إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

قتل المرتد

الاحد 17 شوال 1431 الموافق 26 سبتمبر 2010  
قتل المرتد
حامد الحامد

قال الشافعي رحمه الله: (ولم يختلف المسلمون أنه لا يحل أن يفادى بمرتد بعد إيمانه ولا يمن عليه ولا يؤخذ منه فدية بحال حتى يسلم أو يقتل). وقال ابن حزم رحمه الله: (واتفقوا أن من كان رجلا مسلما حرا باختياره وبإسلام أبويه كليهما أو تمادى على الإسلام بعد بلوغه ذلك ثم ارتد إلى دين كفر كتابي أو غيره وأعلن ردته واستتيب في ثلاثين يوما مائة مرة فتمادى على كفره وهو عاقل غير سكران أنه قد حل دمه إلا شيئا رويناه عن عمر وعن سفيان وعن إبراهيم النخعي: أنه يستتاب أبدا. واختلفوا في المرأة المرتدة والعبد وغير البالغ وولد المرتد هل تقبل توبة المرتد أم لا؟ وهل يستتاب أم لا؟ وهل يقتل إثر ردته أو يتأنى به؟). فأما ما روي عن عمر رضي الله عنه فرواه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه قال:"بعثني أبو موسى بفتح تستر إلى عمر رضي الله عنه فسألني عمر وكان ستة نفر من بني بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: فأخذت في حديث آخر لأشغله عنهم فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت: يا أمير المؤمنين قوم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين ما سبيلهم إلا القتل فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلما أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء أو بيضاء قال: قلت: يا أمير المؤمنين وما كنت صانعا بهم لو أخذتهم؟ قال: كنت عارضا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه فإن فعلوا ذلك قبلت منهم وإلا استودعتهم السجن". وروى ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال:"لما قدم على عمر فتح تستر -وتستر من أرض البصرة- سألهم: هل من مغربة؟ قالوا: رجل من المسلمين لحق بالمشركين فأخذناه، قال : ما صنعتم به؟ قالوا: قتلناه، قال: أفلا أدخلتموه بيتا وأغلقتم عليه بابا وأطعمتوه كل يوم رغيفا ثم استتبتموه ثلاثا فإن تاب وإلا قتلتموه، ثم قال: اللهم لم أشهد ولم آمر ولم أرض إذا بلغني". وفي رواية أخرى ولا تصح: فهلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني. وأما ما روي عن سفيان وإبراهيم النخعي فرواه عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن عمرو بن قيس عن إبراهيم قال في المرتد: يستتاب أبدا، قال سفيان: هذا الذي نأخذ به. وإسناده صحيح. قال ابن حجر: (وأخرج سعيد بن منصور عن هشيم عن عبيدة بن مغيث عن إبراهيم قال: إذا ارتد الرجل أو المرأة عن الإسلام استتيبا فإن تابا تركا وإن أبيا قتلا. وأخرج ابن أبي شيبة عن حفص عن عبيدة عن إبراهيم: "لا يقتل". والأول أقوى فإن عبيدة ضعيف، وقد اختلف نقله عن إبراهيم). والطريقان كلاهما من رواية عبيدة -الضعيف-، ولو كان من رواية الثقة فحكمه كما يقول الأصوليون: تعارضا فتساقطا. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم في المرتد: يستتاب فإن تاب ترك وإن أبى قتل. وهذا الإسناد لا يحتج به، وراوته ثقات إلا أن مغيرة بن مقسم لا يحتج به في روايته عن إبراهيم إلا ما صرح به في التحديث، وهنا لم يصرح، وزيادة على ذلك مخالفته لما صح عن إبراهيم، قال الإمام أحمد عن مغيرة: عامة حديثه عن إبراهيم مدخول إنما سمعه من حماد ومن يزيد بن الوليد والحارث العكلي وعبيدة وغيرهم وجعل يضعف حديثه عن إبراهيم وحده. وروي قتل المرتد عن بعض الصحابة والتابعين كعلي وابن عباس ومعاذ بن جبل وأبي موسى وغيرهم. والمهم أن تعلم أن المسألة لا إجماع فيها على قتل المرتد، وإنما إجماع الصحابة والتابعين على أن المرتد مجرم يجب أن يعاقب. والعجيب أن يُنقل الإجماع في مسألة ثبت الخلاف فيها في الصحابة والتابعين وبالمقابل يشنع بعض الفقهاء على الأحناف الذين