إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
لطائف من القرآن الكريم [2/3]
الاربعاء 15 رمضان 1431 الموافق 25 أغسطس 2010
 
لطائف من القرآن الكريم [2/3]

د. صالح بن أحمد الغزالي

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما وبعد:

يقول الله سبحانه:"اهدنا الصراط المستقيم" ثم قال: "صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين".

أخي الكريم: سبق الحديث عن قوله سبحانه: "اهدنا الصراط المستقيم"، وفي هذه الحلقة نفصِّل القول عن قول الحق سبحانه: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين".

هذه الآية الكريمة تضمَّنت فوائد جليلة، هذه الآية الكريمة أشارت إلى معانٍ عظيمة، وإلى لطائف بديعة.

من فوائد الآية: إيجاب أن نلتزم بطريق السلف، بطريق الصحابة رضي الله عنهم، فيها فرض الاقتداء بمنهجهم وبطريقهم في فهم الدين وفي العمل به، وأن يكون المسلمون مقتدين بالسلف  الصالح.

وجه الدلالة: أن الله تعالى أمرنا أن نطلب منه الهداية إلى الصراط المستقيم، إلى الهداية إلى الإسلام، الهداية إلى الكتاب والسنة.

ثم لم يقف الطلب عند هذا الحد، بل زادت وأوضحت وبينت "صراط الذين أنعمت عليهم".

كأنه يقول: الصراط المستقيم، والهدي المستقيم، والدين المستقيم هو طريق الذين أنعمت عليهم، والذين أنعم الله عليهم من هذه الأمة كثير، وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الله زكّاهم، ولأن الله مدحهم.

من فوائد الآية: إثبات حجية الإجماع، لاسيما الصحابة؛ لأن إجماعهم من الطريق الذي أمر الله أن نسلكه، وأن ندعو الله أن يهدينا إليه، وهذا واضح لا إشكال فيه، وفيه إثبات حجية قول الصحابي إذا لم يُخالف أحداً من الصحابة، ولم يُخالف الدليل، وهذا في الدلالة أقل من الذي قبله.

ومن التفريع على هذه الفائدة: إثبات خلافة الصديق رضي الله عنه فإنه من الذين أنعم الله عليهم. قال تعالى:"مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين" وهو الصديق الأكبر في هذه الأمة.

قال سبحانه: "الصراط" وقال: "صراط الذين" جاء كلا اللفظين مُعرفاً، الأول بـ(أل) والثاني بالإضافة، قال العلماء: التعريف يدل على الإفراد وفي هذا تنبيه إلى أن الطريق الحق واحد وأنه لا يتعدد، وأما طرق الشر فهي كثيرة ومتشعبة كما قال الله سبحانه: "وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ". [الأنعام: 153].

وقال الله سبحانه: "أنعمت عليهم" الإنعام إيصال النعمة، والإنعام لا يُطلق على غير ابن آدم، ولا يُسمى إيصال النعمة إلى البهائم إنعام، لا نقول: أنعمتُ على الحمار، أو على الفرس، ولكن على بني آدم، قال تعالى: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه".

قال هنا: "أنعمت عليهم" بالضمير الصريح، وهذا في حق المهتدين، في بيان  الفضل، وقال بعدها: "المغضوب عليهم" وقال: "الضالين" لماذا؟

هذا لأجل الأدب مع الله، من حُسن خطاب المولى سبحانه: في حال الخير يُنسب القدر إليه، وينسب الفعل إلى الله، وفي حال الشر وفي حال الضر ينسبه إلى المخلوق، هذه السنة لا ننفي أن الله لم يُقدره ولكن من حُسن الأدب.

ولهذا قال العلماء: من حُسن أدب الجن المؤمنين أنهم قالوا: "وأنا لا ندري أشر أُريد بمن في الأرض "هذا بدون نسبة، وقالوا: " أم أراد بهم ربهم رشداً " فنُسب الخير والرشد إلى الله، وهكذا هنا.

قال: "غير المغضوب عليهم" وقال: "ولا الضالين " مَن هم المغضوب عليهم؟ ومَن هم الضالون؟

المغضوب عليهم مَن استوجبوا غضب الرب سبحانه، والضال هو الذي خطئ الطريق الصحيح، وعلى رأس المغضوب عليهم اليهود، وعلى رأس الضالين النصارى. قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: "غير المغضوب عليهم " قال: (هم اليهود)، و "لا الضالين" قال: (هم النصارى).  

قال العلماء: لا يُقصد بهذا الحصر، لكن اليهود من المغضوب عليهم والنصارى من الضالين. والسبب أن اليهود عرفوا الحق فكتموه ولم يعملوا به؛ فاستحقوا غضب الله، والنصارى جهلوا الحق وضيعوه وعملوا بغير علم؛ فاستجوبوا الضلال والخروج عن الصراط.

ولهذا علينا أن نتنبه، علينا ألا نتشبه بهم، علينا أن نعرف الحق وأن نعمل به، عرفنا هذا من الآية الكريمة.

إذاً من فوائد الآية: أنها أوجبت علينا أن نتعلم حتى لا نكون ضالين، وأوجبت علينا أن نتعبد حتى لا نكون مغضوباً عليهم، أوجبت علينا أن نعلَم وأن نعمل حتى نكون من الذين أنعم الله عليهم، وأن نكون على الصراط المستقيم.

قال الله تعالى: "ولا الضالين " ولم يقل: والضالين. يعني أضاف كلمة: (لا).

قال العلماء إضافة كلمة (لا) هنا لها فوائد:

منها: أنها تدل على التأكيد، أي تأكيد انحراف الضالين عن أصحاب الصراط المستقيم، الذين أنعم الله عليهم، لنعلم أن لفظ " الضالين " ليس معطوفاً على الذين أنعمت عليهم.

ومنها: أن نعلم أن الضالين فرقة مستقلة، ليست داخلة في فرقة المغضوب عليهم.

ومنها: لئلا يتوهم متوهم أن المقصد هو الجمع بين الغضب والضلال، لتعلم أن المغضوب عليهم منحرفون، وأن الضالين منحرفون، يعني يتحقق التحذير والانحراف منهم مجتمعين ومتفرقين. 

الآية الكريمة تدلنا على أن الدين هو أعظم النعم. كيف؟

قال: " أنعمت عليهم " لفظ عام ثم حدد فقال " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " يعني كأنه سلب عن المغضوب عليهم وعن الضالين كل نعمة، كأنه أخرجهم من كل نعمة. لماذا؟ لأن مَن فقد نعمة الدين كأنه لا نعمة عنده ألبته.

الآية الكريمة تدلنا على أن أصحاب الصراط المستقيم في غاية الانشراح في غاية الانبساط في غاية التلذذ. كيف؟

قال: "اهدنا الصراط المستقيم" ثم وصفهم وحددهم بقوله: "الذين أنعمت عليهم" قال: أنعمت عليهم بصفة العموم، وهذه تدخل فيها النعمة في الدنيا، وتدخل فيها معنى النعمة في اللغة، النعمة في كلام العرب: الحالة التي يستلذها الإنسان، ويهنأ بها.

وهذا المعنى يوافق قول الحق سبحانه: "ومَن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنُحيينه حياة طيبة (أي في الدنيا) ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (أي في الآخرة)".

في الآية الكريمة إثبات صفة الغضب لله سبحانه، إثبات هذه الصفة على ما يليق بجلاله سبحانه، فلا نقول: إن غضبه كغضب البشر، ولا نقول: إن الغضب لله لا يليق به. أو أن نقول: معناه الانتقام، هذا تغيير لمعنى كلام الله، ويرده كلام الله، قال تعالى: فلما آسفونا (أي أغضبونا) انتقمنا منهم"، انظر رعاكَ الله كيف فرَّق الله بين المعنيين. ورتب الثاني على الأول، وهذا التفريق يدلنا على الاختلاف في المعنى.

قال الله تعالى: "الضالين" ولم يقل: المُضلين؟

قالوا: أيهما أبلغ هنا: الضالين أو المضلين؟ يعني ما الأفضل والأعم والأقوى أن يستعيذ العبد من أن يكون من المضلين أو الضالين؟

الجواب: الضالين. لماذا؟ لأن كل مُضل فهو ضال، وليس كل ضال مُضل، وبهذا يتبين لنا مزية اللفظ القرآني.

في هذه الآية: هدم لغرور العبد، هدم لقول أهل الزيغ: أن الإنسان له القدرة التامة، هدم لمذهب نفاة القدر، قال القرطبي رحمه الله: قد كذبهم الله في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الأمر والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة.

وفي الآية لطيفة بديعة: دلت الآية على وجوب أن يكون أهل الحق طائفة واحدة، أن يكونوا على طريق واحد. كيف؟ الآية ذكرت أقسام الناس كلهم، جعلت المقبولين طائفة واحدة " الذين أنعمت عليهم " وجعل المردودين طائفتين "المغضوب عليهم" و"الضالين ".

 

الحلقة الثانية عشرة                                   

حديثنا في هذه الحلقة عن أول آية من سورة البقرة.

افتتح الله هذه السورة العظيمة بقوله: " الم ". هذه الأحرف تُسمى حروفاً مُقطعة، يعني أننا نقرؤها قراءة مُقطعة من غير إعرابٍ لها، نُسكن آخرها على الدوام، ونحن أيضاً في القراءة ننطق بمسماها، فنقول: ألف لام ميم، ولا نقول ألم.

الحديث عن هذه الأحرف ينطبق على الأحرف المُقطعة في كتاب الله، في هذه السورة وفي غيرها.

هذا الحديث يتضمن ثلاثة مباحث:-

الأول: عن معناها وتفسيرها. الثاني: عن الحكمة منها. الثالث: عن الفوائد والاعتبار بها. نبدأ بالعنصر الأول:

ما هو معنى هذه الأحرف؟ وما هو تفسيرها؟

نقول: قد خاض في تفسيرها كثير من الناس، وجزموا فيها بأقوال مُتعددة، ونقول أيضاً: ينبغي لنا أن نجزم بأن التفسير لها لا يصح، وليس له مُستند مُعتبر.

فإن قلتَ: ولمَ؟

فالجواب: إن التفسير لكلام الله لا يسلم إلا إذا جاء عن أحد طريقين: إما عن طريق اللسان الذي نزل به القرآن، وإما عن طريق الرسول الذي نزل عليه القرآن. وما لم يعتمد على أحد هذين الطريقين فسبيله هو الهوى ومُجرد الظن.

إذا رجعنا إلى اللسان العربي لم نجد في قواعد هذه الأحرف بهذه الكيفية، ولا نجد في أساليب بلاغته تفسيراً لهذه الأحرف، لم يكن النطق بأسماء الحروف معهوداً عندهم للتخاطب، هذه الأحرف هي حروف المباني، وحروف المباني غير حروف المعاني، حروف المباني لا تدل على معنى إذا لم تقترن بغيرها، وحروف المباني لا تدل على معنى إذا لم يسبقها كلام.

إذاً تفسير هذه الأحرف من جهة اللغة ليس له مدخل.

أيضاً: من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يُنقل عنه نقلاً صحيحاً في تفسير حرف منها، قال العلماء: والعلم والعمل الذي يتقرب به العبد والذي يتعبد به إذا لم يكن عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد على صاحبه.

