إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

المخطئ في الصراعات الدموية بين الصحابة

الثلاثاء 01 رجب 1433 الموافق 22 مايو 2012  
المخطئ في الصراعات الدموية بين الصحابة
د. سعيد إسماعيل صيني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

كثر اللغط وكثرت التكهنات المتحيزة جهلاً حول ما جرى بين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، منذ نهايات عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان. وامتدت الحيرة بين غالبية المسلمين حول الأحداث التي وقعت في بدايات عهد الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، رضي الله عن أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، وأحسن الله مثوبة المخلصين من المسلمين، ولاسيما قياداتهم الذين أعز الله بهم الإسلام أمام القوى المعادية.

لقد وقفت الغالبية من المسلمين حيارى حول معركة الجمل التي كانت فيها أم المؤمنين طرفاً، والخليفة الراشد الرابع طرفاً، وحول المقصود بالفئة الباغية التي تقتل عمار بن ياسر، ومعركة صفين، وحول استشهاد الحسين، رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.

فمصدر الحيرة أن المواجهات التي سالت فيها دماء المسلمين كان قادتها من كبار الصحابة، بما فيهم أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وأما مصدر معظم التكهنات المتحيزة الجريئة على الحق -جهلاً- كان هو القصور المنهجي في قراءة الأحداث التاريخية وسطحيتها...

وإني لأعجب أشد العجب من جرأة المسلم العاقل الذي يخاطر بحسناته بسهولة وببساطة متناهية، حيث يُنصِّب نفسه قاضياً على الأمم السابقة، ولاسيما من أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلهم، إذ يقول:

"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..."( البخاري ج5: 2) كما وصفهم بأنهم خيار المسلمين، إذ يقول:"أكرموا أصحابي فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم." (الجامع، للأزدي ج11: 341).

ومما يزيد العجب عجباً تلك الجرأة على محاكمتهم غيابيًّا، وإدانتهم بدون أدلة كافية، إلا روايات تاريخية، بعضها مدسوس على الإسلام، غير محققة تحقيق نصوص الأحاديث النبوية الصحيحة.

إن هذا المسلم ينسى أنه إن أخطأ سيكون من المفلسين يوم القيامة. يقول خاتم النبيين:" أتدرون ما المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار. (مسلم  ج 4   ص 1997).

ولهذا كانت الحاجة ملحة لإعادة قراءة تاريخ هذه الأحداث، واستكمال جهود ابن العربي في "العواصم من القواصم" وجهود مخلصة أخرى للخروج بالحقائق العامة للقراءة المتعجلة. ولحساسية الموضوع وضعت لنفسي منهجاً، أستمده من كتب مناهج البحث التاريخي، وخاصة كتاب وسائل التحقق من الأخبار في ضوء الكتاب والسنة. وتتمثل أبرز نقاطه فيما يلي:

1.                          التحقق من المعلومات التي يكثر ترديدها، وأحيانا شفويًّا،  عند الحديث عن الموضوعات التي يتناولها هذا البحث، سواء بصفتها إجابات على تساؤلات أو آراء طُرحت في مناقشات حول الموضوع.

2.                          قراءة الأحداث التاريخية ذات العلاقة في أمهات كتب التاريخ الإسلامي، وما جرى عليها من تعليقات في كتب متفرقة قراءة مستقلة عن الآراء الشائعة الذي تعوّد طلبة العلم على حفظها وترديدها، والدفاع عنها دون تمعن أحيانا كثيرة.

3.                          تحديد السمات الشخصية العامة للجهات المتنازعة الرئيسة وأعوانها في  الحوادث المحددة.

4.                          تصنيف الروايات المتنوعة أو المتعددة حول الحادثة نفسها حسب موقفها من كل طرف، بصفة عامة.

5.                          محاولة التنبه إلى المبالغات والتحيزات والدسائس التي قد يحبكها الغلاة من أنصار أحد الأطراف المتنازعة ضد خصومهم.

6.                          المقارنة بين الروايات التي تتعلق بالحادثة الواحدة أو الصفة الواحدة وظروفها وتطوراتها للتوصل إلى أكثرها مصداقية، سواء لتعدد طرقها أو لمنطقيتها.

7.                          الترجيح بين الروايات المتعارضة في ظل الصفات الشخصية المكتسبة للمتنازعين، وليس الفضل الموروث، مثل النسب أو القرب من نبي رب العالمين... فمن المعلوم أن حرمان المسلم من الميزات الموروثة لا تؤثر على مكانته عند الله العليم الخبير المطلع على سره وعلانيته.

8.                          عقد مقارنة بين ما فعلته إحدى الشخصيات الرئيسة في الحادثة، وما يمكن أن تفعله إذا كان في مكان خصمه، في ضوء السمات الشخصية العامة، والروايات المسجلة حول هذه الفترة العصيبة.

9.                          نظراً لأن العرض المفصل للبحث الأصلي يستغرق مئات الصفحات، وهدف هذا المختصر هو توضيح الصورة العامة فقد وثقت النقاط الضرورية، وأثبتُّ المراجع الرئيسة في نهاية الخلاصة.

