إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

إحرام القادمين بالطائرات من أين يكون؟ [1/2]

السبت 05 ذو القعدة 1430 الموافق 24 أكتوبر 2009  
إحرام القادمين  بالطائرات من أين يكون؟ [1/2]
د. صالح بن أحمد الغزالي

مستخلص البحث

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وبعد:

فهذا البحث تناولت فيه مسألة إحرام القادمين في الطائرات من أين يكون؟ وعليها يدور.

وقد عرضت لمسائل متعلقة بهذه المسألة.

وهذه الفروع نوعان:

الأولى: تقعيد للجواب وهي على الترتيب الآتي:

هل سماء الميقات ميقات؟ وهل يقع مطار جدة داخل المواقيت؟ وهل في ركوب الطائرة مشقة تجيز تأخير الإحرام عن محله؟ وتوجه مريد النسك إلى غير الإحرام هل هو سبب في ترك الإحرام من الميقات؟

والشق الآخر من البحث: تفريع عن المسألة الأصلية، وهي ثلاث مسائل:

الأولى: الإحرام قبل الميقات احتياطاً، والثانية: كيف يتهيأ راكب الطائرة للإحرام، والثالثة: كيف يستدرك راكب الطائرة إذا تجاوز الميقات؟

عرضت لجميع هذه المسائل عرضاً فقهيًّا موازياً، مستدلاً، ومناقشاً، ثم مرجحاً، سائلاً الله التوفيق والسداد، وصلى الله على نبينا محمد وسلم.

مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذا البحث يتناول: إحرام القادمين في الطائرات من أين يكون؟ والفروع المتعلقة به.

وأشير إلى أهميته في ثلاثة أسباب:

الأول: تعلق محل البحث بأكثر الحجيج، فنسبة القادمين على الطائرات من الآفاق إلى داخل المواقيت عالية، وتزيد في أوقات على 75% من عدد الحجاج.

الثاني: كثرة الخلاف في تعيين جواب المسألة.

الثالث: تنوع فروع المسألة من جهة التأصيل، ومن جهة التفريع، مما يتعيّن طرح البحث بتأن وتؤدة والتأصيل لفروعها المختلفة لا مجرد الاقتضاب أو العموم في الإفتاء.

وقد استعنت بالله تعالى في جمع كلام أهل العلم المعاصرين ومناقشته من خلال الأدلة الشرعية، ثم ما قاله أهل العلم المتقدمون، وتوصلت بعد النظر إلى ترتيب البحث على مبحثين رئيسين:

الأول: من أين يُحرم القادم في المركبة الجوية؟

وفيه أربع مسائل، هي:

الأولى: هل سماء الميقات ميقات؟

الثانية: هل يقع مطار جدة داخل مُحيط المواقيت أم خارجها؟

الثالثة: وهل في ركوب الطائرة مشقة تُجيز تأخير الإحرام عن محله، أو عن محله الأصلي؟

والرابعة: توجه مُريد النسك إلى غير الحرم ومكة هل يكون سبباً في ترك الإحرام من ميقاته أو تأخيره؟ وما يلزمه؟

والمبحث الثاني: فروع مسألة ( من أين يُحرم القادم بالطائرة؟)

المسألة الأولى: الإحرام قبل الميقات احتياطاً.

المسألة الثانية: كيف يتهيأ راكب الطائرة للإحرام؟

المسألة الثالثة: كيف يستدرك راكب الطائرة تجاوز الميقات؟

وقد جمعت كلام أهل العلم وأدلتهم كما أوردوها من غير تحيّز، ثم ناقشتها من كلام المعارض والزيادة فيما يحتاج إلى زيادة، ثم رجّحتُ بما يقتضيه الدليل السالم من الاعتراض.

وجعلت للبحث مقدمة ونتيجة، وذيلته بالمراجع كما هي العادة المتبعة في مثله.

ومن مزايا البحث - أقول - التمهيد الذي قدمته للبحث فيما يخص طبيعة سير الطائرة مما له علاقة وثيقة بدراسة مسألة الإحرام، ثم الملاحق في آخره مما فيها بيان وتوضيح الواقع العملي. 

وأسأل الله التوفيق والسداد، وما أصبت فيه فمن الله، وما أخطأت فيه فأستغفر الله. والله أعلم.

تمهيد: في طبيعة سير الطائرات

معرفة طبيعة سير الطائرة له علاقة بمسألة إحرام القادم فيها من جهتين:

الأولى: هل يتمكن راكب الطائرة من محل الميقات؟ وبالتحديد: هل حركة الطائرة محددة بمسارات معيّنة لا تتجاوزها، أم يمكن تجاوزها إلى محل آخر يعده الراكب ميقاتاً شرعياً للإحرام، وإذا لم يُمكن فهل يمكن الانتظار في سماء الميقات للتمكن من الإحرام؟

والجهة الثانية: هل يتمكن مًريد النسك من آداب الإحرام كغسل وتنظف وصلاة وتغيير لباس أم لا؟ وهل توجد مشقة تُبيح التأخير عن محل الإحرام أم لا؟

نذكر ما له علاقة بذلك في الآتي( [1] ):

أولاً: كيفية سير الطائرة.

1- الطائرة تمر في مسارات محددة.

2- هذه المسارات مختلفة الاتجاهات، وتعد بالعشرات( [2] ).

3- وهي مسارات ثابتة لمدد طويلة، وبالمقارنة بين وسائل النقل في الجو والبر والبحر، نجد الشبه بين السير الجوي والبري المسفلت بحيث يشتركان في وجود طرق محددة للسير والانتقال من بلد إلى آخر، بخلاف السير في البحر فطرق السير فيه بعرض البحر إلا ما يُستثنى لوجود عائق أحياناً.

4- هذه المسارات معلومة مسبقاً لقائد الطائرة، ويلتزم السير من خلالها في خلال رحلته.

5- يتم تحديث هذه المسارات أحياناً بإضافة مسار أو إلغائه بحسب الحاجة التي تدعو إليها.

6- يحكم تحديد المسارات الجوية النواحي الاقتصادية والأمنية والسياسية.

7- يتوخى في تعيين طرق السير قدر الإمكان أقرب الخطوط المستقيمة من مطار إلى مطار.

8- توجه الطائرة إلى جدة -وبالتحديد شمالها- لا إلى مكة لوجود المطار بها، وهو اتجاه مقارب لاتجاه مكة في الغالب، بسبب أن قياس المسافة هنا كبير جداً لاعتبار البعد في المسافة وسرعة وسيلة السير الهائلة.