لو كان بيان هذه الأحرف مقصوداً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم. إذاً الواجب من باب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلمأن نسكت عنها كما سكت، وأن لا نخوض في تفسيرها.

إذاً لا نقول شيئاً في تفسيرها، والذين جزموا بتفسير شيء منها لم يكن عندهم علم.

فلا يصح لنا أن نقول: هذه الأحرف أسماء لله. ولا نقول: إنها رموز على جُمَل ومعاني عقدية إيمانية، كقول القائل: " الم " يعني أنا الله العلم أو خلاف هذا من المعاني والتفاسير المظنونة بغير علم.

أسوأ من هذا، استغلال هذه الأحرف في إدخال عقائد فاسدة في التفسير، زعم بعض الضلال أن هذه الأحرف تدل على أسرار، وأنها تدل على وقائع وغيوب، وأنه يُستخرج بها حوادث مُستقبلية. فصاحب هذا القول – كما قيل – قد تقوّل ما ليس له، وقد طار في غير مطاره، وادعى علم ما لا يعلمه إلا الله.

هذه الطريقة الحسابية طريقة باطلة، يُسمونها (حساب الجُمّل) أو (حساب أبا جاد)، طريقة مأخوذة عن السحرة، سحرة بابل نقلها عنهم اليهود، ثم انتقلت إلى المسلمين. أخرج الإمام البيهقي وابن أبي شيبة بسند صحيح عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن قوماً يحسبون أبا جاد وينظرون في النجوم، ولا أرى لِمَن فعل ذلك من خلاق.

ننتقل إلى الحديث عن تلمس الحكمة في إيراد هذه الأحرف. هذا الحديث ليس من الخوض في التفسير لها أو تحديد معانيها.

ما الحكمة في إيرادها؟

أكثر العلماء قالوا: إيراد هذه الأحرف يتضمن معنى الإعجاز ومعنى التحدي. قالوا: تدلنا هذه الأحرف على أن القرآن كلام الله. تدل على أن البشر عاجزون عن الإتيان بمثله، هذه الأحرف رمز للتحدي والإعجاز.

فإن قلتَ كيف نفهم ذلك منها؟

قالوا: دلالة هذه الأحرف أن الكلام المتلو عليكم كلام منظوم مما تنظمون منه كلامكم، هذا القرآن مُركب من هذه الحروف التي هي مادة كلامكم، وهذا أبلغ في الإعجاز، وأقوى في التحدي.

وزاد البعض في بيان الدلالة فقال: كأنه بهذه الأحرف يُغريهم بمحاولة المُعارضة، وكأنه يستأنس لأنفسهم بالشروع في ذلك. يتهجى الأحرف أمامهم، ويُلقنهم كتلقين الصبيان.

قالوا: إن سياق الآيات بعدها يدلنا على مقصد الإعجاز. كيف؟

يأتي بعد ذكر الأحرف غالباً خبر القرآن، وذكر تنزله وبيان إعجازه وعظمته، وبيان أنه كلام الله سبحانه.. فكأن الأحرف هذه إجمالاً لمعنى ما يأتي بعدها أو تنبيه وتقديم له.

ننتقل إلى البحث الثالث في هذه الأحرف، هذا البحث هو من باب الاعتبار، من باب الاستفادة العامة، وليس تفسيراً، وليس ذكراً للمعاني، ولا الدلالات، يُفهم من جهة المُقتضى واللازم والاعتبار بالشيء.

إن تأملنا هذه الأحرف وجدنا فيها فوائد، وجدنا فيها عبراً تتعلق بحياتنا، وتتعلق بتلاوتنا للقرآن، وتتعلق بإيماننا وعقيدتنا في الله تعالى.

من الفوائد: أن يتبرأ العبد من نفسه، وأن يتعلق بربه ويُقر لنفسه.

يعني أن أول درس لنا في هذه الأحرف أن نعلم عظمة الخالق سبحانه، وأن قدرته سبحانه مُطلقة، وأن علمه سبحانه لا يحده شيء.

يعلم العبد أنه مخلوق، وأن قدرته ضعيفة ومحدودة، وقدرته أقل من أن يُفسر هذه الأحرف، أو يعلم معناها، قدرته أقل وأضعف أن يأتي بشيء من مثل هذا الكتاب الذي أُنزل بهذه الأحرف.

ننتقل إلى فائدة ثانية، هذه الفائدة تتعلق بقراءتنا للقرآن، وبالتحديد بطريقة تلاوة القرآن، يتبين من خلالها كيف نتلوا القرآن، يتبين لنا أن الطريقة الصحيحة لتلاوة القرآن هي طريق التلقين، طريق المُشافهة والتلقي المُباشر عن الأشياخ وأهل العلم، يعني لا يجوز لنا أن نعتمد في قراءة القرآن على مُجرد الكتابة، بل لابد أن يكون الاعتماد على التلقي والتلقين.

فإن قلتَ: كيف عرفنا هذا من هذه الأحرف؟

نقول: أولاً، هذه الأحرف إن نظرنا إلى مُجرد اسمها، وإلى مُجرد كتابتها فإننا لا نعرف أن ننطقها نطقاً صحيحاً، فنحن لا نُفرق بين "الم" في سورة البقرة، و "ألم" في سورة الفيل في الكتابة.

لكن الفرق يتبين لنا حين النطق بها، كيف عرفنا أن نُطق هذه (ألف لام ميم) وعرفنا نُطق تلك (ألم)؟‍‍لم نعرف ذلك إلا بالتلقين، فإذاً طريق التلاوة الصحيح لكلام الله هو طريق التلقين.

مسألة أخرى: ألف لام ميم، هذه لها خصيصة ليست لغيرها من كلمات القرآن.

كل كلمات القرآن تُبنى على الوصل، أما هذه الأحرف فإنها لا تكون موصلة أبداً، يعني لا نُحرك أواخرها، بل دائماً نسكت آخرها، فنقول: (ألف) بالسكون، (لام) بالسكون، و (ميم) بالسكون، على جميع الأحوال.

كيف عرفنا هذا؟ لم نعرفه عن طريق الكتابة، وإنما عرفنا عن طريق التلقين والمُشافهة والتلاوة المُباشرة عن الأشياخ.

ننتقل إلى فائدة ثالثة في هذه الأحرف، وهذه الفائدة عزيزة، نختم بها الكلام عن الأحرف المُقطعة.

هذه الأحرف نتعلم من قراءتها أن الله رحيم بنا، نعلم عظم عطاء الله لنا في قراءة كلامه.

إننا نقرأ هذه الأحرف ونحن لا نعلم معناها، ولا نُدرك تفسيرها، ومع هذا فإن الله تعالى يأجرنا على تلاوتها، نعم يأجرنا بكل حرف نتلوه منها حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أقول: ألف لام ميم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف".

ماذا يعني هذا؟

يعني أنا لو قرأنا القرآن للتعبد والتلاوة فنحن مأجورون، ولو قرأنا مع الفهم والتدبر فنحن مأجورون أكثر، فهذا جائز، وهذا جائز. لكن الأصل هو قراءة التدبر والفهم؛ لأن القرآن أُنزل لأجل الفهم، ولأن الغاية منه العمل.

قد يأتي للإنسان وقت لا يُمكن أن يتدبر كل ما يقرأ. فهل يؤجر؟ نعم ! يؤجر على مُجرد القراءة، وقد عرفنا هذا من هذه الأحرف، فهذا من فوائدها، وهذا من رحمة الله.

اللهم ارزقنا تلاوة كتابك على الوجه الذي يُرضيك عنا، وعلمنا منه ما لم نعلم، وذكرنا منه ما نسينا واجعله حجة لنا يا رب العالمين.

 

الحلقة الثالثة عشرة: 

الحديث في هذه الحلقة يكون عن الآيات الأول من سورة البقرة. من قول الحق سبحانه: "ذلك الكتاب لا ريب فيه" إلى قوله تعالى: "إن الله على كل شيء قدير".

حديثنا عن الآيات يتناول العبر والفوائد، يتناول اللطائف والنكات، يتناول الدقائق في التفسير.

يقول تعالى:"ذلك الكتاب" في قوله: ذلك. إشارة إلى علو منزلة هذا الكتاب وإظهار لرفعة مكانته، قال العلماء: أشار إليه بلفظ: (ذا) الدال على البعيد؛ لبعد مكانته وعلو درجته.

وفي قوله: الكتاب، فوائد فقهية ولطائف ونكات:

الأولى: تسمية القرآن بالكتاب، إشارة إلى جواز كتابة القرآن، وقد اتفق العلماء على أن كتابة القرآن فرض كفاية على الأمة.

الثانية: جواز جمع القرآن الكريم لتسميته كتاباً، وهذا ما فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

الثالثة: "أل"  في الكتاب للعهد، أي ذلك الكتاب المعهود عندكم المعروف لديكم، المحفوظ، فدل ذلك على أن القرآن محفوظ لدى المسلمين.

وقد فرّع العلماء على هذه الفائدة حكمين:

الأول: وجوب حفظ القرآن الكريم عن الضياع والدرس والتحريف.

الثاني: أن مَن أنكر شيئاً من ذلك الكتاب - ولو حرفاً واحداً - فهو كافر مرتد.

الفائدة الرابعة: إن لفظ (الكتاب) يدل على تعظيم شأن الكتاب، لأن الله أطلق عليه لفظ الكتاب، فهو الكتاب الكامل، الذي لا يستحق غيره أن يُسمى كتاباً في جنسه.

وفي قوله تعالى: "هدى للمتقين" إثبات أن هداية القرآن هداية عامة في كل شيء؛ لأن لفظ (هدى) جاء مُنكّراً، والتنكير يدل على الإطلاق وعلى العموم.

ويتفرع عن هذه الفائدة الرد على المكذبين بهداية القرآن العامة، فبينت هذه الآية الكريمة أن القرآن هادٍ للمسلمين في جميع أمورهم وفي جميع أحوالهم وشؤونهم.

قال أهل السياسة المُنحرفة: القرآن ليس هداية في سياسة الأمة. وقال أهل الكلام المذموم: القرآن ليس هدىً في إثبات المعاد والصفات والنبوات. وقالت الشرذمة اللادينية: إن هداية القرآن محصورة بين العبد وبين ربه.

وقد أكذبهم الله جميعاً في هذه الآية، وأثبت للقرآن الهداية التامة العامة بلفظ موجز.

وفي قوله تعالى:"هدى للمتقين" دليل على أن الاهتداء بالقرآن مرتبط بتقوى الله تعالى، ومرتبط بالخوف من عقابه، وأن غير المهتدي لا ينتفع بهداية القرآن.

ويتفرع عن هذه الفائدة: أن الداعية إلى كتاب الله، وأن المُتصدي لإصلاح الناس ينبغي له أولاً أن يزرع في قلوبهم التقوى والخوف من الله، وأن يسعى لإزالة القسوة وأسباب الإعراض عن دين الله، فإذا نجح في هذا وُفق للموعظة بالكتاب، ونجح في التجاوب والتأثير.

وفي قوله تعالى: "هدى للمتقين"  إيضاح المقصد من القرآن، وأنه أُنزل لسوق الناس إلى الآخرة وتخويفهم من الله ومن عذابه، فهو كتاب موعظة وهداية إلى التقوى. ويتفرع عن هذا أن القرآن ليس كتاباً في العلوم التجريبية، لا في الطب ولا في الفلك، ولا في الجغرافيا ولا في علوم الأحياء، وأن مَن تكلف لأجل إخضاع آيات القرآن لهذه العلوم ليس بمُصيب ولم يعرف مقاصده. نعم قد يوجد فيه إشارات إلى مسائل علمية مُعجزة، وهذا لا يُخرجه عن مقصده الأساس.

قال الله سبحانه: "هدى للمتقين" ثم بين معنى التقوى فقال: "الذين يُؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم يُنفقون" فهذه الآية تفسير للتي قبلها، وفيها بيان معنى المتقين، وتفسير لفظ التقوى في كتاب الله الكريم.

والله تعالى قد وصف المتقين بثلاث صفات، هذه الصفات تتضمن كمالات العبد، فـ (الإيمان بالغيب) حظ القلب، و(إقامة الصلاة) حظ البدن، و (مما رزقناهم يُنفقون) حظ المال.

في قوله تعالى: "يؤمنون بالغيب" الإشارة إلى أن كل عمل صالح أساسه الإيمان بالغيب، وتقدّم ذِكْره هنا لتقدم أمره، ولبناء غيره عليه.

وقال الله: " يؤمنون بالغيب " ولم يقل: ( الغائب )، فالغيب يدخل فيه الإيمان بالله، وأما الغائب فلا يدخل فيه. قال بعض العلماء: فرق بين الغيب والغائب، فالغيب: هو مالا تراه أنت، وأما الغائب: فهو ما لا تراه ولا يراك.

وفي قوله: "ويُقيمون الصلاة " إشارة إلى وجوب المحافظة على الصلاة، وإدامة أدائها في كل مرة بدون تخلف؛ لأن مادة الإقامة تدل على المواظبة والتكرار، والإقامة بمعنى جعلها قائمة.

قال العلماء: في قوله يُقيمون الصلاة دليل على أن المطلوب من المسلم هو إقامة الصلاة، وليس مجرد أدائها، وفرق بين مجرد الأداء والإقامة.

قالوا: وإقامة الصلاة تشمل أداء الصلاة في وقتها كل مرة، والإتيان بها ظاهراً وباطناً كما أمر الله، وحصول الأثر بها على عمل العبد وسلوكه.

وفي قوله: "ومما رزقناهم يُنفقون" ثلاث فوائد ولطائف:

الأولى: أن الرزق كله من عند الله، وأن الرزاق هو الله وحده لا شريك له، فلا نُسمي غيره رزاقاً، ولا نقول: فلان يقطع رزق فلان.

الثانية: أن يستشعر العبد في حال التصدق والنفقة، أن المال هو مال الله، وأنه عنده عارية.

الفائدة الثالثة: (مما) أصلها (من ما) و (من) هنا للتبعيض، فيكون الكلام في قوة: من بعض أموالهم يُنفقون، وفيه دليل على أن المطلوب من العبد أن يُنفق بعض ماله لا كله.

وفي قوله: "وبالآخرة هم يوقنون" الإشارة إلى فضيلة التفكر والتدبر في أمور الآخرة، وإعمال العقل وغوص الفكر للتوصل إلى اليقين بالآخرة، لا مجرد التقليد، وقد عرفنا هذا من مادة (يوقنون) قال أهل اللغة والبلاغة: اليقين هو العلم بالشيء عن طريق النظر والاستدلال.

وفي قوله تعالى: "أولئك على هدى" فائدتان عزيزتان:

الأولى: أن المؤمن متمكن من الهداية ومستمر عليها، فشُبهت حاله وتمسكه بالحق، بحال مَن اعتلى شيئاً وركبه. فهو ثابت فوقه مستمر في السير عليه.

الفائدة الثانية: فيها الإشعار بأن صاحب الحق في حال العلو والارتفاع؛ لأن لفظ (على) يدل على الاستعلاء، ولفظ (في) يدل على السُفل والانحطاط، ولهذا جاء في القرآن: "وإنا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مُبين".

وفي قوله تعالى: "أولئك هم المُفلحون" دلالة على أن الفلاح مرتبط بالتقوى، وأن غير المتقي لا يفلح أبداً. قال العلماء: لفظ (هم) في الآية يدل على حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلتَ: الإنسان ضاحك. فهذا يُفيد أن الضاحكية تحصل من الإنسان ومن غيره. وأما لو قلتَ: الإنسان هو الضاحك. فهذا يُفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا من الإنسان.

ننتقل إلى الكلام عن الآيات النازلة في شأن الكفار والمنافقين.

قال الله في شأن الكافرين: "ختم الله على قلوبهم" ففيها دلالة على أن القلب هو محل العلم، وهذا هو الموافق لقوله سبحانه: "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين" وغيرها من الآيات.

وقال الله في شأن المنافقين: "وما هم بمؤمنين" وذلك بعد أن حكى قولهم: " آمنا بالله وباليوم الآخر" قال العلماء: في الآية الكريمة رد على الكرّامية وأشباههم ممَن يقول الإيمان هو قول باللسان وإن لم يقترن به الاعتقاد بالقلب.

وقال الله تعالى عن المنافقين أيضاً: " ألا إنهم هم المفسدون " هذا التعبير فيه فائدتان لطيفتان:

الأولى: حذف معمول (يُفسدون) ليدل على أن فسادهم عام في كل شيء، فهو لم يقل: مفسدون في كذا. بل أطلق لفظ (مفسدون).

الثانية: في الآية حصر الإفساد فيهم دون غيرهم، وذلك ليكون أبلغ في الرد على دعواهم: "إنما نحن مصلحون" هم حصروا أنفسهم في الصلاح، وهو رد عليهم بحصر الإفساد فيهم، وهذا أبلغ.

وقال الله عن المنافقين: "ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون"وقال قبل ذلك: "ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون "  قال مرة: يعلمون. وقال مرة: يشعرون؟

قيل: هاهنا ناسب ذكر السفه مع ذكر الجهل الذي هو خلاف العلم، لأنه لا يتسافه إلا جاهل، وقال عند ذكر فساد المنافقين: لا يشعرون؛ لأن النفاق وما فيه من البغي المُفضي إلى الفساد أمر ضروري جاري مجرى المحسوس الذي يُعلم من غير حاجة إلى العلم النظري.

وقال الله عن المنافقين: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " وقال: "وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ".

عند المؤمنين قالوا: آمنا. وعند شياطينهم قالوا: إنا معكم. أيهما أبلغ؟ قولهم للكفار أبلغ وآكد.   

قال أهل اللغة: الجملة الاسمية تدل على الاستمرار والثبوت، والجملة الفعلية تدل على التجدد. فقولهم للكفار: إنا معكم. جملة اسمية تدل على الثبات والتأكيد والاستمرار على الكفر. وقولهم للمؤمنين: آمنا. ليست كذلك في اللفظ إشارة مع ما بعده إلى أن إيمانهم إيمان متذبذب غير ثابت وليس بمستمر.

وقال عنهم: "اشتروا الضلالة بالهدى" فلفظ (اشتروا) فيه معنيان لطيفان:

الأول: أن لفظ (الشراء) هو الاستبدال، فكأنهم امتلكوا الحق فتخلوا عنه، وفي هذا زيادة في توبيخهم.

الثاني: لفظ (الشراء) يدل على محبتهم للشيء الذي اشتروه، فهم قد اختاروا الضلالة محبة ورغبة – عياذاً بالله -.

وقال تعالى: "ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون" هاهنا لطيفة دقيقة: ربط سبحانه بين النور وبين الإبصار، أي إذا لم يكن ثمة نور، لا يكون إبصار. وهذا المعنى قد ثبت بواسطة العلم التجريبي الحديث، قال أهل الطب: إن العين لا تُبصر بذاتها، لكن تُبصر بانعكاس النور على الأشياء، ثم انعكاسه على العين، ولهذا فإن الإنسان لا يُبصر في الظلام.   

 

الحلقة الرابعة عشرة:

حديثنا اليوم من قول الله تعالى: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون" إلى قول الحق سبحانه وتعالى في آخر قصة آدم: "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها  خالدون".

حديثنا عن الآيات يتناول العبر والفوائد، يتناول اللطائف والنكات، يتناول الدقائق في التفسير.

في قوله تعالى: "لعلكم تتقون" إثبات الغاية من العبادة، وبيان أن غاية عبادة العباد هي تقوى الله تعالى واتقاء عذابه وعقابه في الآخرة، وهذا البيان يتضمن التكذيب لمن يزعم خلافه، ويرد على مَن يقول إنه يعبد الله لا خوفاً من عقابه ولا طمعاً في جنته، وفيه أيضاً الرد لمَن يعيد فوائد العبادات ومصالحها إلى مصالح دنيوية وفوائد جسمانية.

وفي قوله تعالى: "جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً "

 

فوائد ونكات:

الفائدة الأولى: إثبات كمال رحمة الله بالخلق في الدنيا، وإثبات أن النعم كلها من عند الله. قال العلماء: إن النعم الحاصلة للعباد إما أن يكون سببها الإيجاد، وإما أن يكون سببها الإمداد، فأما الإيجاد فقد بينه الله تعالى في قوله: "الذي خلقكم والذين من قبلكم"، وأما الإمداد بالنعم فذكره في هذه الآية: " الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً ".

الفائدة الثانية: إن قيل: جعل هنا بمعنى صيّر. فهذا فيه دليل على انتقال الأرض من حال إلى حال، وهكذا السماء حتى صارتا كما هي، وقواعد علم طبقات الأرض المسماة بـ (الجيولوجيا) توافق هذا المعنى تمام الموافقة.

الفائدة الثالثة: يُستنبط من الآية لطيفة فقهية، وهي أن الإنسان إذا مَلَك أرضاً فإنه يملك قرارها، ويملك ما يُقابله أيضاً من سمائها، فالأرض له فراش والسماء له هواء كما أشارت إليه الآية.

وقد فرّع الفقهاء على هذه المسألة مسائل منها: أن الجار لا يتعدى على هواء جاره، ومن المسائل المستحدثة، البحث عن حُكم مرور وسائل النقل الجوية من فوق الأراضي المملوكة للغير، وهل يلزم الإذن بذلك أم لا؟ وهل يملك صاحب الأرض الإذن في جميع الأحوال أم لا؟

الفائدة الرابعة: قال الإمام القرطبي – رحمه الله – قد دلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق. وقال غيره: أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر، وهو أن يجعل الأرض وطاء والسماء غطاء، والماء طيباً والكلأ طعاماً، ولا نعبد أحداً في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا.

وفي قوله تعالى: "فأخرج به من الثمرات " إثبات المسببات وأسبابها، أي أن الله تعالى جعل في بعض المخلوقات خواصاً وأسباباً يُتوصل بها إلى الغير، كما جعل في النار خاصية الإحراق، وجعل في الماء خاصية الإحياء للنبات، ولهذا قال تعالى: "فأخرج به" أي بالماء، بسببه، ولو لم يكن الماء سبباً ولم يكن الله قد أودع فيه خاصية الإحياء للنبات لما قال: به، وإنما قال: عنده أو نحو ذلك.

وفي قوله تعالى: "فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون " بيان أن المعاصي مع العلم أقبح وأشد من وقوعها مع الجهل، وأن ذنب العالم أعظم من ذنب غيره.

