إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

قواعد نبوية[ 34/50]

الخميس 18 شوال 1435 الموافق 14 أغسطس 2014  
قواعد نبوية[ 34/50]
د. عمر بن عبد الله المقبل

نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس:

الصحّة والفراغ (1)

 

هذه قاعدة نبوية جليلة في فقه الوقت والعمر، وفي فقه الصحة والعافية.

فهي دعوة نبوية إلى التصرف الأمثل، والتعامل الأحسن مع نِعم الله تعالى على العبد في الزمن والبدن.

وهي دعوة لاغتنام الطاقات، والحفاظ على الجهود فيما يعود نفعُه على الفرد والمجتمع، والرقي بالحياة إلى المستوى الأعز الأشرف؛ والبعد عن استغلال الصحة والعافية في إيذاء الآخرين، أو السخرية من المعاقين، أو انتهاك ما حرمه رب العالمين.

إن في التعبير بالغبن - وهو النقص والغلبة على الشيء - لإشارة إلى معنى شريف في هذه القاعدة النبوية، فإن أكثر الناس قد يقاتل على الغبن في ماله، أو وظيفته؛ لتعلق ذلك بأمر معاشه، لكن قلّ منهم من يغتم ويهتمّ لضياع وقته، أو اغتنام قوة بدنه فيما يفيده وينفعه، ولهذا يقع الغبن في ذلك، كما هو مشاهد وواقع.

ولا يتفطن لهذا الغبن من الناس إلا القلة - في حال صحتهم وفراغهم - أما التفطن لذلك عند وجود الشغل أو المرض فهذا قدر مشترك بين الناس.

تأمل - مثلاً - في حال الطالب حين يقترب وقت اختباراته، كيف يحاصر الوقت ليغتنم كلّ دقيقة!

وتأمل في حال المريض حين يلجئه المرض إلى البقاء في السرير أياماً أو أشهراً وربما أكثر، ما الذي يتذكره حينها؟ إنهم غالباً لا يتذكرون إلا لحظات النشاط التي كانوا يغدون فيها ويروحون، ويتمنون القوة ليفعلوا ويعملوا، لكن! بعد أن تبين الغبن!

إن من الناس من لا يشعر بالغبن في وقته - وهذا نوع من العقوبة الخفية - ولا يكتفي بهذا، بل تراه - لغفلته - ينقل غبنه ونقصه وتفريطه في وقته إلى الآخرين من خلال السطو على أوقاتهم، وإشغالهم عن أعمالهم بتافه القول، ورديء الحديث، وهؤلاء ممن عظمت منهم الشكوى من الغيورين على أوقاتهم، ولابن الجوزي في هذا آهات معروفة، منها قوله: "أعوذ بالله من صحبة البطالين! لقد رأيت خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس، وما لا يعني، وما يتخلله غيبة!

وهذا شيءٌ يفعله في زماننا كثيرٌ من الناس، وربما طلبه المَزُوْرُ، وتشوق إليه! واستوحش من الوحدة، وخصوصًا في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرتُه من تضييع الزمان.

فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهابه بفعل الخير؛ كرهت ذلك، وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعتْ وحشة؛ لموضع قطع المألوف! وإن تقبلته منهم؛ ضاع الزمان! فصرت أدافع اللقاء جهدي: فإذا غُلبت؛ قصرت في الكلام لأتعجل الفراق" (2).

هذا ما يدركه العالمون بقيمة الوقت في هذه الدنيا، أما: متى يعلم المغبونون قيمة ما فرّطوا فيه من أوقات؟ فسيعلمونها حين لا ينفع العلم، سيعلمونها إذا حضرههم أجلُهم، وسيعرفونها إذا كان يوم القيامة، تأمل هذه الآيات وتدبرها: "حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ"[المؤمنون: 100]، ويقول سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"[المنافقون: 9 - 11]، أمّا في الآخرة فالحسرات التي سطرها القرآن على المفرطين، تأمل هذه الآية: "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ  وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"[الروم: 55- 56]، ويقول تعالى: "قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ  قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ"[المؤمنون: 112- 113].

 أيها الإخوة الأكارم:

لقد جاء هذا التعبير النبوي العجيب: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس" لشحذ الهمم، وليسعى كلٌ إلى ما يجنِّبه عن ذلك الغبن، وتلك الخسارة.

والإنسان قد يكون صحيحاً ولا يكون متفرغاً للعبادة؛ لاشتغاله بأسباب المعاش، وقد يكون متفرغاً من الأشغال ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا للعبد، ثم غلب عليه الكسل عن نيل الفضائل؛ فذاك الغبن! كيف والدنيا سوق الرباح، والعمر أقصر، والعوائق أكثر! (3).

يقول الطيبي - رحمه الله -:

ضرب النبيُ صلى الله عليه وسلم للمكلف مثلاً بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك: أن يتحرى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق؛ لئلا يُغبن، فالصحة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان، ومجاهدة النفس وعدو الدين؛ ليربح خيري الدنيا والآخرة، وقريب منه قول الله تعالى: "هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم..." الآيات، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان؛ لئلا يضيع رأس ماله مع الربح، وقوله في الحديث: "مغبون فيهما كثير من الناس" كقوله تعالى: "وقليل من عبادي الشكور" فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية (4)ا.هـ.