9- ليست أجواء المواقيت (سماء المواقيت) في طريق مرور سير الطائرات القادمة إلى جدة في الغالب لصغر مسافتها، باستثناء يلملم للقادم من جهة جنوب جدة، فوادي يلملم يمتد نحو 150كم من جهة الشرق إلى الغرب، وبالتحديد من غرب الطائف بمسافة 30 كيلاً إلى ساحل البحر الأحمر المجيرمة جنوب جدة.

10-                     دخول الطائرة في أجواء دولة يُعد دخولاً في حرماتها.

11-       سرعة الطائرة تختلف باختلاف نوعها وحجمها، والطيران المدني في الغالب تتراوح سرعته بين 400 - 800 كم في الساعة، وتقدير هذا السير على الحقيقة يختلف أيضاً باختلاف اتجاه الطائرة مع اتجاه الريح أو العكس.

12-       هدف في سير الطائرة هو الوصول إلى المطار الآخر وليس المرور إلى مكان
غيره، والمواقيت جميعها ليس فيها محل لهبوط الطائرة (مطار).

13-       ارتفاع الطيران المدني يتراوح بين 28 - 45 ألف قدم فوق سطح البحر، مما يعني في الغالب عدم رؤية معالم الميقات للراكب العادي.

14-       راكب الطائرة لا يشعر بالمعالم التفصيلية التي يمر من فوقها للبعد عنها، وفي غالب الرحلات لا يعلم وقت مروره بسماء الميقات.

يُستثنى من ذلك بعض الأحوال، فراكب طائرة الخطوط الجوية السعودية وبعض الرحلات الأخرى يُشعر قبل مجاوزة سماء الميقات أو محاذاته، وفي الخطوط السعودية يتم الإعلان قبل مجاوزة الميقات يعني محاذاة سمائه بنحو 30 دقيقة، ثم يُنبه مرة ثانية قبل 5 دقائق.

من خلال التمهيد السابق تتضح النتيجة الآتية:

" إن راكب الطائرة محكوم بسير معين، وهو لا يمر بسماء الميقات غالباً، لكن يمر بمنطقة تعد محاذية لسماء الميقات في أثناء اتجاهه إلى مطار جدة( [3] ) ".

ثانياً: إمكان الحركة لراكب الطائرة.

محدودة بالآتي( [4] ):

1- الأصل المتعارف عليه لراكب الطائرة هو القرار لا الحركة إلا لما لابد منه بترتيب معين في القدر والكيفية.

2- حركة راكب الطائرة محدودة.

3- في حال إقلاع وهبوط الطائرة يكون الراكب على هيئة الجلوس، ويُمنع من القيام والحركة لكمال سلامته.

4- يُسمح بالتحرك في حال استقرار تحرك الطائرة في الطريق الجوي، ولكن في حدود الحاجة.

5- مقعد جلوس الراكب محدود بقدر جلوسه.

6- يوجد في الطائرة ممرات ضيّقة.

7- لا يتمكن راكب الطائرة من حركة الصلاة المعتادة: قيام، وركوع، وجلوس؛ لضيق المكان.

وهذه الحالة الغالبة في الطائرات.

وفي بعض طائرات الخطوط الجوية السعودية ( sv. ) مِيزة حسنة وهي: وجود مُتسع في مؤخرة الطائرة لصلاة نحو 12 شخصاً.

8- يوجد في الطائرة مكان محدود لقضاء الحاجة، باعتبار أنها أمر ضروري، ويترتب على منعه ضرر.

9- لا يوجد مكان في الطائرة مُهيأ للاغتسال لكونه أمراً ليس من الضروريات، والخدمات المتوفرة في الطائرة محدودة.

10-       يعتري الطائرة اضطراب مُحتمل حال الإقلاع (take off ) والهبوط
(
landing ).

وفي حال استواء السير على الطريق الجوي (cruasi ) يكون سيرها مستقراً غالباً.

 

المبحث الأول: من أين يُحرم القادم بالطائرة؟

تحرير المبحث:

بحث هذه المسألة يتناول بالتحديد: الآفاقي إذا قدم في المركبة الجوية (الطائرة) وهو ناوٍ الحج أو العمرة، يعني بشرط كونه: مُريداً النسك، منتقلاً من مكان خارج الميقات إلى مكان داخل المواقيت.

فمن أين يكون إحرامه؟

هل يلزمه الإحرام وهو في السماء، وبالتحديد من أين؟ أم يُقال: يُحرم قبل صعود الطائرة في مطار بلده أو في بيته أياً كانت جهة قدومه؟ أم يُقال: يُحرم إذا وصل جدة، من مطارها أو بُنيانها؟

هذه هي الاحتمالات الواردة.

وتعيين الجواب بأحد هذه الاحتمالات لا يكون جواباً علمياً صحيحاً حتى يستوعب الجواب عن أربع مسائل:

الأولى: هل سماء الميقات ميقات؟

الثانية: هل يقع مطار جدة داخل مُحيط المواقيت أم خارجها؟ وتحديد مطار جدة لكونه المطار الدولي الذي يقع داخل المواقيت.

الثالثة: وهل في ركوب الطائرة مشقة تُجيز تأخير الإحرام عن محله أو عن محله الأصلي؟

والرابعة: توجه مُريد النسك إلى غير الحرم ومكة هل يكون سبباً في ترك الإحرام من ميقاته أو تأخيره؟ وما يلزمه؟

وبيان هذه المسائل على الآتي:

المسألة الأولى: هل تُعد سماء الميقات ميقاتاً؟

تصوير المسألة:

مجال سير الطائرات هو الأجواء الهوائية لا الممرات الأرضية، بمعنى أن الكلام هنا ينصب على حُكم المرور في السماء، وهل هو بمنزلة المرور على الأرض؟

إن قيل لا يُشبهه في الحكم فلا يلزم منه الإحرام في الجو.

ووجهه: أنه لم يتجاوز الميقات، بل يصبح إذا هبط في محيط المواقيت أي دونها وأقرب منها إلى مكة ميقاتي، فيُحرم حينئذٍ من مكانه الذي هبط فيه ؛ لحديث (ومن كان دون ذلك فمهله من أهله)( [5] )، وإن قيل هو مثله لزم المار في الجو ما يلزم المار بالأرض على التفصيل المعروف عند أهل العلم: إذا مرّ بالميقات أو مُحاذاته.