وقال تعالى مُتحدياً: "فأتوا بسورة من مثله" أي من مثل القرآن الكريم وهذا فيه غاية التحدي، بأن يأتوا بمثل سورة، وليس بسورة، وهو أقل ما وقع به التحدي، وقد ظن البعض أن التحدي قد وقع بآية، وهذا ليس بصحيح وليس في كتاب الله الكريم، ومن الآيات ما يكون حروفاً مقطعة كقوله تعالى: "الم" وقوله: "طه".

وقوله تعالى: "وادعوا شهداءكم من دون الله"  فيه فائدتان لطيفتان:

الأولى: أن الله أعظم لهم التحدي بأن يأتوا بشهداء من حزبهم هم، لا من حزب الله يشهدون بذلك.

الثانية: استدل بعض الفقهاء بالآية على عدم اشتراط العدالة في إثبات العيوب والسلامة لأهل المعرفة، وعللوا ذلك بأن المقصود من العدالة تحقق الوازع عن شهادة الزور، وقد قام الوازع العلمي أو العرفي في شهادة أهل المعرفة مقام الوازع الديني، لأن العارف حريص ما استطاع ألاّ يؤثر عنه الغلط والخطأ (أفاده ابن عاشور في تفسيره).

وقال تعالى: "فإن لم تفعلوا " أي في الحاضر، وهذا تحدٍّ عظيم، ثم قال: "ولم تفعلوا" أي في المستقبل وهذا تحدٍّ أعظم. قال العلماء: قد تضمنت الآية إعجازين:

الأول: التحدي لهم بأن يأتوا بمثل سورة من القرآن.

والإعجاز الثاني: أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل سورة من القرآن.

وفي قوله تعالى: "فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة" توبيخ للمشركين بتغليظ وتبليد، كأنه يقول لهم: أنتم والحجارة سواء في نار جهنم، كما كنتم في الدنيا كالحجارة لا تفهم ولا تعي عن الله، وكما كانت قلوبكم قاسية كقسوة الحجارة لا تتأثر بمواعظ الله.

وفي قوله تعالى عن النار: "أعدت للكافرين" إثبات أن النار موجودة مخلوقة الآن، وهذا هو المذهب الحق الذي عليه أهل السنة، وخالف فيه بعض أهل البدع.

وقوله سبحانه: "وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات" دليل على أن العمل من الإيمان ويُعرف هذا من وجهين: الأول، أن الجنة تُنال بالإيمان وبالعمل الصالح معاً، ولهذا جمع الله بينهما في الآية، والإيمان المُتنازع فيه هو الإيمان الذي يُدخل الجنة.

الوجه الثاني: قال القرطبي – رحمه الله -: قوله تعالى:"وعملوا الصالحات " رد على مَن يقول: إن الإيمان يقتضي الطاعات؛ لأنه لو كان ذلك ما أعادها. انتهى.

وقال سبحانه:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " قال ابن عاشور– رحمه الله-: أن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريق الطعن في المعاني.

وقوله تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً" فيه فوائد:

الأولى: صحة مذهب جمهور الفقهاء في إباحة كل ما في الأرض مما يُنتفع به، وليس فيه ضرر، ولم    يحرم، وأن الأصل في الأشياء الإباحة لا التحريم. قال الفقهاء: لو اشتبه علينا حل حيوان وحرمته فالأصل إباحته، ولو اشتبه علينا حل عمل دنيوي أو حرمته فالقول لمَن قال بالإباحة حتى يأتي المُحرم بدليل.

الثانية: في قوله: "لكم" إظهار تكريم الله لعباده، وتفضله عليهم، وأنه سبحانه قصدهم بالانتفاع.

الثالثة: قال القرطبي – رحمه الله -: قال علماؤنا – رحمهم الله – خوف الإقلال من سوء الظن بالله، لأن الله خلق الأرض بما فيها لولد آدم.

الرابعة: في الآية إثبات أن الإنسان هو الكائن الأعلى في الأرض، وأنه هو المخلوق الأول الذي يُخدم ولا يَخدم في هذا الميدان الواسع، وأنه هو سيد الأرض وسيد الآلة. (أفاده صاحب الظلال).

ويتفرع عن هذه الفائدة: أن القيم الإنسانية مُقدمة على القيم المادية، وأن فيها هدماً لمناهج الغربيين في تقديس المادة، وإبطال كل هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان، وأن المادة مُسخرة للإنسان لا أن تستذله أو تستعلي عليه (أفاده صاحب الظلال).

الفائدة الخامسة: في الآية الكريمة الحث على إثارة الأرض، والعمل في استعمارها، والتقدم في بنائها وعمرانها والانتفاع بها. وقال تعالى: " جميعاً " ليتحصل الانتفاع بكل الأرض لا ببعضها. وفي هذا غاية التقدم المادي والتطور الحضاري.

الفائدة السادسة: في قوله تعالى: "لكم" إثبات تعليل أفعال الله تعالى وتعلقها بالأغراض. وقد نقل الشاطبي – رحمه الله – في الموافقات عن جمهور علماء المسلمين: أن أحكام الله تعالى مُعللة بالمصالح ودرء المفاسد.

ننتقل إلى قصة آدم عليه السلام وذكر خلقه وخلافته.

قال تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " قال القرطبي – رحمه الله -: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة ليُسمع له ويُطاع، لتُجمع به الكلمة، وتستفيد به أحكام الخليقة.

وفي الآية: إثبات أن الملائكة مخلوقات لها عقول مُدركة، ولها إرادات وهم يتحاورون ويتكلمون، فلهم القدرة على الأعمال، وفي هذا إبطال لقول بعض الفلاسفة: أن الملائكة عبارة عن القوى الخيرية وأنها ليست أجساماً تعقل وتتكلم.

وفي الآية: إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأن كلامه سبحانه مسموع، سمعته الملائكة، وأجابوا عليه، وهذا هو الحق.

وفي قوله تعالى: " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " إثبات كمال عبادة الملائكة، وإثبات كمال تعظيمهم لله سبحانه، ويُفهم هذا من جهات مُتعددة:

الأولى: قوله: " نُسبح بحمدك " أي بالقول. " ونُقدس لك " أي بالاعتقاد، فجمعوا في تعظيم الله بين القول وبين الاعتقاد.

الثانية: لفظ (نسبح بحمدك ونُقدس لك) جملة اسمية والجملة الاسمية تفيد الدوام والثبات، بمعنى نحن ملازمون لتسبيحك وتحميدك مستمرون على ذلك.

الثالثة: قالوا: "نُقدس لك" ولم يقولوا: نُقدسك. قال بعض العلماء: فائدة اللام هنا لمزيد الاختصاص، أي نُقدسك أنت ولا نُقدس غيرك.

وقوله: " اسكن أنت وزوجك الجنة" أي اتخذا الجنة مسكناً، قال بعض العلماء: في لفظ (اسكن) تنبيهاً على الخروج، لأن السكنى لا تكون ملكاً، وهذا معنى عُرفي لا لغوي، ولهذا لو أسكن رجلا منزلا له، لم يكن بذلك قد ملكه.

في قوله تعالى: "ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين"فائدتان أصوليتان:

الأولى: دلت الآية على أن النهي من الشرع يقتضي التحريم، لأن الله خلقه على الظلم، والظلم محرم.

الثانية: أن الله لم ينهِ عن أكل الشجرة فقط، ولكن عن كل ما يدعو إلى الأكل منها، قال ابن عطية – رحمه الله -: وهذا مثال يبين في سد الذرائع.

وقوله تعالى عن الملائكة: "قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " استنبط منه العلماء فائدتين:

الأولى: أن الواجب على مَن سأل عن علم لا يعلمه أن يقول: الله أعلم، لا علم لي ولا أدري، اقتداء بالملائكة عليهم السلام.

الثانية: في قوله تعالى: "مما نزلنا على عبدنا" إثبات صفة العلو لله تعالى، لأن التنزيل لا يكون إلا من عند الأعلى إلى الأدنى.        

 

الحلقة الخامسة عشرة: 

الحديث في هذه الحلقة عن قول الله تعالى: "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " إلى قول الحق سبحانه: "فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ".

ولنذكر لك أخي الكريم من فوائد الآيات، ومن لطائف الإشارات، ونكات التأويل.

في قوله: "يا بني إسرائيل" تهييج للمدعوين أن يستجيبوا للحق، وترغيب لهم أن يمتثلوا أمر الله ويدخلوا في دينه كما كان أبوهم إسرائيل، الذي هو يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام، قال ابن كثير  – رحمه الله -: تقدير الآية: يا بني العبد الصالح المُطيع لله كونوا مثل أبيكم في مُتابعة الحق.

ويتفرع عن هذه الفائدة قاعدة دعوية وطريقة شريفة في مُخاطبة الناس، فإذا أردنا أن ندعوهم إلى الحق فإن الواجب أن نتخير أحسن اللفظ، وأن نأتي بأفضل الكلمات التي تُرغبهم في قبول الحق.

وقال سبحانه: "أوفوا بعهدي أوف بعهدكم"بينه في سورة المائدة بقوله تعالى:"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمَن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل".

وفي قوله تعالى: "واركعوا مع الراكعين" فوائد:-

الأولى: الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد، استدل بها بعض الفقهاء على وجوب الجماعة، قالوا: لأن الأمر يقتضي الوجوب، ولفظ (مع) يقتضي الوجود والمصاحبة، ويقوي هذا المسلك أن الأمر بوجوب مطلق لصلاة قد مضى في أول الآية. ولا معنى هنا لتكراره سوى الإرشاد إلى الجماعة.

الفائدة الثانية: تضمنت الآية الإشارة إلى وجوب أن يدخل اليهود في دين محمد صلى الله عليه وسلم وفي صلاته وعبادته. ولفظ الأمر بالركوع دال عليه، إذ إن صلاتهم لا ركوع فيها. قال مُقاتل: أمرهم أن يركعوا مع أمة محمد، يقول: كونوا معهم ومنهم.

الفائدة الثالثة: دلت الآية على إيجاب الصلاة كاملة بأركانها وشروطها، كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، وكما يفعله المسلمون العابدون الله تعالى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ووجه الدلالة: إن الله تعالى أمر بركن الركوع، والأمر ببعض أركان الصلاة دالٌ على غيره من الأركان والشروط، وهذا من باب دلالة الفرد على النوع والجنس.

ويتفرع عن هذه الفائدة: وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلمفي تفسيره لمجمل القرآن الكريم، لاسيما في أمر العبادة.

ويتفرع كذلك من الفوائد: وجوب اتباع سبيل المؤمنين والاقتداء بهم في العبادات الشرعية، واتباعهم لا مُخالفتهم.

وفي قوله تعالى: "ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً " الإشارة اللطيفة إلى أن جميع ما في الدنيا ثمناً قليلاً مهما عظم ومهما كبر.

وفي قوله تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة" الإشارة إلى أن في الصلاة سراً إلهيّاً عظيماً في تجلية الأمر وفي كشف الغم عن النفس. وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلمأنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

وقوله: "وإنها لكبيرة" أي مجموع الصبر والصلاة، فهما كالدواء الواحد يُشار إليه بضمير الفرد. كما قال سبحانه: "والله ورسوله أحق أن يرضوه".

وفي قوله تعالى: "يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم" فائدتان:-

الأولى: أنه نسب الذبح إلى آل فرعون، والآمر به هو فرعون؛ وذلك لأنهم هم الذين يُباشرون الذبح.

