة، كقولهم ليس في النار حر، ولا في الثلج برد، ولا في الخمر اسكار، ولا في العالم طبيعة أصلا. وهذا خروج عن المعقول، لا أصل لها في النصوص، ولا في الآثار المروية عن السلف الصالح الذين وصلنا عنهم عبارات دالة على تأثير الطّباع بعضها في بعض، كألفاظ الطبيعة، والسليقة، والخليقة، والغريزة، والسجيّة، والجبّلة، وغيرها من الألفاظ التي استعملها العرب في لغتهم، وهي أسماء مترادفة لمعنى واحد عندهم، هو قوة في الشيء يوجد بها على ما هو عليه، ولم يثبت عنهم ـ ولو بطريق سقيم ـ خلاف ذلك. لذا فإن الذي نطمئن إليه هو أن الله تعالى كما توَّحد بالألوهيـة، وتفرَّد بالعبادة، فإنه أيضا توَّحد بالربوبية، وتفرَّد بالصنعة، فلا ينبغي أن نشرك معه الأسباب فندعي تفردها بالتأثير، كما لا ينبغي أن نحط من صنعته فندعي عدم فاعليتها، وإنما نقول أبدع الله الأسباب على ما هي عليه من تأثير، وإن شاء أن يُبطل وظيفتها لم يكن ليعجزه ذلك، وقد جرت المعجزات مجرى ذلك.  

