إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

الاعتصام بالقرآن أمان من الابتداع

الثلاثاء 01 شعبان 1431 الموافق 13 يوليو 2010  
الاعتصام بالقرآن أمان من الابتداع
فضل محمد البرح

المقدمة

الحمد الله القائل: "وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [101: آل عمران]، والصلاة والسلام على السراج المنير، محمد بن عبد الله- الداعي إلى التمسك بحبل الله المتين- وعلى آله وصحبه المتلقين للوحي بالانقياد والخضوع والتسليم.

أما بعد:

لقد بعث الله تعالى محمداً –عليه الصلاة والسلام– رسولاً للعالمين،  ليرسم لهذه البشرية طريقها، ويؤسس نظاماً لحياتها وفق مراد خالقها سبحانه، و في جميع شؤونها وأعمالها، ويُعِدُ جيلاً ليستلم هذه المهمة من بعده"وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ" [الأنبياء:34]. وما كان ليستعين بهذه المهمة بغير توجيهات كلام رب العالين، ووحيه المنزل، فقد أنزل عليه هذا القرآن العظيم؛ يأخذ منه طريقة إصلاح البشرية وإعمار الأرض.

ولقد استطاع محمد -عليه الصلاة والسلام– أن يحدث تغيراً في هذه الأرض، ويخلع كل أنواع الفساد الموجود حينئذ، وأن يخرج جيلاً فريداً على الإطلاق لم ولن يتكرر بتلك الهيئة، بسلامة منهجه ومعتقداته، وتصوره للحياة والكون، وطريقة استخلافه على هذه البسيطة، ولم يكن العامل الأساس لهذا التغير إلا الاستقاء من منبع القرآن الكريم، و التمسك والاعتصام بحبل الله تعالى، وبَرَز أثر قول الله تعالى: الله تعالى:"وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [آل عمران:101]. ثم توفى رسول -صلى الله عليه وسلم- وخلفه أصحابه لتولي مهمة هذا الدين، وكانت خلافتهم على مناهج النبوة لقربهم من عهد النبوة، وأثر تربية الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليهم في الالتزام بمنهج الوحي، وكانت القرون الثلاثة الأولى المفضلة خير القرون كما أخبر بذلك النبي –عليه الصلاة والسلام– بقوله: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"[1] ولقد تحقق الانتشار للإسلام تحققاً رائداً عندئذ، ووصل إلى الأرض شرقا وغرباً في هذه القرون لتمسكهم بالوحي المنزل، ثم بَعُدَ الناس عن الوحي وعهد النبوة، وكلما مرت مرحلةٌ كلما ابتعد الناس عن منهج القرآن والتمسك به، لذلك فقد شهد الإسلام تراجعاً بيناً بسبب البعد، وأثَّر ذلك البعد في حصول البدع والانحرافات، وكلُ انحرافٍ وقع في حياتهم عن المنهج القرآني كانت له ولا شك عاقبته البطيئة أو السريعة حسـب نوع الانحراف، ودرجة تسربه، ولقد حدثت بدع وانحرافات كثيرة في حياة المسلمين في مسيرتهم الطويلة خلال التاريخ، وأول بدعت حصلت هي بدعة القدر، ثم بدعة الخوارج، ثم المرجئة وهلم جرا، إلى أن صار واقع المسلمين اليوم كما هو مشاهد يكتظ بالفساد، ويعاني من البدع والمحدثات، والمفاهيم المغلوطة عن هذا الدين، ويئن من فساد عريق في الأخلاق والمعاملات، وكما أخبر الصادق المصدوق -عليه الصلاة وأتم التسليم- "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريباً كما بدأ[2]، وما ذاك إلا لعدم تمسكهم بهذا الوحي -القرآن الكريم-، وأصبح المسلمون يتخبطون في هذا الدين بين البدع والمحدثات، والانحرافات؛ نتيجة إصغائهم لغير توجيهات الوحي الرباني. إذ القرآن العظيم يمثل دستوراً للحياة، وله مكانة قدسية يجب أن تكون في نفوس الخلق، فهو عنوان للشعائر والعبادات للمسلمين"ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ" [الحج:32].ولقد أدرك الغرب، وأهل الكفر بأن سر قوة المسلمين ووحدتهم وسلامة معتقداتهم هو استقائهم من الوحي الإلهي -القرآن الكريم-، والنهل من منبعه، والالتزام بتعاليمه، لذلك فهم يحرصون بكل ما أوتوا من قوة أن يبعدوا جيل المسلمين عن منبع الوحي -القرآن الكريم-، ويضعفوا أثر التمسك به، فيدسوا فيهم بوسيلة أو بأخرى البدع والمحدثات، والمفاهيم الدخيلة، ويزرعوا بينهم الفرقة والاختلاف؛ وهم يحاولون أن يحكوا من صدور الجيل قول الله تعالى:"وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، وأنى لهم لذلك مادام أن الجيل يتربى على مائة القرآن، ويرى أنه قارب النجاة؛ يوصله إلى أمان السلوك وسلامة المعتقد.

 

ومما دعاني للكتابة عن  هذا الموضوع أسباب كثيرة أبرزها:

الأول: إبراز أهمية الاعتصام بالقرآن الكريم، ودروه في حياة المسلم، ومدى أثره على الفرد والمجتمع.

الثاني: توضيح أثر انتشار البدع والانحرافات بسبب البعد عن منهج القرآن، وأثرها في تغيير صورة الإسلام الحقيقة.

الثالث: تبيين أسباب البعد عن القرآن وخطره على الدين.

أما مجال البحث في هذا الموضوع وخطته فقد اجتهدت أن تكون الكتابة في هذا البحث تدور حول تمهيد وفصلين على النحو:

التمهيد:التعرض لمفهوم مفردات عنوان البحث

وفيه ثلاثة مباحث:

الأول: مفهوم الاعتصام(التمسك).

الثـاني: مفهوم القرآن.

الثالث: مفهوم البدعة

الفصل الأول: أهمية الاعتصام بالقرآن.

المبحث الأول: الاعتصام بالقرآن في منهج التلقي والتعليم.

المبحث الثاني: الاعتصام بالقرآن في منهج التطبيق والعمل.

الفصل الثاني: معوقات الاعتصام بالقرآن.

المبحث الأول: البعد عن القرآن:

المبحث الثاني: اتباع الهوى.

المبحث الثالث: الغلو.

المبحث الرابع: تقديم العقل على النقل.

الخاتمة.

الفهارس.

التمهيد:وفيه ثلاثة مباحث:

 الأول: مفهوم الاعتصام(التمسك).

الثـاني:مفهوم القرآن.

الثالث: مفهوم البدعة

المبحث الأول

 

مفهوم الاعتصام(التمسك )

الاعتصام في اللغة:

هو كما يقول ابن فارس: (العين والصّاد والميم أصل واحد صحيح يدلّ على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كلّه معنى واحد، من ذلك العصمة، أن يعصم اللّه تعالى عبده من سوء يقع فيه...إلخ[3].

وقد نقل ابن منظور عن الزجاج في تعريف الاعتصام قوله: (أصل العصمة الحبل وكل ما أمسك شيئاً فقد عصمه)، وقولهم: اعتصم بالشيء أي تمسك به، ومنه قوله تعالى "واعتصموا بحبل الله جميعا" أي تمسكوا بعهد الله[4].

كذلك ابن القيم يعرف الاعتصام بقوله: (والاعتصام: افتعال من العصمة وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف فالعصمة: الحمية والاعتصام)[5].

من خلال التعريف للاعتصام اللغوي عند جماهير العلماء نجد أنه بمعنى التمسك، والحبل، والمنعة، وكلها ترجع معانيها إلى التمسك بالشيء والاحتماء به.