ويتفرع عن هذه فائدة وقاعدة، وهي أن مَن أمره ظالم بقتل أحد أو ظلمه فقتله فإن المُباشر للفعل مؤاخذ بالفعل، كما يؤاخذ الآمر سواء بسواء، إلا في أحوال خاصة بيّنها العلماء.    

الثانية: قال: "ويستحيون نساءكم" ولم يقل: بناتكم كما قال: "أبناءكم"!

قال بعض أهل التفسير: لأن الغرض من إبقاء عنصر الإناث وهو الاستمتاع بهن والتلذذ المحرم وهذا أعظم في الابتلاء كما أخبر الله سبحانه: " وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ".

وقال سبحانه: "وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون" قال أهل اللغة: فائدة " مِن " الإشارة إلى استعجالهم في المخالفة، وبيان أنهم اتخذوا العجل ابتداء من أول زمن بعد مغيب موسى - عليه السلام - عنهم. 

في قوله تعالى: "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" فائدة، قال رشيد رضا – رحمه الله -: تضمنت الآية تقريراً لقاعدة مهمة، وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وأن كل ما نهاه عنه فإنما يقصد به دفع الضرر عنه.

ويتفرع عن هذه القاعدة: إثبات التعليل لأوامر الله الشرعية، وبناءً عليه إثبات صحة القياس في شرعنا، وأن ما لم ينص الشرع على إباحته أو تحريمه، فهو مُلحق بنظيره مما نص عليه الشارع.

وقال سبحانه: "فبدل الذين ظلموا" ثم قال: " فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً " كرر لفظ (الظلم) هنا مرتين، لماذا؟

قال العلماء: تشنيعا عليهم ولتعظيم الأمر عليهم، وإشارة إلى أنهم كانوا ظالمين فيما بدلوه، وإلى أنهم استحقوا الرجز بسبب الظلم.

وفي قوله عز وجل: "فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم " فائدة شرعية، وهي أن الألفاظ التي أمر الله تعالى بها عباده أن يقولوها، وأراد منهم أن يلتزموا بها لفظاً ومعنى، لا يجوز تبديلها ولا تغييرها ولا تحريفها.

قال العلماء: من ذلك في شريعتنا ألفاظ القرآن الكريم، والذكر المخصوص في الصلاة، والأذكار الشرعية النبوية.

وقال سبحانه: "وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر … الآية " ذكر العلماء فيها فوائد وأحكاماً:

أولاً: مشروعية الاستسقاء والتوسل بدعاء الرجل الصالح كما قال بعد ذلك: "فادع لنا ربك".

الفائدة الثانية: جواز توزيع الماء بين الناس إذا حصل بينهم تشاحٌ عليه وتكاثر على طلبه.

الفائدة الثالثة: في قوله تعالى: "قد علم كل أُناس مشربهم" دليل على صاحب البئر والنبع من الماء وهو أحق به من غيره، وهذه الفائدة من قوله: " مشربهم " فأضاف المشرب إلى صاحبه.

في قوله تعالى: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" فائدتان تتعلق بآداب الأكل:-

الأولى: جواز تخير الأطيب من الطعام، ويتفرع عن هذا أن العاقل لا يتخير الأدنى على الأعلى من أمور الدين من باب أولى.

والثانية: من لفظ الآية نستفيد جواز قول القائل: هذا الطعام أطيب من هذا، وذاك الطعام أدنى من ذاك، وليس في هذا اللفظ ازدراء لنعمة الله كما يُفهم من سياق الآية وتقريرها. 

وقال سبحانه: "اهبطوا مصراً " لماذا قال "مصراً" ولم يقل: مصر؟

قال علماء البيان: التنوين يدل على التنكير، وعدمه يدل على العلمية، والعلم ممنوع من الصرف، يعنى لفظ (مصرَ) بدون تنوين يعني البلدة المعروفة، و (مصراً) يعني بلدة من البلدان، وهذا هو المراد.

وقال سبحانه: "ويقتلون النبيين بغير الحق" في قوله: "بغير الحق" نكتتان:-

الأولى: زيادة التشنيع عليهم.

الثانية: أن فعلهم هذا منكر حتى في معتقدهم ودينهم، فهو بغير حق حتى عندهم، وأنه لم يكن لهم فيه عذر ولا تأويل ولا جهل، قال بعض المفسرين: دل لفظ الآية على شدة التقبيح لفعلهم، فهو أولاً: قتل نبي لا أي نفس، وثانياً: قتل جماعة لا واحد، وثالثاً: كونه بغير حق. والله تعالى أعلم.

 

الحلقة السادسة عشرة:

قال الله سبحانه: "ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " في هذه القصة فوائد ولطائف:

قال علماء التفسير: إن الله تعالى جازى اليهود من جنس صنيعهم، هم لم يمتثلوا أمر الله حقيقة وإنما فعلوا فعلاً مشابهاً له في الظاهر، والله تعالى حوّلهم إلى أقرب الحيوانات شبهاً بالإنسان.

اليهود أشبهوا البشر في الصورة دون الحقيقة، هم لم يتلقوا أمر الله بفهم مقصده ومغزاه، وأخذوا بصورة اللفظ فأشبهوا العجماوات في وقوفها عند المحسوسات، فهم أشبهوا الحيوان في المعنى، ولهذا استحقوا أن يكونوا مثلهم في الصورة.

اليهود ألغوا آدميتهم، وأسقطوا المعاني البشرية عن عقولهم، فنقلهم الله من الإنسانية إلى البهيمية في القيم والإرادة والخِلْقَة.

الفائدة الثانية: دلت الآية على إبطال القول بالظاهر الذي يتنافى مع المقصد الشرعي والتكليف الإلهي، وقد ذهب إلى بعض هذه المعاني ابن حزم وطوائف، وهذه الآية من أعظم الأدلة على إبطال هذا المسلك وإسقاطه من أبواب الفقه والأصول و الاستنباط. 

الفائدة الثالثة: في الآية إبطال نظرية دارون في النشء و الترقي، والتكذيب لِمَن يزعم أن البشر أصلهم قردة، قال العلماء: ومَن قال بذلك فإنه يكون كافراً بمجرد قوله. لماذا؟ لأنه مكذب لله، ولأنه مُنكرٌ لما علم من دين الإسلام بالضرورة.

وفي قوله تعالى: "وموعظة للمتقين" الإشارة إلى أن غير المتقين لا تنفع فيهم الموعظة، ولا تجدي معهم النصيحة.

ويتفرع عن هذه الفائدة فائدة دعوية علمية وهي: إيجاب السعي على الدعاة والمصلحين إلى استصلاح الناس بالتقوى لأجل أن تنفع فيهم الموعظة والنصيحة والتذكير بكلام الله تعالى.

ننتقل إلى قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها.

قال الله سبحانه: "وإذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: أتتخذنا هزواً؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " فيها فوائد ولطائف:

الأولى: اختلف الفقهاء أيهما أفضل النحر أم الذبح؟ واتفقوا على أن الجميع مُجزئ، وعلى أن الذبح أولى للغنم، وأن النحر أولى للإبل، واختلفوا في البقر، ورجح البعض في البقر الذبح استناداً إلى لفظ الآية.

اللطيفة الثانية: قال الماوردي – رحمه الله -: إنما أُمروا بذبح بقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه.

الثالثة في قوله تعالى: "أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين" الإشارة إلى تحريم الاستهزاء بالغير والسخرية بهم.

وقال سبحانه في وصف البقرة: "لا فارضٌ ولا بكرٌ عوانٌ بين ذلك" قال بعض الفقهاء: يُستحسن في النسيكة أن تكون فوق الصغيرة ودون الكبيرة؛ لأن الله وصفها بقوله: "لا فارض ولا بكر "أي ليست كبيرة وليست صغيرة، ثم أكد ذلك بقوله: " عوانٌ بين ذلك " أي وسط بين الكبيرة والصغيرة.

وقال سبحانه عن البقرة أيضاً: " صفراءُ فاقعٌ لونها تسرُّ الناظرين " قال بعض السلف: إن الصفرة في الألوان السارة التي تُذهب الهم عن النفس وتُدخل إليها السرور بدلالة هذه الآية.

وأُعترض على هذا بأن الله تعالى أضاف إدخال السرور إلى البقرة، وليست إلى مُجرد لون الصُفرة، وهذا على كل حال من مليح العلم وليس من متينه.

وقال بعض الفقهاء: دلت الآية على استحسان الصورة الجميلة في النسيكة التي يُتقرب بها إلى الله تعالى، وأن ما كان جميلاً من الحيوانات فهو أولى بالقربة.

ومن فوائد الآيات: إثبات أن الأمر في الشريعة يقتضي الوجوب، وهذا ظاهر.

ومن الفوائد أيضاً: إثبات أن الأمر يقتضي الفورية، ويوجب المُبادرة إلى الفعل، وهذا مأخوذ من قول موسى لقومه: "فافعلوا ما تُؤمرون "ومن قول الله سبحانه: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " ففي الآية الأولى حض لهم على المُبادرة إلى الفعل، وفي الآية الثانية تعريضٌ لهم بسوء تلقيهم الأمر وتباطؤهم في تنفيذه.

ومن فوائد القراءة: أن القارئ ينبغي له أن لا يقف عند قوله: " لا ذلول " ويبدأ بقوله: " تثير الأرض " لماذا؟

لأن المقصود في الآية هو نفي كلا الجملتين، فهي بقرة وصفها الله بأنها ليست مُذللَةٌ بحيث تُثير الأرضَ، وتقدير الآية: لا ذلولٌ ولا تُثير الأرضَ ولا تسقي الحرثَ.      

وقال سبحانه: "مُسلمةٌ لا شية فيها " وذلك بعد قوله: "لا ذلولٌ تُثير الأرض ولا تسقي الحرث " قال علماء التفسير: هذا احتراس عن الظن بأن البقرة لا تُثير الأرض ولا تسقي الحرث بسبب علة بها أو عيب ككونها هزيلة أو عجفاء.

ومن الفوائد الفقهية: قال الإمام القرطبي – رحمه الله -: في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضُبط بالصفة وحُصر بها جاز السلم فيه. وبه قال مالك وأصحابه والشافعي رحمهم الله.

ويتفرع عن هذه الفائدة قاعدة وهي: جواز تعيين المعقود عليه بالوصف، كالتعيين في عقد البيع وفي عقد النكاح، فلو قال الرجل: بعتك بيتي ووصفه بما يتميز به صح البيع، ولو قال الأب: زوجتك ابنتي ووصفها بما تتميز به، صح التعيين، بدلالة صحة التعيين في الآية الكريمة.

وفي الآيات فائدة من دقائق علم أصول الفقه، وقواعد علم القياس، قال ابن عاشور – رحمه الله -: فيها الأخذ بالأوصاف المؤثرة في التشريع، دون الأوصاف الطردية التي ليس لها تأثير.

وفي قوله تعالى: "إن شاء الله لمهتدون" ردٌّ على المعتزلة وإبطال لقولهم في القدر، وإنكارهم للمشيئة الإلهية والإرادة الربانية، قال في التفسير الكبير: احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى، فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لمّا أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة، أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يُريد (أي قدراً) فحينئذ يبقى لقولنا: إن شاء الله فائدة، انتهى.