ثانيا: نظرية السببيَّة عنـد الأشاعرة في الفكر الأصولي.
ذهب الأشاعرة إلى أن جميع الواجبات الشرعية تكون بالخطاب الشرعي، وأنه ليس للعقل مدخل في هذا الإيجاب، وأن الأسباب التي تُضاف إليها الأحكام الشرعية مجرد أمارات عليها ومعرفات لها، لكون الإيجاب يضاف حقيقة إلى خطاب الشارع دون هذه الأسباب. مما يعني أن جميع التكاليف التي تعبَّدنا الله بها ترجع إلى شريعة سمعية لا عقلية. وإن كانت أكثر الأحكام في الظاهر مبنية على الأسباب المعتادة، فإنها تبقى تكاليف شرعية أوجبها الشارع، ونصب تلك الأسباب أمارات على ذلك الوجوب، وقد أجرى عادته بترتب بعض مخلوقاته على بعض، ليعرف العباد عند وجود الأسباب ما ترتب عليها من مصالح فيطلبوها، وما ترتب عليها من مفاسد فيجتنبوها، ولو شاء لقطع كلَّ مُسبَّب عن سببه، ولخلق المسبَّبات مجردة من الأسباب، كما أنه يخلق الأسباب مجردة من المسبَّبات، ليكون اعتقاد عدم انفكاك رابطة السببية في مطرد العادات ـ في نظر الأشاعرة ـ اعتقادا فاسدا، فلا يكون السبب موجبا بذاته، لأن وقوع الحكم يكون عنده لا به، يقول في ذلك الشاطبي (توفي790ﻫ): &artshow-86-111659.htm#471;إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبَّب، قصد ذلك المسبِّب أم لا، لأنه لما جعله مسبِّبا له في مجرى العادات، عُدَّ كأنه فاعل له مباشر، ويشهد لهذا قاعدة مجاري العادات، إذا أجري فيها نسبة المسبَّبات إلى أسبابها، كنسبة الشبع إلى الطعام، والإرواء إلى الماء، والإحراق إلى النار... وسائر المسبَّبات إلى أسبابها، فكذلك الأفعال التي تسببت عن كسبها منسوبة إلينا، وإن لم تكن من كسبنا.» لذا فإن الواجبات الشرعية المتعلقة بحقوق العباد ـ في مذهب الأشاعرة ـ تأتي مضافة إلى أسبابها الظاهرة، إضافة الأفعال إلى العباد. إلا الواجبات المتعلقة بحقوق الله تعالى كالعبادات، فإنها لا تضاف إلا إلى إيجاب الله وخطابه، ذلك أنها وجبت لله تعالى على الخلوص فتضاف إلى إيجابه. أما غيرها من الواجبات المتعلقة بحقوق العباد كالعقوبات، فإنها تضاف إلى الأسباب، لأنها أجزية الأفعال المحظورة فتضاف إليها تغليظا، وكذا المعاملات تضاف هي الأخرى إلى أسبابها، لأنها حاصلة بكسب العبد فتضاف إليه. يقول الزركشي (توفي794ﻫ): &artshow-86-111659.htm#471;جمهور الأشعرية ـ نُقل عنهم ـ التفصيل بين العبادات وغيرها، فالعبادات لا يضاف وجوبها إلا إلى الله وخطابه، لأنها وجبت لله على الخلوص فيضاف إلى إيجابه، وللعقوبات وحقوق العباد أسباب يضاف وجوبها إليها، لأنها حاصلة بكسب العبد، وعلى هذا جوزوا إضافة العبادات المالية إلى الأسباب أيضا.» وإن كان الأشاعرة قد اتفقوا على جواز إضافة بعض الأحكام الشرعية ـ كالمعاملات ـ إلى أسبابها الظاهرة، فلا يعني أنها إضافة تأثير على الحقيقة، لكون السبب في مذهبهم غير مؤثر في الحكم لا بالجعل ولا بالذات، وما الأوصاف المجعولة أسبابا إلا أمارات على الأحكام الشرعية التي وجبها الشارع، للاتفاق الحاصل على أنه هو الموجب للأحكام المُشرِّع لها.
ومن الذين اهتموا بموضوع السبب الشرعي أبو المظفر السمعاني (توفي489ﻫ) الذي ذهب ـ كباقي الأشاعرة ـ إلى أن الأوامر والنواهي الواردة من الشرع إنما وجبت بأقوال مسموعة، وليس معنى كونها كذلك أن الله تعالى وضع الأسباب وجعلها موجبة سمعا، وإنما الغرض من الواجبات السمعية أنها وجبت بأقوال مسموعة، لا بأسباب موجبة بالذات أو بالجعل. ذلك أن الأسباب ـ عند السمعاني ـ لا يُعرف لها تأثير في إيجاب شيء من الأحكام الشرعية، إنما هي مجرد علامات وأمارات، مثل الأزمان كزمن الصلاة وزمن الصوم، والأمكنة كمكان البيت وغيرها، وأن السبب الموجب هو الخطاب الذي هو كلام الله تعالى. وإن قيل قد فرض الشارع علينا الواجبات الشرعية بنصب الأسباب الظاهرة موجبة بالجعل لا بالذات، بدليل أن الخطاب نفسه أضاف هذه الواجبات إلى أسبابها إضافة صريحة، وإن كان الموجب حقيقة هو الخطاب. قال السمعاني ردا على هذا: &artshow-86-111659.htm#471;قد بينا أن هذه الأشياء لا تصح أسبابا، وأما الخطاب فصالح للسببية، وأما قولهم أن الله تعالى جعل هذه الأشياء أسبابا للوجوب، قلنا هذه دعوى لا بد عليها من دليل، ومجرد الإضافة لا تدل على السببية، لأن الشيء قد يضاف إلى سببه، وقد يضاف إلى شرطه، ويضاف إلى محله.» واعترض عليه بأن الخطاب في قوله الله تعالى:"أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" [البقرة:110] وقوله صلى الله عيه وسلم: {صُومُوا شَهْرَكُمْ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ.} مفيد لفعل الأداء فقط، أما أصل الإيجاب فهو بجعل الله تعالى الأسباب موجبة، أجاب عنه السمعاني بقوله: &artshow-86-111659.htm#471;أما قولهم إن الأوامر الواردة في الكتاب والسنة إنما تدل على فعل الأداء، قلنا يدل على الوجوب أولا ثم يدل على فعل الأداء، مثل السيد إذا قال لعبده اسقيني، فإنه يدل على الوجوب عليه، ويدل على فعل السقي، ونحن نعلم قطعا أن وجوب السقي في هذه الصورة كان بقوله اسقيني لا بشيء آخر، فعلمنا أن الأمر المجرد دل على الوجوب الذي يعتقدونه بالسبب، ودل على الفعل أيضا.»
ومن المتأخرين ناصر الدين البيضاوي (توفي685ﻫ) كتب في منهاجه: &artshow-86-111659.htm#471;أما السبب...كجعل الزنا سببا لإيجاب الجلد على الزاني، فإن أريد بالسببية الإعلام فحق... وإن أريد بها التأثير فباطل، لأن الحادث لا يؤثر في القديم، ولأنه مبني على أن للفعل جهات توجب الحسن والقبيح وهو باطل.» والذي منع البيضاوي من الاعتراف بتأثير السبب، موانع كلامية تتجلى في كون الزنا من الأفعال الحادثة، وخطابه تعالى قديم، فمحال أن يؤثر الحادث في القديم. وفي اعتقادي أن السبب الشرعي وإن كان حادثا فقد يوجب الحكم القديم إن فسرنا وجوبه بالجعل، فلا يكون في ذلك خدش في المعتقد، كوقت الدلوك ـ مثلا ـ هو سبب موجب للصلاة لتكرره، أما خطابه تعالى: "أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ" [الإسراء:78] فلا يفيد التكرار، لذا جعل الله تعالى الدلوك سببا موجبا للصلاة في حقنا، أما في حقه فالدلوك باعتباره حادثا هو أمارة على خطابه القديم.
وإذا كان البيضاوي قد تمسك بمذهب الأشاعرة في الموضوع وظل وفيا لفكرهم العقدي، فإن الأمر يختلف مع أبي حامد الغزالي (توفي505ﻫ) الذي عرّف السبب الشرعي في كتابه "شفاء الغليل" بالوصف الموجب للحكم بجعل الله تعالى. فتكون الأسباب ـ على هذا التعريف ـ مؤثرة في إيجاب الأحكام الشرعية بالجعل لا بالذات. ويرى بعض الأصوليين أن الخلفية الكلامية من وراء هذا التعريف، تتجلى في كون السبب العقلي عند الأشاعرة يكون مؤثرا في مسببه بفعل العادة العقلية، أي جرت العادة الإلهيـة بخلق الأثر عقيب ذلك الشيء، فيخلق الاحتراق ـ مثلا ـ عقيب مماسة النار لا أنها مؤثرة بذاتها، كذلك السبب الشرعي وصف مؤثر في الحكم بفعل العادة الشرعية التي جرت بخلق الأحكام عقيب الأسباب. وهذا تفسير بعيد لأن الجم الغفير من الأشاعرة يعتقدون نظرية العادة، ومع ذلك يعرِّفون السبب الشرعي بأنه مجرد معرف للحكم، ولو أنهم فسَّروا هذا الوصف على النحو الذي قاله الغزالي لخالفوا مذهبهم في نظرية الكسب، ذلك أن الأسباب الظاهرة لو كانت مؤثرة في إيجاد شيء أو إيجابه، لكانت القدرة الحادثة التي تتولد منها هذه الأسباب أولى بالإيجاد والإيجاب، وفي علمنا أن هذه القدرة المخلوقة ـ عند الأشعرية ـ غير مؤثرة سواء بالجعل أو بالذات، مما يعني أن الأسباب التي تنضاف إليها الواجبات الشرعية ـ كالمعاملات والعقوبات ـ كذلك غير موجبة سواء بالجعل أو بالذات، لذا يمكن تصنيف الغزالي ـ رغم أشعريته ـ من بين القائلين بنظرية السببية.
وقد يُقال إن الغزالي في كتابه "المستصفى" عرَّف السبب الشرعي بقوله: &artshow-86-111659.htm#471;عبارة عمَّا يحصل الحكم عنده لا به.» فلا يكون السبب موجبا للحكم الشرعي، وإنما أمارة عليه، ويجاب عنه بأن السبب الشرعي يكون موجبا في حقنا حتى لا يعسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال، خصوصا بعد انقطاع الوحي، فأظهر تعالى خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابا لأحكامه، وعلق الوجوب بها لتكون موجبة ومقتضية للأحكام، وإن كنا نعتقد يقينا أنها مجرد علامات في حقه تعالى لعدم تعلق الوجوب بها قبل ورود الشرع. ثم إن تعريف الغزالي للسبب جاء في معرض تمييزه عن العلة الشرعية من الناحية اللغوية حين قال: &artshow-86-111659.htm#471;تسميتهم الموجب سببا فيكون السبب بمعنى العلة، وهذا أبعد الوجوه عن وضع اللسان، فإن السبب في الوضع عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به.»  أما اصطلاحا فإنه اعتبر السبب الشرعي موجبا كإيجاب العلة الحسية معلولها فقال: &artshow-86-111659.htm#471;أظهر الله سبحانه خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابا لأحكامه، وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام، على مثال اقتضاء العلة الحسية معلولها.» كقوله تعالى: "أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ" [الإسراء:78]  وقوله: "فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" [البقرة:185] وقوله عليه الصلاة والسلام:{صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ.} فالوقت سبب موجب للعبادة بجعل الله إيَّاه موجبا، كالعلة الحسية تكون موجبة لمعلولها بجعل الله إيَّاها موجبة. ولا شك أن ما ذهب إليه الغزالي فيه مخالفة صريحة لمذهبه الأشعري الذي يرى أقطابه أن الأسباب الشرعية مجرد معرفات للأحكام لا تستقل بالإيجاب، إنما جاءت الأحكام مقترنة بها بوصفها أمارات عليها، قياسا على الأسباب العقلية فهي موضوعة لتحصل عندها المسببات لا بها، وإن تمظهرت بمظهر السببية فهو مجرد اقتران يُلحظ عند رفع العادة.

