برنامج نبض
السياسة الشرعية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
الشورى في الإسلام
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1432 الموافق 15 فبراير 2011
 
الشورى في الإسلام

باسل علوظي برلين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله...وبعد،

قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}- 159سورة آل عمران.
وقال تعالى: { وَالَّذِين اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...} 38سورة الشورى.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه".
وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم، فقال: "مشاورة أهل الرأي ثم إتباعهم".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المستشار مؤتمن".
وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما". قال الشيخ د/ يوسف القرضاوي حفظه الله في كتابه السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها: "معناه: أنه يرجح رأي الاثنين على رأي الواحد ولو كان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال حفظه الله: "سمي أهل الشورى في الإسلام أهل الحل والعقد فإذا لم يكن لرأيهم وزن فماذا يحلون ويعقدون إذا؟".
والمتأمل لسيرته صلى الله عليه وسلم يجده كثير التشاور مع أصحابه وحتى مع زوجاته عليه السلام، بل كان أصحابه رضي الله عنهم يبادرونه بالرأي والمشورة، فكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهو الرأي والمشورة أم هو وحي من الله، فإذا قال بل الرأي والمشورة بادروه بآرائهم، وكان عليه السلام يأخذ بآرائهم إذا شاورهم أو بادروه بالمشورة إلا إذا حسم الأمر بالوحي، وكان ينزل عند رأي الجمهور – الأغلبية – حتى وإن كان يرى غيره أفضل منه، وسيأتي مثال مشهور من سيرته على ذلك، وكان عليه السلام أمر الصحابة مرة بعدم تأبير النخل (تلقيحه) فلما تركوه لم يحمل النخل ثمرًا، فعاد وقال لهم: "... أنتم أدرى بأمور دنياكم". وهذا تشريع وليس مجاملة يطيب بها خاطرهم، ولم يكن هذا الحدث عبثا بل جعله الله ليشرع به هذا الموقف المهم.
وفي تفسير قوله تعالى: "وشاورهم في الأمر" يقول شهيد الصحوة الإسلامية سيد قطب – رحمه الله- الذي قال كلمة حق أمام سلطان جائر فقتله، في كتابه المعروف "في ظلال القرآن": يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم – حتى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولاه، وهو نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكا في أن الشورى مبدأ أساسي، لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه...
أما شكل الشورى والوسيلة التي تتحقق بها، فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها، وكل شكل وكل وسيلة، تتم بها حقيقة الشورى – لا مظهرها – فهي من الإسلام.
وقد نزلت هذه الآية بعد هزيمة المسلمين في "أحد" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يميل إلى البقاء في المدينة ومواجهة من يدخلها عليهم في الداخل، ولكنه نزل على رأي جمهور الصحابة الذين أرادوا الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة فنزلت الآية: "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر" ليقرر مبدأ الشورى في مواجهة أخطر الأخطار التي واجهت استعماله، وليثبت هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة، أيًا كانت الأخطار التي تقع في أثناء التطبيق، وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة، كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان هو انقسام الصف كما وقع في "أحد" والعدو على الأبواب، لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ، ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق...
ويقول الشيخ د/ يوسف القرضاوي في "الفتاوى المعاصرة":
"ومن القواعد الشرعية المقررة: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن المقاصد الشرعية المطلوبة، إذا تعينت لها وسيلة لتحقيقها، أخذت هذه الوسيلة حكم ذلك المقصد".
ولا يوجد شرعًا ما يمنع اقتباس فكرة نظرية أو حل عملي، من غير المسلمين، فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفكرة "حفر الخندق" وهو من أساليب الفرس.
ويقول: "أن من حقنا أن نقتبس من غيرنا من الأفكار والأساليب والأنظمة ما يفيدنا.... ما دام لا يعارض نصًا محكمًا، ولا قاعدة شرعية ثابتة. وعلينا أن نحور فيما نقتبسه، ونضيف إليه، ونضفي عليه من روحنا ما يجعله جزءًا منا، ويفقده جنسيته الأولى. (من كتاب الحل الإسلامي فريضة وضرورة).