وقال سبحانه: "وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مُخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه            ببعضها … الآية " احتج بعض المالكية بها على اعتبار قول المقتول: دمي عند فلان. وأنه موجب للقسامة، واعتُرض عليه بأن هذه الآية مُعجزة، والخوارق الخارجة عن العادات لا يُقاس عليها.

وأجاب ابن العربي المالكي بأن المُعجزة في إحياء الميت: فلما صار حيًّا كان كلامه ككلام سائر الأحياء. وفي الجواب نظر. والله تعالى أعلم.

  

الحلقة السابعة عشرة:

في قوله تعالى: "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم … الآية " فوائد:

الأولى: الإشارة إلى أن الإيمان لا يملكه الناس، لا أهل الدعوة ولا غيرهم، وأن التكليف على الدعاة هو الدلالة للحق وتبليغ الدعوة، لإدخال الإيمان في قلوب الناس.

الثانية: قوله: "لكم" يتضمن الإشارة إلى أن اليهود يعتقدون في قرارة أنفسهم بصحة القرآن والنبوة، ولكنهم لا يُقرون بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، قال علماء البلاغة: فائدة (اللام) في " لكم " لتضمين " يُؤمنوا " معنى يُقروا.

ويتفرع عن هذه الفائدة: الرد على مذهب غلاة المرجئة، وتفنيد مزاعمهم في تعريف الإيمان الشرعي قالوا: الإيمان هو مجرد المعرفة. والآية نفت عن اليهود الإيمان مع معرفتهم التامة بذلك.

الفائدة الثالثة: أشارت الآية بلحن الخطاب فيها: أن أفضل الطرق الدعوية هي إسماع الناس كلام الله تعالى وإفهامهم له، وقد دلت الآية كذلك على أن مَن لم تُجْدِ معه هذه الوسيلة فهو أجدر ألاّ تُجْدِي معه غيرها، ولا تؤثر فيه.

ثم قال الله سبحانه: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم" أي من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، وقد جاء التعبير عنه بالفتح للإيذان بأنه سر مكتوم وباب مغلق (أفاده الألوسي رحمه الله في تفسيره).

ثم قال موبخاً لهم: "أفلا تعقلون" قال بعض المتأخرين: هذا ختام منطقي للآية؛ لأن مَن يتصرف تصرفهم ويقول كلامهم لا يكون عنده عقل، الذي يقول: "لِيُحاجوكم به عند ربكم" يكون مؤمناً بأن له رباً، ثم لا يخاف هذا الإله ولا يخاف عقابه، هذا لا يُمكن أن يتصف بالعقل.

وقال الله تعالى عنهم: " ومنهم أُميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني "فُسرت الأماني: بالتلاوة المجردة، وهي التلاوة التي لا يكون معها فهم ولا عمل، وفي هذا أدل دليل على ذم القوم الذين ليس لهم حظ من كتاب الله غير التلاوة المجردة.

ويتفرع عن هذا الذم: الذم لكل عمل يكون فيه وضع القرآن في غير موضعه، ويتجرد صاحبه عن الفهم والعمل به، فيدخل في هذا الذم: تعليق القرآن على الصدور للحفظ من العين، وتعليقه على ألواح لأجل الزينة، أو قراءته في المحافل كرسوم وطقوس خاوية.

وفي ختام الآية قال: "وإن هم إلاّ يظنون " وفُسرت الآية: بإطلاق الذم على اليهود الذين لا يعلمون الكتاب إلا بما يظنون به.

ويتفرع عن هذا التفسير فائدة عزيزة: وهي الترغيب في معرفة كلام الله عز وجل معرفة يقينية، ويدخل فيه إتقان الحفظ لآياته، وإتقان الفهم لمعانيه وتفسيره.

ويتفرع من هذا أيضاً: الجد في طلب العلم لا سيما علم كتاب الله، وتلقيه عن أهل العلم الموثوقين في تلقينه وتفسيره وتزكية الناس على معانيه وآدابه.

وقال سبحانه: "يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله" لماذا قال بأيديهم؟ وهل تكون الكتابة بغير اليد؟

أجاب عنه العلماء بأجوبة لطيفة:

الجواب الأول: أن هذا اللفظ يتضمن التأكيد مثل: "يقولون بأفواههم "وقوله: " ولا طائر يطير بجناحيه " والمقصد منه تحقق وقوع الكتابة ومنع المُجاز عنه.

الجواب الثاني: أنه تصوير للحالة في النفس كما وقعت، حتى يكاد المُستمع لذلك أن يكون مشاهداً للهيئة، فهو من بديع التصوير القرآني.

الجواب الثالث: أنه يتضمن الإخبار عن اهتمام القوم بتزييف كلام الله وتزويرهم، فهم يقومون به بأيديهم ليتأكدوا من وقوعه ومن إتمامه على ما أرادوا.

وختم الآية بقوله: "فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " هذا تفصيل للويل السابق.

ومن الفوائد المستنبطة منه إثبات قاعدة شرعية: وهي أن العبد كما يُعاقب على نفس فعله، فهو أيضاً يُعاقب على أثر فعله؛ لأن الله غاير بين الأمرين، فإنه بيّن في الأول استحقاقهم العذاب بنفس الفعل، وفي الثاني ذكر استحقاقهم له بأثره.

ومن الفوائد منه: قال القرطبي رحمه الله: في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل مَن بدل أو غيّر أو ابتدع في دين الله ما ليس منه فهو داخل تحت هذا الوعيد.

وقال سبحانه: "بلى مَن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها          خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون" تضمنت الآيتان قاعدة جليلة، وأصلاً من أصول الإيمان، وهي أن الأحكام الأخروية مُترتبة على الأوصاف لا على الأعيان.

وفي قوله تعالى: "وبالوالدين إحساناً" الأمر بتعظيم الوالدين والإحسان إليهم من غير قيد أو شرط ولو كانا غير مؤمنين. كيف يُفهم هذا من الآية؟

الجواب: أن الله تعالى علّق الإحسان إليهم بصفة كونهما (والدين)، ومن المعلوم في قواعد الأصول: أن الحكم المترتب على الوصف مُشعر بعليّة ذلك الوصف.

وفي قوله تعالى: "وذي القربى" لطيفة دقيقة: لم يقل: ذوي القربى مع أنه سبحانه قال: "اليتامى والمساكين" كلها بصيغ الجمع، وهاهنا إفرد اللفظ (ذي)؟

قيل: كأن فيه إشارة إلى أن ذوي القربى وإن كثروا فهم كشيء واحد، لا ينبغي أن يضجر من الإحسان إليهم.

وفي قوله تعالى: "وقولوا للناس حُسناً " فائدتان لطيفتان:

الأولى: عند ذكر الوالدين وذي القربى واليتامى كان الأمر بالإحسان إليهم بالفعل، وهاهنا تحول الخطاب من الإحسان الفعلي إلى الإحسان القولي. قالوا: والسر في ذلك أن الإحسان بالفعل إلى جميع الناس ليس في المقدور، ومن حكمته سبحانه ورحمته أنه لا يأمر بغير المقدور؛ ولهذا أمر هنا بما يُمكن وهو الإحسان القولي دون ما لا يُمكن وهو لا الإحسان الفعلي لجميع الناس.

الثانية: تضمنت هذه العبارة الإشارة إلى جميع الآداب. قال الرازي في التفسير: قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية، أو في الأمور الدنيوية.

فإن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان، وهو كما قال تعالى لموسى وهارون: " فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى "أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: "ولو كُنتَ فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك … الآية ".

وإما في دعوة الفساق فالقول الحسن فيه مُعتبر قال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " وقال "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".

وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله: "وقولوا للناس حُسناً".انتهى.  

وفي قوله سبحانه وتعالى: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض" التوبيخ الشديد لِمَن يُقرُّ ببعض الشريعة ويُنكر البعض الآخر، وأن فعله مثل فعل اليهود – قبحهم الله -.

ومن الفوائد العزيزة: أن هذا اللفظ من الآية قد تضمن الرد على جميع أهل البدع في شريعتنا، والإنكار على جميع أهل الأهواء بأقوى دليل وأوضح برهان، لماذا؟

لأن جميع البدع مبنية على إنكار بعض الشرع، وجميع البدع سببها الرئيس هو تجزئة أحكام الدين والإيمان ببعض الكتاب. 

وفي هذه الآية الكريمة أدل دليل على إبطال القول بإقصاء الدين والشريعة من شؤون السياسة والحكم والحرب، والآية الكريمة نص في ذلك قال سبحانه: "وإذ أخذنا ميثاقكم لا تُسفكون دماءكم ولا تُخرِجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون". قال أهل التفسير: كان الله قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المُظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أُمروا به إلاّ الفداء، فوبخهم الله توبيخاً يُتلى فقال: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ". والله تعالى أعلم.

 

الحلقة الثامنة عشرة:   

يقول الله تعالى عن اليهود: "فلما جاءهم ما عرفوا " أي محمد صلى الله عليه وسلم " كفروا به فلعنة الله على الكافرين "كفّر اليهود بعد أن بيّن كونهم عارفين بالحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على أن الكفر ليس محصوراً في الجهل.

وقال الله عنهم: "واُشربوا في قلوبهم العجل" أي حب عبادته وتأليهه، ومن النكت البديعة: أن التعبير عن حبهم للعجل جاء بلفظ (الشراب)، فقال: " واُشربوا ".

قيل: المقصود  هو التنبيه على أن حبهم للعجل قد بلغ بهم كل مبلغ، وأنه تمكن من جميع أجزائهم، وتغلغل في جميع أعضائهم، كما يتغلغل الشراب في الأعضاء فيصل إلى باطنها.

وقال لهم مُتحدياً: "قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " يؤخذ منها فائدتين متقابلتين:

الأولى: عدم جواز تمني الموت؛ لأن الله علّق تمنيه على أمر غيبي، وهو كون الدار الآخرة خالصة له عند الله، ولما كان هذا ممتنعاً علمه، امتنع المُعلق عليه وهو جواز تمني الموت.

الفائدة الثانية: أن يُعكس الاستدلال، فيُقال: يؤخذ من الآية جواز الاشتياق إلى الموت الموصل إلى الجنة وإلى الدار الآخرة؛ لأن الله لم ينف التمني مُطلقاً، ولكنه ذكر أن السبب القاضي له هو خلوص الأجر في الآخرة.

وقوله: "ولن يتمنوه أبداً" خبر قاطع من الله تعالى أن اليهود لا يتمنون الموت في تحدي النبي صلى الله عليه وسلم لهم، قال بعض العلماء: وفي هذا إعجاز علمي غيبي؛ لأن ذلك لم يقع مع توفر الدواعي عندهم على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان به.

وفي قوله تعالى: "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة … الآية " فوائد:

الأولى: تنكير لفظ (حياة)؛ ليدل على حرص اليهود الشديد على أدنى حياة، ولو كانت حياة قليلة حقيرة، فإن لفظ التنكير هنا يدل على العموم ويُشير إلى القلة والحقارة.

الثانية: قال: "ومن الذين أشركوا "  أي أن حرص اليهود على طول العمر أكثر من حرص   المشركين، قيل: لأن اليهود يعلمون أنهم صائرون إلى النار، والمشركون لا يعلمون ذلك، أو هم لا يعلمونه كعلم اليهود.