خاتمة:
الذي ذهب إليه الأشاعرة عموما فيه مبالغة، بل ومغالطة لصحيح المنقول وصريح المعقول، حتى قيل إن إنكار الأسباب أضحك ذوي العقول على عقولهم. والمتتبع لما يفيد إثبات الأسباب في القرآن والسنة يقف على مئات النصوص الدالة على أن للأسباب تأثيرا في المسببات، بجانب أقوال السلف الصالح التي هي بمثابة شبه إجماع على إثبات السببية،  إلى أن جاء قوم من الجبرية الخلص فابتدعوا فكرة نفي الأسباب وفي طليعتهم الجهم بن صفوان (توفي127ﻫ) الذي زعم أنه لا قدرة للعبد في إيجاد فعل أو عدمه، مما أدى به إلى إنكار الأسباب جملة. و الأشاعرة لم يبتعدوا كثيرا عن مسلك جهمٍ، وما نظرية الكسب التي روجوها إلا تعبيرا عن عقيدة الجبر في ثوب جديد. وعلى أي فإن للقوم نوايا حسنة من وراء ذلك لا يمكن بحال تجاهلها، وقد تجلت في محاولة إفراد الله تعالى بصفة الخالقية، ولما كان أكثرهم أصوليين نقلوا هذا المعتقد إلى علم الأصول بنية إفراده تعالى بصفة الحاكمية. والحق أن كل الأصوليين على اختلاف مدارسهم الكلامية يقرون بالصفتين معا، ويقولون إن الله تعالى هو الموجب للأحكام الشرعية، وإن الأسباب لا تستقل بإيجاب شيء، ولحكمة جريان أحكامه في كل الوقائع جعل هذه الأسباب موجبات للأحكام.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - زيد
    ًصباحا 11:13:00 2013/04/20