10.                    سيتم عرض ملخص نتائج البحث في الموضوع تحت ثلاثة عناوين رئيسة: من المخطئ في معركة الجمل؟ من الفئة الباغية؟ ومن المخطئ في استشهاد الحسين؟

من المخطئ في معركة الجمل؟

لقد مهّد للثورة على الخليفة الراشد الثالث وقوع أحداث وصناعة دسائس وتلفيق مبررات مكذوبة ومحرفة، استغلها البعض لمصالحهم الشخصية، وصدقها البعض الآخر وتحمس لها. فجعلت هذه العوامل مجتمعة الأمور تختلط حتى في أذهان كبار الصحابة والتابعين المخلصين لدين رب العالمين، والمعروفين بالحكمة وبالثبات على الحق الذي يقتنعون به.

من الثابت أن قتلة الخليفة الراشد الثالث هم الذين اضطروا عليًّا إلى قبول البيعة وقبول مساندتها لخلافته، وهذه الحقيقة تطرح عدداً من التساؤلات:

1-ماذا كان يمكن أن يحصل لو أن عائشة أم المؤمنين ومن معها لم يطالبوا عليًّا بتطبيق الحد على قتلة عثمان فورًا؟

2-ماذا كان يمكن أن يحصل لو أن الخليفة الراشد الرابع لم يبادر في قتال من توقف عن البيعة له، إذ ذهب إلى البصرة ثم إلى الشام، ولكن صبر حتى تهدأ الأمور قليلا من صاعقة مقتل عثمان شهيدا وبطريقة وحشية، لم تراعِ فضله وإنجازاته وشيبته...؟

إن الإجابة التي تنبع من أرضية الواقع، ويرضى بها العقل:  لا ندري، ولكن هل يشك أحد في إخلاص أم المؤمنين وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لشريعة رب العالمين، وفي حرصهم على تطبيقه؛ تحقيقاً لمصالح المسلمين فوق مصالحهم الشخصية؟

لا أظن مسلماً عاقلاً يشك في ذلك. إن قيادات الأطراف الرئيسة المتنازعة كانت مقتنعة بأهمية تطبيق الحدود التي شرعها الله، وبأهمية المبايعة لخليفة واحد. فبدون ذلك لن يستتب الأمن في الدولة الإسلامية، ولن يعيش المسلمون آمنين وأعزاء. فما سبب الخلاف إذًا؟

إن الخلاف -كما هو واضح من القراءة الواعية للروايات المتناثرة المتضاربة أحياناً- لم يكن حول وجوب تطبيق شريعة الله، وتنفيذ أوامره وأوامر نبيه عليه الصلاة والسلام. لقد كان الخلاف حول الأولويات: هل الأولوية لتوحيد كلمة المسلمين أو لتطبيق الحدود؟ فعلي -رضي الله عنه- كان يعطي الأولوية لتوحيد كلمة المسلمين، وإن كان بالقوة... فالدولة الضعيفة يصعب عليها تطبيق الأحكام الشرعية، ولاسيما تطبيق الحدود على من بايعوه ويساندونه.  وأما فريق أم المؤمنين وطلحة والزبير ومعاوية -رضي الله عنهم أجمعين- فيرون أن الأولوية لتطبيق الشريعة؛ ليتأكدوا من قدرة الخليفة، الذي بايعه البعض، في إدارة الدولة الإسلامية. فهو الخليفة الذي بايعته الفئة التي قتلت خليفة المسلمين، ويعتمد عليها بدرجة ملحوظة، وبايعه جزء من الصحابة وخيار المسلمين، وامتنع عن بيعته جزء آخر.

وبعبارة أخرى، فإن الاختلاف كان اختلافاً في تقدير الواقع الذي كان المسلمون يعيشونه، وكان اختلاف تقدير للنتائج المحتملة للقرارات التي تُبنى على تقديرات الأطراف الرئيسة المتنازعة للواقع. وهو اجتهاد في موضوع شائك ومحيِّر، وينطبق على المجتهدين فيه، إذا بذلوا جهدهم للتوصل إلى رأي فيه، قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر."(صحيح البخاري 6: 2676).

ومما يؤكد هذه الحقيقة أن الفئتين الرئيستين كانتا حريصتين على تجنب أن تكون هي البادئة في القتال. وقد عبّر عن هذه الحقيقة ما ورد في الروايات المتعددة عن علي وعن العباس، وما ورد عن عائشة أم المؤمنين، ومعاوية رضي الله عنهم جميعاً وعن كثير من الأخيار في الفئتين. (انظر مثلا: ابن كثير، البداية 7: 242-307).

أما الذين انتهكوا حرمة دم خليفة المسلمين في الأشهر الحرم فقد كانت بالمرصاد لأي عملية صلح. ففي الصلح نهايتها المؤكدة، لأن أحداً من المسلمين لا يشك في استحقاقهم القصاص. ولهذا عندما تمكن القعقاع بن عمرو من إقناع أم المؤمنين ومن معها على ضرورة توحيد الكلمة أولا، قبل تطبيق العقوبة بقتلة الخليفة الثالث، وأوشك الصلح بين الطرفين الرئيسين أن يتم، عمدت هذه الفئة إلى إفساده. ولعل ما ورد على لسان ابن كثير يصور الحقيقة الواضحة المرة. يقول ابن كثير "وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون، وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر. وهم قريب من ألفي رجل، فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم، وقام الناس من منامهم إلى السلاح ... وكان أمر الله قدراً مقدوراً وقامت الحرب على ساق وقدم..."(ابن كثير، البداية 7:256-257) وهكذا اشتعلت موقعة الجمل.

