إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

في استقبال رمضان .. مواقف ومشاعر

الاحد 04 رمضان 1436 الموافق 21 يونيو 2015  
في استقبال رمضان .. مواقف ومشاعر
د.حذيفة عبود السامرائي

مرحـبًـــا أهـلاً وسـهلاً بالصـيام  ... يـــا حبيبًـا زارنــــا في كـل عام

قـــد لقينــاك بحــــب مفـعـــــــم ... كل حب في سوى المولى حرام (1)

   إن لشهر رمضان فضائل عظيمة جعلته يتميز عن سائر الشهور، ولهذا كان له من الاهتمام والميزات في قلوب المسلمين والمؤمنين ما يجعلهم ينتظرون قدومه، ويستعدون للقائه، ويهيئون أنفسهم، ويسألون الله أن يبلغهم رمضان، ويعينهم على الإحسان فيه صيامًا وقيامًا وزكاةً واعتكافًا.

  هذا هو شأن الصالحين من هذه الأمة سلفًا وخلفًا، يفرحون لقدوم هذا الشهر الطيب المبارك، ويتمنون أن يدركهم رمضان وهم أحياء؛ ليتقربوا إلى مولاهم، ويتعرضوا إلى رحمات الله ونفحاته، ويستغفروا الله ويتوبوا اليه، سائلين مولاهم العظيم أن يعتق رقابهم من النار في هذا الشهر العظيم؛ فالصوم حماية ووقاية من النار، فقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( الصوم جُنَّة يستجن بها العبد من النار ))(2) وقال أيضًا: ((من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا(((3).

   لقد كان السلف يفرحون بقدومه، ويحمدون الله على إدراكه، كيف لا وهو ركن ركين، يقوم عليه صرح الدين. يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: (( بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت )).(4)

فأعظِمْ بها من بشارة يزفها النبي -صلى الله عليه وسلم- لصحابته حين قال لهم: (( أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرض الله-عز وجل- عليكم صيامه، تُفتَح فيه أبواب السماء، وتُغلَق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدة الشياطين، لله فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حرم )).(5)

  • قال ابن رجب - رحمه الله -: "كيف لا يُبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران، كيف لا يبشر العاقل بوقت يُغَلُّ فيه الشيطان، من أين يشبه هذا الزمانَ زمان؟".

فلننظر إلى حال السلف في استقبالهم لرمضان، كيف كانوا يفرحون بقدومه، ويبتهجون بحلوله؟

  • قال مُعَلَّى بن الفضل: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم".
  • وكان يحيى بن أبي كثير يقول: "اللهم سلمنا إلى رمضان، وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلا " .
  • وقال ابن رجب: "بلوغُ شهر رمضان وصيامُه، نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، ويدل عليه حديث الثلاثة الذين استُشهد اثنان منهم، ثم مات الثالث على فراشه بعدهما، فَرُئِي في النوم سابقا لهما، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاةً، وأدرك رمضان فصامه، فوالذي نفسي بيده، إن بينهما لأبعدَ مما بين السماء والأرض )) صحيح سنن ابن ماجة.

رمضان نعمة جليلة تستوجب الشكر:

   قال الإمام النووي - رحمه الله -: "اعلم أنه يستحب لمن تجددت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة، أن يسجد شكرا لله تعالى، وأن يحمد الله تعالى، أو يُثني عليه بما هو أهله". الأذكار.

كان لهم رمضان مدرسة لتعويد النفس على صيام النوافل الإضافية، لأنهم سمعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (( مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا )).

وكان لهم رمضان مدرسة لتعويد النفس على القيام؛ لما يجلبه من نور في الوجه، وحب يلقى في قلوب العباد.

قال سعيد بن المسيب - رحمه الله -: "إن الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجهه نورا يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إني لأحبُ هذا الرجل".

وقيل للحسن البصري - رحمه الله -: "ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم من نوره".

كانوا يعدون رمضان مدرسة للقرآن، تلاوةً، واستماعاً، وفهماً، وتدبراً، وعملا.

فقد كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع الأعمال، وأقبل على قراءة القرآن.

وكان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة.

وكان رمضان لهم مدرسة لإذابة الشح من النفوس، والمسارعة إلى الجود والعطاء. عن ابن عباس -رضي الله عنها- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن. فلرسول الله-صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة"(6).

قال الإمام الذهبي: "وبلغنا أن حماد بن أبي سليمان كان ذا دنيا متسعة، وأنه كان يُفطِّر في شهر رمضان خمس مائة إنسان، وأنه كان يعطيهم بعد العيد لكل واحد مائة درهم".

فرمضان السلف - إذن - تنافس في الخيرات، وتزاحم في القيام بالطاعات، ومضمار للفوز بالجنات.

قال الحسن البصري - رحمه الله -: "إن الله جعل رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا. فالعجبُ من اللاعب الضاحك، في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون".

=========================
(1) الأبيات للشيخ د.عائض القرني.
(2) رواه الطبراني في الكبير رقم"1235"وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "3/ 180 "وقال: حديث أبي هريرة في الصحيح بنحو هذا ورواه الطبراني في الكبير.
(3) صحيح مسلم: رقم الحديث: 1956.
(4) متفق عليه.
(5) سنن النسائي.
(6) متفق عليه.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم