إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

حاجة البشرية إلى الرسل وضرورتها

الاحد 27 جمادى الأولى 1432 الموافق 01 مايو 2011  
حاجة البشرية إلى الرسل وضرورتها
عبد الرحمن بن علي إسماعيل

تمهيد: الحكمة من خلق الإنسان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام...وبعد:

من الذي خلق هذه المليارات من البشر الذين يعيشون في الأرض؟ ومن الذي جاء بهم إلى هذا الوجود؟ ولماذا خلقهم وأوجدهم؟ ما الذي يريده منهم؟ ما هي الأفعال التي ترضيه عنهم؟ وما هي الأعمال التي تغضبه عليهم؟ لماذا يموت هؤلاء الناس ويتركون هذه الحياة وما جمعوه فيها؟ لماذا يفارقون أهلهم وأولادهم وأموالهم؟ ما الذي يحصل لهؤلاء الناس بعد الموت؟ وهل تنتهي حياة البشرية بالموت؟ أم أن هناك حياة أخرى بعد الموت؟ وما هو الدليل والبرهان على ذلك؟

إن كل إنسان صاحب عقل صحيح وفطرة سليمة يجزم أن لهذه البشرية خالقاً خلقها وأوجدها من العدم، وأنها لا يمكن أن توجد بنفسها ولا أن توجد صدفة، وإذا كنا لا نصدق وجود أصغر جهاز أو قلم بدون أن يكون هناك من أوجده وركبه وصنعه، فكيف بهذا الكون كله؟ فمن الذي أوجد هذه الشمس والقمر والنجوم والسماء؟ إن الذي أوجد هذا الكون كله هو الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا هو الذي أوجد هذا الإنسان وخلق السماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم، وخلق الأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار وغير ذلك.

ولكن ما هي الحكمة من خلقنا ووجودنا في هذه الحياة؟ هل خلقنا الله تبارك وتعالى لنأكل ونشرب ونعمل ونجمع الأموال ثم نموت وتنتهي حياتنا بذلك؟ هل خلق الله هذه البشرية ليظلم بعضهم بعضاً ويقهر بعضهم بعضاً؟ ألا ترى إلى بني الإنسان وهم يعملون في هذه الحياة، فمنهم من يعمل في الزراعة، ومنهم من يعمل في صناعة الأجهزة والآلات ووسائل المواصلات، ومنهم من يعمل في عمارة الأرض، ولا تجد أحداً عاقلاً منهم إلا وهو يعمل لحكمة وهدف، ولو وجدنا رجلاً يعمل عملاً أو يصنع جهازاً أو يبني بيتاً، أو يزرع أرضاً ثم يعود فيبطل ذلك العمل ويكسر ذلك الجهاز أو يهدم البيت الذي بناه لحكمنا عليه بالسفه والجنون، هذا في حق البشر، فما بالك بالخالق سبحانه وتعالى.

إن الله تعالى خلق هذه البشرية وأوجدها إلى هذه الأرض لحكمة وغاية عظيمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ" (1)، إن الله تعالى لم يخلق هذه البشرية عبثاً ولن يتركهم بدون فائدة، قال سبحانه وتعالى: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ" (2)، وسخر الله تعالى لهذا الإنسان هذا الكون وما فيه، فهو يستفيد من الشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والأرض وما فيها، قال تعالى:"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (3)، وأعطاه الله تعالى هذه النعم ليعيش في هذه الأرض فيعبد الله تعالى ويحقق الغاية من وجوده ويستفيد مما خلق الله له ثم يموت ويغادر هذه الحياة تاركاً فيها كل شيء.

