إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

العقل أسبق من النقل، ولكن!

الثلاثاء 20 ذو القعدة 1432 الموافق 18 أكتوبر 2011  
العقل أسبق من النقل، ولكن!
د. سعيد إسماعيل صيني

هناك من يقول بأن كفة النقل ترجح على كفة العقل مطلقاً، بل ويذهب البعض إلى القول بأن فهم شيخه للنقل يرجح على العقل، سواء سميناه المنطق أو الفطرة السليمة، وهذا القول فيه الكثير من الصواب، إذا اقتصرنا الأمر على النصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة.

والسؤال: من يحكم بأن النص قطعي الثبوت؟ أليس العقل؟

لهذا فإن القول الأصوب هو أن العقل الذي ميز الله به الإنسان أسبق، ويأتي أولاً. فهو الذي يلاحظ الواقع ويقوم بتقويمه، ويحدد درجة الأمانة والصدق في الناقل لخبر السماء. وهذا ما حصل مع الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم عندما جاء برسالته. والعقل هو الذي يضع المعايير التي بموجبها نحدد مصداقية النصوص المنسوبة إلى منزل الكتاب وسنة رسوله الكريم، أي هو الذي يستوعب النقل ويتحقق من صحته... أما عند اصطدام العقل البشري المحدود بالنقل القطعي الثبوت والدلالة، فإن النقل هو الذي يُعتمد عليه. ويكفي أن نستعرض قصة نقل عرش بلقيس من اليمن إلى القدس خلال طرفة عين؛ لندرك هنا أن الخبر المنقول عن الله هو المعتمد، وذلك لأن العقل البشري محكوم بحواسه المحدودة التي يدرك بواسطتها الواقع...

وأما عن دور العقل في الشريعة الإسلامية فيمكن القول: صحيح بأن التشريعات الخاصة بالعلاقة بين البشر قد تتأثر بأساليب المعيشة ووسائلها المتغيرة والمتجددة، ولكن لما كان الإسلام خاتم الرسالات السماوية وموجّهًا للعالمين جميعا فقد كفل خالق الكون لهذه الرسالة صفات تجعلها قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان .

والتغيير والتجديد وإن كان لا يلمس إلا أساليب العيش ووسائله ينبغي ألا يخرج عن الفطرة التي توازن بين احتياجات السعادة في الدنيا واحتياجات السعادة في الآخرة. والتشريعات الربانية هي التي تقرر ما هو مباح ولا يخل بالفطرة، وما هو مضر للإنسان ويفسد الفطرة. فخالق الكون -المحيط بكل شيء علماً- أعلم بالوسائل الأكثر فاعلية في حفظ الفطرة وما يصلح خللها .

وكما نعلم فإن المصادر الرئيسة للتشريعات تتمثل فيما يلي :

1. القرآن الكريم: وهو كلام الله مضموناً وقالباً. ويتم حفظه رواية، أي سماعاً من حافظ إلى حافظ إلى أن يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بواسطة سلاسل من الرواة متعددة. وهذا إضافة إلى حفظه كتابة .

2. السنة النبوية: وهي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراراته، أي مجموعة من التطبيقات العملية لما ورد في القرآن الكريم، ولما نزل عليه من الوحي غير المباشر في كافة مجالات الحياة. وقد تم حفظه سماعا وتسجيله باستخدام قواعد للتحقق من نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تتراوح بين الصارم والجيد، بحسب منهج من قام بالتسجيل. وقد تم تسجيل معظم السنة بقواعد صارمة .

3. الاجتهاد: ويتضمن تفسير ما يحتاج إلى تفسير من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية والاستنباط منهما لحل مشكلات الحياة في الواقع. ويندرج تحت الاجتهاد المصادر التي تسمى: القياس، والاستحسان، والعرف، وسد الذرائع، والاستصحاب. وهذه مصادر يقوم العقل فيها بدور رئيس. كما يسهم العرف في منح التشريع الإسلامي قدرة على التكيف مع البيئات المحلية. ( انظر مثلا أبو زهرة ص 218-305؛ يعقوب ص 128-237؛ الريسوني للاستحسان ص 80-90) وهذه المصادر تترك مجالاً واسعاً للمرونة والتعدد في الآراء المقبولة، وفي تفاعل النصوص مع الواقع المتغير من حيث أساليب الحياة ووسائلها.