يقول الماوردي - رحمه الله -: "ونحن نستعيذ بالله من أن نُغبن بفضل نعمته علينا، ونجهل نفع إحسانه إلينا، وقد قيل في منثور الحكم: من الفراغ تكون الصبوة، وقال بعض البلغاء: مَن أمضى يومه في غير حقٍ قضاه، أو فرضٍ أداه، أو مجدٍ أثّله أو حمدٍ حصّله، أو خيرٍ أسَّسه، أو علمٍ اقتبسه؛ فقد عقّ يومه، وظلم نفسه، وقال بعض الشعراء:

لقد أهاج الفراغُ عليك شغلاً *** وأسباب البلاء من الفراغ" (5).

وفي هذه القاعدة النبوية: "دليل على أن نعم الله تتفاوت، وأن بعضها أكثر من بعض، وأكبر نعمة ينعم الله تعالى بها على العبد: نعمة الإسلام" (6).

ومن الحكمة في الربط بين الغبن في المال والصحة: ما أشر إليه بعض أهل العلم؛ من أن الإنسان قد يستغني بالعافية كما يستغني بالمال، وكلٌ فيه فتنة، والعصمة في حال العافية نعمة ثانية، كالعصمة في الغنى نعمة النعمة، وهذا أحد الوجوه في قوله عزّ وجلّ: "أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمُ في حَيَاتِكُمُ"[الأحقاف: 20] (7).

قال الفضيل بن عياض: عليكم بمداومة الشكر على النّعم؛ فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم (8). وَكَانَ الحسن يَقُولُ فِي مَوْعِظَتِهِ: "المبادرةِ المبادرة، فإنما هي الأنفاس، لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل، رحم اللهُ امرأً نظر إلى نفسه، وبكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ هذه الآية: "إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عداً" يعني:  الأنفاس، آخِرُ العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخولك في قبرك" (9).

أيها الإخوة الأكارم: "ومما يستعان به على دفع الغبن في الوقت والبدن:

أن يعلم العبد أن الله تعالى خلق الخلق من غير ضرورة إليهم، وبدأهم بالنعم الجليلة من غير استحقاق منهم لها، فمنّ عليهم بصحة الأجسام، وسلامة العقول، وتضمّن أرزاقهم، وضاعف لهم الحسنات، ولم يضاعف عليهم السيئات، وأمرهم أن يعبدوه ويعتبروا بما ابتدأهم به من النعم الظاهرة والباطنة، ويشكروه عليها بأحرفٍ يسيرة، وجعل مدة طاعتهم فى الدنيا منقضية بانقضاء أعمارهم، وجعل جزاءهم على ذلك خلوداً دائماً فى جنات لا انقضاء لها، مع ما ذخر لمن أطاعه مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر! فمن أنعم النظر في هذا كان حرياً ألا يذهب عنه وقتٌ من صحته وفراغه إلا وينفقه فى طاعة ربه، ويشكره على عظيم مواهبه، والاعتراف بالتقصير عن بلوغ كنه تأدية ذلك، فمن لم يكن هكذا، وغفل وسها عن التزام ما ذكرنا، ومرت أيامه عنه فى سهوٍ ولهوٍ وعجزٍ عن القيام بما لزمه لربه تعالى؛ فقد غبن أيامه، وسوف يندم حيث لا ينفعه الندم (10).

وأيضاً: فإن العبد إذا تذكر لحظات مرضٍ مرّت به في سالف الدهر، ولينظر: ما الذي كان يحب أن يفعله في حال صحته، وليكن له بين الفينة والأخرى زيارة إلى المرضى في المستشفيات أو في دورهم؛ ليعلم قدر ما هو فيه من نعمة، وكيف حالَ المرضُ بين أهله وبين أكثر ما يريدون من العمل والإنجاز!

اللهم اجعلنا ممن يربحون صحتهم وفراغهم أعظم الربح، وجنبنا الخسار في الدنيا والآخرة، واجعلنا على مرضاتك من العاملين، وبالفردوس الأعلى من الجنة من الفائزين.

________

(1) البخاري ح(6412) .

(2)صيد الخاطر: (240)

(3)ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين: (2/ 437)

(4)ينظر: فتح الباري: (11/ 230)

(5)أدب الدنيا والدين: (ص 55)

(6)شرح رياض الصالحين: (2/ 67)

(7)ينظر: قوت القلوب: (2/ 39) باختصار .

(8)قوت القلوب: (1/ 349)

(9)إحياء علوم الدين: (4/ 460)

(10)شرح صحيح البخاري لابن بطال: (10/ 146-147)

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - أبو محمد
    ًصباحا 09:13:00 2014/08/19

    جزاك الله خيراً، موضوع جيد، وقيمة الوقت للأسف قليل من يلقي لها بالاً وقد قيل: (لقد رأينا أقواماً يضنون بأوقاتهم كما تضنون بأموالكم أو أشد) نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وأموالنا وذرياتنا آمييييييييييييييين.

الصفحة 1 من 1