ولماذا يمـوت؟

إنه يعود إلى الله تعالى، فالله هو الذي خلقه، وهو الذي أماته ولابد أن يعود إليه سبحانه ليسأله عن الحكمة التي خُلق لأجلها وسوف يبعثه الله مرة أخرى فيسأله عن تلك السنوات التي عاش فيها، وماذا صنع؟ فمن عَبَدَ الله تعالى وقام بما أمره الله أدخله الله الجنة، دار النعيم، يعيش فيها حياة أبدية في سعادة وراحة وطمأنينة، ومن لم يعبده سبحانه ويقوم بالغاية التي خلق لأجلها عذبه الله تعالى في نار جهنم خالداً فيها أبداً.

خطر الجري وراء الشهوات:

ولكن لابد أن تعلم أن هناك أعداءً لهذا الإنسان يعملون على إغوائه وضياعه وشقائه في هذه الحياة، ويسعون لإيصاله إلى نار جهنم وعدم تحقيق الغاية التي خلق من أجلها، وأكبر هؤلاء الأعداء هو الشيطان الذي أقسم بعزة الله أن يغوي البشرية كما أخبر الله عنه "قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" (4)، وهكذا أيضاً أتباعه وجنوده من الجن والإنس.

كما أن النفس والهوى وأصدقاء السوء وجلساء الفساد، يعملون على إغواء هذا الإنسان وإغراقه في الشهوات والملذات فتجدهم يعملون ليل نهار، وبكل الوسائل على أن يظل الإنسان في حياته يجري وراء شهوة المال أو الملك والسلطان، أو يجري وراء شهوة الفرج، فيغرق في شرب الخمور وممارسة الزنا، وارتكاب اللواط والشذوذ الجنسي، وهكذا يظل يسرح ويمرح حتى يأتيه الموت ولم يحقق الغاية التي خلق من أجلها فيهلك هلاكاً عظيماً، ويخسر خسراناً مبيناً، ويكون مأواه النار، والعياذ بالله .

ولذا فإن الإنسان العاقل هو الذي يتفكر في نفسه، ويتأمل في وجوده، ويعمل على إنقاذ نفسه، ويحذر من الوقوع في العذاب فيؤدي الحكمة التي خلق من أجلها وهي عبادة الله وحده لا شريك له.

خطر الشبهات على الإنسان:

وهذه طريقة أخرى لأعداء الإنسانية وجنود الشيطان الجن والإنس، في صرف الإنسان عن الحق وإبعاده عن الحكمة التي خلق من أجلها، وهي إثارة الشبهات والشكوك في طريقه تشكيك له في كل شيء يشككونه في وجود الله عز وجل، مع أنه يؤمن بذلك بفطرته وعقله ويشككونه في صدق أنبياء الله ورسله، ويضعون أمامه الشبهات في التصديق باليوم الآخر والبعث بعد الموت، ويصرفونه عما جاءت به الرسل من الهدى والنور، كل ذلك من أجل إضاعته وخسارته وهلاكه في الدنيا والآخرة.

والواجب على كل إنسان في هذه الأرض أن يسأل عن الحق ويبحث عنه، ويعلم أن الله تعالى هو خالق هذا الكون وما فيه، وأن الله جل وعلا قد أرسل رسله وأنزل كتبه لهداية الخلق وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، وتحذيرهم من وساوس الشيطان وكيده، وأنه لا سبيل لهذه البشرية ولا نجاة لها إلا أن تسلك طريق الأنبياء والمرسلين.

حاجة البشرية إلى الرسل وضرورتها (5)

من خلال ما سبق من أن الله تعالى هو الذي خلق هذا الإنسان وأمده بالسمع والبصر والعقل، وأنه تعالى خلقه لحكمة عظيمة وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأنه بحاجة إلى من يرشده لتلك الحكمة والغاية، فهل العقل والعلوم المادية تكفي لهدايته ومعرفة الحكمة من خلقه؟ ومعرفة المنهج الصحيح الذي تسير عليه البشرية في هذه الحياة، هل يستطيع العقل إدراك عالم الغيب، فيعرف ماذا بعد الموت؟ وما الذي يدور في القبر؟
وما هي المخلوقات الأخرى التي لا نشاهدها من عالم الجن والملائكة والجنة والنار وما علاقتنا بها، وإلى أين مصيرنا بعد هذه الحياة؟