الخلفاء الراشدون والشورى:
بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع أهل الحل والعقد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار ومن قريش لتنصيب خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (وأهل بيته وأبناء عمومته عليه الصلاة والسلام كانوا منشغلين بتكفين جثمانه الشريف صلى الله عليه وسلم) فأخذوا يتناقشون حول كيفية ترشيح الخليفة، أيكون من الأنصار؟ أم من المهاجرين؟ أم واحد من هؤلاء وواحد من هؤلاء؟ حتى استقروا بعد نقاش مستفيض على أبي بكر رضي الله عنه وبايعوه جميعًا ثم خرج يخطب في الناس خطبة توليه الخلافة وقبوله البيعة، فكان مما قال: "أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم...".
وبعد حكم عامين أوصى أبو بكر بالخلافة لعمر رضي الله عنهما – وذلك بعدما استشار كبار الصحابة – ولم تنعقد الخلافة لعمر (رضي الله عنه) بمجرد وصية أبي بكر (رضي الله عنه)، بل كانت هذه الوصية بمثابة ترشيح من أبي بكر لعمر، وكان عمر الفاروق هو المرشح الوحيد الذي اختاره أبو بكر لدرايته به وبإمكانياته وأمانته وجدارته وتوقعه قبول الناس به، فلما مات أبو بكر (رضي الله عنه) أعلن أهل الحل والعقد قبولهم بعمر – مرشح أبي بكر (رضي الله عنه) – لهذا المنصب، فبايعوه ليبايعه عامة الناس من ورائهم، وبهذه البيعة انعقدت الخلافة شرعًا لعمر (رضي الله عنه) وليس بمجرد ترشيح أبي بكر له، فخطب بالناس خطبة شبيهة بخطبة أبي بكر، وكان مما قال فيها: "أيها الناس من رأى في اعوجاجًا فليقومني..."ويرد عليه واحد من الجمهور أمام الناس فيقول: "والله يا ابن الخطاب لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد سيوفنا!".
فكان يحض الناس ويشجعهم ويفتح لهم الباب للتدخل لتقويمه وإصلاح خطأه، فلم تكن البشرية آنذاك قد عرفت مجالس الشورى المنتخبة ذات الصلاحية الرسمية لمحاسبة الرئيس إذا ظهر منه اعوجاج عن الدستور المنظم لمصالح البلاد، ولو كانت موجودة وقتها لسارع عمر رضي الله عنه لأسلمتها لحماية دستور الأمة الإسلامية (الشريعة المستقاة من القرآن والسنة الصحيحة..) من استبداد أمير أو حتى سهوه وخطأه غير المتعمد، حتى ولو كان ذلك الأمير هو عمر نفسه رضي الله عنه، فما أحرصه وأغيره على هذه الأمانة العظيمة – هذا الدين الحنيف -، فهو الذي قام بأسلمة نظام الديوان الفارسي وطوعه لخدمة الإسلام والمسلين.
وهو الذي ردت عليه امرأة رأيه وهو فوق المنبر أمام الناس، فلم يجد في نفسه غضاضة، بل قال أمام الملأ: "أصابت امرأة وأخطاء عمر" وتراجع عن رأيه.
وكان عمر رضي الله عنه إذا حزبه أمر لم يجده في الكتاب والسنة، جمع له أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وجعله شورى بينهم!.
ومن شدة حرصه على مصلحة الأمة حين أراد أن يرشح لهم خليفة – ولم يجد واحدًا مميزًا جدًا يعلم أن الأمة ستجتمع عليه- فيسميه ويرشحه للخلافة من بعده، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه فاختار من الصفوة ستة، رشحهم لهذا المنصب، ولم يكتف بذلك بل وسنَّ لهم أول نظام عرفه العالم في انتخاب الرئيس، وذلك قبل ظهور ديموقراطية أوروبا بأكثر من ألف عام، ففي ذلك الوقت ما كانت تعرف البشرية هذه الانتخابات، وكان للفرس ملك (شاه) يدعى كسرى، وكان للروم ملوك هم القياصرة يتوارثون الملك ويستبدون بالشعوب بلا رقيب ولا حسيب ولا دستور ضابط أو مرجعية تحسم الخلاف. وكان للإسلام دستور هو القرآن والسنة ومرجعية وهم العلماء الذين يستنبطون الأحكام من القرآن والسنة وفق منهج بينه لنا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:{ "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ } 83- النساء. الذين يستنبطونه هم العلماء، فأولو الأمر ليسو فقط الأمراء بل هم الأمراء والعلماء، وهي بصيغة الجمع كناية عن أهل الحل والعقد، فلم يقل سبحانه إلى الأمير أو إلى الخليفة بل قال: "وإلى أولي الأمر منهم"، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}59- النساء، ففي الشطر الثاني عند ذكر النزاع لم يذكر ولاة الأمر لأنهم قد يكونون طرفًا في النزاع فإلى من يرد الأمر عندها؟ إلى الله والرسول، ومن يستنبط حكم الله والرسول؟ هم العلماء ومن يفصل في النزاع إذا كان ولي الأمر طرفًا فيه؟ هم القضاة، وهذا وقع في تاريخ الإسلام عدة مرات لما كانت الأمة في عافيتها.