الاعتصام في الاصطلاح:

تعاريف الاعتصام  فيها نوع ترابط، واختلفت من إمام لآخر، ولا غضاضة إذ يجري هذا على مبنى اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، فالإمام الطبري عرف الاعتصام بقوله: فالاعتصام بالله: التمسك بعهده وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه من طاعته وترك معصيته[6]. وقريب من هذا يعرفه الإمام البغوي بقوله: الاعتصام بالله: هو التمسك بالكتاب والسنة[7]، وتجد الإمام الشوكاني، يجمع بالتعريف للاعتصام بين الاصطلاح معناه اللغوي بقول: الاعتصام بالله التمسك بدينه، وطاعته، وقيل: بالقرآن، يقال: اعتصم به، واستعصم، وتمسك، واستمسك: إذا امتنع به من غيره، وعصمه الطعام: منع الجوع منه[8].

وكل هذه التعاريف تصب في مجرى واحد وهو التمسك بكتاب الله تعالى وعهده، كما جمعها الإمام ابن كثير عند قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" قيل "بحبل الله" أي: بعهد الله، وقيل: "بحبل من الله" يعني: القرآن، وصراطه المستقيم"[9]. وسيأتي مزيد بيان عند الحديث عن هذه الآية.

التمسك في اللغة:

هو من مسك يمسك تمسكا، واستمسكت بالشيء، إذا تحريت الإمساك به، ومنه قوله: (فاستمسك بالذي أوحي إليك)، وأمسك بالشيء وتمسك به و استمسك به وامتسك به، كله بمعنى اعتصم به، فالاعتصام مرادف التمسك[9].

إذن فالتمسك: هو التحري والأخذ بالشيء والتعلق والاعتصام به.

التمسك في الاصطلاح:

هو القبض على الشيء قبضاً محكماً بكل ما يستطيع [9]، ومنه قوله تعالى: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم)، فدلت الآية على هذا المفهوم الاصطلاحي، إذ هو أمر من الله تعالى لرسوله على التمسك بهذا الوحي المنزل عليه لاسيما عندما تشتد عليه الكروب، وتتوجه إليه سهام الظالمين، وتتطاول عليه ألسنة المكذبين، فإن ما أنت عليه من الدين هو الحق الذي لا مرية فيه. فتبين أن المفهوم اللغوي والاصطلاحي للتمسك بينهما تقارب بيِّن.

المبحث الثاني

  مفهوم القرآن الكريم لغة واصطلاحاً.

أولاً: القرآن في اللغة: كما تعارف عليه العلماء أنه من مادة قرأ، تقول: قرأ الكتاب قراءةً وقُرءاناً. وقرأ الشيء قُرءانا أي جمعه وضمه، ومنه سمي القرآن لأنه يجمع السور ويضمها. وقوله تعالى"إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ"[القيامة: 17] أي قراءته[10].

قال الزرقاوي: أما لفظ القرآن: فهو في اللغة مصدر مرادف للقراءة - للآية السابقة -، ثم نُقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسما للكلام المعجز المنزل على النبي من باب إطلاق المصدر على مفعوله[11].

القرآن في الاصطلاح: مجمل القول في تعريف القرآن الكريم.

هو الكلام المعجز المنزل على النبي المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته [12].

المبحث الثالث

مفهوم البدعة

البدعة في اللغة: ذكر ابن منظور أن البدعة مأخوذة من بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: أنشأه وبدأه، وفي التنزيل:"قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ"[الأحقاف:9] أي: ما كنت أول من أرسل، قد أرسل قبلي رسل كثير، وفلان بدع في هذا الأمر أي أول لم يسبقه أحد.... وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة، قال الله تعالى:"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا"[الحديد: 27].

و البدعة، بالكسر: الحدث في الدين بعد الإكمال، ومنه الحديث: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"[12]، ويكون على غير مثال سابق [13].

وعلى هذه التعريفات اللغوية التي ذكرت، فالبدعة هي الاختراع على غير مثال سابق ومنه قوله تعالى: "بديع السماوات والأرض" (أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم، وقوله تعالى "قل ما كنت بدعا من الرسل" أي ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد بل تقدمني كثير من الرسل[14].

مفهوم البدعة في الاصطلاح:

اختلف العلماء في مفهومها، ومنشأ الخلاف هو هل العادات تدخل في معنى البدعة أم أن البدعة تختص بالعبادات؟، وعلى هذين المفهومين يعرفها الإمام الشاطبي بقوله: "هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه". فهذا المفهوم على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات.

وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: "هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية [15].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وقد قررنا في قاعدة "السنة والبدعة": أن البدعة في الدين: هي ما لم يشرعه الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب"[16].

محلق: خطر البدعة في الدين:

حينما نتكلم عن البدعة هنا فإننا نقصد به الابتداع في الدين، وبعد تقرير مفهوم البدعة، وأنها مخالفة لنصوص الوحي فإحداثها في الدين اتهام للدين بالنقص، ورد لصريح القرآن، حيث أخبر الرب تعالى أنه أتم هذا الدين، وليس هناك مجالاً للزيادة والنقصان فيه، فقال في محكم التنزيل: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"، قال الإمام الشاطبي: (... الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان لأن الله تعالى قال فيها) "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"،... – ونقل عن ابن الماجشون قوله: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعه يراها حسنه فقد زعم أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- خان الرسالة لأن الله يقول: "اليوم أكملت لكم دينكم"، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا... – ورأى- أن النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر في صحة هذا الكمال، -فهي- إما محتاج إليها وإما غير محتاج إليها، فإن كانت محتاج إليها فهي مسائل الاجتهاد الجارية على الأصول الشرعية، فأحكامها قد تقدمت ولم يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل يستند خاصة، وإما غير محتاج إليها فهي البدع المحدثات إذ لو كانت محتاجا إليها لما سكت عنها في الشرع، لكنها مسكوت عنها بالفرض ولا دليل عليها فيه، فعلى كل تقدير قد كمل الدين والحمد لله [17]. وقد أخبر رسول الله - صلى الله عليه و سلم- بأن الإحداث في الدين مردود، بل وحذر أشد التحذير من البدع والمحدثات في الدين، فقال "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"[18]، وفي رواية "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"[19] ما ليس منه فهو رد ، وقال:"وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"[20].

واشتد النكير من قبل الصحابة -رضوان الله عليهم- للبدع وأصحابها، من ذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"[21].

الفصل الأول: أهمية الاعتصام بالقرآن والتمسك به:

ويشمل على مبحثين:

المبحث الأول: الاعتصام بالقرآن والتمسك به في منهج التلقي والتعليم.

المبحث الثاني: الاعتصام بالقرآن والتمسك به في منهج التطبيق والعمل.

المبحث الأول

الاعتصام بالقرآن والتمسك به في منهج التلقي والتعليم

لقد طُويت صفحات الجهل والخرافة وانجلى الوهم والتخلف العلمي والعقلي والفكري، وابتدأت صفحات من نور العلم والمعرفة والعقل والفكر الصحيح مذ نزول أول باكورة هذا الوحي وهو قول الحق تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" [العلق:1-5].

إذ الاعتصام والتمسك بهذا القرآن يمثلان مفرق طرق لأبناء الأمة الإسلامية، يتحتم علينا أن ننظر كيف تعامل النبي –عليه الصلاة والسلام– مع هذا الوحي المنزل عليه من عند ربه -جل وعلا-، حينما جاءه أمر الله تعالى بالقراءة، ثم أمره بأن يتمسك بما يقرأ، فقال: "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم"، قال ابن جرير في تأويل هذه الآية: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد -عليه الصلاة والسلام-: فتمسّك يا محمد بما يأمرك به هذا القرآن الذي أوحاه إليك ربك)[22]،  وثم أمره ثالثةً بتبليغه لهذه البشرية، ويعلمه أصحابه –رضوان الله عليهم– فقال: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)، لذلك كان –عليه الصلاة والسلام- يبدي حرصه الشديد على أن يكون الوحي هو المصدر الوحيد للتلقي والتعليم لأصحابه، وأمرهم أن يتمسكوا به دون سواه من الكتب السماوية المنسوخة -التوراة وغيرها–، وهذا ظاهر في طريقته ومنهجه –عليه الصلاة والسلام– ويدل هذا غضبه على عمر عندما رأى في يده صحيفة من التوراة، ثم قال: (والله لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي).

