إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

هل ينطبق الربا على كل قرض يُسدَّد بزيادة؟

الاحد 05 رجب 1435 الموافق 04 مايو 2014  
هل ينطبق الربا على كل قرض يُسدَّد بزيادة؟
د. سعيد إسماعيل صيني

يقول تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ.." [البقرة : 278- 279].

إن الآية صريحة في تهديد من يمارس الربا، ومن باب أولى من يحله ويضل به العباد. وهنا يبرز سؤال: هل ينطبق الربا على كل قرض يسدَّد بزيادة مؤجلا، سواء أكان نقوداً (عملات) أو سلعاً؟

لقد اختلفت الآراء حول السلع أو وسائل التبادل وتخزين الثروة التي ينطبق عليها ربا النسيئة، فهناك من قال بأن ربا النسيئة ينطبق على كل مكيل أو موزون. وهناك من قال بأنه لا ينطبق على العملات الورقية باعتبارها سلعة إلا كانت معروضة للتجارة! وهناك من يقول بأن العملات الورقية لا ينطبق عليها الربا إلا إذا كانت مرتبطة بالذهب.

ودعنا نستعرض ما يقوله القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم نناقش ما يرد فيهما لاستنتاج الإجابة عن السؤال الرئيس المطروح والتساؤلات المتفرعة عنه.

ماذا يقول القرآن الكريم في الموضوع؟

يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ. وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" [البقرة: 278- 280]. ووردت كلمة "أموالكم" في قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً."[النساء: 29].

وهنا يبرز سؤالان: ما صيغة الربا الذي يتحدث عنه القرآن الكريم؟ وهل الزيادة مشروطة من الجنس الواحد، أو أنه يكفي أن تندرج ضمن "أموالكم"؟

يقول زيد بن أسلم رضي الله عنه: "كان الربا الذي آذن الله فيه بالحرب لمن لم يتركه، كان عند أهل الجاهلية على وجهين - كان يكون للرجل على الرجل حق إلى أجل ، فإذا حلّ الحق  قال صاحب الحق : أتقضي أم تربي؟ فإذا قضاه أخذ منه، وإلا طواه إن كان مما يكال أو يوزن ، أو يذرع أو يعد، وإن كان نسيئا رفعه إلى الذي فوقه، وأخر عنه إلى أجل أبعد منه." ويقول الجزري ذكره رزين ولم أجده في الأصول .(جامع الأصول، ج 1 ص 573).

فالربا المحرم يأخذ صورتين:

-1يبدأ القرض بدون اشتراط الزيادة عند الوفاء، وعند حلول موعد الوفاء يخيَّر المقترض بين القضاء وبين الزيادة والإرجاء.

-2تكون الزيادة مشترطة في القرض منذ البداية، وإذا حان وقت القضاء يخيَّر المقترض بين: الوفاء، أو دفع زيادة أكثر مقابل تأجيله مدة إضافية. وبهذا يمكن القول بأن هناك نوعين: زيادة يفرضها المقرض إذا عجز المقترض عن الوفاء، وزيادة يتفق عليها المقرض والمقترض منذ البداية.

ومع افتراض أن الربا المحرم في القرآن الكريم يشمل النوعين فإن هذا التفسير لا يفيدنا في مدلول عبارة "أموالكم". هل تشمل جميع أصناف الأموال مما يكال أو يوزن أو يعد، كما ورد في تفسير زيد بن يسلم؟ أو أنها قاصرة على بعض أنواعها؟

ماذا تقول السنة النبوية؟

يقول الحديث النبوي الصحيح الذي رواه عبادة بن الصامت بعبارات صريحة: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ يَنْهَىٰ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْناً بَعِيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَو ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبٰى."(مسلم: 4015).

وهنا يأتي النص النبوي ليحدد الأصناف التي ينطبق عليها الربا بصورة واضحة ودقيقة. فهي ست، ويشترط عند تبادل الصنف الواحد أن يكون سواء بسواء، وعينا بعين، ومن زاد أو استزاد فقد أربى. ويفهم من ذا النص أن ربا الفضل والنسيئة محرمان بالنسبة للأنواع الستة هذه.