الحكم: للعلماء في المسألة قولان:

الأول: أن المرور الجوي كالمرور الأرضي سواء بسواء، وأن المار بسماء الميقات يلزمه ما يلزم المار بالميقات.

وقال بهذا:

أكثر المُعاصرين، ومنهم: أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية: ابن باز( [6] )، عبد الرزاق عفيفي، وعبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان( [7] ).

وأعضاء مُجمع الفقه الإسلامي بجدة بالأغلبية، ومنهم: عبد الله البسام، وبكر أبو زيد، ووهبة الزحيلي( [8] ).

وقال به: عبد الله بن حميد( [9] )، ومحمد العثيمين( [10] )، وقرره حسن بن محمد المشاط( [11] ) في كتابه (وظائف أهل الإسلام في حج بيت الله الحرام) وغيرهم -غفر الله لنا وللمسلمين أحياء وأمواتاً-.

أدلة هذا القول:

يسند هذا القول أنواع من الدلالات:

1- اللغة، ووجه الدلالة فيها أن يُقال:

أ‌) مَن مرّ بسماء القرية أو المحلة أو المدينة فقد مرّ بها وهذا واضح كل
الوضوح، ودالّ أو ضح الدلالة على أن المار بسماء الميقات مارٌّ بالميقات.

فيُقال: مرّ الطير الفلاني بكذا يعني بسمائه، وكذا الطائرة( [12] ).

ب) لفظ (من أتى عليهن) معجز في الدلالة على المرور في سماء الميقات، لأن لفظ (على) تدل على العلو والارتفاع مهما بلغ، فيشمل حينئذ راكب الطائرة وغيرها( [13] ).

2- النّص: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (وقّت رسول الله لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، قال: (هنّ لهنّ ولمن أتى عليهن)( [14] ).

ووجه الدلالة: لفظه يشمل المرور في سماء الميقات( [15] ).

3- التخريج على أقوال الفقهاء:

 عند الفقهاء بلا خلاف يُشتهر (الهواء يتبع القرار) في مسائل( [16] )، وقد دلّ على معناه قول الله تعالى: "الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء " (البقرة 22).

وفرعوا عليه مسائل، منها: مَن ملك أرضاً ملك سماءها( [17] )، والمصلي فوق جبل أبي قبيس - وهو علو الكعبة ( [18] ) - مصلياً إلى الكعبة( [19] )، قال في بدائع الصنائع: " جازت صلاته بالإجماع "( [20] )، والواقف فوق جبل أو على شجرة في عرفة واقف بها( [21] )، وهواء المسجد منه( [22] ).

4- القياس: المقصود الأكبر في الميقات هو البُعد عن مكة( [23] )، وسماء الميقات مثله في البُعد، أو هي أقرب الأشباه إلى الميقات من جهة السماء،فهي مثله في الحكم.

ولهذا المعنى أجمع الفقهاء على جواز الإحرام من مُحاذاة الميقات إذا كان مثله في البُعد إلى مكة ولم يتمكن من القدوم عليه( [24] ).

5- الاستصحاب: سماء الميقات مثل أرضه لم يفرق الشرع بينهما، ومَن ادعى الفرق فعليه أن يأتي بالدليل، ولا دليل( [25] ).

القول الثاني: المرور بسماء الميقات لا يُعد كالمرور بأرضه وليس مثله في الحكم.

وإلى هذا ذهب بعض العلماء،منهم: الطاهر بن عاشور( [26] )، وعبدالله بن زيد آل محمود( [27] )، ومصطفى الزرقا( [28] )، وعبدالله بن كنون( [29] (،وجعفر بن أبي بكر الليثي) [30] ) -رحمهم الله وأموات المسلمين - .

أدلة هذا القول:

1-   المحلق في السماء لم يصل إلى الأرض، فلا يُعد واصلاً إلى الميقات( [31] ).

اعتراض:

اشتراط مماسة أرض الميقات لا دليل عليه في ألفاظ الشريعة، ولا مقاصدها، ولا تسنده اللغة( [32] ).

2- الميقات الذي حدده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الميقات الأرضي لا الجوي( [33] )، بدليل أن هذا هو المعروف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة -رضي الله عنهم- ولم يفهموا إلا هذا، فلا نُحدث فهماً آخر أوسع منه( [34] ).

اعتراض:

أ‌) ادّعاء أن هذا مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط باطل؛ لأنه مُجرد دعوى، وحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على تقيد كلامه بوقت؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - رسول البشرية إلى قيام الساعة، وهو المؤيد بالوحي من ربه( [35] )، "وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً " (مريم 64).

ب‌)  اللائق نسبته إلى فهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - هو توسيع دلالة المعاني الشرعية بحسب ما تقتضيه اللغة وما يتجدد من وقائع، عن علقمة عن عبدالله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات... الخ. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يُقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك، أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله،فقال عبدالله، ومالي لا ألعن من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: {وما ءآتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }( [36] ).

ومثل هذا الفهم يتوافق تمام الاتفاق مع القول بأن راكب الطائرة إذا مرّ بسماء الميقات ولم يُحرم منها أثم بتركه الإحرام من الميقات لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (هنّ لهنّ ولمن أتى عليهن) ( [37] ).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: " فهذا الذي حملته الجنّ إلى عرفة، قد ترك ما أمره الله به قبل الوقوف "( [38] )، يريد -رحمه الله- أنه مرّ بسماء الميقات ولم يُحرم.

3- التخريج على آراء الفقهاء: من لم يمر بالميقات ولا بمحاذاته يُحرم على بُعد مرحلتين من مكة وهذا قول أكثر الفقهاء، منهم: الحنفية( [39] )، والشافعية ( [40] )، والحنابلة( [41] ). قال المستدل: القادم في الجو لا يمر بالميقات ولا محاذاته( [42] )، فيحرم على بعد مرحلتين من مكة، ومطار جُدة يزيد في البعد عن مكة عن مرحلتين فيجوز الإحرام منه.

اعتراض:

أ‌)       مسألة المرور الجوي لم تكن في تصور الفقهاء فلا يُحمل كلامهم على مقصودها.

ب‌) المرور الجوي من خارج الميقات لا تعدو أحكامه المرور الأرضي على الصحيح؛ لانطباق كلمة المرور عليه لفظاً ومعنى كما تقدم( [43] ).

وعلى فرض أن المار بسماء الميقات لم يمر به حقيقة، فهو مثله في الحكم لكونه محاذياً له( [44] ).