فهذا منهج جلي وواضح للدعوة إلى التمسك بهذا المنبع الصافي في طور التلقي والتعليم، فإن تحصين الجيل وحصر هم على الوحي المنزل أثناء التلقي والتعليم يمثل أساساً وحصناً منيعاً من الابتداع في هذا الدين، فحينما نمعن النظر في سبب كثرت البدع والمحدثات؛ نجده نتيجةً لعدم تحصنهم بالوحي، ولاختلاط مناهج التلقي وعدم وحدة المصدر، وإن شئت فقرأ قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين"، "وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم" ففي هذه الآيات الكريمات حذر الرب تعال من طاعة أهل الكتاب، والاقتباس من منهجهم وعقيدتهم التي هي مصدر الزيغ الضلال، وسبباً للتبديل والانحراف في منهج الوحي القرآني، إذ كيف يصوغ لمن وجد بين أيديهم هذه الآيات تتلى، وفيهم رسوله يبين لهم طريق الاستقامة؛ أن يلتمسوا الهدى من دين محرف، وأهله مغضوب عليهم، والبعض أضلهم عن طريق الهداية!! (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله)؟!، ثم بين أن الاعتصام والتمسك به سبحانه سبيل للهداية للطريق القويم.

قال محمد رضا عند قوله تعالى (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)،  (وكيف تكفرون بطاعتهم واتباع أهوائهم وأنتم تتلى عليكم آيات الله، وهي روح الهداية وحفاظ الإيمان، وفيكم رسوله يبين لكم ما أنزل إليكم، ولكم في سنته وإخلاصه خير أسوة تغذي إيمانكم وتنير برهانكم، فهل يليق بمن أوتوا هذه الآيات، ووجد فيهم الرسول الحكيم الرءوف الرحيم أن يبتغوا أهواء قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا، حتى استحوذ عليهم الشيطان، وغلب عليهم البغي والعدوان، وعرفوا بالكذب والبهتان؟ فالاستفهام في الآية للإنكار والاستبعاد ومن يعتصم بالله وبكتابه يكون الاعتصام إذن هو حبله الممدود. ورسوله هو الوسيلة إليه وهو ورده المورود فقد هدي إلى صراط مستقيم لا يضل فيه السالك، ولا يخشى عليه من المهالك، فلا تروج عنده الشبهات، ولا تروق في عينه الترهات)[23].

إن التلقي من هذا الكتاب المنزل على نبي العالمين فيه غنية وكفاية عن غيره من ا الكتب والثقافات والعلوم، وإن كانت كتباً سماوية.؟ نعم وإن كانت كتب سماوية كالتوراة وغيرها، فما بالك بكتب أرضية بشرية، فهي ابعد من أن ننظر إليها، فقد أنزل الله تعالى على محمد – عليه الصلاة والسلام - قوله: "أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51). وقد أورد القرطبي: أن هذه الآية نزلت من أجل أن قوماً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انتسخوا شيئا من بعض كتب أهل الكتاب، وأورد حديثاً عن يحيى بن جعدة، أن ناسا من المسلمين أتوا نبي الله -صلى الله عليه وسلم- بكتب قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما رآنا ننظر فيها ألقاها، ثم قال: كفى بها حماقة قوم، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم، إلى ما جاء به غير نبيهم، إلى قوم غيرهم، فنزلت: "أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون"[24].

فالبعد عن القرآن جعل من الرسول –عليه الصلاة والسلام– يرفع الشكوى إلى رب العالمين من قومه لهجرهم تعلم هذا القرآن، وعدم التمسك به في العلم والعمل، وقد جاءت هذه الشكوى بقوله تعالى:"وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا" [الفرقان:30].

وقد تحدث ابن القيم عن هذه الآية، و ذكر أنواعاً لهجر للقرآن الكريم من هذه الأمة، فذكر من أنواع الهجر: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه، و هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه[25]. وفي الآية تحذير وزجر من عدم هذا تعلم هذا القرآن الكريم وسماعه والإيمان به والإصغاء إليه، وعدم التدبر والتفهم والمعرفة لما أراد رب العزة من منه؛ لأن العبد إذا تولد لديه التمسك بكلام خالقه وسيده، لا يصغي لغيره من الخطابات المرجفة، والأقوال المضللة.

فإننا لو نظرنا إلى أسباب ركوبِ كثيرٍ من الفرق موجَ الانحراف وانتحال المناهج الضالة، وأمعنا النظر في مراحل النشأة لهذه الفرق؛ يتجلى لنا بلا مرية وضحُ إصغائهم لغير كلام البرية،  فاختلفت مشاربهم، وتغايرت مناهج تلقيهم، فكان لثقافة الإغريق ومنطقها وفلسفتها كذلك دور كبير في اصطفافها إلى جانب الوحي الصافي، فعكرت صفوه لدي كثير من أبناء المسلمين، وكانت تمثل سقاءً آخر لرواد البدع، ولم يعد الاعتصام بمنهج الوحي وحده كافيا ًلهم لتقلي كثير من تعاليمهم، فكان بدء خط الانحراف هناك، وتتجرع الأمة ثمرته المرة مدى الزمن، فالتمسك بالوحي والاعتصام به في غضون التلقي، وفي مرحلة المهد صمام أمان للحفاظ على هذا الدين من التحريف والتبديل و التغيير، بل ويمثل درعاً حصيناً، وسداً منيعاً من الزيغ والضلال.

ونحن إذ نتحدث عن هذه المرحلة –مرحلة الاعتصام بالوحي أثناء التلقي– لما لها أثر على العمل والتطبيق، حيث أن التمسك بالوحي المنزل، والاعتصام به في تعلمه والإصغاء إليه، تسلم للعبد الطريق الموصلة إلى ربه -جلا وعلا-، فالسلامة في الطريق، والأمن في السير؛ثمرة صفاء منهج التلقي من الوحي في مرحلة المهد والتكوين، إذ يمثل هذا المفهوم جزء اً من تحقيق مفهوم آيات الاعتصام، ويبرز هذا المفهوم بجلاء؛ حينما منع النبي -عليه الصلاة والسلام– الصحابة أن يكتبوا عنه غير القرآن، ومع أن الصحابة -رضوان الله عليهم- هم أفهم الناس وأعرف الناس بعد الرسول –عليه الصلاة والسلام– بالوحي، ومع هذا لم يجعلهم يكتبوا غير القرآن، حتى لا يختلط في غضون التنزيل بغيره، بل منعهم من تدوين سنته –عليه الصلاة والسلام– وهو يعد من مصادر التلقي،  بعد القرآن الكريم- وإن كانت الأمة أجمعت بعد ذلك على كتابة غير القرآن - فكيف بعيره من الثقافات، وهذا يمثل وقاية وتحصيناً لهذا الوحي، فقد روى أبو سعيد الخدري قوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا تكتبوا عنى ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه...إلخ)[26]. بل إن النبي –عليه الصلاة والسلام– أرشد الناس إلى من يأخذوا عنه القرآن غضاً طريا كما أنزل، ليسلم لهم الفهم الدقيق، والمعرفة النافذة فقال: (خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد -فبدأ به- ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وسالم مولى أبى حذيفة)[27]. 

المبحث الثاني

الاعتصام بالقرآن والتمسك به في منهج التطبيق والعمل

مرحلة العمل والتطبيق لكلام  الله تعالى هي ثمرة للتمسك به في طور التلقي، وامتداد للمرحلة التي قبلها، فهي بمثابة مرحلة الرضاعة لا غنى عنها لجيل القرآن، حتى يدرك مدى أهمية العمل بهذا الوحي، وأثرَ التمسك والاعتصام بحبله لإقامة دين الله في الأرض، فالاعتصام بوحي الله المنزل مدار السعادة الدنيوية والأخروية، قال ابن القيم: "... ومدار السعادة الدنيوية والأخروية: على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين"[28].