وهنا نلاحظ أن الاجتهاد في الشريعة يحتاج إلى أدوات ينبغي توفرها لدى المجتهد. ولعل مما يجسد هذه الحقيقة الحديث النبوي الذي يقول "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الأخرى شِفَاءً". (صحيح البخاري: بدء الخلق) وقد يفهم أحدهم أن هذا الحديث، وقد جاء بصيغة الأمر، أنه ملزم، لعدم فهمه شيئاً كافياً في أصول التشريع الإسلامي. فالحديث يكشف عن حقيقة علمية، ويرشد إلى طريقة الاستفادة منها بالنسبة للشراب فقط، إذا رغب الإنسان في ذلك. وقد يستغرب البعض من هذا الحديث النبوي والحديث الآخر الذي يفيد بأن أبوال الإبل تعالج بعض الأمراض . (صحيح البخاري: الجهاد والسير) مع أنهما حديثان صحيحان. وفي الوقت نفسه يصدقون الاستكشافات البشرية التي تفيد، مثلا بأن سم الأفاعي يُعتبر مصلاً ذا طبيعة وقائية وعلاجية .

4. الإجماع: وهو الاجتهاد نفسه، ولكنه الاجتهاد الذي يكتسب قوة إضافية بإجماع العلماء عليه في عصر محدد، مثل جيل الصحابة وجيل التابعين. وهو يأتي من حيث القوة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية. ويضعه علماء الأصول عادة بعدهما. فالترتيب الشائع مبني على درجة القوة وليس على الترتيب التسلسلي . وهناك فرق كبير بين النصوص قطعية الثبوت والدلالة،  وبين الفهم البشري القابل للخطأ.

ولهذا ليس من المستغرب أن تتوفر للتشريع الإسلامي مرونة كافية للتعامل بكفاءة مع المشكلات المستجدة في الحياة. فهو وإن كان مؤسسًا على قواعد راسخة تعود إلى قرون عديدة فإنه مرن بحيث يسمح بالتفاعل بطريقة متقنة مع الواقع حتى المتجدد. وتظهر المرونة في صور متعددة، منها ما يلي :

1 - التعدد المقبول في اعتماد بعض النصوص ورفضها أو الترجيح بينها. وعملية غربلة النصوص لا تقتصر على تحكيم العقل البشري القاصر. فهذا سيؤدي إلى رفض الأخبار الكثيرة، حتى الاكتشافات العلمية، مثل استعمال سم الثعبان القاتل مصلاً ضد أمراض خطيرة. ولهذا فإن عملية الغربلة تحتاج أيضا إلى النقل الموثوق به .

2 التعدد المقبول في تفسير النصوص والاستنباط منها. فالمناهج قد تختلف ولو قليلاً، وكذلك تختلف المداخل والخلفيات الشخصية من معلومات وتوجهات، وتختلف درجة الوعي بالسياقات ودرجة فهم اللغة التي ورد بها النص .

3 التعدد المقبول في تشخيص الواقع. فكثير من الناس قد يختلفون في تشخيص الواقع رغم استخدام الوسائل الدقيقة المتوفرة حتى في الأمور المادية المحسوسة .

4 التعدد المقبول في المطابقة بين النصوص والواقع، ومثال ذلك: هل حكم الربا ينطبق على البيع بالتقسيط، إذا كان البائع بنكًا يتعامل – في الأصل - مع الأموال وليس في بيع الأعيان. وهل تندرج جميع أنواع المسابقات ضمن القمار المحرم؟

5 التعدد المقبول في اختيار بعض المصادر الثانوية، مثل الاستحسان وعمل أهل المدينة، واعتماد أقوال الصحابة وشرع من سبقنا .