الترجيح:

يترجح في المسألة الآتي:

أ‌-     من جهة التقعيد:المرور بسماء الميقات إما أن يكون مروراً بالميقات أو بمحاذاته.

فإذا كان المار قريباً من الأرض أو معالمها المتصلة بها فهذا مار بالميقات، وإذا كان مارا في السماء البعيدة عن الأرض ومعالمها فهو في سماء الميقات ومحاذاة أرضها.

ب‌-             من جهة الحكم: المار بالطائرة إلى داخل المواقيت له ثلاثة أحوال:

الأولى: أن يمر بسماء الميقات، فيجب عليه حينئذٍ الإحرام إذا كان مريداً النسك، وإلاّ كان عاصياً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (هنّ لهنّ ولمن مرّ عليهن).

فهو إما أن يكون داخلاً في النص أو داخلا في معناه.

الحالة الثانية:أن يمرّ بمحاذاة سماء الميقات، فهذا يلزمه الإحرام من محاذاة الميقات لما أجمع عليه المسلمون في عهد عمر - رضي الله عنه - أن الإحرام من محاذاة الميقات مثل الإحرام من الميقات إذا لم يصل إلى الميقات.

وإن شاء المار بمحاذاة الميقات بالطائرة أن يرجع إلى الميقات ثم يُحرم منه بعد أن يهبط فهذا له، لأن الرجوع إلى أرض الميقات رجوع إلى الأصل المتفق عليه.

الحالة الثالثة: لا تمر الطائرة بسماء الميقات ولا بمحاذاته، وهذا لا يتصور إلا بالمرور من غرب جدة مُباشرة في حالات نادرة سيأتي ذكرها، وعلى افتراض وقوعه فإن جمهور الفقهاء يقررون أن مَن لم يمر بالميقات ولا مُحاذاته يُحرم على بُعد مرحلتين من مكة لكونها مسافة أقرب المواقيت إلى مكة( [45] ).

 

المسألة الثانية: هل مطار جدة يُعد داخل مُحيط المواقيت أم خارجها؟

تقرير المسألة وعلاقتها بأصل البحث:

معرفة جواب السؤال السابق: هل مطار جدة يُعد داخل مُحيط المواقيت أم خارجها؟ ينبني عليه الجواب عن السؤال الأول وهو المقصود: من أين يُحرم القادم في المركبة الجوية إلى مطار جدة؟

إن قيل مطار جدة خارج محيط منطقة المواقيت - وسيأتي تفسير هذا اللفظ على الصحيح - والهابط فيه لا يمر بالمواقيت أو محاذاتها فيكون الإحرام من مطار جُدة سائغاً وصحيحاً، وإن قيل: إن مطار جدة يقع داخل محيط المواقيت فيلزم منه أن القادم بالطائرة يتجاوز المواقيت بغير إحرام قبل هبوطه.

 

جواب السؤال:

1- ليس في كلام الفقهاء السابقين بحث المسألة لكونها من المسائل الحادثة، والمعروف عندهم هو المرور البري والبحري فحسب.

2- لم أجد في كلام الفقهاء تعريفاً مُحدداً لمصطلح (محيط الميقات)، بل لم يذكروه، إنما يذكرون لفظ المحاذاة للمواقيت وهو اللفظ المنضبط والوارد معناه في كلام الصحابة - رضي الله عنهم -

وعلى اعتبار مناقشة هذا اللفظ هنالك اتجاهان في تقرير معنى المسألة:

التصور الأول: إيصال نقاط مستقيمة بين المواقيت المحيطة بالحرم، فما كان داخل هذا الخط فهو داخل محيط المواقيت وما كان خارج هذا الخط فهو خارج محيط المواقيت( [46] ).

ومستند هذا القول التعلق بما أطلقه جماعة من الفقهاء: أن المواقيت مُحيطة بالحرم كإحاطة السوار بالمعصم. نقل معناه الأئمة: ابن حجر( [47] ) وابن تيمية( [48] ) وغيرهما - رحمهم الله-.

 لكن هذا الاستناد لا يصح لوجهين:

الأول: المواقيت ليست محيطة بالحرم على الحقيقة، وهذا ثابت وواضح ؛ لأن الجهة الغربية ليس فيها ميقات( [49] ).

الثاني: لفظ إحاطة المواقيت بالحرم لم يرتب عليه الشرع حكماً من هذه الجهة، والمدعي يُطالب بالدليل، ولا دليل.

ولهذا لا يصح أن يُقال: مطار جدة خارج محيط المواقيت فهو مكان للإحرام.

الاتجاه الآخر: الاعتبار بمحيط المواقيت أو باعتبار أدق مُحاذاة المواقيت هو البُعد والقرب من مكة باعتبار أن هذا هو المقصود الأكير.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: " فلم يأمرهم عمر والمسلمون بقرن، بل جعلوا ما يُحاذيها بمنزلتها، وذلك لأن الإحرام مما يُحاذي الميقات بمنزلة الإحرام من الميقات "( [50] ) اهـ.

ولهذا المعنى اتفق الفقهاء على مشروعية الإحرام من المحاذاة( [51] )، ودليلهم قول عمر - رضي الله عنه - لما شكى إليه أهل العراق جور قرن عن طريقهم: ( انظروا حذوها من طريقكم )( [52] ).

وهذا الاتجاه هو الصحيح لصحة مأخذه ودليله.

وتطبيق هذا المعنى على صورة المسألة على الآتي:

1)   اعتبار محيط المواقيت باعتبار الجهات المختلفة، بُعداً وقرباً من مكة.

محيط ميقات الحليفة هو ما حاذاه وسامته يمنة ويسرة، يعني أن المار في الجو من جوار ميقات المدينة أو سمائها (الحليفة) إلى مكة يعد متجاوزاً لمحيط المواقيت بتجاوزه.

وهكذا كل ميقات.

2)   لا يُقال: مطار جدة هل هو داخل محيط المواقيت أو خارجها؟ فالسؤال بهذا الوجه لا يستقيم.

ولكن يُقال: القادم إلى مطار جدة يتنوع الحكم عليه في مسألة تجاوز محيط المواقيت باعتبار جهة قدومه ومروره.

بمروره من سماء الحليفة أو محاذاة سماء الحليفة يمنة ويسرة يكون قد دخل في محيط المواقيت.

وبمروره من سماء الجحفة أو محاذاة سمائها يكون قد تجاوز منطقة المواقيت.