وفي المقابل جعل الله الشقاوة والخسران للذين يختارون الضلالة على الهدى، ونفى عنهم الهداية إلى الإيمان، قال تعالى:"أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين" [البقرة:16]. قال ابن جرير:"أخذوا الضلالة وتركوا الهدى"[29].

 وخسارتهم هذه الفادحة؛ جزاء تفلتهم من كلام رب العالمين، وعدم التمسك به؛ فأحرمهم الهداية والتوفيق، وإن كان سياق الآيات يتحدث عن المنافقين إلا أن القاسم المشترك بين الخاسرين هو اختيارهم طريق الضلالة ومجانبتهم طريق الهداية، ثم كيف لا يحرمهم من السعادة الدنيوية والأخروية، وقد بين ودعا في أكثر من آية إلى الاعتصام بحبله المتين، والاستمساك بعروته الوثقى؛ حتى يضمن الله للعبد النجاة من الفتن، والصفاء في الفهم، و السلامة بالصول، والظفر بسعادتي الأولى والأخرى، فها هو الرب تعالى يدعو إلى الاعتصام به بعد أن حكم وتوعد أهل النفاق والزنقة بأنهم في الدر الأسفل من النار، واستثنى منهم بقوله:"إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما" [النساء:146]. فالتوبة والصلاح والاعتصام والإخلاص هذه تجعلهم مع المؤمنين الذين رتب لهم الأجر العظيم والنعيم المقيم.

قال أبو جعفر في هذه الآية: (هذا استثناء من الله جل ثناؤه، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا، وأخلصوا الدين لله وحده، وتبرءوا من الآلهة والأنداد، وصدَّقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرِّين على نِفاقهم حتى تُوافيهم مناياهم- في الآخرة، وأن يدخلوا مدَاخلهم من جهنم. بل وعدهم جل ثناؤه أن يُحلَّهم مع المؤمنين محلَّ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة، ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيلَ من العطاء فقال: (وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا)[30].

وهنا دعوة أخرى من الرب يوجهها للناس بملازمة الإيمان، إذ الاعتصام بالله ثمرة للإيمان به سبحانه، فمتى عرف العبد حقيقة الرب تعالى وعبوديته، ورأى النور يتجلى له، وأن غاية هذا النور الرحمة والحصول على الفضل، وإنارة الطريق أمامه، لن يبقى إلا أن يعتصم العبد به، قال تعالى:"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما" [النساء:174-175].

قال ابن كير عند هذه الآية: يقول تعالى: مخاطبا جميع الناس ومخبرا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة –ويمثل- ضياء واضحا على الحق –وأن الذين- جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم... آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن -وأنه سبحانه- سيرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم، من فضله عليهم وإحسانه إليهم، -ويجعل لهم- طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات)[30].

وقد جعل الله تعالى مناط السلامة وعدم الاكتراث من الخوف باختيار طريق الإيمان والتمسك به، والكفر بالطاغوت قال تعالى: "فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى"، قال ابن جرير في تأويل هذه الآية: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها)[30].

ويزيد أهمية التمسك بالقرآن كثرة النصوص التي تحث على التمسك بالوحي ليسلم للعبد دينه من البدع والانحراف، ويجتنب الفرقة والاختلاف، بالإضافة إلى ما سبق ذكره قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا..." [آل عمران:103]. قال أبو جعفر: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا): يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا، وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله)[31]. وقد تنوعت عبارات المفسرين لقوله تعالى (بحبل الله) فقال السدي: "واعتصموا بحبل الله جميعًا"، أما"حبل الله"، فكتاب الله، وقال مجاهد: "بحبل الله"، بعهد الله، وقال عطاء: "بحبل الله"، قال: العهد، وقال الضحاك في قوله: "واعتصموا بحبل الله جميعًا"، قال: القرآن، فكل عبارات المفسرين تدل على معنى واحد -وإن تنوعت ألفاظهم– هو التمسك بالوحي المنزل الذي هو كتابه، وعهده، وهو القرآن الكريم، وهناك تفسير أخر بأن حبل الله هو الجماعة، كما جاء ذلك عن ابن مسعود. المصدر السابق.

قال الإمام القرطبي عند هذه الآية: (أوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا وعملا، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين، والسلامة من الاختلاف)[32]، إذن فالقلوب لا يمكن لها أن تجتمع إلا في ظل الأخوة في اللّه، فتصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية، تحت راية القرآن، ولن تجد الأمة من ينصرها على أعدائها من الداخل والخارج، ويسلم لها كيانها من التمزق والشتات، ويصفو لها مشربها مالم تجعل الله لها ولياً ونصيراً، وتضع ثقتها به سبحانه، بالإضافة إلى إقامة شعائر الدين، وركائزه الإيمانية كالصلاة التي تربط الأمة بخالقها، وشعيرة الزكاة التي تربط الأمة بعضها البعض، أن تتمسك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم، فلا نصير ولا ولي لها عند وجود البغي عليها إلا أن تعتصم الأمة به فهو نعم الولي ونعم النصير، قال سبحانه: "فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير".

ولابن عاشور كلاما يحسن عرضه عند قوله تعالى: (فنعم المولى ونعم النصير) والمعنى: اجعلوا الله ملجأكم ومنجاكم. وجملة: (هو مولاكم) مستأنفة معللة للأمر بالاعتصام بالله لأن المولى يعتصم به ويرجع إليه لعظيم قدرته وبديع حكمته، والمولى: السيد الذي يراعي صلاح عبده، فرَّع عليه إنشاء الثناء على الله بأنه أحسن مولى وأحسن نصير. أي نعم المدبر لشؤونكم، ونعم الناصر لكم. ونصير: صيغة مبالغة في النصر. أي نعم المولى لكم ونعم النصير لكم. وأما الكافرون فلا يتولاهم تولي العناية ولا ينصرهم. وهذا الإنشاء يتضمن تحقيق حسن ولاية الله تعالى وحسن نصره. وبذلك الاعتبار حسن تفريعه على الأمر بالاعتصام به[33]. 

الفصل الثاني: معوقات الاعتصام بالقرآن..

المبحث الأول: البعد عن القرآن.

المبحث الثاني: اتباع الهوى.

المبحث الثالث: الغلو

المبحث الثالث: تحكيم العقل دون النص.

المبحث الأول

البعد عن القرآن

مما علم أن أفضل القرون في حياة هذه الأمة المسلمة كان في غضون الثلاثة القرون الأولى كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الين يلونهم..إلخ:، حيث تمثلو ا الدين الصحيح بصفائه ونقائه، وحملوه للآخرين كما تلقوه؛ وذلك لقرب عهدهم بالوحي وزمن الرسالة السماوية، وإبان انتهاء تلك القرون المفضلة دب الخلل، وحدثت البدع، ووجدت الفرقة والاختلاف نتيجة بعدهم عن الوحي المنزل زمنياً من جهة، والبعد عن التلقي من معينه الصافي مع وجوده بين ظهرانيهم من جهة أخرى، وإن كان الخلاف قبل ذلك موجوداً، وحصلت بعض البدع كالقدرية، والخوارج، إلا أنها كانت تصطدم بالجبال الرواسي من الصحابة وتابعيهم، ولم يكن لها ذلك التأثير البليغ كما حصل لها بعد ذلك، فهذا عامل رئيس لعدم التمسك بالوحي المنزل من رب العالمين، وعاقبة آلت إليها بعد ذلك.

فالبعد الزمني عن زمن الوحي له دور في التفلت من التمسك به، كذلك بعدهم عن مشربه ومعينه الصافي أثَّر تأثيراً بليغاً، ومثَّل عائقاً للاعتصام بهذا الوحي الكريم، ثم جاءت بعد بدعة القدرية والخوارج بدعت المرجئة ردت فعل للخوارج، تبرر لواقع المسلمين مخالفتهم للوحي، فالخوارج جعلوا كل من يقع في معصية أو مخالفة شرعية خارجاً عن الدين، وحجروا على الناس في دينهم، فكان خطئاً جللاً، ولا يقل عنه خطأ المرجئة، حيث لم يجعلوا للتمسك بأوامر الشريعة مكانة في نفوس الناس وقلوبهم، فهاتان ظاهرتان تمثلان البعد عن منهج الوحي، فكان لهذين الفكرين الغاليين أثر بالغ على واقع الأمة اليوم.