    احسنت اخي الباحث ولاداعي لان تتكلم عن النوايا حسنة كانت او سيئة فالقوم اختاروا ممشى خاطئا فضلوا واضلوا وضيعوا الامة في دهاليز مغلقة ونهايات مسدودة والا اي علم عند من يقول ان النار لاتحرق القطن والعلاقة علاقة عادة وما فعله هيوم خاطئ ايضا الا انه انكر الخالق اعتمادا على نظرية الغزالي بعد ان كيفها وفقا لثقافته ونقول هذه المؤديات وامثالها هي نتائج اولئك 0

  2. 2 - د محمد البدري
    ًصباحا 09:45:00 2011/05/14

    تنتقد علماء الأمة يا يوسف بدون علم ها انت لا تجيد الكتابة ولا تحسن الخط والإملاء وتتجاوز على من ملأ الدنيا علماً وورعاً وتقوى وأصبحت الأمة الاسلامية تفخر بمثلهم . فأين الطامة ممن ملأ الدنيا علماً أم ممن لا يجيد الكتابة وينتقد من كان أباً واماً للكتابة والعلوم ؟ بأمثالك ضاعت الأمة . انا لله وانا اليه راجعون

  3. 3 - يوسف
    ًصباحا 04:44:00 2010/11/06

    ... ضيعوا اوقاتهم هباء و اضاعوا امة كان الاولى ان تلفت الى العلم النافع يستعملون المنطق ليدحضوا المنطق ذاته كان الولى لهم الطاعة و التسليم او التجرد للعقل المنطق تماما دون تحوير لتوافق الدين و لو بلي الافكار و المعاني و مازلنا نجتر الى الآن هذا اللغو الة متى يظل العقل سجين العرف و الدين

الصفحة 1 من 1