إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

العناية بالحسبة لدى أئمة آل سعود ومشايخ الدعوة في الدولتين الأولى والثانية.

الاثنين 10 ذو القعدة 1431 الموافق 18 أكتوبر 2010  
العناية بالحسبة لدى أئمة آل سعود ومشايخ الدعوة في الدولتين الأولى والثانية.
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله الداعي الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد:

 

فهذه ورقة مختصرة عن (أئمة آل سعود ومشايخ الدعوة في الدولة السعودية الأولى و الثانية) مقدمة للندوة العلمية بالرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الحسبة وعناية المملكة  العربية السعودية بها) نقلت بعض أسطرها عن بعض الأئمة، وسجلت بعض وقفات عليها، وإن القارئ لتاريخ بلاد نجد في عهد أولئك الأئمة والمشايخ ينشئ عنده سؤال وإشكال!

 

والسؤال: هل صحيح ما قاله ابن غنام وابن بشر: إن الشرك والجهل قد طغيا على الناس في بلاد نجد حتى عادوا إلى عهد الجاهلية الأولى، ولم يبق من الدين إلا اسمه، أما السياسة فنهب وقتل وغدر وقطع للطرق، حتى صارت نجد أشبه بمملكة الطوائف في بلاد المغرب؟!

 

إن هذه الصورة القائمة لحياة (نجد) الدينية والسياسية مبالغ فيها! كيف تكون الحياة هكذا وعدد لا يستهان به من الدروس في مساجد قرى نجد كحريملاء والعيينة والدرعية ومنفوحة من بلاد نجد  تقرأ وتقرر في  الفقه الحنبلي، وإن كانوا معارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يقوموا بالأمر بالمعروف بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن المنكر المتمثل أعظمه بالشرك بشتى مظاهره من دعاء الأولياء وأصحاب القبور وبناء القبب..!!!

 أما الناحية السياسية في نجد قبل دعوة الشيخ محمد -كما يذكرها ابن غنام وابن بشر- ففيها مبالغة؛ إذ كيف يتفق ذلك مع وجود الأمارات المتعددة في العيينة والدرعية، ويتبع عدد منها الأمارات الكبرى في الأحساء وحائل، وتتصل هذه بالدولة العظمى (العثمانية) .

 

أما الإشكال فيقال: إن حركة الإصلاح والتجديد  في نجد على يد الإمامين: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود قد أدت رسالتها العظيمة في فترة من فترات التاريخ، ولن  تستطيع  تطبيق أفكارها في هذا العصر الحديث؛ لتشابك الأهداف والأغراض والمصالح الفكرية والسياسية؛ فالبقاء على رسالتها السابقة جمود وتأخر وكأنه محاولة لإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.. هكذا يقال عنها بلسان الحال أو المقال..

 

وأقول: إن هذه دعوى خاطئة جدا لا تستند إلى دليل؛ لعدم تفريقها بين الهدف والوسيلة، وبين الفكرة والأسلوب. فلئن اعترض على بعض أساليبها في الشدة والقسوة مع بعض المخالفين لها أحيانا فإن هذا لا يعني عدم سلامة الفكرة والهدف.

 

 ولقد قامت الدعوة على ركيزتين أساسيتين:

الأولى: التوحيد ونفي ما يعارضه، والثانية: القيام بالحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 وبتحقيق هاتين الركيزتين قامت على ثلاثة أساليب:

1-  نشر الدعوة بكتب ورسائل تبين آداب و شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2-   فرقت عند الإنكار بين (مسائل الاختلاف) وبين (مسائل الاجتهاد)، فعلماء الدعوة ودعاتها ينكرون في مسائل الخلاف، فيجبرون الناس على صلاة الجماعة في المسجد، ويجبرون المرأة على تغطية وجهها ويديها، مع أن المسألتين فيهما خلاف معلوم عند السلف، ولكنهم لا ينكرون في المسائل الاجتهادية التي لا نص عليها وهي دون المسائل الخلافية ، فلا ينكر مجتهد على مجتهد آخر...

3- ونادت بالحرية الدينية عن طريق فتح باب الاجتهاد لمن يستطيعه، كما دعت إلى التفريق بين العادات والعبادات.

 

العناية بالحسبة لدى أئمة آل سعود ومشايخ الدعوة في الدولتين الأولى والثانية.

 

مقدمة: أرقام عن حياة أئمة آل سعود.

أولا: مكانة الحسبة في الإسلام.

ثانيا: عناية أئمة آل سعود بالحسبة في الدولة السعودية الأولى من ( 1157- 1233هـ).

1-  من رسائل الأئمة في عهد التأسيس: محمد بن سعود.

2- من رسائل الأئمة في عهد التوسع والانتشار: عبد العزيز بن محمد، وسعود بن عبد العزيز، عبد الله بن سعود.

3- قراءة في رسائل الحسبة في هذه الفترة.

 

ثالثا: عناية أئمة آل سعود في الدولة السعودية الثانية من ( 234- 1309هـ).

 

1- من رسائل الإمام تركي بن عبدالله .

2- الإمام فيصل بن تركي.

3-عبدالله  بن فيصل.

4-قراءة في رسائل أئمة آل سعود في هذه الفترة.

 

رابعا: بعض رسائل الحسبة ومشايخ الدعوة في الدولة السعودية الأولى والثانية.

-  نموذج من رسائل الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب.

- نموذج من رسائل أبناء الشيخ محمد.

 

- نموذج من رسائل حمد بن ناصر بن معمر.

-نموذج من رسائل عبد الرحمن بن حسن بن معمر.

- قراءة في رسائل المشايخ في هذه الفترة.

 

1- أرقام من حياة الإمام محمد بن سعود

- محمد بن سعود ولد سنة (1109) تقريبا – وتوفي سنة ( 1179هـ)، عاش 70عاما، منها (40) عاما حاكما.

- ولايته الأولى على الدرعية قبل اتفاقه مع الشيخ ( 1139- 1157هـ).

- ولايته الثانية على الجزيرة ( 1157- 1179هـ).

- فالإمام محمد بن سعود بقي (18) سنة أميرا على الدرعية مغمورا لا يعرفه أحد كعامة أمراء القبائل في نجد، وعندما  تعاهد مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب -عليهما رحمة الله- على نصرة هذا الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاع صيته في نجد والجزيرة، بل في العالم كله، وجعل الله له ولذريته الحكم في الجزيرة إلى يومنا هذا، وإلى ما شاء الله " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم"[الحديد:21].

 

2- أرقام من حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب.

- محمد بن عبد الوهاب.. ولد بالعيينة 1115سنة- وتوفي بالدرعية سنة 1206هـ

- عاش: 91 سنة.

- أول ظهور دعوته في حريملاء عام 1143هـ وعمره 28 سنة أيام كان والده قاضيا في حريملاء.

- ثم انتقل إلى العيينة وبقي بها 25 سنة ( 1153- 1178هـ) .

- ثم انتقل إلى الدرعية وعمره آنذاك (42) سنة، وبقي بها إلى وفاته (1206هـ).