وخلاصة الرأي الراجح عندي من استعراض الروايات العديدة والأحداث المتنوعة ذات العلاقة، وتحليل الشخصيات الرئيسة ما يلي:

أولا -  كان سبب الخلاف اختلاف الأولويات عند الأطراف الرئيسة، المبني على الاختلاف في تشخيصها للواقع، وفي تصورها للنتائج المستقبلية. وهذا الاختلاف يندرج ضمن الاجتهاد الذي يثاب عليه المسلم إن أخطأ الرأي أو أصاب مادام قد بذل جهده في الوصول إليه.

ثانيا - لولا إرادة الله، ثم مؤامرات وكيد الفئة التي بغت على الخليفة الراشد الثالث، لأمكن حل الخلاف بالطرق السلمية.

من الفئة الباغية؟

هناك أخطاء جسيمة يقع فيها بعض العلماء والدعاة، حيث يتجرؤون في إصدار أحكام غيابية على الآخرين ومنهم الجيل الإسلامي الأول، ويسيئون تطبيق بعض النصوص المقدسة عليهم. وقد يسندون هذا الخطأ بنصوص يحرفون مدلولاتها الحقيقية. ومن هذا الخطأ محاكمة أحد كتاب الوحي الذين أعز الله بهم وبسياسته الإسلام قروناً من الزمان. ولا أشك في أن العقلاء من هؤلاء المتجرئين لا ينكرون أن إنجازاتهم الشخصية لا تبلغ ذرة من إنجازات معاوية رضي الله عنه في خدمة الإسلام. ولا أنكر أنهم يعتمدون في محاكمتهم على بعض النصوص التي وردت في كتب السنة أو في كتب التاريخ. ومن هذه النصوص السؤال المنسوب إلى معاوية لسعد بن أبي وقاص":ما منعك أن تسب ‏أبا التراب؟ "، والدعاء المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على معاوية "لا أشبع الله بطنه" ووصف النبي الفئة التي تقتل عمار بالفئة الباغية.

لقد ناقشت الدكتورة سهيلة حماد النصين الأولين، وأثبتت بالرجوع إلى المراجع المتخصصة في التحقق من الأحاديث النبوية احتمال ضعفهما. (مجموعة عبد العزيز قاسم:1470)

ويضاف إلى ذلك حتى إن صدقت الرواية الأولى فإنها تقول: "قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا، فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ (سنن الترمذي 5 :638) وهنا يمكن تفسير "أمر" بوضع الشدة على الميم، أي جعله أميراً على شيء، أو أمره (بدون شدة) من الأمر. وفي التفسير الأخير جناية على نص السؤال لعدم اتساقه لغة. يضاف إلى ذلك أن معاوية لا يخفى عليه حرمة لعن المسلم، فكيف بلعن علي. فربما بلغه أن بعض المنافين له يفعلون ذلك تقرباً إليه، كما يحدث في كل زمان، فيسأل سعدا (مازحا)عن سبب ترفعه عن ذلك. ولقب "أبا تراب" هو مصدر فخر للصحابي علي بن أبي طالب، إذ قالها النبي صلى الله عليه وسلم له من باب المداعبة، وليس تحقيرا. ومعاوية لا تخفى عليه هذه الحقيقة التي جهلها أو تجاهلها من أساء فهم مناداة علي بأبي تراب. فقد وردت في السياق التالي: "عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلي رفيقين في غزوة ذات العشيرة، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بها رأينا ناساً من بنى مدلج يعملون في عين لهم في نخل، فقال لي علي: يا أبا اليقظان هل لك أن نأتي هؤلاء فننظر كيف يعملون؟ فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم فانطلقت أنا وعلي فاضطجعنا في صور من النخل في دقعاء من التراب فنمنا. فوالله ما أهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: يا أبا تراب لما يرى عليه من التراب. قال ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه، (يعنى قرنه) حتى تبل منه هذه (يعنى لحيته)." (مسند الإمام أحمد 4: 263) وكلنا يعلم أن الخوارج هم الذين اغتالوا عليًّا، وخططوا لاغتيال معاوية رضي الله عنهما، ولكن الله أنجاه بفضل منه.

والقول "لا أشبع الله بطنه" وردت في سياق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في طلبه فوجده الرسول يأكل. فالنص يقول "عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب. قال فجاء فحطأني حطأة وقال اذهب وادع لي معاوية. قال فجئت فقلت هو يأكل. قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية. قال فجئت فقلت هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه." (مسلم 4: 2010) ومن الواضح من السياق أن الدعاء كان دعاء مزاح، وليس دعاء بغضاء.

وأما بالنسبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار "تقتلك الفئة الباغية" وتطبيق "الفئة الباغية" على المجموعة التي كانت مع معاوية، وليس مع علي رضي الله عنهما، فيعكس أخطاء منهجية كثيراً ما يقع فيها المجتهدون، وهي السطحية في الفهم والتعميم. ويلاحظ ما يلي:

أولا – تؤكد الروايات التاريخية بأن من كان موجوداً عند مقتل الخليفة الراشد الثالث في المدينة هو علي، وليس معاوية رضي الله عنهما.