وهنا يتساءل الإنسان: هل الدين الصحيح يتعارض مع العلم الصحيح؟

يبدو أن هناك ظاهرة منتشرة بين بعض المسلمين، تفرق بين الدين والعلم، وبالتالي تصور العلاقة بين الحضارة الغربية والإسلام علاقة تصادم كامل.

ويبدو أن السبب الرئيس وراء هذه الظاهرة هو التعريف المشوش للعلم وتعميم صفات المسيحية الراهنة على جميع الأديان ومنها الإسلام. فالفكر العلماني الغربي نشأ في أحضان الصراع بين النصرانية التي تعرضت للتحريف، والاجتهادات البشرية المبنية على التأملات الشخصية أو الاستقراء المقنن.

وقد يكون من المناسب التعريف بالعلم مستعيناً بما جاء في الطبعة الثانية من كتاب قواعد أساسية في البحث العلمي، ثم إلقاء الضوء على طبيعة الصراع الدائر بين التوجه الإسلامي الحماسي والعلماني النسبي، وذلك بصفتها قراءة سريعة لهذا الصراع.

ما هو العلم:

تستمد كلمة العلم جذورها من عَلِم يعلَم. وهي أيضاً عكس الجهل. والعلم يعوّل عليه في استنتاج المزيد من العلم أو المعرفة. فعليه يتم الاعتماد في استنتاج ما حصل في الماضي بدقة كبيرة، وفي التنبؤ بما سيحدث في المستقبل، وفي التعرف على السنن الكونية التي تسهم في بناء أنظمة تعمل بصورة تلقائية (مثل الأجهزة الأتوماتيكية). وقد يكون العلم حقائق جزئية أو حقائق عامة، أي حقائق تتدرج بين الأشياء المحسوسة والأشياء التجريدية (التصورات الذهنية).

ويلاحظ أن هناك كلمتين مشهورتين نطلقهما على التراث الفكري: كلمة "المعرفة" وكلمة "العلم" والأولى أكثر شمولية، أي تضم المعرفة العلم. والعلم أكثر دقة وأعلى في درجة المصداقية. وتسند نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة هذا التمييز لأنها تقتصر على كلمة "العلم" ومشتقاته في وصف إحاطة الله سبحانه وتعالى بالكون وما فيه.

ولو تأملنا في مصادر التراث البشري من العلوم، لوجدنا أنها لا تخرج عن مصادر المعرفة وهي: التلقي والملاحظة والتجربة والاستنتاج. فما الذي يجعل بعض أجزاء المعرفة يستحق صفة العلم، والبعض الآخر لا يستحق صفة العلم؟

المعرفة والقيمة العلمية:

قد تكون المعرفة ذات قيمة علمية عالية، أو منعدمة القيمة العلمية، أو تتأرجح بين هذين الطرفين المتعارضين. ويبدو أن الحد الفاصل بين المعرفة العلمية والأخرى هو وجود منهج جيد للوصول إلى تلك المعرفة بالنسبة للمعرفة العلمية، ويقابله غياب المنهج الجيد بالنسبة للمعرفة غير العلمية. فالمنهج يتيح لنا فرصة التحقق من مصداقية المعرفة التي حصلنا عليها. أما في حالة غياب المنهج، فلا تكون لدينا مثل هذه الفرصة. وبقدر ما يكون المنهج متقنًا ومحددًا تكون المعرفة علمية أكثر. فهناك درجات متفاوتة بين حدي العلمية وغير العلمية.

وقد يخطر في أذهاننا أن بعض المعلومات اليقينية لم تخضع لهذه القاعدة كما هو الحال في المعرفة الدينية. ولكن يجب أن لا ننسى أن الناس لا يصدقون النبي إلا بعد أن تثبت لهم البراهين المحسوسة والذهنية، التي يزود الله بها أنبياءه عليهم السلام، بأن قول النبي صدق. ولا تعتبر تعاليمهم وحيًا لمن لم يعاصر الأنبياء إلا إذا ثبتت نسبتها إليهم بالمناهج العلمية الجيدة، مثل تواتر القراءات بالنسبة للقرآن الكريم، وأصول الحديث بالنسبة للسنة النبوية.