وتؤكد الرواية التي جاءت عند الترمذي عن الصحابي نفسه بأن "الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى. بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد. (قال وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة وبلال وأنس قال أبو عيسى حديث عبادة حديث حسن صحيح. وقد روى بعضهم هذا الحديث عن خالد بهذا الإسناد، وقال بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدا بيد. ويقول الترمذي أن بعضهم روى هذا الحديث من طرق أخرى عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، وزاد فيه "بيعوا البر بالشعير كيف شئتم" ... والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون أن يباع البر بالبر إلا مثلا بمثل، والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل فإذا اختلف الأصناف فلا بأس أن يباع متفاضلاً إذا كان يدا بيد. وقال أبو عيسى وقد كره قوم من أهل العلم أن تباع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل وهو قول مالك بن أنس والقول الأول أصح) (سنن الترمذي، ج 3: 541).

فالملاحظ أن هذا النص يضيف بأن المبايعة (المقايضة) عبر الأنواع الستة جائزة، بدون شرط التماثل في الوزن والكيل مثلا، ولكن بيع حاضر بحاضر. ويؤكد هذا المعنى أيضا أبو بكرة رضي الله عنه، حيث يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم" (صحيح البخاري  ج 2   ص 761).

ومن المعلوم أن الإنسان لن يبادل الذهب بالذهب أو غيره من الستة إذا كانت المساواة والمماثلة تامة. فذلك من العبث. ولهذا ينبغي ملاحظة أن الإنسان لا يبيع الذهب بالذهب مثلا بمثل أو سواء بسواء أو الشعير بالشعير إلا عند وجود فروق في غير الوزن أو الكيل مثل الجودة أو طريقة الصياغة أو الصناعة. والمسلم هنا أمام خيارين: إما أن يصرف النظر عن المميزات الموجودة في ذهبه، مثل أن يبيع حلي أو ماعون ذهب بالدنانير أو الذهب غير المصنع، أو أنه يبيع الحلية بواحدة من وسائل التبادل الأخرى (العملة المتوفرة)، ويشتري بدلا منها قطعة أخرى ذات نقوش مختلفة. وهذا يجنبه الوقوع في ربا الفضل المحرم بين العملات النبوية. ولتجنب الوقوع في ربا النسيئة، فهو يستطيع بيع قطعته ليشتري بثمنها أخرى أفضل منها صياغة. وإذا لم يكن ثمن الأولى كافية فبإمكانه شراء الثانية بسعر يزيد عن سعرها حاضراً في  مقابل التأجيل.

والسؤال الذي يخطر في الذهن: هل تم اختيار هذه الأصناف لسبب جوهري يربطها جميعا، يمكن إدراكها بسهولة كما يليق بالتشريعات الربانية في المعاملات؟ أم أن الاختيار كان لسبب عشوائي أو مجهول؟

إن المدقق في النصوص يجد أن الذهب والفضة مثلا، وهي في الأصل ذات قيمة عالية تستخدم للزينة ورد ذكرها في الأحاديث ذات العلاقة بالربا بصفتهما يمثلان العملات النقدية: الدينار(عملة نقدية من الذهب) والدرهم (عملة نقدية من الوِرق، أي الفضة). فمثلا، يقول مالك بن أوس بن الحدثان: "أقبلت أقول من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله، وهو عند عمر بن الخطاب، أرنا ذهبك ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك. فقال عمر بن الخطاب كلا والله لتعطيه ورقه أو لتردن إليه ذهبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء."(صحيح مسلم، ج 3: 1209).

وحتى في الحديثين التاليين تم معاملة الذهب والفضة بصفتها تمثلان الثروة، وليسا بصفتهما حلي للزينة. يقول فضالة بن عبيد الأنصاري أنه "أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده. ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب وزنا بوزن. (صحيح مسلم ج 3  ص 1213).

وفي رواية أخرى للحديث نفسه يقول فضالة "اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تباع حتى تفصل (صحيح مسلم  ج 3   ص 1213). والرواية الأخيرة تكشف عن وجود ظلم للبائع لأنه باع حليا أو زينة بأقل مما فيه من الذهب، إضافة إلى عدم حساب أجر الصياغة.

وعن يحيى بن سعيد قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدين أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا، أو كل أربعة بثلاثة عينا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربيتما فردا.(موطأ مالك، ج 2: 21).