إن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الإنسان لعبادته وطاعته فقال سبحانه "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ" (6)، والله تعالى هو الذي ركب في هذا الإنسان وسائل المعرفة من سمع وبصر وعقل، وهو سبحانه يعلم أن هذه الوسائل قاصرة ومحدودة، فالسمع محدود في عمله ولا يستطيع أن يسمع كل ما في هذا الكون، وهكذا البصر محدود لا يستطيع أن يرى كل شيء، بل لا يستطيع أن يرى ما وراء الجدار، وهكذا العقل محدود، وله مجال معين يعمل فيه حسب ما يصل إليه من الحواس الخمس.

ولا يستطيع العقل أن يعرف الأمور الغيبية مهما كان ذكاؤه وخبرته، فلا يعرف ماذا يوجد في هذا الكون من المخلوقات الأخرى التي لا يراها ولا يشاهدها، ولا يمكن معرفتها بأي وسيلة كعالم ا لجن والملائكة، ولا يعرف ماذا يجري في المستقبل من الأحداث، ولا ما حدث في الماضي إلا بواسطة من ينقل له ذلك أو يخبره به، أما بذاته فلا يستطيع أن يعرف من ذلك شيئاً.

وما دام أن الله تعالى هو الذي خلق هذا الإنسان وهو يعلم كيف خلقه وما هي قدراته، وما الأمور التي يعرفها بنفسه بما أمده الله به من السمع والبصر والعقل وغير ذلك من الحواس، ويعلم سبحانه ما هي الأمور التي لا يستطيع هذا الإنسان أن يعرفها بنفسه لكونها خارجة عن قدرته وإمكاناته، كما أنه سبحانه يعلم أنه خلق هذا الإنسان لحكمة وغاية لن يهتدي إليها جملة وتفصيلاً بواسطة العقل أو العلوم التجريبية، كما أن الإنسان سوف يعيش في هذه الأرض مع بني جنسه لتحقيق الهدف الذي خلقوا من أجله.

ولابد للبشرية في مدة بقائها في هذه الأرض من منهج تسير عليه، ينظم لها جميع جوانب حياتها في عقيدتها وعباداتها وسياستها وأخلاقها وتعليمها واقتصادها. ولن تهتدي إلى ذلك بواسطة العقل لقصوره وعجزه مع اختلاف العقول وتفاوتها، فهي ترى الرأي اليوم ثم تتراجع عنه غداً لما ظهر لها من أسباب، وهي في إصدارها لكثير من الأمور على سبيل التجربة ثم تتبين لها نتائج خلاف ما كانت تتوقع فتعمل على تغيير الأمور والقرارات التي ذهبت إليها، وهكذا.

لماذا إرسـال الرسل ؟

من أجل ذلك كله كان لا بد من إرسال الرسل وإنزال الكتب لهداية الخلق إلى الصراط المستقيم وتعليمهم تفاصيل العبادة التي خلقوا من أجلها وبيان المنهج الصحيح لهذه الحياة وإخبارهم بحقيقة الغيب الذي لا تدركه حواسهم وعقولهم وبيان المصير الذي ينتظرهم بعد الموت وكيف يستعدون له بطاعة الله وعبادته ويحذروهم من الجري وراء الشهوات والتأثر بالشبهات وإقامة الحجة عليهم، كما قال سبحانه:" رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" (7)، ذلك أن وسائل المعرفة التي ركبها الله تعالى في هذا الإنسان لا تكفي لهدايته وإرشاده إلى الغاية التي خلق من أجلها وبيان تفاصيل المنهج الصحيح الذي يعيش عليه في هذه الحياة.