وجد عمر أن الستة يمكن أن يصيروا ثلاثة مقابل ثلاثة، فحتى يحسم نتيجة الانتخاب بوضوح رشح ابنه عبد الله – ليس لأنه ابنه فجمع الناس يعرفون قدر عبد الله بن عمر – رشحه كعضو في هذا المجلس، ولكن أعطاه حق التصويت فقط ولم يعطه حق الترشيح، فليس لعبد الله بن عمر أن يرشح نفسه بل له فقط أن يعطي صوته لأحد المرشحين إذا تساوت الأصوات، والعبرة هنا ليس بتحديد العدد بل بالفكرة التي أحدثها عمر في الإسلام على أسس الإسلام خدمة لمقاصده، فأقر مبدأ التشاور والترشيح والتصويت والانتخاب، بل وزاد على ذلك أن كلف إحدى القبائل بمحاسبة أعضاء هذا المجلس إذا هم أخفقوا في التوصل إلى حل في مدة ثلاثة أيام، وقال لهم أن يقتلوا كل هؤلاء المرشحين إذا لم يتوصلوا إلى حل ويتفقوا بعد ثلاثة أيام. وأعود فأقول ليست العبرة هنا بالمدة التي حددها عمر رضي الله عنه ولا بنوع العقوبة، بل بالمبدأ الذي أقره، وأقره عليه الصحابة بقبوله وتطبيقه وفق فهمهم لمنهج النبوة الذي كانوا على عهد قريب به، وهو محاسبة أولي الأمر وأهل الحل والعقد بالإضافة إلى موضوع الانتخاب.
إن تطورات الأمور في هذا المجلس أدت إلى أن بقي مرشحان هما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت الكلمة التي تحدد من منهما يكون الخليفة هي كلمة أو لنقل صوت الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهذا الصحابي لم يرد أن يغامر في هذه المسؤولية ويختار للأمة إلا بعد أن يسألهم ليطمئن أنه اختار لهم من يقبلوه، فذهب يسأل أهل المدينة بيتًا بيتًا، حتى أنه كان يسأل النساء أيضا (علي أو عثمان) وكانت نتيجة هذا الاستفتاء تميل إلى كفة عثمان، ليس رفضًا لعلي رضي الله عنه بل ميلًا إلى سهولة وسخاء عثمان مقارنة بشدة علي – في الحق طبعًا – وعند انقضاء المدة أعلن عبد الرحمن بن عوف بيعة عثمان، وبايعه علي رضي الله عنه ثم بايع سائر الناس، فكم من درس يمكن أن نستنبط من هذه القصة؟؟؟
وفي خلافة عثمان رضي الله عنه رأى عثمان ألا يجمع الناس بين الحج والعمرة في وقت الحج، فقال للناس في الحج: "أتموا الحج وأخلصوه في أشهر الحج، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل فأن الله قد أوسع في الخير"، فقال له على رضي الله عنه: "عمدت إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه، تضيق عليهم فيها وتنهي عنها، وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار" ثم أهل علي رضي الله عنه بعمرة وحج معًا، فأقبل عثمان بن عفان رضي الله عنه على الناس فقال: "إني لم أنه عنها، إنما كان رأيًا أشرت به، فمن شاء أخذه ومن شاء تركه". فكون عثمان هو الخليفة والأمير لم يمنع عليًا أن يواجهه بالخلاف بالرأي ويصوبه، ولم يتعال عثمان على الحق، فسارع ليبين للناس أن رأيه ليس بلازم للأمة الأخذ به.
وفي فترة خلافة علي رضي الله عنه عارضه رجل في أمر، فقال له علي رضي الله عنه: "أصبت – وأخطأت، وتلا قوله تعالى: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" – 76سورة يوسف.
وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ولم يكن عثمان قد قدم أي مرشح أو مجموعة مرشحين للخلافة من بعده، ومع توسع الدولة الإسلامية لم يعد سهلًا أن يجتمع أهل الحل والعقد في مكان واحد، وزاد على ذلك الخلاف الذي وقع بن علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه بداية حول القصاص بدم عثمان رضي الله عنه، فصارت فجوة، وظهر فراغ، أدى إلى فتنة واقتتال بين المسلمين حتى حسم بمقتل أحد الخليفتين وهو علي رضي الله عنه، ومما لا شك فيه بين أهل السنة أن المسلمين لو اتفقوا على علي أو على معاوية رضي الله عنهما لكان خيرًا من الاقتتال فكلاهما من أهل الفضل وإن زاد فضل علي على معاوية رضي الله عنه، فإنه يبقى صحابي جليل له فضله وقدره وجهاده في الإسلام، ولكنها الفتنة التي نريد أن نتعلم منها درسًا حتى لا نقع فيها، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وعلينا أن نجتهد في ذلك، ونتوكل على الله مع بذل الأسباب.
حصل درس آخر في عهد علي رضي الله عنه في العراق لا يجب أن نفوت الاستفادة منه في هذا المقام، ألا وهو ظهور الخوارج، رغم معارضتهم لعدة مسائل، قال فيهم علي رضي الله عنه: "لهم علينا ثلاث، لا نمنعهم مساجد الله، ونقاسمهم الفيء ما دامت أيديهم في أيدينا، ولا نبدأهم بقتال". فانظر أيها المتدبر إلى هذه القواعد التي استنبطها وسنها علي رضي الله عنه في التعامل الشرعي الحكيم والعادل الذي يرعى مصالح الناس وحقوقهم، حتى مع المعارضة المنظمة، ومن هذا يمكن أن نستنبط ونفهم التالي:

  • المعارضة والمخالفة للخليفة أو للحاكم ليست في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها الشرع.
  • المخالفون يتمتعون بكامل حقوقهم في الدولة ويأخذون مالهم إذا أدوا ما عليهم.
  • المساجد لم تكن أماكن عبادة فقط في ذلك الوقت بل كانت أماكن تجمع للتشاور في المسائل العامة التي تعني الأمة وأماكن لتجييش الجيوش وأماكن للإعلان عن أمور هامة وللتباحث في المسائل العلمية، فلم يحرم أصحاب الرأي الآخر من دخولها فهي وسائل الإعلام والبرلمانات (مجالس الشورى) ومنتديات الحوار الهادف والجاد، ومن حق المعارضة ألا تحرم من هذه الأماكن، وإذا حرمت منها وأغلقت أمامها هذه الأبواب فستكون لهم حجة لاستخدام أبواب ممنوعة وعاقبتها وخيمة على الأمة الإسلامية لما يمكن أن يلحق بالأمة عن تفكك وانقسام، ولو حفظ أئمة الأمويين والعباسين هذه الحقوق للمسلمين لما تعرض أئمة مثل الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية وغيرهم للسجن والضرب والنفي لمخالفتهم في الرأي مع أنهم كانوا على الحق، وهذا ما بعد ذلك.