خالفوا جمهور الفقهاء في مسألة كمسألة وقت الأذان لصلاة الفجر مع أن الأحناف متبعون لإجماع الصحابة والتابعين. ولو ثبت الإجماع لوجب المصير إليه؛ لأن الإجماع في دلالته أقوى من الكتاب والسنة. وأما ما ورد في السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه"، وهذا نص في وجوب قتل المرتد، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم:"التارك لدينه المفارق للجماعة"، وكذلك ما رواه الطبراني بسند حسن -كما قال ابن حجر- عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن:"أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب فاقبل منه وإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن تابت فاقبل منها وإن أبت فاستتبها". وهذه النصوص لا تعارض قوله تعالى:"لا إكراه في الدين"؛ لأن المقصود بالآية الإكراه في الدخول بالدين للأفراد، والدليل على هذا النصوص الأخرى واستقراء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فإننا باستقرائنا للنصوص الشرعية والسيرة النبوية وسيرة الصحابة رضي الله عنهم نلاحظ أن الشريعة تفرق بين الفرد والدولة الكافرة، وكذلك تفرق بين دخول الفرد للدين وخروجه منه: فالدولة الكافرة الحربية تتنزل عليها النصوص التي تأمر بالقتال، وهنا تلاحظ أن النصوص جاءت بلفظ: (قاتلوهم)، فأمرت بمقاتلة جماعة الكفار الحربيين ولم تأمر بقتل الكافر، وأيضا جاءت بصيغة المفاعلة، والمقاتلة لا تكون إلا في المعارك، والمعارك لا تكون إلا بين الدول، ولم تأت النصوص بصيغة الفعل (اقتلوهم) إلا إذا كان القتل بعد أخذهم والانتصار عليهم، وهذا في مواضع نص عليها الكتاب والسنة. وأما الفرد فقبل دخوله في الإسلام يتنزل عليه قوله تعالى:"لا إكراه في الدين" والنصوص الشرعية الأخرى تدل على ذلك. وأما بعد خروجه من الإسلام فيتنزل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"من بدل دينه فاقتلوه"، والحديث له سبب يفسره، وكذلك النصوص الأخرى تفسره، وفي هذا النص (فاقتلوه) ولم يقل: فقاتلوه، وهذا يدل على أن المقصود الفرد وليس الجماعة الحربية. ولكن هل يقال بأن قتل المرتد تعبدي محض أو أنه من باب السياسة الشرعية والمصالح المرعية؟ وأيا كان فيجب مراعاة الدولة الإسلامية ومدى قوتها؛ وإذا كان بعض الفقهاء -وروي عن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة- يرى أن الحدود لا تقام في أرض الحرب خشية أن يلحق المحدود بالحربيين فمراعاة مصلحة الدولة الإسلامية بأكملها من باب أولى. وكذلك شُرع هذا الحد للصالح العام فإذا كان هذا الحد سيعود على الصالح العام بالفساد فالقاعدة أن الجزئي إذا عاد على الكلي بالبطلان بطل. ومعلوم أن الدولة الإسلامية مرت بمراحل في العصر النبوي، وفي عصر الضعف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى بعض أصحابه يعذب وبعضهم يقتل كسمية أم عمار ولم يقتص لها، وهذا أشد من قتل المرتد. وأيضا يجب مراعاة كون الأصل في علاقة الدولة الإسلامية في العصر النبوي وعصر الصحابة مع الدول الأخرى علاقة حرب، وفي الوقت الذي كانت فيه علاقة النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش علاقة سلم نص فيه على أن من أتى من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم رده إليهم، ومن أتاهم من النبي صلى الله عليه وسلم لم يردوه. وهذا النص يمكن أن نستفيد منه بعد أن أصبحت علاقة دول العالم سلمية، فالدولة الإسلامية إذا ارتد أحد مواطنيها فإما أن تقتله عملا بظاهر الحديث ورأي جمهور العلماء، أو تحبسه على رأي عمر بن الخطاب وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، أو تسحب منه الجنسية وتطرده من بلادها عملا بالنص النبوي الذي جاء في صلح الحديبية، والله أعلم.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - متابع
    ًصباحا 06:19:00 2010/10/05