وبمروره من سماء قرن أو يلملم أو محاذاتها كذلك.

ولو فرض وصول راكب الطائرة إلى مطار جدة من غير المرور بسماء أحد المواقيت ولا محاذاته، فحينئذٍ ينطبق عليه كلام جمهور الفقهاء ومنهم الثلاثة: الحنفية، والشافعية، والحنابلة: مَن لم يمر بالميقات ولا محاذاته يُحرم على بُعد مرحلتين من مكة اعتباراً بمسافة أقرب المواقيت إلى مكة وهي قرن ويلملم.

وهل يصحّ هذا واقعاً؟

يصح افتراضاً، وواقعاً في أحيان قليلة، وتفصيله الآتي:

القادم إلى مطار جدة من الجهات الثلاث يمر بالمواقيت أو محاذاتها قطعاً.

والمار من جهة غرب جدة يمر - غالباً - بمحاذاة الجحفة( [53] ) أو يلملم( [54] ) قبل وصوله مطار جدة، فيلزمه الإحرام حينئذٍ( [55] ).

ولكن لو فُرض أن اتجاه الطائرة إلى مدينة جدة من غربها تماماً بحيث لا يُحاذي ميقاتاً، ثم اتجه إلى شمال جدة ليهبط في مطارها فيُحرم الراكب حينئذٍ من المطار في هذه الصورة( [56] ).

ووجهه: أن الذي يقدم من غرب جدة باتجاه مباشر لا يمر بميقات ولا بمحاذاته، لا محاذاة يلملم ولا الجحفة( [57] ، ومطار جدة بعده عن مكة ( 110كم )، يزيد عن مرحلتين.

المسألة الثالثة: هل في ركوب الطائرة مشقة تجيز تأخير الإحرام عن محله أو عن محله الأصلي؟

للعلماء قولان:

الأول: أكثر العلماء لم يروا في ركوب الطائرة مشقة يرتب الشرع عليها تأخير الإحرام عن سماء الميقات أو محاذاة سمائه.

ومنهم: الشيخ عبدالله بن جاسر صاحب كتاب ( مُفيد الأنام )( [58] )، والشيخ عبدالعزيز بن باز( [59] )، والشيخ عبدالله البسام( [60] ) - رحمهم الله -.

الرأي الآخر: في ركوب الطائرة مشقة رتب الشرع عليها تأخير الإحرام على مكان هبوطها، ولو إلى داخل المواقيت كجُدة.

وهو رأي القائلين بأن مطار جُدة يُعد مكاناً لإحرام القادمين في الطائرات لأدلة منها: هذا التعليل، من هؤلاء: الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور( [61] )، وعبدالله بن زيد آل محمود( [62] ).

 

وعللوا بخمس علل:

الأولى: اضطراب الطائرة في الجو وأهلها مشغولون بالاضطراب والخوف خشية وقوع الحادث بها، ولا يزالون في خوف حتى يصلوا إلى ساحل السلامة( [63] )، وحال الخوف في الطائرة يشبه اضطراب الباخرة في لجة البحر( [64] )، ولهذا نصّ علماء المالكية على تأخير الإحرام في السفينة إلى البر، كما قال سند بن عنان( [65] ) وشرّاح خليل( [66] ).

ورُدّ بالآتي:

1- لفظ ( الاضطراب ) هنا مُجمل، لا ينبني عليه الحكم إلا ببيان الإجمال فيه، وعند التفصيل يُقال: الاضطراب الذي يقع بالطائرة يُراد به أحد ثلاثة أقسام:

إما أن يُراد به اضطراب مخوف من سقوط الطائرة، فهذا لا يصح وصف راكب الطائرة به إلا في النادر جداً، ولو كان وصفاً كثير الوقوع للطائرة لما جاز ركوبها ابتداءً.

الثاني: الاضطراب لا يُعتبر إلا إذا حدث نوع مشقة أو تفويت أمرٍ مشروع، كأن يُشغل عن واجب أو كمال واجب كالخشوع في الصلاة، وهذا يقع لراكب الطائرة في حالتي الإقلاع والهبوط، وفي أحوال قليلة أثناء السير الجوي( [67] ).

والثالث: في أثناء سير الطائرة المعتاد لا يكون ثَمّ اضطراب( [68] ).

2- الإحرام هو نيّة الدخول في النسك، وهذا لا يمنع منه الاضطراب المذكور.

3- ما ذكره الفقهاء من جواز تأخير إحرام الراكب في السفينة مُقيّد بحال مرورها في لُجَّة البحر حال الخوف والاضطراب، لا في جميع الأحوال( [69] ).

الثاني: علل الشيخ مصطفى الزرقاء عدم التمكن من الإحرام في الطائرة بضيق مقاعد الطائرة حيث يجعل الإحرام فيها أمراً عسيراً يمتنع أن تكلف الشريعة بمثله، يقول: "قد تصل إلى حدّ التعذر بالنظر إلى حال الطائرات العامة، ولا سيما الدرجة فيها (يعني السياحية) وهي التي تأخذها الجماهير، وضيق مقاعدها لاعتبارات تجارية حتى إن الراكب ينزل في مقعده منها كما ينزل الأسفين( [70] ) في الخشب، ويعسر عليه التحرك في تناول وجبة الطعام فضلاً عن أن يخلع ملابسه المخيطة ويرتدي الرداء والإزار "( [71] ).

اعتراض:

1- حقيقة الإحرام هو الدخول في النسك لا ارتداء ملابس الإحرام، فالتعليل في غير محله.

2- يمكن لمريد النسك أن يرتدي الإزار والرداء قبل صعود الطائرة في مطار الإقلاع أو بيته أو في طريقه البري إلى المطار( [72] ).

3- الإحرام في مقعد الجلوس ممكن، ومَن لم يتمكن يُمكنه الانتقال من مقعد الجلوس إلى مؤخرة الطائرة للإحرام أو في المكان المعد للوضوء فيها، وهذا ممكن في الغالب.

الثالث: راكب الطائرة في غالب حاله ليس عنده إزار ورداء ففي أي شيء يُحرم؟ وهذا عجز يستدعي التأخير إلى مكان يجد فيه الإزار والرداء.

اعتراض:

يجب على مُريد النسك معرفة الأحكام المتعلقة بأفعال الحج والتهيؤ لها،ومنها: توفير ملابس الإحرام في الوقت والمكان المناسب.