ما يستنتج من النصوص المتوفرة:

لوحظ أن تفسير زيد بن أسلم لإحدى الآيات القرآنية المتعلقة بالربا لا يحدد ما ينطبق عليه ربا النسيئة بصورة كافية، ويشمل أشياء عديدة، حيث يقول "إن كان مما يكال أو يوزن ، أو يذرع أو يعد". وربما أن بعض الفقهاء تأثروا به عندما أدرجوا في الربا كل مكيل وموزون.

ويضاف إلى ذلك أن هذا التعريف المنسوب إليه يتعارض مع ثبوت جواز الزيادة نسيئة في المعدود، مثل البعير. فقد ثبت جواز الزيادة لقاء التأجيل في نصوص نبوية تفيد بأنه عليه الصلاة والسلام وعد أو أمر أو أجاز استلاف بعير مقابل بعيرين أو أكثر. ومن هذه النصوص: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أمره أن يجهز جيشا فنفذت الإبل، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ من قلائص الصدقة [أي عندما تصل الصدقة] فكنت آخذ البعير بالبعيرين. يقول صاحب المستدرك هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (المستدرك على الصحيحين  ج 2   ص 65).

كما أن النصوص ذات العلاقة لا تحدد نسبة الزيادة. فهي في النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعض أصحابه الكرام تتراوح بين بعير مقابل بعيرين إلى العشرين بعيراً. (البخاري ج 2 ص 776؛ زاد المعاد  ج 3  ص475- 476؛ المدونة الكبرى ج 9  ص 3). والملاحظ أن الحديث النبوي الصحيح لا يقتصر على تحديد ستة أصناف من السلع ينطبق عليها الربا، ولكن يوضح أيضا القيود اللازمة للتعامل معها ليجنبها الربا: مثلا بمثل أو سواء بسواء. ويسكت، إلا في رواية عمر بن الخطاب، عن كونه يدا بيد، فيستنتج أن الشرط الجوهري هو التساوي في الصفة الجوهرية (الوزن أو الكيل)، متجاهلا الفروق الثانوية.

وإذا تأملنا في سبب اختيار الأصناف الستة المذكورة، نجد أنها تشترك بدرجات متفاوتة في الصفات التالية:

1.                     متوفرة بصورة موزونة ومناسبة وكافية في البيئة التي يعيش فيها المسلمون في ذلك العهد، الذي تقل أو تندر فيه العملات النقدية.

2.                     لها قيمة في ذواتها، فإما معدن ثمين له خصائص تميزه، أو طعام شائع لا يُستغنى عنه. فهي أشياء تستعمل للزينة، ولا تفتقد قيمتها مع مرور الزمن، وتتميز عن المعادن النادرة أو المجوهرات وعن المعادن الأخرى الرخيصة. أو هي أطعمة للاستهلاك صالحة لكل زمان ومكان.

3.  قيمتها الذاتية يجعلها أشياء ثمينة صالحة لأن تمثل الأموال وتنوب عنها، وجديرة بالثقة بدرجات متفاوتة، سواء ساندتها الجهات الرسمية (صاحبة السلطة)، أو لم تساندها.

4.  قابلة للحفظ والتخزين لمدد طويلة، ولا يصيبها العطب فجأة مع المحافظة عليها، فتختلف عن الحيوانات التي قد تموت فجأة، حتى مع العناية بها.

5.  تتمتع قيمتها بشيء من الاستقرار المميز عبر الزمان والمكان، أي ليست عرضة للارتفاع المبالغ فيه أو الانخفاض الشديد.

وهذه الصفات تجعلها مؤهلة لأن تكون مناسبة ومقبولة لتبادل السلع والخدمات ولتخزين الثروة، في الظروف التي تقل فيها العملات النقدية التي يستوردها المسلمون ومن حولهم من الدول الأخرى. فالإسلام خاتم الرسالات، والحكمة تقتضي وضع قواعد عامة تحتفظ بفعاليتها إلى الأبد، ولهذا كانت السلع الست مجرد نماذج محسوسة لوسيلة التبادل مناسبة في تلك الظروف والظروف المماثلة، وليست وسائل قياسية دائمة، لا تقبل التطوير والاستبدال بما هو أيسر.