إننا عندما ندرس مظاهر البعد عن منهج الوحي، الذي يمثل عائقاً عن التمسك به، نجده يتجلى في مظاهر عدة، ولعل من أهمها ما يلي:

- الإعراض عن سماع القرآن الكريم وعدم الإصغاء له، والاتجاه صوب كلام والحان البشر، وغدا الناس يتسابقون على سماع المطربين، وأصبحت القصائد الشعرية، والأمسيات الثقافية تطغى على المسامع، وتجوب النوادي،ولم يكن للقرآن الكريم نصيب وافر منها، فكان مظهرا بارزا  من مظاهر الإعراض، وبعداً ساحقاً لهذا الأمة.

- إننا عندما نتعرض لشمائل النبي –عليه الصلاة والسلام– لم يكن يصغي بكل مشاعره ووجدانه لغير القرآن الكريم. وقد كان يجعل لسماع القرآن نصيبا من حياته، وقبل ذلك كان جريل –عليه السلام- يدارسه القرآن كل سنة مرة، وفي العام الذي توفي فيه دارسه مرتين.

- وكان يقول: "إني أحب أن أسمعه من غيري"[34]، ولذلك أمر ابن مسعود يقرأ عليه آيات من سورة النساء، كذلك الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون له: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ عليهم، وهم يستمعون، ثم جاء من بعد ذلك خلوف ليس لهم من سماع القرآن والإصغاء إليه نصيب، بل آثروا سماع الأبيات عن سماع الآيات، وسماع الألحان عن سماع القرآن، وهذا ظاهر في طرق الصوفية ومن نحا نحوهم ممن تأثروا بهذا الفكر المنحرف عن منهج الله تعالى، فحصل شرخ بين القرآن الكريم وبين سماعه لكثير من جيل المسلمين اليوم، وقد كانت شكوى رسولنا الكريم عن قومه لرب العالمين سابقة لهذا فقال تعالى: "وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا"، حيث قد هجروا سماعه وآثروا غيره عليه.

- ترك تدبر القرآن والعمل به.

- القرآن الكريم يثمل دستوراً كاملا لحياة البشرية، في أخلاقها، وتصرفاتها، ومعاملاتها، فهو نزل ليعمل الناسُ به، وأن يتخلقوا بأخلاقه، ويمتثلوه كما امتثله رسول رب العالمين –عليه الصلاة والسلام– كما جاء ذلك عن عائشة رضي الله عنها، عندما سئلت عن أخلاق النبي –عليه الصلاة والسلام– فقالت: كان خلقه القرآن، وكان يتأول القرآن تأولاً-يعني- يعمل به، ثم كان بعده صحابته رضوان الله عليهم – لم يكونوا يتقلون هذا القرآن لتسلية، أو يجمعوا كما من الآيات في صدورهم، لا لم يكونوا كذلك.!، بل إن الواحد منهم لا يتجاوز العشر الآيات حتى يعمل بهنً، فكانوا يتعلمون العلم والعمل معاً.

جاء ذلك عن ابن مسعود عن من كانوا يقرؤونهم القرآن قال: (إنهم كانوا يقترئون من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قالوا فعلمنا العلم والعمل)[35].

فقد تلقوه توجيها يطبق في واقع الحياة كلما جاءهم منه أمر أو نهي، وكلما تلقوا منه أدبا أو فريضة. ولم يأخذوه متعة عقلية أو نفسية كما كانوا يأخذون الشعر والأدب،ولا تسلية وتلهية كما كانوا يأخذون القصص والأساطير فيتكيفوا به في حياتهم اليومية. تكيفوا به في مشاعرهم وضمائرهم، وفي سلوكهم ونشاطهم. وفي بيوتهم ومعاشهم. فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كل ما عداه مما ورثوه، ومما عرفوه، ومما ما رسوه قبل أن يأتيهم هذا القرآن، فأنزل الله هذا القرآن قائما على الحق، "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل"، ولقد أخبر الرب تعالى أن طريق الإصلاح في هذه الأرض وإعمارها  إنما هو بالعمل بهذا الكتاب المنزل، وأن الفساد بجميع صوره يكون بترك التمسك بهذا المنهج القويم، وقد جعل الله تعالى المتمسكين بالكتاب من المصلحين الذين لا يضيع أجرهم، وذلك في سياق ذم الذين أعرضوا عن منهجه، وأصبحوا عقائد ومذاهب شتى من اليهود والنصارى ومن حذا حذوهم من أبناء هذه الأمة المسلمة، فقال في محكم تنزيله: "والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين" [الأعراف:170]، قال ابن جرير عند هذه الآية: (والذين يعملون بما في كتاب الله، وأقاموا الصلاة بحدودها، ولم يضيعوا أوقاتها "إنا لا نضيع أجر المصلحين" يقول تعالى ذكره: فمن فعل ذلك من خلقي، فإني لا أضيع أجر عمله الصالح [36]. وقد ذكر ابن عثيمين عند قوله تعالى:"إنا لا نضيع أجر المصلحين" [الأعراف:170]، قال: ولم يقل أنا لا نضيع أجرهم، فأفاد ثلاثة أمور:

 الحكم بالإصلاح للذين يمسكون الكتاب. ويقيمون الصلاة.

أن الله آجرهم لإصلاحهم.

أن كل مصلح وله أجر غير مضاع عند الله تعالى.

- ترك التحاكم إليه.

- ترك التحاكم إلى القرآن يمثل عائقاً وبعداً للتمسك به، فقد ندد الله تعالى في أكثر من آية بالذين يعدلون عن حكمه تعالى ويبتعدون عنه في فضِّ نزاعاتهم واختلافاتهم إلى غيره من أحكام الجاهلية، والقوانين الأرضية -التي هي نتاج بشري-، لا تعدوا أن تكون نابعة من مصلحة شخصية، ولم يكن فيه مراعاة إصلاح البشرية ككل، فقال تبارك وتعالى:"أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" [المائدة:50]، قال ابن كثير عند هذه الآية: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجاهلات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان، الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير[37].

لقد كثرت النزعات والاختلافات في واقعنا اليوم، ويتجاذب فئام من الناس الأقوال والآراء في عقائدهم ومسائلهم، حتى غدا كثير الناس متحيرين في أمرهم وشؤون حياتهم، ولو أنهم رجعوا في كل هذا إلى قول الله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" [النساء:59]؛ لسلموا من الخبط العشواء، وظفروا بأحسن الخير والتأويل الحسن.

نقل ابن كثير عن مجاهد وغير واحد من السلف في قوله تعالى:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" قال أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله، ثم قال:

وهذا أمر من الله، عز وجل، بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" [الشورى:10] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: "إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم "إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"، فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: (ذلك خير) أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير (وأحسن تأويلا) أي: وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. وهو قريب[38].

وكل تنازع دنوي كان أو أخروي لابد أن يُرد أمره إلى الوحي المنزل لا إلى آراء الرجال وأقوالهم، فيسلم بذلك دينهم من التغير والتحريف، قال الإمام الشوكاني في قول الله تعالى "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول": (المنازعة المجاذبة، والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد: الاختلاف، والمجادلة، وظاهر قوله: (في شيء) يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال: (فردوه إلى الله والرسول) تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول: هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته، فالرد إليه سؤاله، هذا معنى الرد إليهما[39].

إن الناس لمَا ابتعدوا عن وحي ربهم، عاقهم ذلك عن التمسك به، وأنَّى لهم أن يتمسكوا به وقد انصاعوا إلى خطاب البشر، وناءوا بأنفسهم عن المنبع والزلال الصافي.!، ولقد تَرَدَتْ الأمة اليوم إلى الحضيض بسبب بعدها كلام عن ربها.

- ترك الاستشفاء والتداوي به في جميع الأمراض والداء.