ومَن فرّط في معرفة الواجب أو التهيؤ له لزمه ما يلزم تارك الواجب أو فِعل المحظور. وصورة المسألة هنا: أن يأتي راكب الطائرة مكان الإحرام وهو سماء الميقات أو محاذاة سمائه، وهو مريد النسك، فيلزمه حينئذٍ الإحرام، وهو الدخول في النسك في الميقات والتجرّد من محظوراته.

فإن كان معه ملابس للإحرام أحرم فيها.

وإن لم يكن معه ملابس إحرام رتّب لباسه على طريقة الإحرام إزاراً ورداء، وفي هذه الحال إما أن يكون لباسه إفرنجيًّا بنطال و(جاكت)، فهذا لا خير فيه في الإحرام، وإن كان الآخر: فيعمل على أن يجعل العمامة إزاراً والقميص (الثوب) رداء، أو يجعل القميص إزاراً والسروال رداء، على ما يتيسر.

وإن لم يكن هذا ولا هذا أحرم في ملابسه، وخلع غطاء الرأس إن كان، وفدى للبس المحيط بالبدن.

الرابعة: علل الشيخ عبدالله كنون القول بتجاوز راكب الطائرة محل الإحرام بأنه: ليس في الطائرة مكان معد للإحرام كالاغتسال وصلاة ركعتين، وهذا يوجب تأخير الإحرام إلى مكان هبوط الطائرة ليتمكن من ذلك( [73] ).

اعتراض:

1- الاغتسال وصلاة ركعتين قبل الإحرام آداب وسُنن، وكون الإحرام من الميقات واجب يُقدم عليهما عند التعارض( [74] ).

2- له أن يغتسل ويُصلّي ركعتي الإحرام قبل صعود الطائرة، وهذا دليل على يُسر الشرع، فإذا أتى الميقات دخل في النسك( [75] ).

الخامسة: راكب الطائرة يجد المشقة في تحديد مكان الإحرام، فالمركبة الجوية تسير فوق مستوى الأرض بآلاف الأقدام، وهذا يعني الجهل بمكان مروره، وإذا كان يجهل مكان الإحرام يعذر في ترك الإحرام من محله، وإذا كان معذوراً بالإحرام عند الميقات جاز له تأخيره إلى مكان هبوط الطائرة( [76] ).

 

واعترض عليه بشيئين:

1- الجهل بمكان الإحرام يمكن معالجته عن طريق السؤال، واسترشاد قائد الطائرة ومعاونيه( [77] ).

2- إذا جهل مكان الإحرام أحرم قبل الميقات بيقين، وإذا أحرم قبل الميقات صحّ إحرامه اتفاقاً. وهل يُكره؟ تزول الكراهة للاحتياط في تصحيح العبادة( [78] ).

السادسة: علل الطاهر ابن عاشور المشقة في إحرام الطائرة بالنسبة لبرودة الجو فيها( [79] ).

اعتراض:

لا يصح؛ لأن البرودة هنالك إن وجدت فهي مُحتملة بدليل أن تبريد الطائرة محكوم بفعل أصحاب الطائرة على ما يُناسب رغبة الراكب، وقياس برودة جو الطائرة في الأغلب 25مْ.

المسألة الرابعة: هل التوجه إلى غير الحرم يجيز مجاوزة الميقات بلا إحرام، ومن أين يُحرم؟

تقريب المسألة:

راكب الطائرة الذي يريد السفر إلى مكة وهو مريد النسك يتوجه أولاً - بحسب الواقع الحالي - إلى مدينة جدة، وبالتحديد مطار مدينة جدة الذي يقع شمالها، ويبعد عن مكة نحو 110كم وهي زيادة على مسافة مرحلتين عن مكة.

والسؤال: هل هذا الترتيب في السير -وبالتحديد قصد التوجه إلى مطار جدة أولاً- يكون سبباً في جواز مجاوزة الميقات بلا إحرام، أم لا؟

والجواب يتلخص في الآتي:

1- مُجرد المرور بمكان غير الحرم لا يكون سبباً في مجاوزة الميقات بلا إحرام، وسواء كان هذا المكان واقعاً في طريق الميقات إلى الحرم أو في غير الطريق.

مثاله: مَن يمرّ بالحليفة مريداً النسك ثم يمر بالفرع أو يمر بحداء أو جدة يُحرم عند مروره بالميقات ولا يؤخره( [80] ).

2- عند الحنفية جواز الحيلة في تأخير الإحرام إلى داخل المواقيت بعد مجاوزة محل الإحرام: الميقات( [81] ).

وصورتها: أن ينوي ويقصد محلاً داخل المواقيت كبستان بني عامر، أو نقول في مثالنا:مطار جدة، ثم إذا أقام فيه نوى النسك فأحرم من المكان الذي أقام فيه( [82] ).

وهل يُشترط عندهم إقامة مدّة معيّنة؟ عند أبي يوسف: يشترط خمسة عشر يوماً ؛ ليكون حكمه حكم المقيم، يعني بحيث يصير له أحكام المقيم( [83] )،والجمهور: الأيام التي يصير بها المسافر مقيماً أربعة أيام، لكن لا تصح عندهم هذه الحيلة، وهو القول الصحيح ؛ فالواجبات الشرعية لا تسقط بالحيل، ولو كانت صورتها على وجه صحيح ؛ لأن الأعمال بالنّيّات.

3-  عند الشافعية: إذا قدم من بحر اليمن - أي الجهة الجنوبية للبحر الأحمر - قاصداً جدة، ثم جاوز مُحاذاة يلملم فإنه يُحرم من مثل مسافة يلملم( [84] )، ثم اختلفوا هل يُحرم من جدة باعتبار أن يلملم إلى مكة مرحلتان وهكذا جدة. أو لا؟

مَن قال بتساوي المسافتين قال بالجواز، وإلى هذا ذهب الرملي صاحب ( التحفة)( [85] )، ومَن قال بالفرق وزيادة مسافة يلملم إلى مكة منع منه، وإليه ذهب الشرواني في حاشيته( [86] ).

وصورة المسألة هنا تخريجاً على ما قرروه:

القادم إلى مطار جدة ينظر إن كان الميقات الذي تجاوزه مسافته إلى مكة مثل مسافة مطار جدة أو أقرب جاز حينئذٍ له الإحرام من مطار جدة ؛ لأن من تجاوز الميقات ومحاذاته أحرم من مثل مسافته إلى مكة.