 

3- أرقام  من حياة عبد العزيز بن محمد:

- ولد سنة ( 1233هـ) وتوفي سنة (1218هـ) فعمره 85 سنة.

- مدة ولايته :41 سنة من ( 1179- 1218هـ) .

- توفي في عهده الشيخ محمد بن عبد الوهاب فعاش بعده 12 سنة.

- كان أبناء الشيخ محمد (حسين وعبدالله وإبراهيم وعلي) كأعظم الوزراء والمستشارين عنده.

- خصص في مسجده مكانا خاصا بالنساء يتلقين الدروس والمواعظ .

 - ويطلق على الإمام عبد العزيز: المؤسس الثاني للدولة السعودية.

 

4- أرقام من حياة الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد.. لقبه ( سعود الكبير).

- ولد بالدرعية سنة 1161هـ .

- بويع بولاية العهد سنة 1202هـ وعمره حينئذ 41 سنة .

- بويع إماما بعد وفاة والده سنة 1217هـ

- توفي سنة 1229هـ وعمره 68سنة.

- مدة ولايته 11 عاما تقريبا.

 

ولاية أئمة الدولة السعودية الأولى

ولاية أئمة الدولة السعودية الأولى

الإمام

البداية

النهاية

عدد سنوات ولايتهم

محمد بن سعود

1157هـ

1179هـ

22سنة

عبد العزيز بن محمد

1179هـ

1218هـ

39سنة

سعود بن عبد العزيز

1218هـ

1229هـ

11سنة

عبد الله بن سعود

1229هـ

1233هـ

4سنوات

المجموع

76سنة

 

ولاية أئمة الدولة السعودية الثانية

الإمام

البداية

النهاية

عدد سنوات ولايتهم

تركي بن عبد الله

الفترة الأولى.

تركي بن عبد

ا لله الفترة الثانية

1234هـ

 

1238هـ

1238هـ

 

1249هـ

4سنوات

 

11سنة

فيصل بن تركي الفترة الأولى

فيصل بن تركي الفترة الثانية

1249هـ

 

1259هـ

1253هـ

 

1282هـ

4 سنوات

 

23 سنة

عهد الفوضى والنزاع بين الأبناء

1283هـ

1309هـ

 

26 سنة

المجموع

68سنة

 

 

أولا: مكانة الحسبة في الإسلام

الاحتساب في اللغة يطلق على معنيين (1)

 

 الأول: مأخوذ من العدد تقول أعطيت فلانا كذا – حسبة وحسابا وحسبانا إذا عددته عليه. واحتسب فلان كذا إذا اعتد به. ومنه قول أبي بكر: "إني أحتسب عند الله خطابي.." ومنه الحديث:" من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" أي إذ احتسب صومه عند الله .

والمعنى الثاني: للاحتساب: هو الإنكار. قال الجوهري في الصحاح: احتسبت عليه كذا: أي أنكرته . وتطلق الحسبة: على حسن التدبير.

 

ومعنى الاحتساب في الاصطلاح الشرعي : هو (الأمر بالمعروف إذا تُرك، والنهي عن المنكر إذا فُعل).

 والحسبة تشمل الاحتساب في الشرع: كل ما شرعه الله كالأذان والصلاة وأداء الشهادة ونحو ذلك، ولهذا قيل: (إن القضاء باب من أبواب الحسبة.

كما تشمل الحسبة:كل ما نهى الله عنه من الإسراف والتبذير وبخس المكاييل والموازين وشرب المسكرات والمفترات والتعرض للنساء والسحر والكهانة والشعوذة وغير ذلك.

 وألِّف في الحسبة مؤلفات ورسائل أجمعها وأدقها رسالة (الحسبة) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وفيما يلي ملخص لها بجمل معدودة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قاعدة في الحسبة.

 

1- أصل ذلك أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون. قال الله تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " [الذاريات:56] وقال تعالى:"وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون"[الأنبياء:25] وقال:"ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"[النحل:36].

 

2- وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر،  ولهذا يقال : الإنسان مدني بالطبع. فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، ولابد لهم من أمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين لآمر الأمر؛ الآمر بتلك الأوامر والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لابد لهم من طاعة آمر وناه.

 

3- وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى مثل نيابة السلطنة، والصغرى مثل ولاية الشرطة، أو ولاية الحكم، أو ولاية المال، وهي ولاية الدواوين المالية وولاية الحسبة.

 

4- التولي لتلك الولايات قد يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق مثل الشهود عند الحاكم، ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف، ومثل النقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال، ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع، والمطلوب منه العدل مثل الأمير والحاكم والمحتسب.

 

5- وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ولاة الأمور؛ فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه. فعلى المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها والجمع والجماعات، ويعاقب من لم يصلِّ بالضرب والحبس، وأما القتل فإلى غيره .

 

 ويتعهد المحتسب الأئمة والمؤذنين، وينهى الباعة عن الربا والغش والتدليس.

 والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية (2)

 

ثانيا: عناية أئمة آل سعود بالحسبة في الدولة السعودية الأولى من (1157- 1233هـ).

1- اتفاق الدرعية بين الإمامين (عهد التأسيس).

 

قال ابن بشر:  لما وصل الشيخ الدرعية قادما من العيينة قصد إلى بيت محمد بن سويلم العريني، فلما دخل عليه ضاقت عليه داره، وخاف على نفسه من محمد بن سعود! فوعظه الشيخ وأسكن جأشه، وقال: سيجعل الله لنا ولك فرجا ومخرجا، فعلم به خصائص من أهل الدرعية فزاروه خفية! فقرر لهم التوحيد واستقر في قلوبهم؛ فأرادوا أن يُـخبروا محمد بن سعود، ويشيروا عليه بنصرته؛ فهابوه ! فأتوا إلى زوجته (موضي بنت وهطان) وكانت ذات عقل ومعرفة. فأخبروها بمكان الشيخ، وصفة ما يأمر به وينهى عنه؛ فوقر في قلبها معرفة التوحيد وقذف الله في قلبها محبة الشيخ. فلما دخل عليها زوجها محمد أخبرته بمكانه وقالت: إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك فأكرمه وعظمه واغتنم نصرته، فقبل قولها وألقى الله سبحانه في قلبه للشيخ المحبة. فأراد أن يرسل له فيأتي إليه، فقالت: سر برجلك إلى مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به؛ لعل الناس أن يكرموه ويعظموه. فسار إليه محمد، فدخل عليه في بيت ابن سويلم ورحب به وقال:  ابشر ببلاد خير من بلادك، وابشر بالعز والمنعة فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة (لا إله إلا الله) من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد ، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم.

 

 ثم أخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دعا إليه أصحابه رضي الله عنهم من بعده، وما أمروا به، وما نهوا عنه، وأن كل بدعة بعدهم ضلالة، وأعزهم الله بالجهاد في سبيل الله وأغناهم به، وجعلهم إخوانا، ثم أخبره بما عليه أهل نجد اليوم من مخالفتهم بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والجور والظلم.