وإليك بيان الأسباب تفصيلاً:

أولاً: عدم كفاية الفطرة لهداية الإنسان:

إن حكمة الحكيم العليم الذي خلق هذا الإنسان يعلم قبل أن يخلقه لماذا يخلقه وما هي التكاليف المطلوبة منه، فخلقه جل وعلا مهيأ للقيام بتلك الوظيفة وأعده لتلك المهمة، وهنا قد تسأل هذا السؤال:

لماذا لا تكفي الفطرة لهداية الإنسان؟ والجواب: أن الله تعالى حين فطر الإنسان قابلاً للخير مهيأ له بذاته فإنه لم يبق على ذلك حتى تأتيه رسل الله فتبين له تفاصيل الشريعة والمنهج الذي يسير عليه، بل تغيرت فطرته وانحرفت للأسباب التاليـة:

1- جهود الشياطين وعلى رأسهم إبليس الذي أخبر الخالق عز وجل تحذيراً من شره وبياناً لمكره بأنه أقسم بعزة الله عز وجل أن يصرف الناس عن فطرتهم ويخرجهم عن منهج ربهم جل وعلا. قال تعالى مخبراً عنه "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"، وقال جل وعلا عنه "… قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ إلا عبادك منهم المخلصين" [الحجر،
آية 39-40]. وجاء في السنة المطهرة عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبداً حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" (8).

2- البيئة والأسرة الفاسدة التي يعيش فيها هذا المخلوق ويتربى بين أحضانها، فإنها أيضاً تؤثر في فطرته وتصرفه عن الحالة التي خلق عليها، وهذا ما أوضحه صلى الله عليه وسلم بقوله:" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم "فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله" (9). فأبان النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن للأسرة والبيئة التي يعيش فيها الإنسان تأثيراً على فطرته وذكر في الحديث أنهما يخرجانه عن فطرته إلى اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو غيرها ولم يقل يسلمانه لأنه مفطور على الإسلام والتوحيد والإيمان بالله عز وجل، والاعتراف بأن الله تعالى هو الخالق المدبر المتصرف في هذا الكون.

3- أن إدراك الإنسان للحق بفطرته ومعرفته له هو أمر إجمالي والإنسان بحاجة إلى معرفة تفصيلات الأحكام والشرائع ومعرفة الثواب والعقاب المترتب على الأفعال الصادرة منه، وذلك ما لا يمكن معرفته بالفطرة، فكان لابد من إرسال الرسل وإنزال الكتب لبيان ذلك كله.

ثانياً: عدم كفاية العقل (10):

ومما يدلك على ضرورة إرسال الرسل أن عقل الإنسان لا يكفي لبيان ما يحتاجه الإنسان
ومعرفته وذلك لما يلي:

1- العقل محدود في عمله:

إن العقل له مجال معين يعمل فيه، وهو عالم المادة، فهو لا يزال يعمل في هذا الجانب ويكتشف الاكتشافات ويبتكرها وليست معلومة لديه دفعة واحدة، ولذا تجده يجري التجارب ويضع الاحتمالات ثم يقوم بدراسة النتائج، وربما جاءت النتائج على خلاف ما كان يتوقع، ولذا تجد أن علماء المادة يضعون النظريات والحقائق العلمية، وما هي إلا شهور أو سنوات ثم يغيرون تلك النظرية بناءً على ما اكتشفته عقولهم. وربما عاشت أجيال على نظريات وحقائق علمية، ثم جاء الجيل التالي فاكتشف بطلان ذلك.

2- عجز العقل عن إدراك عالم الغيب:

إن العقل لا يمكنه أن يدرك عالم الغيب الذي لا يدرك بالحواس الخمس، والعقل إنما يتلقى المعلومات بواسطة الحواس ثم يقوم بدراستها وتحليل نتائجها.