ولعل من أبرز سمات العلم سيطرة العقل والتقنين على طريقة جمع المادة العلمية، وطريقة معالجتها، وعرض نتائجها. فكلما كانت سيطرة العقل والتقنين أكبر كانت المعرفة الناتجة عنها أكثر علمية؛ وكلما كانت سيطرة العاطفة والعفوية أكبر كانت المعرفة الناتجة أقل علمية.

ولتوضيح الفرق بين المعرفة العلمية وغير العلمية، افترض أنك سألت أحد المصلين عقب صلاة الجمعة، في أحد المساجد الكبيرة، عن عدد المصلين، فأجابك -بعد تفكير- "أربعة آلاف". فسألته كيف توصل إلى هذا الرقم (المعلومة). فأجاب قائلا: "عرفت بكثرة تردُّدي على هذا المسجد وبقدرتي الخاصة في التقدير".

ثم سألت مصليًا آخر، فأجاب ثلاثة آلاف، وأضاف :" قدرت عدد الصفوف فوجدته حوالي الثلاثين صفاً، ثم قدرت عدد المصلين في كل صف فوجدته حوالي مائة مصلٍّ، فضربت الرقمين في بعضهما؛ فكان الناتج ثلاثة آلاف.

لو سألنا أنفسنا: من يجب أن نصدق؟ لعل الإجابة ستكون: الثاني. والسبب هو أن الثاني منحنا الفرصة لاختبار مصداقية الطريقة التي توصل بها إلى تلك المعلومة.

وهذه الطريقة في التعرف على المجهول، بالتعرف على بعض مظاهره كثيرة في حياة الناس الذين يعيشون على الفطرة، وصنّف البعض الحالات الشاذة منها تحت الفراسة. فهنا لدينا مجهول يصعب علينا الحصول على المعلومات الكاملة عنه، أو يصعب إدراكه مباشرة بالحواس الخمس؛ فنعمد إلى الاستعانة ببعض المعلومات المتوفرة المؤكدة المنقولة أو الملاحظة للكشف عن حقيقة هذا المجهول.

وصحيح أن الطرق المنهجية تمكننا من الحصول على المعرفة العلمية، ولكنها لا تضمن لنا دائماً الوصول إلى المعرفة اليقينية. فهذه الوسائل البشرية -في الغالب- تؤدي إلى ما يغلب الظن على مطابقته للواقع. وذلك في ظل براهين محددة معروفة لدينا. ومهما يكن الأمر فإن هذه المعرفة أفضل من المعرفة التي تعتمد على الحدس والتخمين الذي قد يكون -في حالات قليلة- ذكيًّا جدًا ويوصل إلى معرفة مطابقة للواقع أو القريبة منه.

الواقع والحقيقة والعلم:

عبارة "الواقع الموجود" reality كثيرا ما يعبر عنها بكلمة "الحقيقة"   factأو "الصواب" أو "الصدق" أو "الحق المطلق" . The Truth وهناك اختلاف جذري بين "الواقع" و "الحقيقة".

فالواقع ما هو موجود وما كان موجوداً؛ فهو شيء مطلق نصف به أو نقيس عليه التصورات الذهنية، ونحاول بالأبحاث المنهجية الوصول إليه. أما الحقيقة فهي التصور الذهني للواقع، وقد تكون الحقيقة مطلقة إذا كانت تطابق الواقع تماما؛ وقد تكون نسبية. والحقيقة تتغير من وقت لآخر في ضوء البراهين المتجددة، إذا لم تكن مطابقة للواقع. والحقيقة قد تتعدد بتعدد الباحثين والبراهين أو بتعدد طريقة فهم البراهين، لكن الواقع لا يتعدد.

ومن أمثلة الواقع مجموعة التشريعات الربانية كما أنزلها الله، أو مجموعة الأنظمة والضوابط كما اتفقت عليها مجموعة محددة من البشر؛ وليس كما يفسرها البعض. وهي الأشياء كما هي، موجودة بصفاتها ومكوناتها سواء أكانت طبيعية أم مصنوعة، وليس كما نصفها بالضرورة. وهي الأحداث كما وقعت، وليس كما  ندركها أو نرويها بالضرورة.