ومن المعلوم أن وسائل تبادل السلع والخدمات وتخزين الثروات هي العملات (النقود)، سواء أكانت سلعا في الأصل أو قطعا معدنية أو قصاصات ورقية. وإذا عقدنا مقارنة بينها، سنجد أن السلع التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم في مقام النقود المعدنية المعترف بها هي الأكثر قوة لأنها تتكون من معادن ثمينة شائعة معترف بها كنقود، فالدينار من الذهب، والدرهم من الفضة. وبقية الأصناف الأربعة فهي من الغذاء البشري المعترف به عبر الزمان وحيث يتوفر.

وتختلف العملات الورقية عن السلع والمعدنية في كونها تستمد قوتها كلية على القرارات الرسمية مما يجعلها عرضة للانهيار الفجائي كلية. فتصبح ورقة المائة دولار أو ورقة الخمسمائة ريال مساوية لقصاصة الورق التي  نلقي بها في سلة النفايات، بقرار رسمي واحد.

ولعل كثيرا من السعوديين وغيرهم الذين كانوا موجودين في الولايات المتحدة قبل أكثر من ثلاثين عاما يذكرون كارثة انخفاض الدولار من 5, 4 ريال إلى السعر الحالي 75, 3 ريال، بسبب حرصهم على الادخار بالدولار الأمريكي، أقوى عملة. فقد نقصت قيمة مكافآتهم ورواتبهم التي ادخروها عند إعادة تحويلها إلى وطنهم. فمثلا العشرة آلاف دولار التي كلفتهم 45500 أصبحت لا تساوي إلا 37500، أي بخسارة سبعة آلاف وخمسمائة ريال.

والتبادل أو التبايع –كما هو معلوم – يكون بين المنتجات والخدمات، أو بين أنواع المنتجات المختلفة الزراعية والحيوانية والصناعية، وبين الخدمات المختلفة، مثل حمل شيء أو نقله من موقع إلى آخر، أو استخراج البترول... وقد يكون التبادل مقايضة بين السلع و... وقد يكون بيعا وشراء بواسطة وسائل التبادل، سواء سميناها عملات أو نقوداً، وسواء أكانت سلعاً (العملات النبوية الست) أو معدنية أو ورقية.

وهناك أسباب حكيمة في إخضاع العملات لربا النسيئة، ومنها:

1.  يسهم في ثبات قيمتها. فتبادل الذهب بالذهب وزنا مماثلا بوزن مماثل، يجردها من الميزات الثانوية، مثل كونها حلياً بزخارف أو آنية قد تتفاوت أثمانها بدرجات كبيرة. كما يسهم في تثبيتها بتجاوز عيارها الدقيق، ويركز على وزنها الذي يسهل قياسه والتعرف عليه في ظل المهارات الأولية والاحتياجات الضرورية للحياة.

2.  يمنع استغلال الغني الموسر للفقير المحتاج بالتحكم في وسيلة التبادل بين السلع والخدمات ووسيلة تخزين الثروات، وذلك بدلا من التحكم في بعض السلع بعينها.

وهذه الحقائق تؤكد أن الأصناف الواردة في الحديث النبوي ليست سوى نماذج من وسائل التبادل وتخزين الثروة, وليس المهم أعيانها، ولكن الميزات المشتركة بينها التي تؤهلها لتكون تلك الوسيلة. وهو مما يدل على حكمة نبي رب العالمين في اختيارها من بين السلع الأخرى.

وقيمتها كوسيلة تبادل ووسيلة تخزين للثروة تشبه قيمة حركة الشمس كوسيلة لتحديد أوقات الصلوات رسميا في العهد النبوي. وإذا جاءت الساعات اليوم بأشكالها المختلفة، لتصبح المعتمد رسميا لتحديد أوقات الصلوات في هذا العصر، فإن قيمة حركة الشمس كوسيلة لتحديد أوقات الصلوات قائمة، لا يمكن إلغاؤها بقرارات رسمية. وكذلك الحال بالنسبة لقيمة السلع الست التي اختارها النبي صاحب السلطة وسيلة للتبادل ولتخزين الثروة باقية ما بقيت الحياة. ولهذا مستمرة في انطباق حكم الربا عليها كوسيلة للتبادل وللتخزين. وتحتفظ في الوقت نفسه بقيمتها كسلعة تباع وتشترى بأثمان مختلفة بحسب جودتها وندرتها والجهد المبذول في توفيرها وتشكيلها...