أما ما وراء المادة من عالم الغيب ومعرفة ماذا يحصل في المستقبل، وهل هناك مخلوقات أخرى كالجن والملائكة، ومعرفة حقيقة الروح في جسم الإنسان، وما الذي يحصل للإنسان في قبره، وماذا يكون للبشرية بعد الموت من الحساب والجزاء والجنة والنار، وكذلك معرفة الخالق سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، كل ذلك وغيره كثير مما لا يمكن للعقل مهما كان ذكاؤه أن يدركه على حقيقته إدراكاً تاماً، فكان لابد من إرسال الرسل من عند الخالق سبحانه لتعريف الإنسان بذلك.

ضرورة الإيمان بالغيب:

إن البشرية بحاجة ماسة وضرورية للإيمان بالغيب، إذ يتوقف على ذلك تحديد مصيرها في الآخرة وتنظيم حياتها في الدنيا، فلابد من معرفة الخالق سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وكذلك غاية خلقه للجن والإنس وما هو المصير بعد الموت…، كل ذلك من أجل أن يعرف الإنسان كيف يتعامل مع المخلوقات التي لا يراها وكذلك ليستعد للقاء الله عز وجل ووقوفه بين يديه في يوم القيامة، ويتحدد بذلك مصيره إلى جنة أو إلى نار.

3- عجز العقل عن إدراك ألوهية الله وعبادته:

إن العقل عاجز عن الوصول إلى المعبود الحق ومعرفة أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنه لا يجوز صرف العبادة لغير الله جل وعلا، ولذا تجد أن العقل يتخبط في هذا الجانب ويحتار، وهنا اختلفت العقول وتباينت معبوداتها، ولك أن تنظر في معبودات الناس قديماً وحديثاً.. ألست تجد اليوم من البشر من توجه إلى عبادة النار واعتقاد أنها الإله وجعل يتقرب إليها ويركع ويسجد أمامها ويعمل على إشعالها وعدم انطفائها. كما أنه لا يزال إلى اليوم من يعبد الأبقار ويعتقد أنها هي الإله.

بل تعجب حينما تسمع زعيم الهند (غاندي) الذي قاوم الاستعمار الإنجليزي في الهند يصرح ويقول: "عندما أرى بقرة لا أعدني أرى حيواناً لأني أعبد البقرة وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع". بل وصل به الضلال أن فضل البقرة على أمه التي ولدته فقال: "وأمي البقرة تفضل أمي الحقيقية من عدة وجوه، فالأم الحقيقية ترضعنا مدة عام أو عامين، وتطلب منا خدمات طوال العمر، ولكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائماً ولا تطلب منا شيئاً". بل يصرح ويقول: "إن حماية البقرة التي فرضتها الهندوسية هي هدية الهند إلى العالم وهي إحساس برباط الأخوة بين الإنسان وبين الحيوان، والفكر الهندي يعتقد أن البقرة أم للإنسان وهي كذلك.. إن البقرة خير رفيق للمواطن الهندي وهي خير حماية للهند" (11).

أليست ألمانيا اليوم من كبار الدول الأوروبية وتمتاز بتطورها المادي والعسكري واكتشافاتها الحديثة، فلماذا لم يستطع ذلك العقل أن يعرف من الإله الحق الذي تصرف له العبادة، فتركت كثيراً من أبنائها يعبدون الشيطان ويتقربون له، رغم ما وصلت إليه عقولهم. أم أنها الحرية الدينية التي تقود إلى عبادة الشيطان كما يزعمون (12).

ألا تنظر اليوم إلى الأرض رغم ما وصلت إليه البشرية من التطور الهائل، ومع ذلك فلا يزال كثير من سكان الأرض يعبدون غير الله عز وجل، فمنهم من لا يزال يعبد التماثيل والأحجار ومنهم من يعبد الأبقار والشيطان، بل عَبَدَ بعض الناس فروج النساء وتخبطت البشرية في هذا الجانب.