ثانيا – تؤكد الروايات بأن المجموعة التي بغت وقتلت بطريقة وحشية خليفة المسلمين كانوا في جيش علي، وليسوا في جيش معاوية.

ثالثا – هناك فئة بغت على خليفة المسلمين الراشد الذي تنبأ له نبي رب العالمين بالشهادة، وبشَّره بالجنة. وقال له لتبرعه السخي في غزوة تبوك: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين." وتبشيره بالجنة على بلوى تصيبه (سنن الترمذي 5: 626؛ البخاري3: 1343) ومع فضل عمار رضي الله عنه، فإن فضل عثمان بن عفان يصعب مباراته. فهو الذي زوَّجه النبي ابنتين من بناته...  فأي الفئتين أحق بصفة الفئة الباغية قتلة الخليفة الراشد، أم قتلة عمار بن ياسر؟

رابعا – امتنع معاوية ومن معه من مبايعة الخليفة الراشد الرابع، إلا أن يطبق حكم الله في المتعمدين في قتل الخليفة الراشد الثالث، أو تسليمهم إليه ليطبق عليهم شرع الله. وكان قرار علي رضي الله عنه عدم الاستجابة لهذا الطلب حتى يستتب له الأمر. فلا يشك عاقل بأن قتل الخليفة الثالث كان ظلماً وعدواناً، يستحق مرتكبوه القصاص قتلا. ولا يشك عاقل بأن الخليفة الرابع لا يعطل تطبيق الحدود مجاملة أو خوفاً من قتلته الذين انضموا إلى جيشه.

فمعاوية مجتهد رأى أن تطبيق الشريعة في المستحقين أوجب، ويأتي قبل البيعة لخليفة متوقف عن تطبيقه في حق قتلة الخليفة الراشد الثالث الموجودين ضمن جيشه. وأما علي، الخليفة الراشد الرابع، فكان يرى البيعة له أولا، ثم تطبيق الحد ثانيا. وكلاهما مجتهد يثاب إن أخطأ.

ولو سألنا أي عاقل: أي الفئتين يحتمل أن تنطبق عليها صفة "الفئة الباغية"؟

إن الإجابة السطحية التلقائية هي: الفئة التي كانت مع الخليفة الراشد الرابع. وأقول السطحية، وإن صدقت الرواية التي تقول بأن معاوية علق على الحديث بأن الفئة الباغية هي التي جاءت به ليُقتل. وأؤكد السطحية في هذه الإجابة، والسطحية في تقسيم المتقاتلين في صفين إلى فئتين فقط لأسباب منها:

1.                                  تعليق معاوية، إذا صدقت الرواية، تعبر عن ذكاء فذ، حيث يرد على التهمة المبنية على الفهم الفوري بتعليق مماثل، يتناسب مع الفهم الفوري المتشكك.

2.                                  لقد كان المنافقون -الذين هم في الدرك الأسفل من النار- في كثير من المعارك التي خاضها المسلمون ضد المشركين، تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم. فهل هم أفضل من المشركين؟ وهل هم بالفعل وفي الواقع من فئة النبي صلى الله عليه وسلم؟ إن الحقيقة تؤكد أن المنافقين فئة مستقلة في الواقع، كما أن قتلة الخليفة الراشد فئة مستقلة.

3.                                  روايات قتل عمار متعددة، ومبهمة وعامة، يستحيل معها التأكيد بأن من قتله أحد أفراد جيش معاوية. والحقيقة المتوقعة والمؤكدة أن الذين قتلوه غدرا هم أحد أفراد الفئة التي قتلت عثمان ليوهموا الناس بأن فئة معاوية هي التي قتلته، فهي الفئة الموصوفة بالباغية. وهذا ليس بمستغرب منهم؛ لأنهم في معركة الجمل هاجموا جيش عائشة رضي الله عنها ليلاً، ليشتبك الفريقان في القتال، ويفسد الصلح الذي توصل إليه القعقاع بين الفريقين، وبيت الطرفان الإعلان عنه صباحا.

فمعركة صفين لم يبدأها علي رضي الله عنه أو أحد كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولكن بدأها الأشتر النخعي، الذي قام بدور بارز في  تشجيع الخليفة الرابع وجيشه على القتال، وفي إثارتها مرات متعددة. وهو أحد قتلة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه. (انظر مثلا، ابن كثير، البداية 7:270-293)

ولعل مما له صلة وثيقة بالموضوع إنكار البعض على معاوية تبني النظام الوراثي المعدل في الحكم بعد الخلافة الراشدة.