  • أنهم لا يقاتلون ولا يسجنون ما داموا منضبطين بضوابط الخلاف يناقشون بالدليل والحجة، ويستوضحون ويوضحون آراءهم، فليس الصواب دائمًا مع الخليفة أو الأمير فهم في اعتقاد أهل السنة ليسوا معصومين، فكيف يتضح الصواب والخطأ إذا لم يفتح المجال للحوار والنقاش والاستدلال والتناظر، ومعروف أن هذا كان سائدًا في عهد الصحابة وفي عهد الخلفاء الراشدين، ورغم تناقصه في الفترة التي سمها الرسول صلى الله عليه وسلم (ملكًا عاضًا) إلا أن التاريخ لم يخل من شواهد مشرقة في هذا الجانب، فكان الشافعي رحمه الله يناظر العلماء في المسائل العلمية، وكان الأوزاعي وابن عساكر وغيرهم يناصحون الأمراء أمام الناس، وما كان الخلفاء يقتلون أو يسجنون أو ينفون كل من يخالفهم أو يناصحهم، ولكن الأحرى بالأمة أن تضبط هذا الأمر حتى لا يبقى عرضة لهوى الحاكم فإن لم يتق الله فالويل لكل من تسول له نفسه معارضته أو مناصحته أمام الناس، فيعدها خروجًا عن طاعته أو دعوة إلى فتنة لشق الصف فيطبق عليهم عقوبة ما ألصق بهم من تهم، وأحيانًا يصدر الحكم غيابيًا مع أن المتهم موجود ويمكن استدعاؤه واستجوابه في مجلس القضاء.
    وهناك مسألة التحكيم المشهورة!!! فما هي؟... وما الفائدة التي تستفاد منها؟
    في الفتنة التي وقعت بين الإمامين علي ومعاوية رضي الله عنهما، اتفق الفريقان على التحكيم، ولو قبل الطرفان بنتيجة التحكيم مهما كانت لكان هذا سببًا لتجنب الفتنة.
    وهنا عاد الخوارج ليزيدوا المشكلة ويؤججوا نارها ويرفضوا التحكيم بحجة قالوها: "لا حكم إلا لله"، وهي مقولة حق في حد ذاتها، لكنهم استدلوا بها للتضليل وليرفضوا بذلك تحكيم البشر في النزاع، وهو خلاف ما قرره القرآن في أكثر من موضع، منها التحكيم بين الزوجين إن وقع بينهما شقاق، فالحكم لله ولكن من الذي يستنبط هذه الأحكام وينزلها باجتهاده على الحوادث؟ أليسوا هم الفقهاء؟ ليحلوا بها الخلاف ويحسموا بها القرارات! أليسوا هم أهل الحل والعقد؟ ولهذا رد عليهم علي رضي الله عنه بقولته المشهورة: "كلمة حق أريد بها باطل".
    فهو يرد عليهم حجتهم ويدحضها ولم يستخدم سلطته في قمعهم، ليس جبنًا ولا ضعفًا ولكنها عين القوة التي تعلمها من بيت النبوة على منهاج النبوة: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ولا يعاقب أحدا بذنب لم يقترفه، فما داموا لم يحملوا السلاح، ولم يدعوا الناس لشق الصف، فلا يقاتلهم ما داموا ملتزمين بمنهج الحوار فلا سجن ولا نفي.
    ولكن عندما خرجوا عن الضوابط الشرعية قاتلهم، وهذا عندما خرجوا عن القانون وخالفوه وليس عندما ظن أنهم سيخرجون عن القانون ويخالفوه، و إلا لا يعتبر كل من ناصح أو خالف الأمير صاحب فتنة لأن نصيحته أو مخالفته يمكن أن تؤدي يومًا ما – بقصد أو بدون قصد – إلى فتنة!!! فسبحان الله الذي قال: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ...".}