وبهذا يختلف الواقع عن الحقيقة التي قد تكون مطابقة للواقع أو قد لا تكون، ولكن تم الاعتراف بها بين المختصين على أنها تمثل الواقع الموجود. وقد يكون الاعتراف مؤقتاً أو محدداً بمجموعة محددة من الناس. وقد يبقى وينتشر مادام هناك إنسان يعرف هذه الحقيقة ويتناقلها الناس، ولم تستجدّ أدلة تبرهن على فساد هذا التصور الذهني أو يتم اكتشاف بديل، تسنده أدلة أقوى.

وليس العلم إلا مجموعة الحقائق التي تسعى البشرية للحصول عليها، أملا في مساعدتها على تحقيق أقصى ما يمكن من أشكال السعادة الدنيوية، أو الأخروية، أو كليهما.

ولهذا نتوقع من العلم أن يكون قادراً على النفع، وإلا فمن الخسارة أن نبذل الجهد والوقت والمال لتنميته. وربما لهذا تعوّذ الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم الذي لا ينفع. والعلم قد يكون علم فرض عين، يجب أن يعرفه كل إنسان، وقد يكون علم فرض كفاية، لابد منها لأي مجموعة بشرية تحرص على الاستقلال.

ومن علوم فرض العين على المسلمين حد أدنى من العلوم الدينية التي هي الأصل؛ ولا تقتصر فائدتها على الحياة الدنيوية الفانية بل تتجاوزها إلى الحياة الأبدية. ومن علوم فرض الكفاية كل العلوم التي تساعدنا على فهم أنفسنا والبيئة الطبيعية والإنسانية من حولنا، أو تعيننا في التنبؤ النسبي بالمجهول من حيث الزمان  (المستقبل)، أو المكان (الأماكن التي لم نصل إليها بعد)، أو تعيننا على  التحكم في البيئة التي نتعامل معها.

وبهذا يتبين أن هناك علاقة بين العلم والدين، فما حقيقة هذه العلاقة؟

العلم والدين:

من المعلوم أن الدين يتكون من مجموعة من المعتقدات، والعبادات والتشريعات والمبادئ الأخلاقية، ولاسيما إذا تحدثنا عن الدين الإسلامي. وبعض هذه المعتقدات أخبار وردت عن الله سبحانه وتعالى وعن رسله وأنبيائه تصف غيبيات (أشياء موجودة يصعب إدراكها بالحواس الخمس أو يستحيل، أو أشياء حدثت في الماضي أو تحدث في المستقبل، أو سنن كونية ذات فاعلية مستديمة). ومن السنن الكونية والأوصاف المتقنة الثابتة ما يندرج تحتها كثير مما نسميه بـ"الإعجاز العلمي" في القرآن وفي السنة الموثقة.

فالدين ليس إلا جزءاً من المعرفة، ومصدره يتراوح بين التلقي المباشر من الله سبحانه وتعالى (مثل القرآن الكريم، والسنة الموثقة) وبين الاجتهادات البشرية المبنية عليهما، أي فهم البشر للنصوص المقدسة. وبعبارة أخرى، تتمثل مصادر الدين في التلقي، وفي الاستنتاج. وهذا يعني أن الدين يتكون من النصوص المقدسة المعصومة، ومن فهم العلماء لهذه النصوص واستنباطاتهم منها غير المعصومة، أي أن جزءاً من التراث الديني علم يقيني، وجزءاً منه يتدرج بين المعرفة العلمية وبين الأوهام الشخصية المنسوبة إلى الدين.

ويمكننا استناداً إلى الملاحظة الدقيقة والمحايدة، أن نؤكد بأن بعض الإنتاج الفكري المبني على الجهد البشري – حتى في مجال العلوم البشرية - أكثر علمية من بعض الإنتاج الفكري المنسوبة إلى الكتاب والسنة. ومع هذا فإنه من الضروري التأكيد بأن العلم الديني الذي ثبت أنه من عند خالق الكون أرفع مكانة وأوثق من العلم الذي يتوّصل إليه الإنسان باستخدام عقله ووسائله المحدودة.