الأمة الإسلامية اليوم تمر بمرحلة حرجة، وحالة صعبة، فقد أنهكتها الأمراض الجسيمة المتوالية عليها، واحتقنت جراحاتها في جسمها، فهي تعاني من أمراض أخلاقية، واجتماعية، وعقلية، وجراحات في عرضها ودينها، وتسرح في تيهٍ وضياع، وفي غضون هذه الآلام ذهبت تخبط خبط عشواء تلتمس دوائها من أعشاب ضارة، وجرع مسمومة، بل واستجارت بالرمضاء من النار، ولم ترَ ما يشفي علتها، أو يخرجها من هذه المفازة المترامية الأطراف، والسبب.؟ إنه البعد عن مهج الله تعالى، والانسلاخ منه، إنه عدم الإدراك لقول الله تعالى: "أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون" [العنكبوت:51]، لم يكتفوا أن يعيشوا بما جاءهم من السماء، فيحلوا بذلك أزمتهم الأخلاقية، ويرفعوا الأمراض عن حالتهم الاجتماعية، ولم ويشعروا أنه مَخْرج لهم من كل تيه وضياع، وأنه شفاء لهم من كل داء،  فلم يتدبروا قوله تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" [الإسراء:82]. فتركوا الاستشفاء والتداوي به في جميع الأمراض والداء، قال إمام المفسرين الطبري عند هذه الآية: (يقول تعالى ذكره: وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للمؤمنين ورحمة لهم دون الكافرين به، لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه فيدخلهم بذلك الجنة، وينجيهم من عذابه، فهو لهم رحمة ونعمة من الله، أنعم بها عليهم "ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" يقول: ولا يزيد هذا الذي ننزل عليك من القرآن الكافرين به إلا خسارا: يقول: إهلاكا، لأنهم كلما نزل فيه أمر من الله بشيء أو نهي عن شيء كفروا به، فلم يأتمروا لأمره، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه، فزادهم ذلك خسارا إلى ما كانوا فيه قبل ذلك من الخسار، ورجسا إلى رجسهم...)؛ ونقل عن قتادة، قوله: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه "ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، وإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين[40].

قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: (في القرآن شفاءان القرآن والعسل، القرآن شفاء لما في الصدور...[41].

ليس ثمة للأمة ما يعالجها من أسقامها، ويدمل كلومها المقروحة غير القرب من وحي ربها، والتمسك به، فتتخلص من جميع أمراضها، وتسلم لها حيتها، وتظفر بسلامة دينها.  

المبحث الثاني

اتباع الهوى

إن دين الإسلام مبناه على الاستسلام والخضوع والانقياد بالطاعة لله رب العالمين، وهذا هو لب الإسلام وروحه وكماله، وهدم الدين وفساده يأتي بالاعتقاد الباطل والعمل بخلاف الحق والصواب واتباع الهوى، وهما أصل كل شر وفتنة وبلاء، بل إن مصدر أول شبهة بين الخليقة بقيادة إبليس: هي كما قال الإمام الشهرستاني: استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم عليه السلام وهي الطين[42].

فمتى ما ركب الإنسان بحر الهوى، وخاض في أمواجه الملاطمة بئست عاقبته، وخاب مأواه، ومتى ما نهى الإنسان نفسه عن الهوى، وركب سفينة النجاة طاب له مأواه في جنة عدن، قال الله تعالى: "فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا  فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى" [النازعات:37-41]، فلم يُهدم الدين بمعول كما هُدم بمعول البدعة، وهوى النفس، وقد أخبر الله تعالى أنهم أخسر الناس أعمالاً، ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، قال الله تعالى: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" [الكهف:103-104]، وقد تشعبت السبل بأهل الأهواء والبدع فزلُّوا عن الصراط المستقيم الذي رسمه لهم الوحي، وبينه رسول رب العالمين، مع أن الله تعالى حذر من مغبة اتباع السُبُل، والحياد عن صراطه المستقيم فقال:"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون"[الأنعام:153].

جاء عن جابر -رضي الله عنه-، قال: كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيل[43].

الإسلام: هو صراط الله وسبيله الذي تنكبت الأمة عنه، وقد نهاهم الرب عن مغبة تركه واتباع الضلالات والبدع والشهوات؛ التي هي سبل الشيطان، حيث آل الأمر إلى التفرق والبعد عنه منهجه، قال ابن جرير: سبيله: الإسلام، وصراطه: الإسلام، نهاهم أن يتبعوا السبل سواه).

وعن ابن عباس: في قوله تعالى "ولاتبعوا السبل" قال لا تتبعوا الضلالات، وجاء عن مجاهد قوله: لا تتبعوا البدع والشبهات[44].

إذن السبل التي نهى الله عنها يمكن القول فيها هي كل طريق تبعدك عن طريق الله تعالى من بدع، وفرق، ومعاصي، وكان للهواء حظٌ لاتباعها، كما ذكر ذلك القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله". بقوله: وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد[45].

ولقد كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين صاحب هوى فتنه هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه، والله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه وبين أن المتبعين لما أنزل هم أهل الهدى والفلاح والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال[46].

وقد تطرق الإمام ألشاطبي-رحمه الله تعالى-: وهو يذكر علامات أهل البدع، منها: الفرقة التي نبه عليها قوله تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء (الأنعام/ 159) وقوله ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (آل عمران/105) فعزا رحمه الله- إلى بعض المفسرين: أنهم صاروا فرقا لاتباع أهوائهم، وبمفارقة الدين تشتتت أهواؤهم فافترقوا ثم برأ الله نبيه منهم بقوله: لست منهم في شيء. ثم ذكر أن الصحابة اختلفوا ولم يتفرقوا إلى أن قال-رحمه الله تعالى-: فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام. وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء قال: فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها، فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى. وذكر منها أيضا: اتباع الهوى: وهي التي نبه عليها قوله تعالى:"فأما الذين في قلوبهم زيغ" [آل عمران:7]، وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى، وقوله تعالى:"ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" [القصص:50]، وقوله:"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم" [الجاثية:23][47]. فالهوى مطية إبليس، وبحر يخوض فيه المفاليس، لم يكن يوما منقبةً لصاحبه، ولم يجلب إلا الفرقة والاختلاف، والبعد عن منهج الله تعالى، وأضحى صنماً يُعبد من دون الله تعالى يتألهه أهل البدع والشهوات، وأصحاب المجون والفسوق، " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " الجاثية. 

المبحث الثالث

الغلو

إن الله تبارك وتعالى أنزل هذا الدين لهذه الأمة المحمدية، وأراد منها أن تفهمه كما أراده هو بلا إفراط ولا تفريط، فإن الإفراط ينتهي بصاحبه إلى الغلو، والتفريط ينتهي بصاحبه إلى الانحلال من الشريعة الغراء، وهما يخرجان هذا الدين عن طبيعته وسمته.

إذ الطبيعة والسمة التي جعلها الله –تعالى- لأمة محمد –عليه الصلاة والسلام- الوسطية، فهي صفة تلازمها، والغاية منها فهم الدين فهماً يتناسق ويتماشى مع العصر الذي تعيشه الأمة دون إخلال في الأصول، أو الفروع، فالعبد مأمور بأن يستقيم كما أمره خالقه وأن لا يطغى، ومع أن هذا الأمر فيه مشقة وجهد إلا أنه يجب أن يراعيه العبد حينئذ، فمن السهل أن يتجاوز الإنسان الحد، ومن السهل كذلك أن ينخلع من بعض التكاليف، إلا أن من الصعوبة بمكان أن يلزم المرء الطريق السوي ولا يحيد عنها، ولذلك يقول النبي –عليه الصلاة والسلام-: "شيبتني هود وأخواتها"، لأن الله توجه إليه بالأمر بأن يستقيم كما أمره وأن لا يطغى ولا يزيد، وأن يحسن، ويمضي في هذا المنهج بدون انحراف، فقال تعالى: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير"، فكان سبباً لأن يشتعل شيباً من جراء سماعه لهذا التوجيه الرباني القويم.

يقول ابن جرير في تأويل هذه الآية –بأن الله يأمر نبيه بقوله-: (فاستقم أنت يا محمد على أمر ربك والدين الذي ابتعتك به والدعاء إليه...وقوله تعالى: "ولا تطغوا"، ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه) ونقل عن سفيان، في قوله تعالى: "فاستقم كما أمرت"، قال: استقم على القرآن، وعن ابن زيد، في قوله تعالى: "ولا تطغوا" قال: الطغيان: خلاف الله وركوب معصيته ذلك الطغيان[48].

وأمر الغلو ترجع بذوره إلى الأمم السابقة من اليهود والنصارى، وقد نهاهم الرب تعالى عن ذلك،، وأمر نبيه بأن يعلمهم بما نهوا عنه، وحذر هذه الأمة من أن تتبع سبيل أهوائهم، كالغلو، وما وقعوا فيه من الانحراف، فقال تعالى: "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" [المائدة:77]، قال الإمام القرطبي في هذه الآية: (أي لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى، غلو اليهود قولهم في عيسى، ليس ولد رشدة، وغلو النصارى قولهم: إنه إله..)[49].

وقال ابن كثير عند هذه الآية: (نهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعموا أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا، أو صحيحا أو كذبا)[50].

ولابن عاشور كلام نفيس في حديثه عند هذه الآية، وهو يتكلم عن مفهوم الغلو، واستشرائه في اليهود والنصارى، فقال: "والغلو: تجاوز الحد المألوف، مشتق من غلوة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشروع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال. والغلو في الدين أن يظهر المتدين ما يفوت الحد الذي حدد له الدين. ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصادقين. وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم منهم: فاليهود طولبوا باتباع التوراة ومحبة رسولهم، فتجاوزوه إلى بغضة الرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام، والنصارى طولبوا باتباع المسيح فتجاوزوا فيه الحد إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله ، مع الكفر بمحمد -صلى الله عليه وسلم-[51].

 وداء الغلو لم يقتصر على اليهود والنصارى فحسب، بل تعدى إلى هذه الأمة، وأصبتها اللوثة الفكرية، ونبتت نابتته في زمن النبي –عليه الصلاة والسلام– في أولئك النفر الذين تقالُّو عبادة النبي–عليه الصلاة والسلام– كما جاء عن أنس –رضي الله عنه– قال:"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر، أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"[52].

وعن ابن عباس قال: بينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه"[53].

بل إن النبي –عليه الصلاة والسلام– أخبر عن قوم لهم من العبادة الشيء العظيم، حتى إنه ليحقر أحدنا صلاته بصلاتهم، إلا أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وما ذاك إلا لمجاوزتهم الحد المشروع في عبادتهم. جاء ذلك عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا وينظر في القدح فلا يرى شيئا وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق)[54].

وروى ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي –عليه الصلاة والسلام– قال: "...و إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"[55]. وثمة نصوص كثيرة تحذر من خطر هذا المفهوم السقيم، والداء العضال، وهذا هو طبيعة المنهج الإسلامي، الذي يدعو إلى تصحيح التصور الاعتقادي، وإقامته على التوحيد الخالص من الشوائب والخرافات،  ونزع نزغات الشيطان منه.

قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو ولا يبالي بأيهما ظفر.

 قال ابن القيم: وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي ،والقليل منهم جداً الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله وأصحابه... - إلى أن قال: فقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل فضلا عن أبي بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة[56].

إذن فالغلو ليس خاصاً بالزيادة والتنطع كما هو مذهب الخواج الذين كفروا كل من ارتكب معصية، بلا ضابط ولا قيد، بل يكون بالنقص والانحلال كما هو مذهب الصوفية، الذين جعلوا كل ما في الوجود من معبودات هي عين الله تعالى، وكذلك المرجئة القائلين:بأنه لا يضر مع الإيمان معصية، والحق خلاف هذي النقيضين، وهو لزوم الوحي والتمسك به، والاقتراب من مشكاة النبوة، والسير على خطى سلف هذه الأمة.

المبحث الرابع

تقديم العقل على النقل

العقل جعله الله تعالى مناطاً للتكليف، ومصدراً للمعرفة والفهم، وإليه وُجِه خطاب التفكر والتدبر في الإله والكون والنفس، فالله تعالى حينما يُبين كثيراً من الآيات، ويفصِل في الخلق والصنع، يستشهد بالعقل على ذلك بقوله:"إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" [الروم:24]، وقوله: "كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون" [الروم:28].

إذ يمثل العقل أحد الضروريات الخمس التي جاء الإسلام بالحفاظ عليها، وأبرز أهميته إلى حانب الدين، والمال، والنفس، والنسل، بل إن الله بعث الرسل تخاطب الأمم بما يعقلونه و بما لا تستحيله عقولهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (... ولهذا الأنبياء لم يأتوا بما تحيله العقول، لكن ربما تحار فيه العقول، لكن –ما- يستحيل عقلا فلا)[57]، وذلك حتى لا يتعطل إعمال العقل، وهو-سبحانه- قد دعا في وحيه المنزل إلى إعمال العقل، حينما دعا إلى التأمل والنظر في آيات الكون بقوله:"قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" [يونس:101]، "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" [الجاثية:13]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن خلال التطواف في نصوص الوحي التي نزل بها؛يتبن لنا منزلة العقل ومكانته في الشريعة الإسلامية، ومدى الدعوة إلى إعماله وعدم تحجيمه وتقزيمه، ومع أن إعمال العقل مطلب شرعيٌ لتسير حياة صاحبه، إلا أن له حدوداً ليس بوسعه تجاوزها، إذ الإقدام على ذلك يَعْتَوِرُه كثيرٌ من الشبهات تحول دونه الوصول إلى معرفة الحق. وليس له الاطلاع إلى ما حُظِر عنه علمه وقصر به فهمه، بل إن العقل عاجزٌ عن إدراك مصالحه ومضارِّه مستقلا بدون الوحي الرباني، وهذا هو الذي تقرر في مفهوم الجيل الأول حينما تمسكوا بمنبعهم الصافي من الوحي في طور تلقيهم، ثم حدث بعد ذلك أن اصطفت إلى جانب هذا الوحي ثقافات تعتمد على العقل المجرد، من الفلسفة الإغريقية، وذلك في عهد العباسيين، فنشأت فرق كثيرة، وتخبطات كثيرة في فكر المسلمين، أصابتها اللوثة الإغريقية الفلسفية، فجعلوا العقل حاكما، ومتقدما بين يدي الله ورسوله، ويذكر الناس المعتزلة نموذجا للغزو الفكري الإغريقي في فكر المسلمين، حيث جعلوا العقل هو المحكم في الوحي، وجعلوه هو المرجع الأخير في كل أمر من الأمور حتى العقيدة، ولئن اختفت هذه المدرسة بصورتها العتيقة، إلا أنها برزت بثوب جديد، أكثر انتشاراً، وأوسع تأثيراً على الساحة الإسلامية اليوم، فلم تجنِ الأمة منها سوى التشكيك في النصوص، وبث الشبهات المتناقضة مع الإيمان، وهذا واضح في قواعدهم ومناهجهم، وصرح بها علماؤهم، ويستوي بذلك متقدموهم ومتأخر وهم، وهم في ذلك مابين مستقلٍ ومستكثر، من اعتمادهم العقل على النقل، وتقديمه عليه، بل جعلوه قانوناً كلياً فيما يستدلون به من كتب، فقالوا: إذا تعارض العقل والنقل قدم النقل، إلى غير ذلك مما قالوه[58].

بل جعلوا العقل هو مصدر التحسين والتقبح في الأشياء، وقد نقل الشهرستاني اتفاقهم على ذلك بقوله: (واتفقوا على أن العقل يحسن ويقبح قبل الشرع وتجب معرفة الله تعالى بالعقل)، - وهذا خلاف ما قرره أهل السنة، حيث قالوا -: إن الواجبات كلها بالسمع والمعارف كلها بالعقل. فالعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يقتضي ولا يوجب والسمع لا يعرف أي لا يوجد المعرفة بل يوجب[59].

فهؤلاء العقلانيون قالوا: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل!، وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف، وكل يدعي وصلا بليلى، وهذا يدل دلالة لا لبس فيها على بعدهم من القرآن الكريم.

إذ ما تقدم ذكره يبين مدى تأثير المدرسة العقلانية الدخيلة وغيرهم من أهل الزيغ على المنهج الرباني، وما اخترعوه من بدع ومحدثات في دين الله تعالى، وفهم غريب لمنهج الوحي، بل إن العقلانية خلقت صراعاً، وأوجدت نزاعاً بين نصوص الوحي والعقل، وانفرطت من عقد التمسك بكتاب ربها، وإننا نقذف هذه الأفهام العقيمة، والأفكار المضللة، بالتمسك بوحي ربنا، وما تقرر في منهج الحق: أن النقل الصحيح موافقٌ للعقل الصريح، ولا تعارض بينهما البتة.

و أن مبنى العقيدة الإسلامية على القبول والتسليم في نصوص الوحي، قال الله تعالى:"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا". [الأحزاب:36]، قال ابن جرير في تأويل هذه الآية (يقول تعالى ذكره: لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا "فقد ضل ضلالا مبينا"، يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد[60]، وقوله تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" [النساء:65]، قال ابن كثير (يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: "ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة)[61].

 وأروع بيان لمكانة العقل وحدوده: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير[62]....

      الخاتمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين محمد بن عبد الله الصادق الأمين  وعلى آله وصحبه الطيبين  الطاهرين .

وبعد.. فالحمد لله أولاً وأخيراً  فهو للحمد أهلٌ وللثناء مستحقٌ، سبحانه لا نحصي ثناءً  هو كما أثنى على نفسه، وأشكره على أن منحني الجهد والاجتهاد في ما تم  تسطيره وكتابته في  هذا البحث المسمى (الاعتصام بالقرآن أمان من الابتداع )، وحيث يحسن في الختام أن ألخص ما تم تقريره وهو كالتالي:
-  أن الاعتصام  والتمسك بالقرآن المنزل هو صمام أمان من الابتداع في الدين، و بالتمسك استطاع النبي – عليه الصلاة والسلام – أن ينتصر على الباطل وأهله، وينشر دعوته بين الخلائق، ويؤسس جيلاً حمل أعباء هذا المنهج من بعده.
-    تكمن أهمية الاعتصام بالقرآن بأن الله ورسوله دعَوَا إلى التمسك به، وكذلك صحابة رسول الله – عليه الصلاة والسلام – دعوا إلى هذا.
-    أن الاعتصام بالقرآن يبدأ من مرحلة التكوين والنمو للفرد؛ بوحدة التلقي من هذا الوحي الفريد، وأن العمل بهذا الوحي والاعتصام به بعد ذلك ثمرة لهذه المرحلة .
-    الانفتاح على الثقافات الأخرى، والاستقاء منها إلى جانب  الوحي كان له الأثر البالغ  في انحراف هذه الأمة عن المنهج القويم الذي رسمه لهم رسولهم عليه الصلاة والسلام وسار عليه أصحابه من بعده .
-   تبين أن كثيراً من المفاهيم المغلوطة والدخيلة على هذه الأمة متسربةٌّ من الأمم السابقة، فتشربها أقوام فحادوا عن الصراط المستقيم، والقرآن الكريم؛ فظهر ت الأهواء والفرق والبدع والضلالات .

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد
_______________________________________________________________________________________

(1) أخرجه البخاري واللفظ له برقم (2508)، ومسلم برقم(2533).

(2) أخرجه مسلم برقم (389 ) ، عن عبد الله ابن مسعود .

(3) مقاييس اللغة (4/ 331).

(4) انظر لسان العرب (12 / 403).

(5) مدارج السالكين (1 / 460).

(6) تفسير الطبري 310 (دار هجر) -(7 / 622).

(7) تفسير البغوي - (5 / 404).

(8) فتح القدير  - (2/4).

(9) تفسير ابن كثير - (2 / 89).

(10)  انظر: تاج العروس من جواهر القاموس (27 / 334)، (33 / 101)، ومختار الصحاح (1 / 642).

(11)  فتاوى ابن جبرين (6/58)

(12) مختار الصحاح - (1 / 251) .

(13) مناهل العرفان - (1 /11) .

(14) انظر المصدر السابق - (1 / 15) .

(15) أخرجه أبو داود .برقم - (4609)  ، و الترمذى برقم – (2891) ، و ابن ماجه برقم- (48).

(16) انظر: لسان العرب - (8/6)، تاج العروس من جواهر القاموس - (20/309).

(17) انظر الاعتصام – للشاطبى- (1/36).

(18) انظر الاعتصام للشاطبى -  (1/37).

(19) مجموع الفتاوى -(4 / 108)- (4 / 107).

(20) انظر الاعتصام ـ للشاطبى  - (1/48) -(1/49) - (2/306).

(21) أخرجه البخاري برقم - (2550) .

(22) أخرجه مسلم برقم – (1718) .

(23) أخرجه أبو داود.برقم – (4609 )- و الترمذى برقم–(2891 )- و ابن ماجه برقم – (48).

(24) الاعتصام (1 / 60).

(25) التفسير للطبري 11/191.

(26) تفسير المنار - (4/16).

(27) تفسير القرطبي - (13/355).

(28) انظر الفوائد- (1/82).

(29) صحيح مسلم -رقم -7702-

(30) صحيح مسلم -6488-.

(31) مدارج السالكين بين- (1 /460).

(32) تفسير الطبري- (1/315).

(33) تفسير الطبري - (9/340).

(34) تفسير القرآن العظيم (2/481).

(35) تفسير الطبري -(5/422).

(36) تفسير الطبري - (7/70).

(37) تفسير القرطبي - (4/164).

(38) التحرير والتنوير - (17 / 254).

(39) صحيح البخاري (4582)، وصحيح مسلم (1903).,

(40) مسند أحمد -23529-.

(41) تفسير الطبري (10/542).

(42) تفسير ابن كثير- (3/131).

(43) تفسير ابن كثير - (2 / 346)- (2 / 345).

(44) فتح القدير - (2/166).

(45) انظر تفسير الطبري  (15 / 63).

(46) سنن البيهقي الكبرى –19350.

(47) الملل والنحل - (1 / 15).

(48) سنن ابن ماجه (11).

(49) انظر تفسير الطبري  (9/670-671).

(50) تفسير القرطبي - (7/138).

(51) إغاثة اللهفان - (2/166).

(52) الاعتصام (2/232).

(53) تفسير الطبري - (12/598).

(54) تفسير القرطبي - (6 / 252.

(55) تفسير ابن كثير - (2/477).

(56) التحرير والتنوير - (4/330).

(57) صحيح البخاري (5063).

(58) المصدر السابق ( 6704).

(59) صحيح البخاري واللفظ له (5058)، صحيح مسلم ( 2499).

(60) ابن ماجه (3029)، والنسائي برقم (3057).

(61) مدارج السالكين - (2/108).

(62) شرح الفتوى الحموية/ التويجري - (1/190).

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - السيد الحسيني من حضرموت
    مساءً 07:57:00 2010/10/09

    شكرا جزيلا وبارك الله فيكم

  2. 2 - ماجد المضلع
    مساءً 07:57:00 2010/07/24

    جزاك الله خير شيخ فضل أسأل الله أن ينفع بك الاسلام والمسلمين ....... بحث رائع

  3. 3 - فراس بن محمد بن قاسم آل حمودة
    ًصباحا 11:49:00 2010/07/15

    جزاك الله كل خير أخي الحبيب فضل ، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك فيك وينفع بك ويزيدك من فضله العظيم.

  4. 4 - أبو عبدالعزيز
    مساءً 04:57:00 2010/07/13

    بحث قيم وموضوع في غاية الأهمية، جزاك الله خير الجزاء .

الصفحة 1 من 1