وأقول لهذه الفئة التي تبغي على أحد كتاب الوحي، والذي أعز الله به وبأفكاره المبدعة الإسلام قرونا طويلة ما يلي:

1.                                  يتكون أي نظام من عنصرين: المضمون أو المبادئ، والشكليات أو الإجراءات. وفي الوقت الذي يضع فيه الإسلام المبادئ العامة اللازمة للتنظيم الاجتماعي (الجمعيات والمؤسسات الخاصة) والسياسي (الأحزاب والمؤسسات العامة) فإنه لم يقيد المسلمين بشكليات أو قوالب محددة، وترك هذه الأمور للمسلمين في كل زمان ومكان ليختاروا ما يناسب واقعهم وظروفهم. ( أسد ص 53-56؛ العوا ص 66-68) فقد أجاز الله  توارث النبوة والسلطة بين داوود وسليمان عليهما السلام، ولم يحرمه. يقول تعالى:"وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين.ُ"[سورة النمل: 16] فالمبادئ يجب أن تكون صالحة لكل زمان ومكان لأنها تخاطب العناصر الفطرية الأساسية للإنسان. أما الإجراءات الجيدة فيجب أن تكون نتيجة للتفاعل بين المبادئ الثابتة والظروف المتغيرة المتجددة.  وتختلف درجة التفاعل المطلوبة باختلاف مجالات الحياة. وهي في مجال التنظيم السياسي أعظم من غيرها.

2.                                  لا يمكن لأحد أن ينكر الحروب التي نشأت في المدة الأخيرة من الخلافة الراشدة، سواء في نهاية الخلافة الثالثة، أو أثناء الخلافة الرابعة، وذلك بسبب كثرة من دخلوا الإسلام دفعة واحدة…، ووفاة غالبية الجيل الأول، وتغلغل المفسدين من أعداء الإسلام أو العنصريين في صفوف المسلمين… فاختار معاوية الصحابي المحنك والمعروف بذكائه المتميز النظام الوراثي للحكم، ليتسق مع الظروف التي طرأت. وقد أثبت التاريخ الثمار اليانعة لقراره هذا.

من المخطئ في حادثة استشهاد الحسين؟

لقد جرى نقاش ساخن حول هذا الموضوع قبل حوالي ثلاثة عقود في الولايات المتحدة الأمريكية. ولعلي ألخص خلاصة ذلك النقاش في محاولة للإجابة عن السؤال المطروح. إن الروايات التي وردت في هذه الحادثة تفرض على القارئ مزيداً من العناية ليخرج بصورة عقلانية منصفة لما جرى فيها. وتعود هذه الضرورة إلى ما يلي:

1.                                  مكانة الطرفين الرئيسين في النزاع غير متكافئة تماما من حيث الصفات الوراثية، وذلك لأن الحسين من أهل البيت ومن الصحابة أيضا. أما يزيد بن معاوية، مع ثبوت صلاحه وحكمته لا يقارن بحال سبط أو حفيد نبي رب العالمين الثابت فضله عن جده عليه الصلاة والسلام وصلاحه. وهذا يعني أنه في حالة تساوي يزيد معه في الصفات المكتسبة فإن الحسين يفضل عليه. ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى المحاسبة على الصفات المكتسبة، ولبست الموروثة إلا بصفتها من النعم التي يحاسب عليها الإنسان. يقول تعالى:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم".[الحجرات: 13]

2.                                  المكانة العقدية العظيمة للحادثة عند إخوتنا الشيعة، بسبب استغلال المغالين من دعاة الشيعية المكثف للحادثة لنشر عقيدتهم، وللهيمنة على جمهورهم، وللاحتفاظ بامتيازاتهم... فقد عمل كثير من دعاتهم بجد على دس كثير من القصص والروايات والتفاصيل والتعليقات التي تأثر بمجملها حتى المنصفون من المؤرخين المسلمين ومن تبعهم.

الشخصيات الرئيسة في النزاع:

من حيث الواقع، تتألف الفئة التي يمثلها الحسين رضي الله عنه من ثلاثة عناصر: الفئة التي بعثت الرسائل الغزيرة أو من اصطنعها لتحث سبط رسول الله على الثورة ضد الخليفة، والفئة المخلصة لقضيته وعلى رأسها أهل بيته، وهو قائدها المقتنع بضرورة إزالة الظلم والظالم، حسب الصورة التي رسمتها له الرسائل العديدة وصدّقها. ولم تتجاوز مؤازرة عبد الله بن الزبير تشجيع الحسين على الثورة على خلافة يزيد بن معاوية.

وأما كبار الصحابة والتابعين في عصره فقد حذروا الحسين من قراره التوجه إلى "أنصاره" أو شيعته في الكوفة الذين كتبوا له بالقدوم عليهم ومنّوه بالمساندة والوقوف معه ضد الخليفة المبايع له. وممن نصحه: ابن عباس،  وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن جعفر، وعمرو بن سعيد بن العاص، وأخيه محمد بن الحنفية...

ومعظم نصائحهم كانت مبنية على أن أهل الكوفة قد خذلوا أباه الخليفة الرابع، وأنه لا يُعتمد عليهم. وصرح له القليل بأن خروجه سيسهم في تفريق كلمة المسلمين المجتمعة نسبيًّا. غير أن الحسين رضي الله عنه كان مقتنعاً بأن يزيد بن معاوية خليفة ظالم، وأن أهل الكوفة صادقون في تهمتهم له بالظلم، وكان مقتنعا بصدق الرسائل الكثيرة التي وعدته بالمساندة، وأنهم في انتظار قدومه عليهم. فعزم على المساهمة في إزالة الظلم والظالم بإصرار يندر مثله. ولا يشك عاقل أن إصراره لتحقيق المصلحة العامة للمسلمين كان فوق التطلعات البشرية الطبيعية للإمارة.