وتوضيح الأمر على الواقع الآتي:

 

 

المسافة

محل الإحرام

مكة

110 كم

مطار جُدة

مكة

480 كم تقريباً

الحليفة

مكة

157 كم

الجحفة

مكة

79 كم

قرن المنازل

مكة

130 كم

يلملم

مكة

  ويتضح بقياس المسافة أنَّ ذي الحليفة والجحفة أبعد من مسافة مطار جدة إلى مكة، وقرن ويلملم مسافتهما أقرب إلى مكة من مسافة مطار جدة إلى مكة.

لكن تعيين المواقيت يوجب الإحرام منها بالنّص، أو محاذاتها عند المشقَّة كما بيّنه الأثر الوارد عن عمر - رضي الله عنه -.

_______________________

(1) عن مقابلة مع مختصين في الطيران المدني بجدة ، منهم : م . عبدالحميد بن خاطر بن يحيى

( مهندس إلكترونيات الطيران ) ، ومهندسي طيران بالخطوط السعودية ، منهم : م . عبدالغني بن علي حجر الغامدي ( مهندس طيّار على طائرات 747 ) حُرّر في ( 9 / 4 / 1425هـ ) .

(2) يُنظر : الملاحق ، ملحق رقم (1) ص (45) .

(3) يُنظر : الملاحق ، ملحق رقم (1) ص (45) .

(4) يًُستثنى من ذلك الطائرات الخاصة فإمكان الحركة فيها أكثر سعة ، وكل بحسبه .

(5) جزء من حديث المواقيت : أخرجه الشيخان عن ابن عباس - رضي الله عنهما - .

يُنظر :البخاري 1/472 ، مسلم 2/838 .

(6) مقال : بيان خطأ مَن جعل جدة ميقاتاً لحجاج الجو والبحر ، يُنظر : مجلة الدعوة ع 826 في 1402هـ . مجلة التوعية الإسلامية في الحج : ع الأول ، س 1402هـ ، ص 20 . مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة : ع 53 ، س 1402هـ . مجلة البحوث الإسلامية : ع 6 ، ص 282 . مجموع فتاوى ومقالات ابن باز : 17/23 .

(7) فتاوى اللجنة الدائمة : 11/126 ، 130 ، 131.

(8) مجلة المجمع الفقهي : الدورة 3 ،ع 3 ، ج 3 ، س 1408هـ ، ص 1637 ، 1638 .

(9) هداية السالك : 17 .

(10) الشرح الممتع : 7/66 .

(11) إسعاف أهل الإسلام : 41 .

(12) مجلة المجمع الفقهي : الدورة 3، ع 3 ، ج 3، س 1408هـ، ص 1637.

(13) مجلة المجمع الفقهي : الدورة 3، ع 3 ، ج 3، س 1408هـ، ص 1644.

(14) البخاري : 1/ 472 . مسلم: 2/838 عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

(15) مجلة المجمع الفقهي : الدورة 3، ع 3، ج 3، س 1408هـ ، ص 1644.

(16) كمسألتي : الصلاة فوق مكان هو علو الكعبة أو هواء المسجد منه . يُنظر : المنثور في القواعد للزركشي: 2/377 . بدائع الصنائع : 1/121. روضة الطالبين: 1/121. نهاية المحتاج: 3/298. حاشية البيجوري على شرح الغزي على أبي شجاع: 1/210 . لا مسألة الوقوف بهواء عرفه ففيها خلاف. يُنظر : الخرشي على خليل 2/320 ، . حاشية الجمل لسليمان بن منصور العجيلي المصري المشهور بالجمل: 2/45 .

(17) المنثور في القواعد للزركشي : 2/377 . الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي : 3/59 .

(18) بارتفاع 420م عن مستوى سطح البحر . التاريخ القويم لكردي : 1/29 .

(19) المنثور في القواعد للزركشي : 2/377 . مُغني المحتاج 1/251 .

(20) 1/121 .

(21) شرح البهجة : 2/294 . وفي هذه المسألة خلاف . يُنظر : نهاية المحتاج 3/298 .

(22) المنثور في القواعد للزركشي : 2/377 . الإنصاف : 3/372 .

(23) شرح العمدة لابن تيمية : 1/336 .

(24) هداية السالك لابن جماعة : 2/582 .

(25) يُنظر:مجلة المجمع الفقهي: الدورة 3 ، ع 3، ج 3، س 1408هـ ، ص 1637-1639 . فتاوى اللجنة الدائمة : 11/139.

(26) إحرام المسافر إلى الحج في المركبة الجوية لابن عاشور : ص 21 .

(27) جواز الإحرام من جدة لركاب الطائرات والسفن البحرية : ص 1607 وما بعدها . يُنظر : مجموعة رسائل عبدالله آل محمود : 3/189 .

(28) من أين يُحرم القادم بالطائرة للزرقاء : ص 1431 .

(29) مجلة الهداية : ع 4 ، س 5 ربيع الثاني 1398 ، ص96.

(30) في رسالته : دفع الشدة بجواز تأخير الآفاقي الإحرام من جدة .

(31) إحرام المسافر إلى الحج في الطائرات لابن عاشور : ص 21 . من أين يُحرم القادم بالطائرة للزرقاء : ص 1427 - 1436 .

(32) مجلة المجمع الفقهي : الدورة 3 ، ع 3 ، ج 3 ، س 1408هـ ، ص 1638 ، 1639 .

(33) من أين يُحرم القادم بالطائرة للزرقاء : ص 1435 ، 1627 .

(34) من أين يُحرم القادم بالطائرة للزرقاء : ص 1627 .

(35) مجلة المجمع الفقهي :الدورة 3 ، ع 3 ، ج 3 ، س 1408هـ ، ص 1644 .

(36) رواه البخاري ومسلم واللفظ له ، البخاري : 4/79 (77) كتاب اللباس (84) باب المتنمصات برقم 5939 . مسلم :3/1678 (37) كتاب اللباس والزينة (33) باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجة والمغيرات خلق الله برقم 2125 .

(37) أخرجه الشيخان : البخاري : 1/472 ، مسلم : 2/838 .

(38) قاعدة في أعمال الحج ، يُنظر : جامع المسائل لابن تيمية :1/218 .

(39) شرح فتح القدير : 2/426 .

(40) تحفة المحتاج : 2/17 ، 18 .

(41) شرح منتهى الإرادات 2/9 .

(42) الإحرام من جُدة لركاب الطائرات لقادري : ص 1542 .

(43) يُنظر : ص 11- 12 من هذا البحث .