وبهذا ندرك أن جزءاً من التراث الديني يندرج تحت التراث العلمي، وبعضه يندرج تحت التراث المعرفي العادي الذي لا يرقى إلى درجة العلم.

وهذه الحقيقة تثير تساؤلاً حول علاقة العلم بالعلمانية: هل هما شيء واحد؟

العلم والفكر العلماني:

العلمانية هي وليدة الصراع بين اليهودية والنصرانية التي لم تحتفظ بأصالتها من جهة، والتفكير البشري المنطقي من جهة أخرى. فكلمة العلمانية هي ترجمة لكلمة  secularism أي اللادينية أو التوجه الفكري الذي يتحرر من الدين. ويبدو أن بعض المسلمين المنبهرين بتفوق الحضارة الغربية العلمانية في مجالات كثيرة أخذوا يسيرون في ركاب هذا التوجه دون قصد إلا التقليص من تسلط الطرف الذي يمثل الدين، ويفرض حتى فهمه الخاطئ في بعض المسائل ذات الأهمية البالغة أو التي تمس حياة غالبية الناس. وهذا مطلب فيه شيء من الحق، لولا أن الأمر لم يقتصر على ذلك، بل تجاوز إلى مرحلة التشكيك في بعض النصوص المقدسة. وحدث ذلك بالاعتماد كلية على العقل البشري القاصر، وعلى الفلسفة العلمانية ومعاييرها المناسبة للنصوص الدينية "المقدسة" التي فقدت أصالتها، ولكن لا تصدق على النصوص الإسلامية المقدسة. ولولا هذا التجاوز فإن الإسلام يحث بصراحة على التأمل في الكون وتفعيل العقل.

ومن زاوية أخرى، فإن ردة الفعل عند بعض الدعاة كانت عنيفة وأحيانا يصحبها فهم مغلوط للتعاليم الربانية، وذلك بدلا من التعامل مع هذا التيار بالإشفاق على أصحابه وبالحكمة كما هي سنة أنبياء الله ورسله.

فأدت هذه الحالة إلى التراشق بين الطرفين، وربما إلى التشدد في موقفه والتطرف. ومثال هذا التطرف القول بضرورة تحرير العلم من الدين. ولو فهم هؤلاء العلم والإسلام على حقيقتهما لما قالوا ذلك لما سبق قوله، ولأن الدين الإسلامي يحكم حياة المسلم كلها، فأفكار المسلم ونواياه وأقواله وأفعاله لا تخرج عن الفرض، والسنة، والمباح، والمكروه، والحرام. والنداء بتحرير فكر المسلم من الدين هي – في حقيقته – دعوة إلى المروق من الدين.

ومثال ذلك أيضا، وقوع الطرف الآخر في مأزق التناقض والتكفير وأحيانا التقول على رب العالمين، دون أن يشعر، من باب الغيرة العاطفية الشديدة على الإسلام.

ومن حسن الحظ أن الفطرة تقتضي وجود درجات متفاوتة بين الطرفين المتناقضين، وأن تقترب إحداها من النقطة المتوسطة التي توازن بين الطرفين المتعارضين. ويكمن حل الأزمة السابقة في سيطرة هذا الرأي، ولكنه رأي لا ينتعش إلا في بيئة تتوفر فيها درجة من الحرية والمرونة الكافية. وهي البيئة الشورية المحكومة بالنصوص المقدسة، إضافة إلى الديمقراطية المنضبطة بالأغلبية الحقيقية..