أما الطرف الثاني، فقد كان في ظل الروايات المتعددة، يمثل يزيد في القمة، وعبد الله بن زياد، وآخرون من أبرزهم شمر بن ذي الجوشن. فلكل من هؤلاء الثلاثة موقفهم المختلف عن الآخر. أما المترددون بين الحسين، من جهة، وبين ابن زياد وابن ذي الجوشن، من جهة أخرى، فكانوا ربما يمثلون الأغلبية. فهم مترددون بين طاعة أمير الخليفة، وبين التعاطف مع الحسين رضي الله عنه.

والراجح -في ضوء معظم الروايات- أن موقف يزيد كان لا يتجاوز موقف الخليفة الذي يخرج عليه أحد المواطنين، ويسافر من المدينة المنورة إلى الكوفة خصيصاً ليؤلب عليه بعض المواطنين ويعلن الثورة عليه. بيد أنه كان موقفا ممزوجا باحترامه للحسين وبالعطف عليه لمكانته من رسول رب العالمين. فالموقف الراجح له من الحسين تعبر عنه عدد من الروايات التي أجمعت، بطريقة أو أخرى، على أنه عندما رأى رأس الحسين رضي الله عنه دمعت عيناه، وقال: "كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. لعن الله ابن سمية [عبد الله بن زياد]. أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، ورحم الله الحسين."( ابن كثير، البداية 9: 588).

وكان موقف ابن زياد التردد بين التعامل بالشدة واللين. ويمثل شدته الرواية التي تزعم بأنه تهدّد عمر بن سعد بأن يذهب إلى الحسين ليخضعه، أو أن يعزله أو يقتله، والرواية التي تفيد بان ابن زياد أمر عمر بن سعد "بأن ُحل بينهم وبين الماء كما فُعل بالتقي النقي الزكي أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأعرض على الحسين أن يبايع هو ومن معه لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية.(ابن كثير، البداية 8: 571) ويمثل لينه أن وافق على منح الحسين واحدة من الثلاث التي طلبها، عندما أدرك كذب أهل الكوفة –على ألأقل- في وعدهم بالمساندة له في الثورة على الخليفة و... ويمثل تردده بين اللين والقسوة تراجعه بسبب  شمر بن أبي الجوشن الذي أقنعه برفض طلب الحسين. فقد طلب الحسين منحه إحدى الفرص الثلاث: الرجوع من حيث جاء، أو تسييره إلى يزيد ليضع يده في يده، أو تسييره إلى الترك ليقاتلهم، وحسب رواية أخرى، أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه. وفي رواية أخرى، يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده فيحكم فيه بما شاء. فأبوا عليه واحدة منهن، وقالوا لا بد من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبى أن يقدم عليه أبداً وقاتلهم دون ذلك.

أما موقف شمر بن أبي الجوشن فيمثله اعتراضه على قرار ابن زياد الموافقة على طلب الحسين المشهور، وقوله لابن زياد: "لا والله حتى ينزل على حكمك هو وأصحابه" وكونه من الذين قاتلوا الحسين ومجموعته التي وقفت معه...

وأما الموقف الغالب المتردد بين تنفيذ أمر ابن زياد والي الكوفة وبين الإشفاق على الحسين فأضل مثال له هو موقف الحر بن يزيد التميمي. قال للحسين "إني لم أؤمر بقتالك، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك إلى الكوفة على ابن زياد، فإذا أبيت فخذ طريقا لا يقدمك على الكوفة ولا تردك إلى المدينة، واكتب أنت إلى يزيد، وأكتب أنا إلى ابن زياد إن شئت. فلعل الله يرزقني فيه العافية من أن ابتلى بشيء من أمرك."( ابن كثير، البداية 8: 569).

المقارنة بين حادثة الحسين وحادثة عثمان ومعاوية:

لعلي في الحديث عن هذه النقطة أسترجع ما دار في الجدل الساخن الذي جرى قبل ثلاثين عاما بين طرفين، كل طرف متحمس لمن يدافع عنه. وستكون وظيفتي الرئيسة هي تقديم ملخص لحجج الطرفين.

احتج الطرف الشيعي بأحاديث كثيرة ورد بعضها في كتب السنة، وإن كان مصداقية بعضها موضع تساؤل. ومنها ما هو من اختراعات المتحمسين لسبط رسول الله من علماء الشيعة، ولاسيما المغالين منهم. ومن الحجج الثابتة أن الحسن والحسين سيدا شباب الجنة، والروايات التي تؤكد حب النبي صلى الله عليه وسلم للحسن وللحسين، ويعد من يحبهما  بحبه لهم، ويتوعد من يبغضهما ببغضه لهم، وأن النبي أخبر بأن الحسين سيقتل في كربلاء.