فأين العقل؟ وما دوره في هداية البشرية وإنقاذها من هذه الوثنية؟ وما دور الحضارة الغربية في إنقاذ الناس وتحريرهم من الخضوع والذلة للمخلوقين. إن العقل يرشد البشرية أن تعود إلى الذي خلقها وأوجدها لتعرف من هو المعبود؟ وما هي العبادة التي يريدها، وهو الله عز وجل.

4- تفاوت العقول واختلافها:

ومما يجعل العقول عاجزة عن هداية الخلق وإرشادهم أن العقول مختلفة ومتفاوتة ولكل عقل منها رأي في القضايا المطروحة عليه، فمن هو العقل الذي نعتمد عليه في حسم الخلافات، وما هو المعيار في كون عقل فلان صواباً، وعقل فلان خطئاً، إنه لا جواب لمثل هذه الأسئلة إلا ببعثة الرسل فهم الذين يرشدون البشر ويهدون العقول ويحكمون بالخطأ والصواب على معتقدات الناس وأفعالهم.

5- عجز العقل عن وضع منهج صحيح للحياة:

إن العقل يدرك الحسن والقبح في بعض الجوانب من حيث الجملة ولكنه عاجز عن إدراك جميع جوانب الحسن والقبح، كما أنه أيضاً عاجز عن إدراك الأحكام الجزئية ووضع التشريعات المناسبة الصحيحة لتلك الجزئيات.

وكذلك لا يستطيع العقل أن يدرك تفاصيل العبادة التي يريدها الله من خلقه ولأجلها خلقهم، مثل تفاصيل الصلاة والصيام والزكاة والذكر وغيره من أنواع العبادات. وهكذا في جانب التشريعات التي يحتاج إليها البشر في حياتهم مثل جانب السياسة والاقتصاد والاجتماع وأمور السلم والحرب والعلاقات بين الدول، كل ذلك مما يعجز العقل عن إدراكه.

ولو رجعت إلى التاريخ لتعرف كيف كان حال الناس قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلموخاصة في القرن السادس الميلادي لأدركت أهمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وضرورتها".

لقد انحرفت البشرية في جميع جوانب حياتها وبلغت مبلغاً عظيماً من الزيغ والشقاء، فتحكم في الناس أفراد وطبقات يسومونهم سوء العذاب، فانتشر الاستبداد والظلم، وذهبت الأرواح وأخذت الأموال بغير حق، وانتشر السلب والنهب وفسدت المجتمعات وسيطر عليها الهوى والشهوة وانحطت الأخلاق وتدنى وضع المرأة إلى الحضيض.

قال الندوي – رحمه الله– : "وفي نهاية الجمهورية الرومية سال بالروم سيل الانحطاط الخلقي البهيمي، وفاض بحر الترف في العيش والبذخ فيضاً غاص الروم فيه إلى الأذقان وتزعزع البناء الاجتماعي حتى كاد ينهدم" (13). "وفي فارس أصبح المجتمع رغم المدنية مجتمعاً متعفناً ينخر فيه الفساد وتسيطر عصبة الشهوات، وفشى في المجتمع الفارسي من العادات ما ينفر منه من له أدنى ذوق أو عقل حتى تعارفوا على زواج المحارم، فهذا يزدجر الثاني يتزوج ابنته ثم يقتلها، وهذا بهرام يتزوج بأخته، كل ذلك تأثراً بدعوة (فردريك) في الاشتراك في المال والنساء (14).

حصل ذلك وغيره كثير بسبب الإعراض عن النبوات ورفض تعاليم الرسل وتحكيم العقول المختلفة القاصرة المتناقضة في حياة الناس.

5- أن العقل ليس المصدر الوحيد للمعرفة:

فمن المعلوم أن مصادر المعرفة متعددة فمنها ما يعرف بالسمع ومنها ما يعرف بالبصر ومنها ما يدرك بالذوق، ومنها ما يعرف بالعقل، وكما أن سائر الآلات في الإنسان محدودة ويصيبها الضعف، فهكذا العقل محدود ويصاب بالضعف.