 

 فلما تحقق محمد  من معرفة التوحيد، وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، وابشر بالنصرة لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد؛ ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين: نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا، والثانية: أن لي على الدرعية (قانونا) آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا.

 

 فقال الشيخ: أما الأولى فابسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات، فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها .

 

فوقع تحقيق رحمة الله تعالى فإنه أتى إليه غنيمة عظيمة فقال الشيخ: هذا أكثر مما أنت تأخذه على أهل بلدك.

 

 فلما علم عثمان أن محمد بن سعود آواه ونصره، وأن أهل الدرعية فرحوا به، والذين كانوا عنده في بلده العيينة هاجروا وتركوه، وأن أمر الشيخ  صار إلى زيادة؛ ندم على ما فعل من إخراجه وعدم نصرته، وخاف أن تتفاقم عليه أموره؛ فركب في عدة رجال من أهل العيينة ورؤسائهم، فقدم على الشيخ في الدرعية وحاوله على الرجوع معه، ووعده نصره ومنعه. فقال الشيخ: ليس هذا إليَّ إنما هو إلى محمد بن سعود. فإن أراد أن أذهب معك ذهبت، وإن أراد أن أقيم عنده أقمت، ولا أستبدل برجل تلقاني بالقبول غيره إلا أن يأذن لي. فأتى عثمان إلى محمد فطلب منه ذلك؛ فأبى عليه ولم يجد ابن معمر إلى ما أتى إليه سبيلا فرجع إلى بلده نادما.(3)

 

2- من رسائل عبد العزيز إلى الفرس والترك.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى من يراه من أهل بلدان العجم والروم، أما بعد:

 

 فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، ونسأله أن يصلي ويسلم على حبيبه من خلقه وخليله من عبيده وخيرته من بريته محمد عليه من الله أفضل الصلاة و أزكى التحيات، وعلى إخوانه من المرسلين، وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

 

ثم نخبركم أن ( محمد خلف النواب) وفد علينا مع الحاج، وأقام عندنا مدة طويلة، وأشرف على ما نحن عليه من الدين، وما ندعو إليه الناس ونقاتلهم عليه، وما نأمرهم به وما ننهاهم عنه، وحقائق ما عندنا يخبركم بها أخونا محمد من الرأس ...ونحن نذكر لكم على سبيل الإجمال....أما الذي نحن عليه وهو الذي ندعو إليه من خالفنا : أنا نعتقد أن العبادة حق لله على عبيده، وليس لأحد من عبيده في ذلك شيء لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فلا يجوز لأحد أن يدعو غير الله لجلب نفع أو دفع ضرر وإن كان نبيا أو رسولا أو ملكا أو وليا؛ وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز:" وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا"[الجن:18] وقال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم :"قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا"[الجن:22] .

 

ولا يجوز لأحد أن يتوكل على غير الله، ولا يستعيذ بغير الله، ولا ينذر لغير الله تقربا إليه بذلك، ولا يذبح لغير الله كما قال تعالى:"فصل لربك وانحر" وقال :"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين "[الأنعام:282] وقال تعالى:"وعلى الله فليتوكل المؤمنون"[آل عمران:122].

 

ونأمر رعايانا باتباع كتاب الله وسنة رسوله، وإقام الصلاة في أوقاتها والمحافظة عليها، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، ونأمر بجميع ما أمر الله به ورسوله: من العدل، وإنصاف الضعيف من القوي، وبوفاء المكاييل والموازين، وإقامة حدود الله على الشريف والوضيع، وننهى عن جميع ما نهى الله عنه ورسوله من البدع والمنكرات: مثل الزنا، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وظلم الناس بعضهم بعضا، ونقاتل لقبول فرائض الله التي أجمعت عليها الأمة؛ فمن فعل ما فرض الله عليه فهو أخونا المسلم وإن لم يعرفنا ونعرفه. (4)

 

3- من رسائل الإمام سعود بن عبد العزيز  رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

من سعود بن عبد العزيز إلى من يصل إليه من المسلمين سلمهم الله تعالى من الآفات، واستعملنا وإياهم بالباقيات الصالحات، وجنبنا وإياهم فعل المحظورات، ووقانا وإياهم السيئات آمين..

 

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: موجب الخط النصيحة لكم، والشفقة عليكم، والعذر من الله حيث استرعانا عليكم أني أبذل لكم جهدي في كل ما أقدر عليه خفاء وبيانا؛ فيما يصلح به من أمر دينكم ودنياكم، والله تعالى وجل ذكره وتقدس اسمه وتعالى جده ولا إله غيره منَّ علينا وعليكم بالحنفية ملة إبراهيم ودين محمد عليهما أفضل الصلاة والسلام، وأعطاكم به من جميع المنح الألوهية والنعم الربانية ما لم تظنوا، والله تبارك وتعالى قال ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ونعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات من غضبه وعذابه وأليم عقابه، ونسأله أن يهدينا صراطه المستقيم  صراط "الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما"[النساء:69] وقد جاءكم نصائح كثيرة وأمر وإلزام، و مع ذلك أرى العمل قليلا، والمصالح والمضار عايدة لكم وعليكم  في الدنيا والآخرة.

 

وقال في موضع آخر:

ومن لم  يتعظ بكلام الله لن يتعظ بغيره، ولكن أخوف ما أخاف علينا وعليكم عدم العمل بما نعلم، ومن قسوة القلوب ومن طول الأمل كما ذكر عمر أنها (تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) وكثرت عليكم المراسلات والأمر والإلزام، وأنا أخاف عليَّ وعليكم خوفا شديدا من عدم العمل، ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنا أترك بعض الأمر خوفا من أمر يجب عليكم فتقع به مضرة، وأنتم خابرون أني ملزم الأمير يقوم على الناس في أمور دينهم من حيث الجملة من تعلم وتعليم، ويقوم على الناس في قمع من جرى منه شيء يستوجب، إن كان الأدب فيه حكم شرعي أو حد لزمه الإمضاء، وإن كان أدبا غير أدب يعهده على قدر ما يردع أرباب المعاصي. والقومة على الناس في تفريق (الرديين) وفي جمع الذي يدعو للدين، والقومة على الناس في أنواع التهم، والقومة على أهل مواقف التهم.

وقال :

 وأنتم خابرون أني ملزم كل من يخاف الله ويرجوه القومة مع الأمير بهذا كله... فالذي له دين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وينصح أميره بالقيام، فإذا ما قام الأمير فيرفع لنا الخبر، وأنتم تفهمون أن ما يجيء بني آدم من نقص ولا قحط ولا تسلط عدو ولا غير ذلك من أنواع العقوبات والمصائب إلا بسبب أفعالهم، وعفو الله أكبر.