(44) يُنظر : قاعدة في أعمال الحج ، ضمن جامع المسائل لابن تيمية :1/218 .

(45) ومنهم : الحنفية ( شرح فتح القدير : 2/426 ) والشافعية (تحفة المحتاج : 2/17 ، 18 . والحنابلة (شرح منتهى الإرادات : 2/9 ، كشاف القناع : 2/402) .

(46) يُنظر : أدلة إثبات أن جدة ميقات لعرعور : ص 22 . يُنظر : الملحق رقم (2) ص (46) .

(47) فتح الباري : 3/498 .

(48) شرح عمدة الفقه لابن تيمية : 1/319 .

(49) يُنظر الملاحق ، ملحق (3) ، ص (47) .

(50) شرح عمدة الفقه : 1/336 .

(51) هداية السالك : 2/582 .

(52) البخاري : 1/473 .

(53) على الممر الجوي ( 775R   ) وتحصل المحاذاة عند تقاطع 05 و 22 شمالاً # 33ً و 38ْ تقريباً.

(54) على الممر الجوي :

1- ( 660 G ) وتحصل المحاذاة عند تقاطع 21.07 شمالاً # 38.46 .

2- و( 650G   ) وتحصل المحاذاة عند تقاطع 20.37 شمالاً # 30.00 .

(55) يُنظر : الملاحق ، ملحق رقم (4) ، ص (48) .

(56) قرر مثله الشيخ ابن باز -رحمه الله- في راكب السفينة ، يُنظر : مجموع فتاوى ابن باز : 17/35.

(57) شرح منتهى الإرادات : 2/9 . مطالب أولي النهى : 3/221 .

(58) مُفيد الأنام : ص 65 .

(59) فتاوى اللجنة الدائمة : 11/126 . مجموع فتاوى ابن باز : 17/23 .

(60) مجلة المجمع الفقهي :الدورة 3 ، ع 3 ، ج 3 ، س 1408هـ ، ص1637 .

(61) إحرام المسافر إلى الحج في المركبة الجوية لابن عاشور : ص 21 .

(62) جواز الإحرام من جدة لركاب الطائرات لآل محمود : ص 1608 .

(63) جواز الإحرام من جدة لركاب الطائرات لآل محمود : ص 1607 - 1608 .

(64) الإحرام من جدة لركاب الطائرة لمحي الدين قادي : ص 1542 .

(65) حاشية العدوي : 136 .

(66) مواهب الجليل : 3/35 ، الزرقاني على خليل : 2/252 .

(67) أسباب الاضطراب الذي يجده الراكب في الطائرة من جهتين :

الأولى : تغيير اتجاه حركة الطائرة من الوضع الملائم وهو الاستقامة إلى وضع غير ملائم وهو العلو أو الإقلاع (Take off ) أو الهبوط (Landing ) أو الميل والتقلب .

الثانية : اهتزاز جسم الطائرة الذي يُسمى الاضطراب الجوي ( Turbelance ) ويُسببه اختلاف درجات الحرارة في الهواء الخارجي ، ولهذا أسباب منها :

أ‌- انتقال الطائرة من طبقة هوائية إلى أخرى .

ب‌- المرور بجوار السحب الممطرة التي تُحدث دوائر حولها بمسافة تزيد عن ( 50 كم ) .

جـ- المرور فوق الشواطئ البحرية اليابس أو الماء ، فسماء اليابسة يحدث فوقه درجة حرارية أعلى في النهار وفي الليل أكثر برودة وفوق سماء الماء يحدث العكس .

(68) وبالرجوع إلى المختصين ينقسم الاضطراب في الطائرة إلى ثلاثة أقسام : بسيط ومتوسط وعال ، فالبسيط  (Turbelance Lite ) كثير الوقوع لكن غير مؤثر على راكب الطائرة ويمكن معه الحركة والمشي في ممرات الطائرة . والثاني : متوسط (Moderate Turbelance ) يخل توازن الراكب في مشيه وحركته فيمنع منها وهذا يقع أقل من وقوع الأول . والثالث : اضطراب عالٍ (Hevy Turbelance ) خطير على راكب الطائرة يُمنع فيه من القيام والمشي، وربما أسقط الواقف أو أسقط الأمتعة على الجالس ، وهذا نادر الوقوع .

(69) مجلة المجمع الفقهي :الدورة 3 ، ع 3 ، ج 3 ، س 1408هـ ، ص 1641 . يُنظر : بلغة السالك على الشرح الصغير : 2/ 14 .

(70) يونانية ، جمه أسفين ، وتد من خشب أو حديد يُستعمل لأغراض ، منها : فلق الخشب ، وربط جسم بآخر . ( يُنظر : المنجد 675 . المعجم الوسيط : 1/18 ) .

(71) من أين يُحرم القادم بالطائرة للزرقاء : ص 1437

(72) فتاوى اللجنة الدائمة : 11/152 .

(73) مجلة الهداية : ع 4 ، س 5 ربيع الثاني 1398 ، ص 96 .

(74) مجموع فتاوى ابن باز : 17/38 .

(75) يُنظر : التحقيق والإيضاح لابن باز : ص 20 ، فتاوى اللجنة الدائمة : 11/152 .

(76) الإحرام للقادم إلى الحج بالطائرة أو الباخرة لتيجاني صابون : ص 1451 .

(77) مجموع فتاوى ابن باز : 17/24 .

(78) يُنظر : مجموع فتاوى ابن باز : 17/24 ، 29 .

(79) يُنظر : إحرام المسافر إلى الحج في المركبة الجوية لابن عاشور : ص 21 .

(80) رد المحتار : 3/482 .

(81) المبسوط : 4/187 ، شرح فتح القدير : 3/111 ، البحر الرائق : 2/559 .

(82) الدر المختار : 3/382 .

(83) الدر المنتقى شرح الملتقى 1/393 .

(84) تحفة المحتاج : 2/18 .

(85) تحفة المحتاج : 2/18 .

(86) حواشي الشرواني : 5/78 .

 

 

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - حسب علمي
    ًصباحا 10:17:00 2009/10/26

    من أفضل الكتب المعاصرة في موضوع الحج والعمرة برأيي والتي تحتوي على تشويق وترغيب وأداء المناسك على السنة وذكر الآثار كتاب حنين المشتاق إلى بلاد الأشواق المؤلف احمد عبد الحليم أبو رمان .. كتاب شيق ولا تمل منه

الصفحة 1 من 1