وبهذا لا نستطيع أن نقول بأن وظيفة الأعيان الستة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة للتبادل انتهت بالكلية. ومن يدري، فقد تأتي ظروف لا يعترف فيها الإنسان إلا بالأعيان المستهلكة منها. فالمعادن لا تشبع جوعه. فكيف بقصاصات الورق.

ولا أظن عاقلا ينكر أن جميع العملات تتميز عن الأشياء الأخرى بالقيام بوظيفة تيسير عملية التبادل وخزن الثروات. وهذا يقتضي انطباق حكم الذهب والعملات النبوية الخمس الأخرى على العملة الورقية السائدة اليوم، وإن اختلفت مادتها وتغير اسمها. كما أن (الويسكي) يحرم لأنه يسكر ويغيِّب العقل مثل الخمر التي تسكر وتغيِّب العقل، وإن اختلف اسمه وربما مكوناته، ولكن وظيفته أو أثره مطابق لتأثير الخمر ولوظيفتها.

ما علاقة الزكاة بالعملات الورقية:

يقول حمزة السالم -المتخصص في الاقتصاد- بأن بعض العلماء شبهوا العملات الورقية بالفلوس القديمة، وبعضهم كيّفها على أنها سلع، وقد لا تزكى في بعض الأقوال إلا إذا كانت عروض تجارة، وبهذا أفتى بعض علماء المالكية في مصر وغيرها.(السالم، الربا مطلب شرعي، صحيفة الجزيرة 17 /11/32هـ).

وفي ظل نتائج البحث يبدو واضحا أن الرأي الذي يلحق العملات الورقية بالنقود أو الفلوس القديمة قد أصاب الهدف. فجميعها وسائل تقوم بوظيفة تيسير تبادل السلع والخدمات وتخزين الثروات أو تمثيلها.

وأما الرأي الذي ألحق الأوراق النقدية بالسلع فإما أنه يثير الاستغراب أو يثير الإعجاب. يثير الاستغراب إذا نظرنا إلى هذه العملات الورقية مجردة من المساندة الرسمية لها. فأي سلعة رائجة هذه الأوراق حتى إذا أخذنا في الاعتبار تجارة إعادة تصنيع النفايات، وذلك لضآلة كميتها. وإذا وافقنا على أنها وسائل لتيسير التبادل ولحفظ الثروات، فكيف لا ينطبق عليها الزكاة وقد أوجب الإسلام الزكاة على الدينار والدرهم اللذين يقومان بالوظيفة نفسها، وإن لم يكونا معروضين للتجارة. فهما يمثلان الثروة الموجودة عن الإنسان تجب فيه الزكاة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول.

ويثير الإعجاب لأنها نظرة ابتكارية إلى هذه الأوراق النقدية ما دامت تحظى بالمساندة الرسمية. وهو رأي يستحق الدراسة والبحث في ظل التطور الاقتصادي الضخم في عصرنا الحاضر والوظيفة الرئيسة التي تقوم بها البنوك والمصارف.

وهو رأي ذو علاقة بالسؤال الذي طرحته في مقال سابق:

هل يمكن -في هذه الظروف- لوسيلة التبادل وحفظ الثروات أن تقوم أيضا بوظيفة السلعة التي تباع وتشترى بالعملة نفسها، وذلك في ظل الحقائق التالية:

1.  البيع والشراء حاصل بين العملات التي تصدرها الدول المختلفة. فهي وسيلة محلية للتبادل وسلعة عبر الدول، يجيزها جمهور العلماء.

2.  العملات النبوية الست هي، في الأصل، معادن وأطعمة يستفاد منها مباشرة، ولكنها، في ظروف محددة، قامت بوظيفة وسيلة التبادل وتخزين الثروة بصورة رسمية أيضا.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - حنان فلسطين
    ًصباحا 07:56:00 2011/11/21

    نحن في زمن غير فيه الحلال عن الحرام وغيرالموازين فلا نجدولا نعرف كيف نبيع او نشتري واذا احتاج الانسان في ايامنا يلجا الى القروض الربوية لانه لايجدمن يقرضه فان وجد ذلهواهانه فما حكم المعاملات الربويةفي البنوك الربويةغير اسلامية.

  2. 2 - زياد
    مساءً 07:27:00 2011/11/17

    جزاك الله خير

  3. 3 - لما
    مساءً 12:37:00 2011/11/16

    لو تكرمتم كبرو خط الأيات

الصفحة 1 من 1