وقال :

 ولا أعذر كل أمير ناحية إلا يأخذ عنده ناساً مخصوصين ويلزمهم طلب العلم، ويكتب لنا أسماءهم في ورقة؛ ونوصل لهم إن شاء الله ما يعاونهم على معيشتهم، ويحتسبون الثواب عند الله "ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" .(5)

 

(1) وقال الجبرتي (1106-1200) في تاريخه تعليقا على رسالة سعود(2) بن عبد العزيز هذه لما دخل الحجاز فاتحا في 19 من صفر سنة 1219هـ. أقول: إن كان الأمر كذلك فهذا ما ندين الله به، وهو خلاصة لباب التوحيد وما علينا من المارقين والمتعصبين...إلخ. (6)

 

4- وقال الإمام عبد الله بن سعود رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله بن سعود إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين الأمراء والمطاوعة، والذين  يدعون، وعامة المسلمين سلمهم الله تعالى من الآفات، واستعملهم بالباقيات الصالحات آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،وبعد:

وموجب الخط النصيحة لكم والشفقة، وقيام الحجة عليكم، والمعذرة من الله إذا وقفت أنا وأنتم بين يديه في  يوم تشخص فيه الأبصار، والله تبارك وتعالى منَّ علينا وعليكم بدين الإسلام والجهاد في آخر عمر الدنيا وإلا غيركم فخلا الله  بينه وبين عباده الأحياء والأموات، وأنتم صانكم الله من عبادة غيره، ووفقكم لتوحيده.

وقال في موضع آخر:

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين، ولا لأحد حجة ولا عذر، ولا نعلم أحداً ترك شيئا من دنياه مداراة لأحد ولا حياء من أحد، وأما الدين فجعله أكثر الناس مصلحة لدنياه، وخاب وخسر من آثر دنياه على رضا مولاه؛ فيكون عندكم معلوم أني ملزم وموجب على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكل بلاد فيها طائفة أهل دين يجتمعون ويصيرون يدا واحدة وأميرهم ومطوعهم. والأمير يصير حربة لأهل الدين ويشد عضدهم ويحمي ساقتهم ويطلق أيديهم. والمطوع يوازر الأمير ويقوم مع أهل الدين ويبث العلم في جماعته ويحضهم على المذاكرة. والأمير الذي يبغي الإمارة شيخه. ولا يرضى أن غيره يأمر بالحق وينهى عن الباطل، فذاك نعرف أنه شيخ ومدور ملك . ما هو يدور دينا وحقا، ولنا فيه أمر ثان. والذي غرضه الدين يبدل الممشى، ويصنف جماعة الدين، ويقوم بحقهم ويظهر وقارهم، ويجعلهم بطانته وأهل مجلسه ورأيه، ويبعد أرباب الفسوق والمعاصي، ويقوم عليهم بالأدب الذي يزجرهم، ونرى أكثر العيب اليوم حادثا من حاشية الأمراء حين غفلوا عمن تحت أيديهم، وتركوهم يلعبون بأيديهم وأرجلهم في البلدان.

 

وأهل الدين أنا مقدمهم ومطلق أيديهم، ومانع الأمراء لا يمنعون أهل الدين عن القول بالحق والأمر به، ومن وقف في أعين أهل الدين فيحسب على (الفسالة) لا أمير عامة ولا أمير قرية، وما قدمنا الأمراء إلا ليقدموا الحق ويقدموا من قام به.

وبلغنا أن بعض الأمراء متسلط  على من يدعي الدين بأمور ظاهرها حق وباطنها مغشة وقلة أدب؛ ولا يفعل هذا أمير مع أهل الدين فأدعه في الإمارة يوما واحدا. فكل يأخذ حذره ويبدل الممشى، وقد مضى ما فيه كفاية. ونذكركم بقوله تعالى:"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور"[الحج:41] وليس منكم أحد إلا والله سبحانه مقدره، وقال تعالى:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"[آل عمران:104] والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست بخفية، ولا يصد عنها إلا طاعة الشيطان واتباع الهوى.

والله تعالى حذر من اتباع الهوى ومن طاعة الشيطان قال تعالى:"إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" [ فاطر:6] وقال تعالى:"ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله"[ القصص:50] وقال:"إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى"[النجم:23] وغير ذلك من الآيات وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.(7)

 

5- قراءة في رسائل أئمة آل سعود في الدور الأول .

مجمل ما اتسمت به تلك الرسائل في هذه الفترة ما يلي:

 

أولا: الخوف من عاقبة السكوت على المنكر وعدم إنكاره.

ويتضح ذلك من خلال قولهم:كثرت عليكم المراسلات والأمر والإلزام، وأنا أخاف عليَّ وعليكم خوفا شديدا من عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...إلخ.

 

ثانيا: جماع سلطات الأمير ومسؤوليته في الأمور الدينية وهذه الجمل الدليل الناطق:

1-  وإني ملزم الأمير بقوم على الناس في أمور دينهم من حيث الجملة من تعلم وتعليم.

2- ويقوم على الناس في قمع وتأديب ممن جرى منه ما يستوجب الأدب، فإن كان أو حد محكم شرعي لزمه إمضاؤه، وإلا أدبه على قدر ما يردع أهل المعاصي.

3- ويقوم على الناس في تفريق الرديين والقومة على الناس في أنواع التهم.

4- والقومة عليهم في بخس المكاييل والموازيين . ومداخلة أهل الربا .

5- والقومة في الجهاد من إتمام التسليح الطيب والرجال الطيبين.

6- وأنا ملزم كل من يخاف الله ويرجوه : القومة مع الأمير بكل هذا.

 

ثالثا: إلزامية التعليم:

2- وإني  ألزمت على كل أمير ناحية يخص ( يختار) خمسة عشر أو أكثر أو أقل من أهل بلدانه، ويلزمهم طلب العلم لأنه أمر ضروري.

3- و لا أعذر أي أمير إلا عنده ناس مخصوصون، ويلزم طلب العلم ويكتب لنا أسماء هم ويوصلهم ( يعطيهم) ما يعاونهم على معيشتهم.

 

رابعا: الحسبة على السوق وأصحاب المهن:

1- وأنا آمر هؤلاء الذين تصلهم الورقة من أهل كل بلد يقوم ثلاثة من أهل الدين، وأنا ملزمهم بتتبع التجار والفلاحين في مسألة المبايعة، فمن فعل شيئا مما بيناه في هذه الورقة (الرسالة) فيبينون ذلك للأمير .

 

خامسا: محاسبة المسؤولين الكبار:

فإن لم يقم الأمير بما وجب عليه من تأديب المخالف والعاصي قمت أنا بتأديبه.

 

ثالثا: عناية أئمة آل سعود في الدولة السعودية الثانية من( 1234- 1309هـ) .

من رسائل الإمام تركي:

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من تركي بن عبد الله إلى من يراه من المسلمين.. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: موجب الخط إبلاغكم السلام والسؤال عن حالكم والشفقة عليكم والمعذرة من الله إذ ولاني أمركم، والله المسئول المرجو أن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، والله المنعم يحب الشاكرين ووعدهم على ذلك المزيد قال تعالى:"وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"[الأعراف:167] فالذي أوصيكم به تقوى الله تعالى في السر والعلانية. قال تعالى:"ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون"[النور:52] وجماع التقوى أداء ما افترض الله سبحانه وترك ما حرم الله.