وهكذا يمكن تشبيه العقل بدون وحي كالعين بدون نور، فكما أن العين لا تبصر إلا بوجود النور فكذلك العقل لا يمكن أن يعرف الحق من الباطل ويميز بين الهدى والضلال إلا إذا جاء الوحي، ومن الأمثلة على ذلك معرفة الحوادث الماضية وتاريخ الأمم السابقة، فلو أن الإنسان أعمل عقله فيما مضى من الحوادث فلن يستطيع أن يعرفها جملة وتفصيلاً مهما كان ذكاؤه وخبرته، وإنما يتوقف في معرفة ذلك على السمع مما كتبه المؤرخون الأولون، وقل مثل ذلك فيما سيأتي من الأحداث في المستقبل.

ثالثاً: عدم كفاية العلوم المادية (15):

وكما أن الفطرة والعقل لا يكفيان لهداية البشرية وعلاج مشاكل الحياة، فكذلك العلوم المادية القائمة على التجربة والتي انبهر بها العالم في بداية الأمر وظنوا أنهم قد وصلوا إلى ما يغنيهم عن كل شيء، وأنه لا حاجة بعد ذلك إلى الدين والإيمان بعد العلم المادي التجريبي خاصة وأن الدين الذي يدين به الغرب دين محرف بل دين وثني وخاصة مع تلك الاختراعات المختلفة والابتكارات التي وصل إليها العلم المادي فظنوا أنها المخلّص الحقيقي من الضلال، وما هي إلا سنوات وإذا ذلك الانبهار وتلك الثقة بدأت تتراجع حول العلم المادي والركون إليه لما يأتي:

1- اهتمام العلم بالجانب المادي:

حيث تعاملت مع الإنسان أنه مجرد آلة تطبق عليه قوانين الحركة، وعجزت تلك العلوم عن حل المشكلات الروحية والنفسية وابتعدت عن قواعد الهداية للبشر كما عجزت عن تفسير هذا الكون والحياة وعلاقة الإنسان بهما.

2- اختلال الثوابت العلمية:

فبعد أن حصل ذلك الانبهار للعقول بما أنتجته شيئاً فشيئاً وعلى سبيل المثال نظرية (دارون) في تفسير كيفية وجود الإنسان وقد عدوها حقيقة علمية وبنوا عليها سائر علومهم المتعلقة بالإنسان واعتبروا إنكارها تعصباً وجموداً، وما هي إلا سنوات وإذا بهم يعترفون بتهافت أدلة نظرية (دارون) ويقوم باستير بإبطالها .

شهادة منصف:

يقول (وليام رسل) لسوء حظنا لم تعد الطبيعة النظرية تحدثنا اليوم بالثقة الرائعة نفسها التي كانت تحدثنا بها في القرن السابع عشر، لقد كانت لأعمال نيوتن أربعة تخيلات رئيسة: المكان والزمان والمادة والقوة. وقد أصبحت هذه العناصر نسياً منسيا في علم الطبيعة الحديث، وقد أصبح هذا التصور قديماً إن لم نقل إنه قد مات فعلاً.

3- عجز العلوم المادية عن هداية البشرية:

ورغم ما وصلت إليه العلوم المادية اليوم من التطور الهائل إلا أن عجزها عن هداية الخلق وإرشادهم إلى النور وحل مشكلاتهم التي يعانون منها في جميع مجالات الحياة ظل واضحاً جلياً بشهادة المنصفين منهم، فهذا الطبيب الفرنسي كارل كما في كتاب (الإنسان الذي نجهله، ص19) يقول: "لقد أصبح جلياً أن تقدم كل العلوم المتعلقة بالإنسان لا يكفي لإشباع احتياجاتنا عنه وبإيجاز شديد إن علمنا عن ذاتنا لا يزال في حالة بدائية"، ويقول: "إننا لا نستطيع التوصل إلى أسرار الإنسان بنفس الأسلوب الذي نستخدمه في اكتشاف خواص المادة، أما عجزنا الأكبر والأهم، فهو أن كل دراستنا الطبيعية في دراسة جثة الإنسان الميت، فلسنا نتمتع بعد بصلاحية الإنسان الحي" (16).