    وحسب قاعدة سد الذرائع في الفقه الإسلامي، هل نمنع كل الآراء المخالفة، ونكمم الأفواه بحجة تجنب الفتنة المحتمل وقوعها ظنًا؟؟ أم نحاور أهل الآراء المخالفة لنفيدهم أو نستفيد منهم ولا نعاقب إلا من يرتكب ذنبًا، فيحمل علينا السلاح أو يسعى حقيقة بشكل ملموس لشق الصف والإفساد، ونسد بذلك ذريعة تكميم الأفواه والاستبداد، بحيث نضمن مجالًا من الحرية للناصحين بصدق وللمخالفين بحق، نشجعهم على ذلك كما فعل عمر اهتداء منه وتأسيًا بمنهج النبوة الذي تشربه من ينبوعه الصافي!!!
    وعندما أراد معاوية رضي الله عنه استخلاف ابنه يزيد من بعده تصدى له فقهاء الصحابة ومنهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير فردوا عليه: "أتريد أن تجعلها هرقلية؟ ولن نبايع إلا أن تترك الأمر للمسلمين، أو تفعل كما فعل أبو بكر بترشيح رجل كفى ليس من أهله وولده، أو كما فعل عمر بترشيح نفر من الصفوة كلهم أكفاء وتركهم يختارون واحدا من بينهم".
    ولكن معاوية لم يتراجع بالفعل عن قراره هذا – وهو قرار خاطئ لا محالة – فلو سكت جميع الصحابة لكان ذلك بمثابة إقرار للباطل، ومعاذ الله أن تجمع هذه الأمة على ضلالة، فما كان من أهل المدينة إلا أن بايعوا عبد الله بن الزبير خليفة، لأنهم لم يعترفوا ولم يقبلوا بطريقة استخلاف معاوية ليزيد،، وبقي عبد الله بن الزبير خليفة في المدينة ومكة نحو تسع سنين لا يخضعون ولا يعترفون بخلافة يزيد، حتى أرسل يزيد إليهم جيشًا بقيادة الحجاج – الظالم – فقتل عبد الله عند الكعبة بعدما حاصره فيها، فانظروا أيها الإخوة إلى العاقبة الوخيمة إذا ترك المسلمون التحاكم عند التنازع في الأمر إلى كتاب الله وسنة رسوله، وآثروا التحاكم إلى القوة والبطش والسيف الذي نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعمله ونشهره في صدور إخواننا، فقال عليه السلام: "إذا التقى مسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار"، فما أحوجنا إلى التحاور والتشاور والتحاكم حتى لا نقع فيما نهينا عنه من التخاصم والتدابر والتهاجر، وما قد ينجم عن ذلك من اقتتال والعياذ بالله!
    كلمة أخيرة: في الحديث الصحيح المعروف الذي يرويه حذيفة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تكون النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا عارضًا ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت". – رواه أحمد في مسنده وصححه الحافظ العراقي ووافقه الألباني.
    والإجماع على أننا في مرحلة الملك الجبري، ولن يكون بعده حل وسط، إنما خلافة على منهاج النبوة، وقد تكون بوسائل جديدة كما فعل الخلفاء الراشدون باستحداث وسائل لم تكن على عهده صلى الله عليه وسلم ، المهم أن تكون على منهاج النبوة بموافقتها قواعد الإسلام وأصوله، وعدم معارضتها لنصوصه قطعية الثبوت والدلالة وتحقيقها لمقاصد الشريعة.