 

وأعظم فرائض الله بعد التوحيد الصلاة، و لا يخفاكم ما وقع من الخلل بها والاستخفاف بشأنها وهي عمود الإسلام الفارقة بين الكفر والإيمان، من أقامها أقام دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وهي آخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم، وهي آخر وصية كل نبي لقومه، وهي آخر ما يذهب من الدين، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.

وكذلك الزكاة بعض الناس يستخفون بها والعياذ بالله: يبخل بها فإن أخرجها جعلها وقاية دون ماله، والله تعالى يقول:"والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم تحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون"[التوبة:34].

 

وكل مال لا تؤدى  زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه، والنصاب تفهمونه، وعروض التجارة مثل الطعام الذي يدخره صاحبه، والزرع يزكى إذا مضى عليه الحول، وكل ما أعد للتجارة يقـوّم عند الحول ويزكيه صاحبه.

وكذلك الربا فإنه من أكبر الكبائر، وإن مرتكبه محارب لله ورسوله قال الله تعالى :"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون"[آل عمران:130] وقال تعالى"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"[البقرة:279] وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء"(8).

فأنتم تفهّـمون بدقائق الربا لئلا تقعوا فيه، والجاهل يسأل العالم. والخطر عظيم في سخط الرب ويمحق المال فاستعينوا بالله وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.

وكذلك المكاييل والموازين، وأنا ألزّم كل أمير يحضّر المكاييل كبارها وصغارها ويقطعونها على مكيال واحد. وكذلك الموازين الكبار والصغار اقطعوها على ميزان واحد. وتفقدوا الناس في كل شهر. ولا يحل بخس المكيال والميزان ولو كانت المعاملة مع ذمي كما في الحديث:"أدِ الأمانة إلى  من ائتمنك ولا تخن من خانك"(9) .

وكذلك تفقد الناس عن المعاشر الفاسدة، والناس يجتمعون على شرب التتن والنشوق به. وكل أهل بلد يرتبون الدرس في المجامع فإن كانت خاربة يعمرونها . والذي يُعرف بالتخلف عن مجالس الذكر يرفعونه لنا. وأنا مطلق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وينصح أولاً ويؤدب ثانيا. ومن عارضه خاص أو عام فأدبه الجلاء من وطنه. وهذا من ذمتي في ذمة من يخاف الله واليوم الآخر.

وأنا أشهد الله عليكم أني برئ من ظلم من ظلمكم، وأني نصرة لكل صاحب حق. وعون لكل مظلوم:"واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها"[آل عمران :103] وأعزكم بعد الذلة. وجمعكم بعد الفرقة. وأمنكم بعد الخوف وكثركم بعد القلة.وبالإسلام أعطاكم الله ما رأيتم.والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والسلام) (10).

2- من رسائل الإمام فيصل بن تركي في رسالة موجهة إلى الرعية في فترة حكمه الأولى.

وأهم الأمور تعلّم ما فرض الله سبحانه من معرفة أصل  دين الإسلام وأركانه وواجباته ومعرفة شرائعه ومعرفة ذلك بالكتاب والسنة؛ وقوام ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد في كل ناحية من طائفة متصدين لهذا الأمر كما قال تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"[آل عمران :110]وقال تعالى:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير "[آل عمران:104] الآية..

 وأنا ملزم كل من يخاف الله سبحانه وتعالى ويرغب في الفلاح أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يكون الآمر مراعيا للشروط في ذلك: بأن يكون عليما فيما يأمر به، عليما فيما ينهى عنه. وألزم كل أمير أن يكون عونا لهم وهم خاصته في الحقيقة عونا له على ما حمّله الله من الأمانة.(11)

ويقول أيضا في رسالة أثناء فترة حكمه الثانية:

فالتزموا بما فرضه الله وشرعه؛ فإن فيه صلاح قلوبكم ودنياكم وأخراكم. نسأل الله التوفيق.

 واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين وأركانه قال بعض السلف: أركان الإسلام عشرة : 1) الشهادتان. 2) والصلاة. 3)والزكاة. 4)وصوم رمضان. 5)وحج البيت. 6)والأمر بالمعروف. 7) والنهي عن المنكر. 8) والجهاد في سبيل الله. 9)والجماعة. 10) والسمع والطاعة. وهذه العشرة لا يقوم الإسلام حق القيام إلا بجميعها.

 والقرآن يرشد إلى ذلك جملة وتفصيلا كما قال تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"[ آل عمران :110]وقال تعالى:" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير" [آل عمران:104] فالله الله عباد الله مراجعة دينكم الذي نلتم به ما نلتم من النعم وسلمتم به من النقم وقهرتم به من قهرتم؛ فقوموا به حق القيام، فجاهدوا في الله حق جهاده، وعظموا أمره ونهيه، واعملوا بما شرعه، وتعطفوا على الفقراء والمساكين، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم كما قال تعالى:"وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه"[الحديد:7] وقوله:"وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون"[النور:31] وقوله:"ولا تكونوا كالذين نسوا الله ... إلى قوله لعلهم يتفكرون"[ الحشر:19-21] واقرؤوا هذه النصيحة في جميع مساجد البلدان، وأعيدوا قراءتها في كل شهرين نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للخير أجمعين"(12)

3- ومن رسائل الإمام عبد الله الفيصل :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين . وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. من عبد الله بن فيصل، وعبد الرحمن بن حسن، وعبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى من يصل إليه من علماء المسلمين وأمرائهم وعامتهم، جعلنا الله وإياهم ممن عرف النعمة وشكرها وصرفها في طاعة من أنعم بها ويسرها.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،وبعد: فالذي أوجب هذا الكتاب ذكر ما أنعم الله به عليكم من نعمة الإسلام الذي عرفكم به، وهداكم إليه، وتسمون به، فلا يُـعني باسم المسلمين إلا أنتم وما أعطاكم الله بهذا الدين من النعم أكثر من أن تحصى، لكن منها نعم كل واحدة منها حصولها نعمة عظيمة لأن المعارض لها قوي جدا.