ومن أمثلة المكذوبات الصريحة أن أم سلمة "سمعت الجن ينُحنَ على الحسين وهن يقلن ... أيها القاتلون جهلا حسينا... أبشروا بالعذاب والتنكيل... كل أهل السماء يدعو عليكم... ونبي ومرسل وقبيل... قد لعنتم على لسان ابن داود... وموسى وصاحب الإنجيل." ومن أمثلة ذلك القول المنسوب إلى ابن عباس " أوحى الله تعالى إلى محمد إنى قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وأنا قاتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا". ومما أورده ابن كثير من مكذوبات غلاة الشيعة أيضا أن "الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم، وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه دم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضا، وأمطرت السماء دما أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ...أن الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دما، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يُمسّ زعفران ولا ورس بما كان معه يومئذ إلا احترق من مسه، ولم يُرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم إلى غير ذلك".(ابن كثير، البداية 8: 599).

وأما المتحمسون للخليفة الأموي يزيد بن معاوية فكان تعليقهم يتلخص في أن الأحاديث الثابتة عن فضائل الحسين تؤكد حب النبي صلى الله عله وسلم لأحفاده، ولاسيما من ابنته فاطمة الغالية عليه. وهو حب طبيعي، ولكن لم يرد فيها أنه شهيد حق، وأنه كان معصوما من الخطأ في تقدير الأمور وفي قراره الخروج على خليفة المسلمين المرشح من خليفة يسبقه وحظي بموافقة كثير من خيار الناس ومنهم صحابة رسول الله صلى الله عله وسلم. واحتجوا بالقول المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ": إذا خرج عليكم خارج وأنتم مع رجل جميعا يريد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جمعهم فاقتلوه."  وهو قول يقول عبد الله بن عمير الأشجعي أنه سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، (معرفة الصحابة 3: 1735؛ مجمع الزوائد 6: 233؛ الإصابة في تمييز الصحابة4: 199).

وردا على احتجاج الطرف الآخر بأن الحديث ينطبق على معاوية رضي الله عنه، أجابوا بأن معاوية لم يخرج إلى حيث مركز الخلافة ليؤلب على الخليفة ويعلن الثورة عليه، ولكن الخليفة قدم عليه في الشام ليخضعه. كما أن معاوية كان يطالب بتطبيق الحد على قتلة الخليفة الثالث ظلماً وعدواناً، وجميع الأطراف كانت متفقة على ضرورته، ولكن اختلفوا على متى يكون التنفيذ. كما طرح هذا الطرف عدداً من الأسئلة، منها: ماذا كان يمكن أن يحصل لو أن الحسين كان في مكان يزيد، ويزيد كان في مكان الحسين؟ فهل يتوجه إلى الثوار على الخليفة ليخضعهم؟ وهذا الاحتمال كبير، في ظل ما فعله أبوه الخليفة الراشد الرابع. وماذا كان يمكن أن يحصل لو أن سبط نبي الله وافق على تسيلم نفسه لعبد الله بن زياد؟ فهل سيقتله أو يهينه؟ إن هذا مستبعد، ولاسيما أن التسليم لابن زياد لم يكن، في الأصل، رأيه.

ورداً على احتجاج الطرف الآخر بأن أهل السنة يبالغون أيضا في حادثة شناعة حادثة استشهاد عثمان، أجابوا بأن هناك فرقاً كبيراً بين الاثنين. فعثمان رضي الله عنه كان خليفة للمسلمين مجمع عليه، ومنع الصحابة من الدفاع عنه حقنا لدماء المسلمين.(الجامع  ج 11 ص 444-450)  أما  من بغوا عليه وقتلوه فجاؤوا من بلادهم ليسفكوا دمه في بيته وهو يتلو القرآن. وهذا في مقابل أن الحسين هو الذي ذهب إلى الكوفة ليجمع شيعته، وليحارب الخليفة المبايع والموافق عليه من أغلبية المسلمين.

خلاصة المناقشة:

1.                                  يلاحظ القارئ للروايات التاريخية العديدة أن حادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه حظيت بتعاطف لم تحصل عليه حادثة استشهاد الخليفة الراشد الثالث رضي الله عنه. فمثلا يخص ابن كثير في البداية والنهاية حوالي مائة وخمسين صفحة لحادثة استشهاد سبط نبي الله، ويخص حادثة استشهاد الخليفة الذي تستحيي منه الملائكة بخمسين صفحة.(ابن كثير، البداية 8: 545-609؛ 7: 182-234) ويقول في تعليقه على موقف يزيد أنه لم يجز قتل الحسين ولم يكره، فيخالف ما أثبته هو بروايات متعددة في كتابه، وذلك تعاطفا مع سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم...

2.                                  لقد كان الحسين رضي الله عنه ضحية الرسائل الغزيرة التي وصلته من "شيعته" أو من خبيث أو خبثاء ماكرين في الكوفة من جهتين: كذب المعلومات التي تصف الخليفة يزيد بأنه جائر وظالم، يستوجب المحاربة والخروج عليه؛  كذب الرسائل التي أوهمته بأنهم جاهزون لنصرته وللوقوف معه، وأنهم قادرون على ذلك.

3.                                  من كان في صلاح الحسين رضي الله عنه وشهامته فإن إصراره على قراره المبني على قناعته الشخصية لا يُستنكر. وهو إن جانب الصواب في إعلانه محاربة الخليفة يزيد بن معاوية فإنه لم يخطئ في الدين، ولكن في الاجتهاد في تشخيص الواقع.