    هذا والله أعلم، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي، ومن رد علي بتصويب علمي وتجنب التجريح والتسفيه، فأسأل الله العلي القدير أن يثيبه عني وعن المسلمين خيرا.

  • إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
    تعليقات القراء
    سيد الاسواني   |       
    مساءً 06:58:00 2013/02/07
    بارك الله فيك أخي الكريم على جهدك وبذلك، ولكن ورد خطأ عظيم في هذا البحث، وهو قولك بهزيمة المسلمين يوم أحد، فهذا أمر لم يقل به احد من أهل العلم، والحق ان الله نصر رسوله صلى الله عليه وسلم في كل موطن بما في ذلك يوم أحد، قال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال : ما نصر الله النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصره يوم أحد فأنكرنا ذلك ! فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله إن الله يقول في يوم أحد " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه "..راجع أخي هذا الكلام وتوب إلى ربك عز وجل، اللهم اغفر لي ولأخي والمؤمنين والمؤمنات

    ابراهيم مساوى   |       
    مساءً 07:08:00 2012/12/12
    حفظكم اللة ياهل العلم ووفقكم وادعو لنا بالهداية

    اسلام الكعبي   |       
    مساءً 12:59:00 2012/11/24
    السلام علي من اتبع الهدى لينجى غدا من نار جهنم ويعرف الحق اخواني الاعزاؤ نحن لنتكلم بروح الاسلام وبدون تعصب وبدون اهانات نحن نريد ان نعرف الحق باي طرف واين هو حتى نتبعه ونسلك طريق الحق حتى لانضل عن طريق الحق انا اسال لو جاء احد الخلفاء واخبرنا حكم وكان مخالف لحكم رسول الله ناخذ به ام لا؟ اخواني العزاء من هو ابن تيمه ومن هو ابن مالك ابن تيمه صنيعه استعمارية وهو مبدع بالاسلام اما ابن حنبل فهو فرع فلماذا لانتبع الاصل ألم يكن الامام الصادق بن الرسول لان نسله يرجع الى الرسول عن طريق الامام الحسين عليه السلام لان الرسول قال الحسنان والداي وهذا موجود فيب جميع كتب المسلمين بالبخاري وصحيح مسلم وهو يخبرنا بالاحكام الصحيحة فلماذا نحن ناخذ القشر ونترك اللب انا لا اقول الا على القاريء الكريم ان يقراْ من كتب مذهبه ليرى ان هو الحق ، هذا من ناحية ومن ناحية ثلانية هل بنو امية ائمة هل هم خلاف هل يزيد شارب الخمر مستحل الكعبة المشرفة ألم تقل كتب التاريخ ان يزيد رمى الكعبة بالمنجنيق ألم يحرق الكعبة ألم يستحل الكعبة المشرفة التي قال الله تعالى على لسان نبيه نبي الرحمة انه من دخلها كان امنا هل هذا هو من ائمة المسالمين فلماذا هذه المغالطة يا اخي وتقول انه من ائمة المسلمين هل انته ايها الكاتب الكريم انك متاذي على ابن تيمة المبدع في الاسلام وهوصنيع افكار مسمومة ادخلها في الاسلام ، وهل معاوية تعتبره من خلفاء المسلمين ألم تقولوا في كتبكم انه من يخرج على امام زمانه فهو مرتد كافر ألم يخرج معاوية على خليفة رسول الله (ص) فكيف تعبرونه خليفة مع انه خرج على خليفة رسول الله ص وهل يوجد في زمان واحد خليفتان لرسول الله ص فالعجب كل العجب منكم لماذا لاتظهرون الحق واتعجب من لاقراء كيف يقولون لك احسنت وجزاك الله خير . . . الخ اما تعبر بني العباس خلفاء هل قرات التاريخ ما هي كانت ثورة بني العباس كان شعارهم يالثارات الحسين ‘ وبعد ان استلموا زمام الحكم قتلوا عترة ال الرسول الاطهار وهل عندك شك في هذا الكلام انا مستعد ان اذكر لك المصادر من كتبكم من البخار وصحيح مسلم وابن هشام والى ما ذلك اخي انا اقول لك عندما تكتب اكتب وحاول ترضي الله تععالى فقط وهذا كلامك لايرضي الله تعالى ابدا وانا انصحك لكي اكون شاهدعليك يوم القيامة وبين يدي الله تعالى واذا تريد ان اكتب لك عن الشورى اخبرني وانا اكتب لك كتب وليس مقاله صغيره وارجو من القراء الكرام ان يتمنوا في كلامي ويقرؤون في كتبهم ماذا كتبوا علمائهم عن الشورى وعن اهل البيت بيت محمد ص ولكي اخبركم ان بعض المذاهب كانت تسيرها الحكام انذك حسب رغباتهم وكانوا اي الحكام انذاك يحاولون القضاؤ على بيت النبوة لان الخلافة لهم فقط وفقط وخير دليل لذلك انه عندما دخل الامام الكاظم عليه الصلاة والسلام بن الامام الصادق بن الامام الباقر بن الامام زين العابدين علين بن الحسين بن الامام الحسين بن الامام علي بن ابي طالب عليهم افضل الصلاة واتم التسليم علي هارون الرشيد في الحجاز عندما اتي للحج هارون الرشيد دخل الامام الكائم عليه السلام ببخلته على هارون الرشيد فساله ابنه المامون قال له ياباتاه من هذا الذي دخل ببغلته عليك قال له هذا هو احق بالخلافة منا فقال له اذن لماذا لم تعطيه الخلافة قال هارون الرشيد كلامه المشهور يا بني ان الملك عقيم والله لو نازعتني انته عليه لاخذت الذي فيه عيناك ، هذا كلام هارون الرشيد لابنه وفعلا قتل الامام الكائم عليه السلام بالسم في سجن ابن شاهق في بغداد ، وفي الختام اقول لكم يا اخواني المسلمين اوصويكم ان تعرفوا الحقيقة قبل فوات الاوان وان تعرفوا ان الخلافة فقط وفقط الى ال الرسول محمد ص وهم المنصوص عليهم من قبل الرسول ص ، ويكفيكم ان الخلافاء خالفوا رسول الله في الشقيفة بعد موته وقال عمر في خطبته في المسجد متعتان كانتا على عهد رسول الله وانا احرمهما واعاقب عليهما من انت حتى تحرم حلال الله الم يكن هذا خلاف كلام الله ورسوله انا اترك الجواب للقاريء الكريم لكن بدون تعصب وبدون عاطفه تمن وجاوب وشكرا اخوكم اسلام الكعبي