أولها كون الدعوة إلى دين الإسلام  ما قام في بيانها والدعوة إليها إلا رجل واحد، فلما شرح الله صدره واستنار قلبه بنور الكتاب والسنة تدبر الآيات وطالع كتب التفسير وأقوال السلف في المعنى والأحاديث الصحيحة سافر إلى البصرة ثم إلى الأحساء والحرمين لعله أن يجد من يساعده على ما عرف من دين الإسلام؛ فلم يجد أحدا، بل كلهم قد استحسن العوائد وما كان عليه غالب الناس في هذه القرون المتأخرة إلى منتصف القرن الثاني عشر، ولا يعرف أن أحداً دعا فيها إلى توحيد العبادة أو أنكر الشرك المنافي له، بل قد ظنوا جواز ذلك أو استحبابه، وذلك قد عمت به البلوى من عبادة الطواغيت والقبور والجن والأشجار والأحجار في جميع القرى والأمصار والبوادي وغيرهم فما زالوا كذلك إلى القرن الثاني عشر... فرحم الله كثيرا  هذه الأمة بظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وكان قد عزم وهو بمكة أن يصل الشام مع الحجاج، فعاقه عنهم عائق فقدم المدينة فأقام بها، ثم إن العليم الحكيم رده إلى نجد رحمة لمن أراد أن يرحمه بمن يؤيه وينصره، وقدم على أبيه وصنوه وأهله ببلد (حريملاء) فبادأهم بالدعوة إلى التوحيد ونفي الشرك والبراءة منه وأهله، وبين لهم الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وكلام السلف و العلماء رحمهم الله؛ فقبل منه من قبل، وهم الأقلون. وأما الملأ والكبراء الظلمة الفسقة فكرهوا دعوته فخافهم على نفسه وأتى العيينة وأظهر الدعوة بها. قبل منه كثير منهم حتى رئيسهم عثمان بن حمد بن معمر، ثم إن أهل الأحساء وهم خاصة العلماء أنكروا دعوته وكتبوا شبهات تنبئ عن جهلهم وضلالهم وإغراء شيخ بني خالد به، وكتبوا لابن معمر أن يقتل هذا الشيخ أو يطرده فما تحمل مخالفته فنفاه من بلده الدرعية .

فتلقاه محمد بن سعود رحمه الله بالقبول، وبايعه على أن يمنعه مما يمنع منه أهله وولده، وهذا أيضا نعمة عظيمة؛ فاشكروا ربكم سبحانه الذي حفظ عليكم دينكم، ورد لكم الكرة على من خرج عنه؛ وذلك بالإقبال على التوحيد تعلما وتعليما، والأمر بما يحبه الله من طاعنه والنهي عما نهى الله عنه من المعاصي.

فالواجب علينا وعليكم التواصي بهذه النعمة العظيمة، والتنافس في هذا الدين الذي منَّ الله به عليكم، وهو الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وأكمله ورضيه لعباده.

والحق في ذلك على العلماء والأمراء أعظم لأن العامة يتبعونهم ويتقربون إليهم بما يحبونه ومن أحب شيئا أكثر من ذكره.

ولا باق معكم من دنياكم إلا دينكم لمن منَّ الله عليه بحفظه والإقبال عليه والعمل به، وأنتم تفهمّوا من أن الدنيا ما للإنسان منها إلا ما كان لله وغير ذلك زائل!

هذا ما نوصيكم به وندلكم عليه عامة العلماء والأمراء خاصة، فيجب على العلماء والأمراء أن يكونوا صدرًا في هذا الدين بالرغبة فيه والترغيب، وأن يكونوا سندا لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ويتفقدون أهل بلدهم في صلاتهم وتعليمهم دينهم وكفهم عن السفاهة وما يحرم عليهم؛ لأن الله تعالى سائلهم عنهم.

وبالله التوفيق وصلى الله على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما. (13)

 

4- قراءة في رسائل أئمة آل سعود في هذه الفترة:

1- حرص الوالي وشفقته على الناس نتيجة تلاحم الراعي مع الرعية ( موجب الخط السؤال عن حالكم والشفقة عليكم والمعذرة من الله إذا ولاني الله أمركم).

2- التأكيد على أداء الناس شعائر دينهم وأعظمها – بعد التوحيد- الصلاة ( لا يخفاكم ما وقع من الخلل بها والاستخفاف بشأنها وهي عمود الإسلام والفارقة بين الكفر والإيمان..).

3- العناية بأداء الزكاة وهي الركن الثالث من أركان الإسلام ( بعض الناس يبخل بها وإن أخرجها جعلها وقاية دون ماله! وكل ما لم يؤد زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه. والربا أكبر الكبائر وصاحبه محارب لله ورسوله . فتفهموا بدقائق الربا لئلا تقعوا فيه، والجاهل يسأل العالم، واحذروا بخس المكاييل والموازيين.. حددوها للناس بما يعرفون وتفقدوا أهل الوزن والكيل كل شهر).

4- مراقبة الناس في الأسواق العامة ونحوها ( النهي عن المعاشر الفاسدة والناس يجتمعون على شرب التتن والتشوق (الشمة) فينصحون، والمعاند يؤدب.

5- الأذن العام للناس بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر :( وأنا مطلق (آذن) الآمر والناهي ومن عارضه من عام أو خاص فأدبه الجلاء عن وطنه، وهذا من ذمتي لذمة من يخاف الله واليوم الآخر.

6- والوالي يتبرأ إلى الله من ظلم أمير لأحد من رعيته (وأني أشهد الله عليكم أني بريء من ظلم من ظلمكم وأنا نصرة لكل صاحب حق وعون لكل مظلوم).

7- يجب على أمراء كل ناحية وعلمائها أن يتصدروا للناس في الدين ويشجعوا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

8- الحكام يطلبون من الناس أن يكرروا قراءة ما يصلهم من رسائل وتوجيهات، وتقرأ على الناس في المساجد وأماكن تجمعهم (واقرأوا هذه النصيحة في جميع مساجد البلدان، وأعيدوا قراءتها كل شهر أو شهرين).

5- قراءة لبعض رسائل أئمة آل سعود في الدولة السعودية الأولى والثانية وهي :

 الشعائر التعبدية:

1- تقرير التوحيد الخالص لله سبحانه والتحذير مما يضاده من وسائل الشرك، لا سيما المنتشرة في ذلك العصر كدعاء الأولياء من دون الله وبناء القبب والمشاهد على القبور والذبح والنذر لها الخ.

2- الإلزام بأداء شعائر الإسلام الظاهرة التعبدية كصلاة الجماعة في المساجد.

الأحكام المالية والاقتصادية:

1-  الإلزام بإخراج الزكاة النقدية وجباتها من الأموال العيينية.

2- منع الربا بجميع أشكاله، ومحاربة الغش والتزوير والاحتكار، وبخس المكاييل والموازين في البيوع ونحو ذلك، وتشجيع الناس على العمل والاكتساب الحلال.

 

الشؤون الاجتماعية:

1-  التحذير من مشابهة الكفار في القول أو الفعل، والدعوة إلى نشر الأخلاق والآداب الإسلامية والتحلي بها.

2- العناية ببناء المساجد وعمارتها بالصلاة والدروس العلمية وحلق تعليم القرآن في كل الأوقات، وإلزام العامة وصغار السن خاصة بحضور دروس العلماء.

 

الشؤون السياسية:

1- الأمر بالسمع والطاعة بالمعروف للأمير الحاكم، والجهاد معه وعدم عصيانه أو الخروج عليه لما في ذلك من الفساد.

2- العناية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – بشروطه وأحكامه- ولا يعذر في ذلك صغير ولا كبير.

 

إلزامية التعليم:

التعليم الشرعي إلزامي لكل فرد من أفراد الدرعية – خاصة منه ما يتوقف عليه دين المرء- وهذه بعض جمل أئمة آل سعود( أنتم تعرفون أني ملزم كل من يخاف الله ويرجوه القومه مع الأمير، وأن يقوم كل أمير على الناس في أمور دينهم من تعلم وتعليم ... ولا أعذر أمير أي ناحية إلا ويلزم ناسا ممن عنده بطلب العلم..إلخ) وفي طريقة نشر الثقافة والرسائل العامة ( .. فلازم .. لازم تأملوه وتفقهوا فيه واعملوا به واقرأوا على الناس في المساجد ) يعني اقرأوا ما في هذه الرسائل التي هي أشبة بالأنظمة والتعليمات المستديمة!!