4.                                  إن طلبه إحدى الثلاث: تركه يرجع من حيث جاء، أو يذهب إلى يزيد، أو يقاتل في الثغور تدل على الشجاعة في الرجوع إلى الحق بعد اكتشافه، ولكن شاءت الأقدار أن يموت شهيداً على يد بعض الأشقياء، وعلى رأسهم شمر بن أبي الجوشن.

5.                                  الحديث المتعلق، إن صح، لا ينطبق على معاوية أو الحسين رضي الله عنهما. فالمسلمون حينئذ لم يكونوا جميعا مع رجل واحد، بل كانوا متفرقين.

المنهج المطلوب عند تحليل الأحداث السابقة:

أقول للذين يتجرؤون على محاكمة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إدانتهم على استحياء، أو بصراحة أحياناً وبوقاحة. أقول اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، وأحسنوا قراءة النصوص وفهمها، قبل إصدار أحكام غيابية على الآخرين. إن الفئة الباغية هي الفئة المستقلة التي كانت في الظاهر تحت راية الخليفة الراشد الرابع، وليس الفئة المخلصة لأحد الصحابيين الجليلين، وأن الخلاف كان خلاف اجتهاد في التطبيق، أسهم في صناعته مؤامرات المفسدين في الأرض، جهلا أو عمدا.

وأقول لهم ولنفسي ينبغي أن نبذل الجهد المطلوب واستخدام العقل الذي ميزنا الله به، حتى نفهم ديننا فهما صحيحا. فإن من المؤلم أن ينزل الإسلام، متمثلا في القرآن الكريم والسنة النبوية قبل أربعة عشر قرنا، ولا نفهمه الفهم الصحيح. وفوق هذا نتجرأ على محاكمة الآخرين غيابيا وندينهم بوقاحة لا تليق بالمسلم العادي، فكيف بمن ينتمي إلى أهل العلم.

وعلى المسلم الفطن أن يحذر الجرأة على محاكمة وإدانة الأجيال السابقة غيابيًّا، لاسيما مع تعذر الوصول إلى الأدلة الكافية التي تمثل وجهات نظر الأطراف المتنازعة والوقوف على الظروف التي صنعت قراراتهم.

وعلى طلبة العلم خاصة أن يحرصوا على عدم التورط في الاقتصار على الحفظ والترديد. فمعظم الآراء حول الأحداث التاريخية الحرجة تتسم بالخطأ لأنها تستند إلى القراءة الانتقائية المتحيزة أو العشوائية السطحية للنصوص وللروايات التاريخية المتعددة التي قد تكون متضاربة أحياناً، حول الحادثة الواحدة، وغير موثقة.

 

فهرسة الموضوع:

من المخطئ في معركة الجمل؟ 

من الفئة الباغية؟      

من المخطئ في حادثة استشهاد الحسين؟     

الشخصيات الرئيسة في النزاع: 

المقارنة بين حادثة الحسين وحادثة عثمان ومعاوية:     

خلاصة المناقشة:      

المنهج المطلوب عند تحليل الأحداث السابقة: 

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - د سعيد صيني
    ًصباحا 11:17:00 2015/09/04

    تعديل على التعليق الذي أرسلته قبل يومين على عجل نبهني أحد طلابي إلى تعليق الأستاذ محمد صفر، الذي أشكره على إثارته نقطة لم أهتم بها. فثقتي في أصحاب رسول الله الذين نقلوا إلينا الإسلام تجعلني أعتقد أن أي مسلم مخلص للحق يدرك أن مثل معاوية لا يغيب عنه أن القصاص لا يمكن أن يطبق بناء على اتهامات وقصص متعارضة حول متهم واحد، فكيف إذا تعدد المتهمون؟ وقد قُتل الكثير من شهود العيان، سواء المحايدين منهم أو المناصرين للخليفة الراشد الثالث أو المعارضين له. والمسلم العاقل يدرك أن الله ورسوله لم يضمنا العصمة من الخطأ لأهل البيت أو حتى بعضهم. فهذه الدنيا دار اختبار، وقد يقع المسلم التقي الورع في أخطاء من درجات متفاوتة بحسن نية، أو بعد الاجتهاد في تقدير الواقع، والقرار الأصل له، أو المدلول الصحيح للنصوص المعتمدة عند جمهور علماء المسلمين، أو... ومعلوم أن قتال المؤمن للمؤمن يجوز في حالات الضرورة القصوى. يقول تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون.}(الحجرات: 9-10)

  2. 2 - محمد صفر
    ًصباحا 12:20:00 2012/05/23

    شكر الله سعيه .. لكن لم يجب على اشكالات هذه القضية انما خلاصة ما فعله الدكتور الصيني جمع الروايات المتناقضة ورجع من وجهة نظره بعض الآراء .. وأعجب ما قرأت في ملخصه إقراره بخلافة يزيد في محاولة لتبرئة ساحته من دم الحسين ؟؟ وأتساءل لماذا معاوية لم يجعل من أولوياته القصاص من قاتلي علي وعثمان ؟ بل انشغل بقتل من تبقى من آل البيت ومن والاهم ؟؟

الصفحة 1 من 1