    أين خلاف الصحابة في قتل المرتد؟ يستغرب الكاتب حكاية الإجماع لانه ثم خلافاً بين الصحابة فما أدري أين هذا الخلاف؟ ما حكي عن عمر، ليس فيه أي دليل على أنّه لا يقتل المرتد، فنسبة هذا القول إلى عمر وأنه خالف في المسألة من النسبة غير العلمية في البحوث، فعمر حكم بأنه سيدخلهم السجن، ولم يتعرض لحد القتل، وعدم التعرّض له لا يعني أنه ينفيه، فلا ينسب إلى ساكت قول.

  2. 2 - عبيد الله الجزائري
    مساءً 07:08:00 2010/10/03

    لا بد من التثبت في مثل هذه المسائل ومراعاة حال الصعف والقوة

  3. 3 - ابوعمر
    مساءً 02:34:00 2010/10/03

    البحث يحتاج تحرير أكثر من سياق النصوص بهذه الطريقة

  4. 4 - فيصل التميمي
    مساءً 10:04:00 2010/09/30

    الذي يظهر من كتباتك انك تميع الدين والعجب لاصحاب لموقع ان ينشرون لك ذلك وذكرت انه بحث والبحث يعتمد عى دراسة الادلة وتمحيصها واوجه الاستدلاال اذا كان صحيح الى غير ذلك فالمطلوب قراة كتاب البحث العلمي لعبد العزيز الربيعة

  5. 5 - عبدالله الأسمري
    مساءً 12:51:00 2010/09/30

    الآية لها تفسير مثبت عند الأئمة لا تنافي إجماع الأمه على حكم المرتد , فسياق الآيه أتى على من لم يدخل في الإسلام . أستغرب زج المقال في زاوية البحوث فهو لا يتعدى أن يكون نقولات لا رأي فيها للكاتب

  6. 6 - عوض
    ًصباحا 03:46:00 2010/09/30

    أقوى من كل هذه النصوص و الروايات هو قول الله تعالى : (لا إكراه في الدين) . و تركت الدين مطلقة هكذا ، فيدخل فيها أي إكراه في الدين . لا أعرف لم اللجوء إلى نصوص أقل درجة لتقييد هذه الآية . بل إن لفظ الآية حاسم في هذه المسألة ، لأنه نفى شرعية الإكراه في الدين . فالذين يقولون بعقاب المرتد ، كأنهم يقولون (يردون على الآية) ، "بلى ، هناك إكراه في الدين" . يقول الله "لا إكراه في الدين" ، و يقولون "بلى هناك إكراه في الدين ، في بعض الأحوال" . يا أخي ، هذا خطأ فقهي حصل في بدايات انتشار الإسلام و أبقته السياسة حتى هذا اليوم . و النصوص التي تعود إلى عصر الصحابة أو إلى نبينا صلى الله عليه و سلم تحمل على أن المرتد المعني بها هو من انتقل إلى معسكر الأعداء فأصبح محاربا . حان الوقت لأن نعود للحق في كتاب الله و نترك ما عارضه.

  7. 7 - مسلم عربي
    ًصباحا 03:06:00 2010/09/28

    المقال مهلهل ولا يتضح منه رأي الكاتب. والعجيب أنه قال في مقاله ((ولو ثبت الإجماع لوجب المصير إليه؛ لأن الإجماع في دلالته أقوى من الكتاب والسنة)) !!! هل هذا الكلام صحيح ؟ نحن نعلم أن الدليل الصريح من القرآن أقوى من الحديث الصحيح الصريح (ولا يمكن أن يكون هناك تعارض) كما أن الإجماع لا يمكن أن يعارض نصوص القرآن أو نصوص السنة الصحيحة الصريحة (إلا في مسالة الناسخ والمنسوخ)..لذلك لا أرى صحة تلك العبارة. عموما النصوص واضحة وضوح الشمس بقتل المرتد بعد إستتابته من الحاكم المسلم (السلطان) فقط.

الصفحة 1 من 1