 

الإعلام والنشر:

تثقيف الناس عن طريق نشر الرسائل، وهي أشبه بالأنظمة والتعليمات المستديمة ( … فلازم لازم تأملوه وتفهموا فيه واقرأوه على الناس في المساجد … وهذا الكتاب كل أهل بلد ينسخون منه نسخة ويرسلونه لحرمه والمجمعة والغاط والزلفي).

 

رابعا: بعض رسائل الحسبة لمشايخ الدعوة في الدولة السعودية الأولى والثانية:

1- من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: يجرى عندنا من سابق لكن نصحنا إخواننا إذا جرى منها شيء حتى فهموها؛ وسببها أن بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوقع الفرقة بين الإخوان، وقد قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون* واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"[آل عمران:103] وقال صلى الله عليه وسلم:" إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم"(14) وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه، ويكون صابرا على ما جاءه من الأذى في ذلك. وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا العمل به، فإن الخلل ما يدخل على صاحب الدين إلا من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه.

وأيضا يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره. فالله الله العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه، فإنكم إن ما فعلتم صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم لا يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه.

وهذا الكلام وإن كان قصيرًا فمعناه طويل. فلازم لازم تأملوه وتفقهوا فيه واعملوا به، فإن عملتم به صار نصرا للدين واستقام الأمر إن شاء الله. والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن ينصح برفق خفية ما يشرف عليه أحد؛ فإن وافق وإلا استلحق عليه رجال يقبل منهم بخفية، فإن ما فعل فيمكن الإنكار ظاهرا؛ إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق واستلحق عليه ولا وافق فيرفع الأمر إلينا خفية. وهذا الكتاب كل أهل بلد ينسخون منه نسخة ويجعلونها عندهم ثم يرسلونه لحرمه والمجمعة ثم للغاط وللزلفي.. والله أعلم.(15)

2- قال أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب - أجزل الله لهم الأجر والثواب آمين-:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما.

من إبراهيم وعبدالله وعلي أبناء الشيخ محمد (16) إلى من يراه من المسلمين : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والموجب لهذا التذكير والنصيحة الشفقة علينا وعليكم من عقوبة الله. وأنتم تعرفون ما منَّ الله به علينا وعليكم من دين الإسلام، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على جميع المسلمين، وأكثر الناس اليوم على الشرك وعبادة غير الله، وأعطاكم الله في الإسلام من النعم والنصر على الأعداء ما تعرفون، ولا يجيء أهل الإسلام شيء إلا بسبب ذنوبهم، فإذا عرفوا الذنب وتابوا منه نصرهم الله وأعزهم وكسر عدوهم وجعل العاقبة لهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال"[الرعد:11]وقال تعالى لخيار الخلق :"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير"[ آل عمرن:165] وهذه الأمور يجريها الله سبحانه وتعالى ابتلاء وامتحانا ليميز الخبيث من الطيب والمؤمن من المنافق؛ فيجازي المؤمن بالنصر والظفر على عدوه، ويجازي المنافق والمرتاب بالعذاب والنكال والخزي في الدنيا والآخرة، وأنتم ترون أن أغلب البلدان ما صفت وركد الإسلام فيها إلا بعد الردة وتميز الخبيث من الطيب.

فالواجب علينا وعليكم الإقبال على الله والتوبة والاستغفار، وكلٌ يعرف ذنبه ويتوب إلى الله منه، ولا يجعل الأمر في غيره قال تعالى:"وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون"[النور:31] وقال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات من تحتها الأنهار"[ التحريم:8] والتوبة لها شروط: منها الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزيمة ألا يعود.

 ونحن نخشى علينا وعليكم مما وقع من التقصير.

 ومن الذنوب ترك المحافظة على الصلوات الخمس، وهي عمود الإسلام. من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.

 ومنها الغفلة عن التفقه في دين الإسلام حتى إن من الناس من ينشأ وهو لا يعرف دين الإسلام، ومنهم من يدخل فيه وهو لا يعرفه ولا يفعله ظنا منه أن الإسلام هو العهد؛ ومعرفة الإسلام والعمل به واجب على كل أحد ولا ينفع فيه التقليد.

ومنها أن من الناس من يمنع الزكاة والذي لا يقدر على المنع يبخسها؛ والزكاة ركن من أركان الإسلام واجب أداؤها إلى الإمام أو نائبه على الأمر المشروع.

ومنها: عدم إنكار المنكر ممن يراه ويسكت عن إنكاره خوفا أو هيبة من أحد من الناس، والمنكر إذا خفي لم يضر إلا صاحبه، وإذا فشا ولم ينكر ضر العامة.  قال تعالى:"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسي ابن مريم ذلك بما عصوا  وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون "[ المائدة:79] .(17)

 

3- وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد -قدس الله روحه ونور ضريحه- في رسالة موجهة إلى الإمام فيصل بن تركي:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وعليه نتوكل ونعتمد.

من عبد الرحمن بن حسن إلى إمام المسلمين وخليفة سيد المرسلين في إقامة العدل والدين، وهو سبيل المؤمنين والخلفاء الراشدين (فيصل بن تركي) جعله الله في عدادهم متبعا لسيرهم وآثارهم آمين.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: اعلم : أن الله أنعم علينا وعليكم وعلى كافة أهل نجد بدين الإسلام الذي رضيه لعباده دينا، وعرفنا ذلك بأدلته وبراهينه دون الكثير من هذه الأمة الذين خفى عليهم ما خلقوا له من توحيد ربهم الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه.

وقد وقع أكثر من أنعم الله عليهم بهذه النعمة في التفريط في شكرها بالغفلة عنها والتهاون بها وعدم الرغبة فيها والاشتغال بما يشغل عنها من الرغبة في الدنيا والإقبال عليها والتحدث بها والعمل بموجبها ما لا يخفى على ذوي البصائر.

فعلينا وعليكم: أن نقوم على من قدرنا على القيام عليه ببذل الجهد والاجتهاد بالنصيحة لجمع المسلمين بتذكيرهم بما أنعم الله عليهم من الدين، وتعليمهم ما يجب عليهم تعليمه مما فيه صلاحهم وفلاحهم ونجاحهم وسعادتهم ونجاتهم من شرور الدنيا والآخرة.

وبسبب الغفلة عن هذه الأمور الواجبة وقع كثير من الناس في أشياء مما لا يحبه الله ولا يرضاه، كما لا يخفى على من نظر بنور الله وقد قال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون"[ الروم:41] والفساد : المعاصي وآثارها في الأرض.

لكن كما قيل: إذا كثر الإمساس قل الإحساس. نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

وموجبه الغفلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه لا صلاح للعباد في دينهم ودنياهم إلا بالقيام بحقه سبحانه.

واليوم : ما في البلدان من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا على ضعف، وفي ترك الأمر بالمعروف الوعيد الشديد وفعله (و أداؤه) علامة الإيمان؛ وهو من فروض الكفايات إذا قام بها البعض سقط الوجوب عن الباقين، وإذا لم يحصل القيام بذلك أثموا كلهم.

قال تعالى:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون "[آل عمران:104] وقال بعض العلماء : فروض الكفاية أشد على الناس من فروض العين. لأن فرض العين تخص عقوبته تاركه وفروض الكفاية تعم عقوبته كل من كان له قدرة.

 

فأوصيكم: معشر الإخوان- من الخاصة والعامة- أن ترغبوا فيما رغبكم الله فيه، وأن تهتموا به كاهتمامكم لدنياكم لتسعدوا وتسموا وتغنموا. والشأن كل الشأن الاهتمام بما يرضي الله عنكم، ويدفع الله به عنكم عقوبات الدنيا والآخرة.

وعلى الإمام – وفقه الله- أن يبعث للدين عمالا كما يبعث للزكاة عمالا ليعلموهم دينهم ويأمرونهم وينهونهم ؛ وهذا مما يوجب على الإمام أعانه الله على ذلك ووفقه للقيام بوظائف الدين نصيحة لله ولكتابه ولرسوله، وللمسلمين سنة الخلفاء الراشدين.

نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية والعون على مرضاته، فإنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه بالتوبة النصوح والإيمان والعمل الصالح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد.(18)

 

4- رسالة حمد بن معمر

بسم الله الرحمن الرحيم

من حمد بن ناصر بن معمر إلى الأخ جمعان رزقه الله العلم النافع والإيمان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه، والمسائل وصلت وهذا جوابها وأوصلك إن شاء الله تعالى.

المسألة الأولى: في المنكر الذي يجب إنكاره هل يسقط الإنكار إذا بلغ الأمير أم لا؟ فاعلم أن إنكار المنكر يجب بحسب الاستطاعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"(19)  وحينئذ إذا وقع المنكر وبلغ الأمير فلم يغيره لم يسقط إنكاره بل ينكره بحسب الاستطاعة، لكن إن خاف حصول منكر أعظم منه سقط المنكر وأنكر بقلبه، وقد نص العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه أنه لا ينبغي؛ وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد.(20)

 

5- قراءة في رسائل مشايخ الدعوة في هذه الفترة (الدولة السعودية الأولى والثانية):

1- التأكيد على تحقيق التوحيد، وبيان ما يضاده من وسائل الشرك المتعددة كالبناء على القبور ودعاء الموتى.

2- علم كيفية التناصح بشروط وآداب النصيحة فالأمر خطير: (بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوقع الفرقة بين الإخوان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى ثلاث:

- أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه.

- ويكون رفيقا فيهما.

- وأن يصبر على ما جاءه من الأذى . وإنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره.

3-  النصح للأمير وذوي الوجاهة يكون برفق وخفية ما أمكن (.... والجامع لهذا كله إذا صار المنكر من أمير أو غيره ينصح برفق خفية فإن وافق (قبل) وإلا استلحق عليه رجال يقبل منهم بخفية، فإن لم يقبل فيمكن الإنكار ظاهرا أو يرفع إلينا خفية...).

4-  كل ما يحصل للأمة من فتن وحروب إنما هو بسبب المعاصي والذنوب ( أنتم تعرفون ما يجيء أهل الإسلام شيء إلا بسبب ذنوبهم، فإذا عرفوا الذنب وتابوا منه نصرهم الله وأعزهم وكسر عدوهم وجعل العاقبة لهم في الدنيا والآخرة ... وهذه الأمور يجريها الله سبحانه ابتلاء وامتحانا ليميز الخبيث من الطيب والمؤمن من المنافق.... وأنتم ترون أن أغلب البلدان ما صفت وركد الإسلام فيها إلا بعد الردة، وتميز الخبيث من الطيب).

5- التأكيد على تجديد واستحضار التوبة في كل حال ومن كل ذنب؛ ومن أعظم الذنوب عدم إنكار المنكر .

6- متى يسقط الإثم عمّن لم ينكر: (هل يسقط الإنكار إذا بلغ الأمير أم لا؟ يجب الإنكار باليد أو اللسان أو القلب حسب الاستطاعة، وإذا وقع المنكر وبلغ الأمير فلم يغيره لم يسقط إنكاره عن الناس بل ينكرونه حسب الاستطاعة، و إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه فلا ينبغي إنكاره لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد).

 

7- ( وعلى الإمام – وفقه الله- أن يبعث للدين عمالاً يعلمون الناس ويرشدونهم – كما يبعث للزكاة عمالا يحبون الزكاة ).

 

الهــــوامـــش

1-  انظر مادة (حسب) في كل من الصحاح والقاموس المحيط ولسان العرب.

2- مجموع فتاوى ابن تيميه 28/ 69،66،62،61

3-  عنوان المجد  صـ11.

ملحوظة: ولم أعثر في مطالعاتي في تاريخ الدعوة في نجد – أن محمد بن سعود كتب أو بعث رسالة باسمه فقط، بل كل رسائله المدونة كانت ترسل باسم الإمامين معا: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود.

4-   الدولة السعودية الأولى 2/213 للدكتور منير العجلاني. 

5-  الدرر السنية 11/11.

6- تاريخ عجائب الآثار – للجبرتي 2/591.

7-  الدرر السنية 11/20.

8- صحيح مسلم 3/ 1219.

9- أخرجه أبو داود في سننه 3/290.

10- الدرر السنية 11/50.

11- عنوان المجد لابن بشر 2/66.

12- المصدر السابق 2/105.

13- الدرر السنية في الأجوبة النجدية 11/61.

14- أخرجه أحمد في المسند 2/ 327.

15-  الدرر السنية 7/ 25.

 

16- عبدالله (ت 1242هـ) - حسين (ت 1224هـ)- إبراهيم  كان حيا (ت1251هـ)- علي (ت 1245هـ) .

17- الدرر السنية 11/ 3.

18- ا لدرر السنية في الأجوبة النجدية 14/ 77.

19- أخرجه مسلم في صحيحه 1/96.

20- مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 2/41.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - عبدالرحمن بن جبرين
    مساءً 12:02:00 2013/05/29

    هل هذا خطة رسالة أكاديمية جامعية أم أنها بحث مستقل أم بحث مقدم لندوة أو ماذا ....وهل مطبوع ومنشور أم لا؟ [email protected] gmail.com

  2. 2 - سعودي في امريكا
    ًصباحا 08:11:00 2010/10/22

    طيب ليش الأن يحاربون الحسبة ورجالها ويضيقون عليها ؟؟؟

  3. 3 - ابو ديما
    مساءً 09:55:00 2010/10/19

    ابوووووووووووووووووووووك يالنفاق شكلك طفرت وتحتاج اعانه

  4. 4 - ggg
    ًصباحا 01:25:00 2010/10/19

    This is a great article

الصفحة 1 من 1