ومع أن الاختلاف طبيعي وظاهرة صحية، فإن المشكلة تنشأ عند تسلط رأي أو اتجاه ويغالي في تسلطه، سواء أكان هذا الرأي دينيا أو لا دينيا. فيلجأ إلى القوة التي يمتلكها لكتم أنفاس الأصوات الأخرى... وهنا تنشأ الأحزاب والجبهات المتصارعة بعنف. كل فريق يهاجم الفريق الآخر، بدلا من محاولة التفاهم معه، ومحاولة تشخيص أسباب الخلاف والتوصل بالتعاون إلى حلول مشتركة، تبتعد عن التطرف إلى أي جهة. ولكن هنا تبرز مشكلة أخرى، قد يوجدها بعض المتحمسين عاطفيا للدين، حيث يدّعون بأن الاجتهادات البشرية بصوابها وخطئها هي مساوية للنصوص المقدسة، وأنها غير قابلة للتصرف أو حسب تعبيرهم "للمساومة".

ويغيب عن المتطرفين من الزاويتين أن علاقة الدين في صورته الحقيقية بالعلم علاقة انتماء، وليست علاقة صراع بين أشياء مستقلة. ويغيب عنهم أن علاقة نسبة كبيرة من التراث الفكري البشري المحض والتراث الديني، وإن كان صوريا، هي علاقة تكامل، لا يستغني أحدهما عن الآخر. ويغيب عنهم أنه بالرغم من الاختلاف بينهما في المنطلقات التي تؤثر على الحياة الأبدية، فإن هناك نقاط التقاء وتعاون كثيرة. ويشهد لهذه الحقيقة أن الجميع يحرصون على التمتع بالمنتجات المادية للفكر الغربي العلماني، ويبذلون من أجل الحصول عليها الكثير من الجهد والوقت والمال. وهذه دلالة قوية على استحالة الاستغناء عن جزء كبير من الفكر البشري غير الإسلامي. فهذه المنتجات المادية هي من إنتاجه، فهي لا تتوالد وتتكاثر بطريقة تلقائية، مثل الحمير والبغال.

تدريس الفلسفة لخدمة الدعوة:

ومما يستحق الذكر ذلك الجدل حول جدوى تدريس الفلسفة لخدمة الدعوة الإسلامية. فهو جدل يثير عدداً من التساؤلات. فمثلا: يتحدث الكثير عن "الفلسفة": المتعلمون والعامة... فعلى سبيل المثال يقول الأمي العامي... "يا أخي بلاش فلسفة!"

لهذا أتساءل ماذا نعني بكلمة "الفلسفة"؟ هل هي الفلسفة اليونانية التي انتقدها ابن تيمية وفنّدها؟ أم التفكير المنطقي العقلاني المتمرد على العلم النقلي المنسوب إلى رب العالمين بدرجة عالية من المصداقية؟ أم هي التفكير المقنن والمبني على مناهج ومعايير يمكن التأكد من كفاءتها مع التأكد بصورة مستمرة من صحتها بمقارنتها بما ورد في الكتاب والسنة؟...

إذا كنا نعني بها الفلسفة اليونانية فهي قد انقرضت، وتطورت منها المناهج العلمية المقننة، ومنها الملحدة ومنها غير الملحدة، ودراستها نوع من الاستهتار بالوقت. قد يضيع فيها البعض وقته للترف الفكري والمتعة.

وإذ كنا نريد بالفلسفة الوصف العلمي والحصر الشامل والتحليل العلمي بمناهج قابلة للاختبار للتأكد من كفاءتها، فالقرآن الكريم يزخر بالنصوص التي تحث على التأمل والتفكر، وليس الاقتصار على النقل والحفظ مثل أشرطة الكاسيت. فأعظم نعمة أنعمها الله على الإنسان هي نعمة العقل المميز للأشياء المختلفة، والمتسقة والمتناقضة،... فبالعقل نفهم الأشياء ونستوعب الإرشادات الربانية، وبه نتمكن من التفاعل بكفاءة عالية مع الواقع المتجدد والمتغير، بطريقة مفاجئة في أحيان كثيرة.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - سهام المجدوب
    مساءً 09:40:00 2011/10/20

    فعلا للانسان عقل ولكنه يستغله الا في الاشياء القبيحة .فما النصائح التي تقديها للاسغلال العقل البشري في اشياء جيدة.

الصفحة 1 من 1