    تاشفين [ليبيا]   |       
    مساءً 08:20:00 2012/02/13
    بارك الله فيك

    مصطفى - من الخبر-   |       
    ًصباحا 12:07:00 2012/01/10
    من يعرفك يعرف أنك باحث مثابر ومشروع مفكر إسلامي ، سدد الله خطاك و تقبل منك.

    انا للحزن وطن   |       
    ًصباحا 12:44:00 2011/03/18
    شكرا جزيتم خيرا

    هود   |       
    ًصباحا 01:42:00 2011/02/16
    أحسن الله إليك ونفع بك وجزاك خيراً. مات عصر الفاروق لم تبق منه غير ذكرى سطورها بيضاء! (قصيدة للشاعر العربي المجيد عبد المحسن حليت مسلم -حفظه الله-) دخل على إثرها السجن؟!

    123   |       
    مساءً 04:50:00 2010/03/20
    جزاااك الله كل خير ... وجعلك من اهل الخير .

    متوكلة على الله   |       
    ًصباحا 11:45:00 2010/03/16
    جزاك الله خيرا

    اليافعي   |       
    مساءً 03:01:00 2010/03/08
    بس لو تكتب لنا مصدر لهذا البحث وجزالك الله خيرا

    يسرا   |       
    مساءً 05:46:00 2009/11/07
    جزاك الله كل خير ^^ في ميزان حسناتك باذن الله

    ندى آلربيع   |       
    ًصباحا 11:37:00 2009/10/31
    جزيت عنآ يآ آخي كل خير .. و لك مني كل آلوؤود ..~

    تهاني   |       
    مساءً 08:05:00 2009/03/31
    جزاك الله الف خير وانار طريقك

    الصفحة 1 من 1

    أضف تعليقك
    الاسم
    التعليق
    أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم

       

    الحقوق محفوظة لمؤسسة الإسلام اليوم 1420هـ - 1436 هـ