الثالثة: قال: "وما هو بمزحزحه " ولم يقل بمبعده أو بمُخرجه. لماذا؟

"وما هو بمزحزحه" معناها: لا يؤثر في إزالة العذاب عنه أقل تأثير وأدنى إبعاد، ولو قال: ما هو بمُبعده أو مُنجيه لما دل على هذه الآية كدلالة لفظ (مزحزحه).

وفي قوله تعالى: "أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم " وصفٌ لليهود بالغدر المستمر، ونعتهم بنكث العهد على الدوام، قال علماء اللغة: (كلما) تُفيد التكرار، وأنه وصف لازم. والمعنى: كلما حصل منهم عهد، حصل منهم نكث.

ويتفرع عن هذه الفائدة: تحذير المسلمين من الاغترار بعهود اليهود، ووجوب الاحتياط في معاملتهم، وعدم الركون والوثوق بهم، مهما قالوا ومهما قيل عنهم.

ومن الفوائد: أن الله خاطب اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل أسلافهم ونسب الفعل إليهم، فنسب إليهم قتل النبيين، ونسب إليهم تكذيب الرسل والغدر وغير ذلك، قال القرطبي يرحمه الله: وإنما توجه الخطاب لأبنائهم لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا.

ويتفرع عن هذه الفائدة: قاعدة خطيرة وهي: أن مَن تولى الظلمة فهو مثلهم في الحكم ومثلهم في العقوبة، وأن مَن رضي بالمعاصي نُسبت إليه ولو لم يُباشر فعلها.   

ومن قوله تعالى: "وما كفر سليمان " يُستنبط أن السحر كُفر ولابد في جميع الأحوال، وأن مُتعاطي السحر كافر بالله العظيم، ووجه الدلالة: أن اليهود اتهموا سليمان عليه الصلاة والسلام بالسحر ونسبوه   إليه، فرد الله عليهم دعواهم بنفي الكفر عنه، فدل هذا على أن كل سحر كُفر، ولو لم يكن ذلك كذلك لم تحصل التبرئة التامة لِسليمان عليه السلام، وهذا مُحال في كلام الله تعالى، قال القرطبي رحمه الله: ولم يتقدم في الآية أن أحداً نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر.

وفي قوله تعالى: "وما هم بضارين به من أحد إلاّ بإذن الله " فوائد:      

الأولى: إثبات أن للسحر حقيقة. وإثبات أن الله تعالى أودع فيه ضرراً من جهة الأسباب الكونية، وهذا هو الحق الذي عليه أهل السنة، وخالفهم في ذلك المعتزلة ودعاة العقلانية.

الثانية: في الآية الإشارة إلى علاج السحر، وهو الالتجاء إلى الله تعالى، قيل لما كان الضرر حاصلاً بإذن الله، فلابد أن يكون دفعه بإذن الله أيضاً. 

وفي قوله تعالى: "يُفرقون به بين المرء وزوجه" فائدتان:

الأولى: قال الشوكاني رحمه الله: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به من التفرقة، لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر، وبيّن ما هو الغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره.

الثانية: في الآية إشارة إلى أن المحبة بين الزوجين عظيمة جداً، وأن سكون الرجل إلى زوجته، وسكون المرأة إليه أمر شديد، وهو معروف زائد على كل مودة، ولا يُقاس غيره به.

وفي قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا " فوائد:

الأولى: إثبات قاعدة (سد الذرائع) وهي من قواعد الشريعة العظيمة. وقد اعتنى بها الإمام مالك رحمه الله وأصحابه عناية فائقة، وبنوا عليها كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها.

الثانية: استدل علماء التوحيد بالآية على النهي عن الألفاظ المجملة، الدائرة بين معاني حقة ومعاني باطلة. قالوا: كما أن الله تعالى نهى عن لفظة (راعنا) في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فيُنهى أيضاً عن إطلاق كل لفظ يُحتمل لمعنيين أحدهما باطل .

الثالثة: استدل بالآية بعض الفقهاء على إيجاب حد القذف بالتعريض، قالوا: مَن ورّى أو كنّى أو أتى بلفظ يُحتمل قذف المُحصن، فهو مُستحق للعقوبة، والاستدلال في الآية مبني عن النهي الوارد فيها.

وفي قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها " فوائد:

الأولى: استنبط الفقهاء منها أكثر أحكام النسخ، ومنها: صحة وقوع النسخ في شريعتنا، والرّد على المُنكرين له من المُبتدعة، والآية صريحة في ذلك، لا يُمكن دفع دلالتها على وقوع النسخ إلاّ بالتكذيب لها أو بما يُشبه التكذيب.

الثانية: اُستدل بالآية على أن النسخ في القرآن لا يكون إلاّ إلى بدل، ودلالة الآية تُفيد الحصر في إتيان البدل، إما مثل المُبدل منه، أو بخير منه.

الثالثة: من دلالة الآية، إثبات وقوع التفاضل في سور القرآن الكريم وفي آياته، وهذا التفاضل يُثبت كما أثبته الشرع فنقول مثلاً: سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن، وآية الكرسي أعظم آية، و " قل هو الله أحد " تعدل ثلث القرآن، وأنكر ذلك أهل الكلام، وقولهم ليس بشيء مع قول الله تعالى.

الرابعة: استدل الإمام الشافعي رحمه الله بالآية على أن الكتاب لا يُنسخ بالسنة ولو كانت متواترة. قال: لأن الله يقول: "نأتِ بخير منها أو مثلِها" والسنة لا تكون خيراً من القرآن بحال.

 

الحلقة التاسعة عشرة:   

يقول الله تعالى: "وقالوا لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى " يحكي الله مقالة اليهود والنصارى، ثم رد عليهم سبحانه فقال: "تلك أمانيهم ".

أي هي مجرد أماني، وهاهنا نكتة بلاغية: جمع لفظ ( الأماني ) مع أن ما أُشير إليه أمنية واحدة، لماذا؟

قال صاحب الانتصاف: ليُفيد جمعها أنها متأكدة في قلوبهم، بالغة منهم كل مبلغ. وقال غيره: ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم مرة بعد مرة.

قال أهل اللغة: الجمع هنا يدل على الزيادة وعلى التأكيد، والجمع يُفيد بوضعه الزيادة في الآحاد، فينتقل هنا إلى تأكيد الواحد، وإلى إبانة زيادته على نظرائه.

وقوله: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " هي أيضاً رد على دعواهم السالفة، وإبطال لمقولتهم الفاسدة، والتأكيد على أنها مقولة مُجردة عن البرهان.

وقد أشارت الآية إلى أصول النظر والمُحاجة، وإلى تقعيد الأدلة والبينات.

فهذه الآية دلت على بطلان القول بغير علم ولا برهان، قال في الكشاف: هذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وأن كل قول لا دليل عليه فهو غير ثابت.

واستُنبط منها قاعدتان في أصول النظر: الأولى، إثبات حجية النظر، والرد على مَن ينفيه.                 والثانية، مُطالبة المُدعي بالدليل والبرهان، نفياً وإثباتاً.

وفي قوله سبحانه: "بلى مَن أسلم وجهه لله وهو محسن" الإشارة إلى سر قبول الأعمال عند الله، وهو توافر شرطين: الأول: الإخلاص وأشار إليه بقوله: "أسلم وجهه لله"  أي أخلص توجهه وقصده.

والشرط الثاني: الموافقة لهديه صلى الله عليه وآله وسلم وسنته، وأشار إليه بقوله: "وهو مُحسن"  أي مُحسن في عمله.

وفي قوله تعالى: "كذلك قال الذين لا يعلمون" النعي على أهل الكتاب، وأنهم والمشركون الذين لا يعلمون سواء، كأنه يقول لهم: من المُفترض أن يُميزكم العلم، ومن المُفترض ألاّ تكونوا وأنتم أهل كتاب كمَن لا كتاب لهم ولا علم لديهم.

وفي قوله تعالى: "ومَن أظلم ممن منع مساجد الله " فوائد:

الأولى: الإشارة إلى أن منع الذكر في مساجد الله هو أعظم الظلم، قال العلماء: "مَن أظلم" أي: لا أحد أظلم منه.

ويتفرع عن هذا الإشارة إلى أن الأصل هو جواز الذكر في المسجد في جميع الأوقات، وأنه لا يجوز منع الذكر فيه إلاّ بدليل يصلح لإخراجه من العموم.

الفائدة الثانية: استُدل بالآية على حُرمة منع المرأة من الحج إذا كانت صرورة – أي لم يسبق لها الحج – استدلوا بها أيضاً على عدم منع المرأة من حضور المساجد لصلاة الجماعة، ولِسماع الموعظة؛ إذا لم يخف الفتنة منها أو عليها.

الفائدة الثالثة: قال القرطبي رحمه الله: دلت الآية على تعظيم أمر الصلاة، وأنها لما كانت أفضل الأعمال كان منعها أعظم الآثام.

وفي قوله تعالى: "أن يُذكر فيها اسمه" الإشارة إلى أن المساجد إنما وُضعت للذكر والعبادة                    والصلاة، ويتفرع عنه: النهي عن كل ما ليس من الذكر، كإيقاع البيع والشراء والإجارة وإنشاد الضالة، وغيرها من أعمال الدنيا المحضة.

وقوله: (ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين (إرشاد المؤمنين إلى حماية بيوت الله من الكافرين، وأن يجعلوهم بحالة إذا أرادوا الدخول كانوا على وجل وخوف من أن يفطن لهم أحد من المسلمين فيُنزلون بهم الأذى والإذلال.

ويتفرع عن هذا الإرشاد: إرشاد المسلمين إلى العزة والقوة، وإلى المحافظة على مُقدساتهم، وإلى حماية شعائرهم، وتطهيرها من تدنيس المشركين من يهود ونصارى وثنيين وغيرهم.

وفي قوله سبحانه: "وقالوا اتخذ الله ولداً" لطائف وفوائد:

الأولى: في لفظ (اتخذ) الإشارة إلى بطلان قولهم وتناقضهم؛ لأن الولد لا يُتخَذ ولا يُصنع، ولكن يحصل بالولدية والمُجانسة، كما في قوله سبحانه: " أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ".

الفائدة الثانية: استدل بها بعض الفقهاء على أن مَن مَلَكَ ولده أُعتِقَ عليه؛ لأن الله تعالى نفى الولدية بإثبات العبودية، فدل ذلك على تنافي الماهيتين، وهو استرواح حسن.

الفائدة الثالثة: ويتفرع من الفوائد: الإرشاد إلى حُسن تربية الأولاد، وأن الولد لا يُعامل كما يُعامل العبد، ولا يخضع كخضوع العبد فإن هذا يتنافى مع الولدية، وهو أيضاً يتنافى مع التربية السليمة وغرس الشخصية والعزيمة.

وقال سبحانه: "بل له ما في السماوات والأرض" وقال: "كل له قانتون"  ففي الأول جاء بلفظ  (ما) الدال على غير العاقل، وفي الثاني جاء بلفظ (كل) الدال على العاقل، لماذا؟

في الجملة الأولى: إشارة إلى المِلك، والمعهود في الذائقة أن الملك عادة يتعلق بما لا يعقل، وفي الجملة الثانية: كان الكلام متوجهاً للقنوت والخضوع لله، والقنوت هو من عمل العقلاء. قال في المنار: وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه، وأعلى البيان وأشرفه.

 

وفي قوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم "  فوائد:

الأولى: تكرار النفي بقوله: "ولا النصارى"  للإشارة إلى أن رضا النصارى قد يكون غير رضا اليهود، وللتأكيد بأن النصارى يتصفون بنفس صفة اليهود في هذا الأمر، ولو كانوا أقل عداوة كما أخبر في آية أخرى.

الثانية: استدل كثير من الفقهاء بقوله: "حتى تتبع ملتهم"  على أن الكفر ملة واحدة، وفرّعوا عن هذه مسائل أهمها: مسألة توارث اليهودي والنصراني إذا كانا قريبين.

الثالثة: من فوائد الآية: التحذير من صنوف الغزو الفكري والغزو الأخلاقي من قِبل اليهود والنصارى، إلى أهل الإسلام والإيمان، وهذه مسألة المسائل في عصرنا هذا.

الرابعة: في الآية كذب مَن يقول: أن عداوة الكفار لنا ليست دينية، وإنما هي عداوة اقتصادية أو سياسية أو أطماع استعمارية. ونحن إما أن نُصدقهم ونكذب الله – عياذاً بالله – أو أن نُكذبهم ونُصدق الله، ومَن أصدق من الله قيلاً.

وفي قوله تعالى: "يتلونه حق تلاوته " فوائد:

الأولى: دلت الآية على وجوب الاستهداء بالقرآن، وأن كل مَن يتلو القرآن ويتدبره بصدق يستهدي به. ويتفرع عن هذا: إثبات أن القرآن مُعجز بهدايته العامة التي لا يُشاركه فيها كتاب ولا كلام.

الثانية: فُسر لفظ (يتلونه) أي يتبعونه، قال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ "والقمر إذا تلاها". وقال ابن مسعود: يُحلون حلاله، ويُحرمون حرامه، ولا يُحرفونه عن مواضعه.      

ومن اللطائف: أنه عبّر عن العمل بالقرآن وبتدبره وفهمه عن طريق لفظ (التلاوة) لِيدلنا على أن ذلك هو المقصود من التلاوة التي يشترك فيها أهل العلم والفهم وغيرهم.

الثالثة: إيجاب تلاوة القرآن تلاوة صحيحة، وإقامة حروفه من غير اعوجاج، والترتيب بين آياته وألفاظه، فهذا كله يدخل في حق التلاوة.

 

الحلقة العشرون:

الحديث في هذه الحلقة عن قصة خليل الرحمن إبراهيم في سورة البقرة:

يقول الله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"  يُخبر الله أنه امتحن عبده إبراهيم فوفى الامتحان وبادر إلى الامتثال. قال العلماء: جيء (بالفاء) في قوله:"فأتمهن "للدلالة على الفورية في الامتثال إلى أمر ربه.

" قال: إني جاعلك للناس إماماً. قال: ومن ذريتي؟ " في الآية مشروعية التخصيص بالدعاء للقرابة في موضع لائق به. ومن فوائدها: العناية الفائقة بالأقربين في توجيه أسباب الدعوة وإنالتهم للخير، ومُباشرة إصلاحهم بالوسائل الدعوية النافعة.

ومن فوائدها: بيان أدب الدعاء مع الرب سبحانه، فهو لم يقل: ذريتي. بل قال: ومن ذريتي. مُراعاة لحكمة الله وسنته الجارية المعروفة، التي تقتضي ألاّ يكون نسل الرجل الواحد كلهم أئمة.

وقال: "ومن ذريتي"  ولم يقل: أبنائي! ليُشرك في ذلك اللفظ أبناء البنات، ولا يخص به العصبة، وهو خلاف العصبية القبلية لأبناء الأبناء دون أبناء البنات.

وقال سبحانه جواباً على دعاء الخليل: "لا ينال عهدي الظالمين"  قال المُفسرون: أي لا يستحق الإمامة مَن تلبس بالظلم. وقد استدل الفقهاء بها على اشتراط العدالة في منصب الإمامة، وأن غير العدل لا يصلح أن يكون قاضياً ولا مُفتياً ولا شاهداً ولا حاكماً ولا إمام صلاة، وفي هذا تفصيل عند كتب الفقهاء.

وفي قوله تعالى: "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً " ثلاث فوائد:

الأولى: قوله: "مثابة"  أي يثوبون إليه من البلدان كلها، مرة بعد مرة، مع المحبة والاشتياق، كما قيل: جعل البيت مثابة لهم، ليس منه يقضون الوطر.

ويتفرع عن هذه الفائدة: إقرار الشوق للأعمال الصالحة، والسرور بالعبادات والطاعات، ويتفرع عنه: بأن مَن يأتي إلى البيت يشتاق إلى الرجوع إليه، وإذا لم يكن كذلك؛ فليُراجع الإنسان نفسه، وقد علمنا وعلم غيرنا من حال الناس، حرصهم الشديد على الذهاب إلى هذا البيت، وأداء العبادة فيه، وتكليف النفس لذلك حتى من غير المستطيع، أكثر من غيره من العبادات، ولعل السر في هذا عند قوله: " مثابة للناس ".

الفائدة للثانية: قوله: "وأمناً "  استدل به أبو حنيفة وجماعة على ترك إقامة الحدود في الحرم. قالوا: أمناً، أي اجعلوه أمناً.

الفائدة الثالثة: قال: "مثابة للناس" ولم يقل: أمناً للناس، لماذا؟  

ليُشير إلى أن الأمن عام للناس ولغيرهم، أي أن البيت يأمن فيه حتى غير الناس، من النبات والحيوان والوحش وغيرهم.

وقال سبحانه: "طهرا بيتي" أضاف الباري سبحانه البيت إليه لفائدة التشريف والتعظيم له، ولاِهتمام إبراهيم وإسماعيل به لكونه بيت الله، وللإشارة إلى أن هذه الإضافة هي السبب في كونه مثابة للناس وأمناً، وفي كونه تهفو القلوب إليه والأفئدة.

وقال سبحانه: " للطائفين والعاكفين والركع السجود"  رتبهم بحسب اختصاصهم، فالطائف لا يكون إلاّ في المسجد الحرام، والعاكف يكون في كل مسجد، والركع السجود في كل مكان.

وقال سبحانه: "الركع السجود"  ولم يقل المصلين، مع أن لفظ (المصلين) أخصر وأدل، لماذا؟

قيل: لفائدة عظيمة: وهي أن المقصود الصلاة ذات الركوع والسجود، أي صلاة المسلمين الحنفاء لا صلاة اليهود والنصارى.

ومن الفوائد الفقهية في الآية: الإرشاد إلى كون الطائف بالبيت مُتطهراً، كيف؟ لأن الأمر بتطهير البيت لأجل الطائف يقتضي تطهر الطائف نفسه ومن باب أولى.

ومن الفوائد الفقهية أيضاً: استدل جماعة من السلف بالآية على جواز أداء صلاة الفريضة في جوف الكعبة، كجواز أداء النافلة فيها؛ لعموم لفظ الآية، عموم لفظ (الركع السجود)، وعموم لفظ  (بيتي)، فالأول يدخل فيه كل صلاة، فريضة أو نافلة. والثاني يدخل فيه كل موضع من البيت جوف الكعبة وغيره.

وقوله: "طهرا"  لفظ يُفيد العموم والمُبالغة، فيدخل فيه كل تطهير حسي ومعنوي، ويدخل فيه ما يُمنع منه شرعاً، كالحائض والجنب والمُشرك.

وقوله: "اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات " الإشارة إلى أهم عنصرين من عناصر المدنية الفاضلة والحياة السعيدة في الدنيا، وهما: الأمن والرزق. قال بعض المتأخرين: هذه أول مظاهر تكوين المدينة الفاضلة التي دعا أفلاطون لإيجادها بعد بضعة عشر قرناً.

وقيل: إن الخليل عليه السلام أراد بهذه الدعوة الإعانة على إقامة الدين وتحقيق الملة الحنيفية وخدمة البيت العتيق، فلا يضطر أهله إلى الخروج منه، ولا إلى الانشغال عنه. ويتفرع عن هذه الفائدة: أن من أعظم الوسائل في تقوية الدعوة إلى الله وتهيئة الناس للإصلاح والعبادة، أن يتوفر لهم الأمن وأن يتوفر لهم الرزق. فالأول فقده يستتبع انشغال القلب، والثاني فقده يستتبع انشغال البدن بالبحث عن الرزق. 

وقد أجاب الله إبراهيم في دعائه الأول بقوله: "لا ينال عهدي الظالمين" . وأجابه هاهنا بقوله: "ومَن كفر" أي وأرزق كذلك مَن كفر، كما أرزق مَن آمن في الدنيا.

والنكتة هاهنا: أن عطاء الألوهية غير عطاء الربوبية، العطاء الذي يكتبه الله للبشر بصفة الألوهية والعبودية الخاصة، هو خاص بأهل الإيمان، لا يناله الظالمون. وأما العطاء الذي تكفله الله للخلق بصفة كونه رباً وخالقاً، فهذا يناله المؤمن والكافر، ويناله العدل والظالم، كما قال: "ومَن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار"

وفي قوله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل" فوائد:

الأولى: "يرفع" جاء بلفظ المضارع؛ ليحكي أمراً قد قُضي، والمضارع دال على زمن الحال، قالوا: الفائدة هي استحضار صورة البناء في ذهن السامع.

الثانية: قال: "يرفع " ولم يقل: يبني، وبينهم فرق. قال أهل الهندسة: كل بناء له طول وله عرض وله ارتفاع، والرفع هو الصعود والإعلاء، والرفع لا يكون إلاّ لشيء موجود من قبل. وقد اُستُفيد من هذا اللفظ: أن البيت كان قد بُني من قبل، وإنما هُدم وطُمر فجاء الخليل عليه السلام لِيرفع قواعده، وأصرح منه في الدلالة قوله عليه السلام: " ربِّ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم " قاله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبني البيت، وكان إسماعيل إذ ذاك رضيعاً.   

الثالثة: تأخر ذكر إسماعيل بعد ذكر البيت، لماذا؟ قيل: للإشارة إلى أن المأمور من الله ببناء البيت هو إبراهيم، وأن إسماعيل هو إنما كان مُساعداً له.    

وفي قوله تعالى: "ربنا " كرر النداء بقصد إظهار الضراعة إلى الله والتملق وحُسن السؤال له سبحانه. ولفظ (رب) يستجلب التحنن من الرب على العبد.

ومن فوائد التكرار هذا: الإفادة بأن كل طلب من هذه المطالب هو مقصود لذاته.

 

وفي قوله تعالى: "أرنا مناسكنا" الإشارة إلى العناية بمعرفة مكان العبادة، إذا كانت مُقيدة بمكان مُعين، مثل الطواف بالبيت، ومثل السعي بين الصفا والمروة، ومثل الوقوف بعرفة، ورمي الجمار.

ومن الفوائد: إثبات الصفة المُختصة بالعبادات، وأن مَن جاء بها بغير هيئتها المخصوصة، فهو لم يأتِ بها على الوجه الصحيح.

ويتفرع عن هذه الفائدة: الرد لجميع البدع التعبدية الدينية، وأن الله تعالى لم يرض بها. والله تعالى أعلم.

 
3 2 1

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم

   

الحقوق محفوظة لمؤسسة الإسلام اليوم 1420هـ - 1436 هـ