وهكذا تبقى العلوم المادية قاصرة عن هداية الخلق وحل مشاكل هذا الإنسان، بل كان من نتائجها الوخيمة إنكار الوحي وتكذيب الرسل ونبذ الدين وانتشار الإلحاد حتى قال (هيجل): "إنني أستطيع خلق الإنسان لو توفر لي الماء والمواد الكيماوية والوقت"، وهذا ينتشه يصرخ قائلاً: "لقد مات الإله الآن" (17).

إن انتشار الفساد في الحضارة الغربية وانحطاط الأخلاق الفاضلة والأسلحة الفتاكة التي تهلك الحرث والنسل وانتشار الأمراض الاجتماعية الخطيرة التي تهدد المجتمع وتفشي الربا وتلوث البيئة لن تخرج منه الحضارة الغربية إلا بالعودة إلى ما جاءت به رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وخاصة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فهي الرسالة الأخيرة والخاتمة وهي ناسخة للرسالات السابقة، قال تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (18).

----------------

(1) الذاريات، آية (56).

(2) المؤمنون، آية (115).

(3) الجاثية، آية (13).

(4) ص، الآيات (82، 83).

(5) الإسلام وحاجة البشرية إليه د/ محمد يوسف موسى ص21.، الوحي المحمدي لرشيد رضا ص54.، رسالة خاتم النبيين د/ ثامر غشيان ص22 وما بعدها.، الرسل والرسالات د/ عمر الأشقر ص29.

(6) الذاريات، آية (56).

(7) النساء ، آية (165).

(8) رواه مسلم (2197).

(9) مسلم (2658).

(10) أنظر: الإسلام وحاجة البشرية إليه د/ محمد يوسف موسى ص21.، الوحي المحمدي لرشيد رضا ص54.، رسالة خاتم النبيين د/ ثامر غشيان ص22 وما بعدها.، الرسل والرسالات د/ عمر الأشقر ص29 - بتصرف.

(11) مقارنة الأديان، أديان الهند الكبرى، ص36.

(12) مجلة البيان (16/95).

(13) ماذا خسر العالم، ص184.

(14) المرجع نفسه، ص184.

(15) رسالة خاتم النبيين، د. ثامر غشيان، ص35، نقلاً عن كتاب التطور الفلسفي، ص17.

(16) المصدر السابق، ص34.

(17) رسالة خاتم النبيين ص40.

(18) الأنبياء، آية (107).

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - ايمان فتحى
    مساءً 04:31:00 2015/02/15

    ما شاء اللة

  2. 2 - ايمان فتحى
    مساءً 04:19:00 2015/02/15

    جزاك اللة خيرا واعاطكم من خيراتة

  3. 3 - Mahmoud Mansour
    مساءً 07:10:00 2013/03/22

    ما شاء الله

  4. 4 - مصطفى
    مساءً 06:53:00 2013/03/17

    جزاكم الله خيراواعطاكم من خيراته

  5. 5 - مروان
    ًصباحا 10:31:00 2013/03/16

    جزاكم الله خيرا واعطاكم من خيراته

  6. 6 - ahmad hassan
    مساءً 10:23:00 2013/02/23

    بسم لله الرحمن الرحيم ______--------______ (يجب طاعة الله سبحانة وتعالي لكي يحمنا من الشهوات)

  7. 7 - نرمين
    مساءً 03:48:00 2012/02/20

    جزاكم الله خيرا

الصفحة 1 من 1