ثقافة وفكر
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
التفكير الإبداعي في المناهج الدراسية لمقررات الفقه وأصوله [1/3]
التفكير الإبداعي في المناهج الدراسية (1/3)
الاربعاء 10 ذو القعدة 1425 الموافق 22 ديسمبر 2004
 
التفكير الإبداعي في المناهج الدراسية (1/3)

د. فريدة صادق زوزو

مقدمة:
إن واقع المسلمين اليوم تواجهه تحديات كبيرة ومعضلات متعددة، والنوازل الحادثة في المجتمع أكثر من أن تحصى بحيث تحتاج إلى نظر مجتهد حاذق، واجتهاد فقيه متبصر بالواقع المعاش، وهذا لا يتأتى بالبحث في المدونات الفقهية القديمة فقط، من دون استعمال النظر الاجتهادي المتبصر في أحوال وظروف الواقع المعاصر، بل يتطلب الأمر من الفقيه أن يكون عالما بأدوات الاجتهاد، متعمقا في دراسة الظواهر والمستجدات التي تطرأ في مجتمعه، فيكون قادرا على النظر فيها بما يتوافق وقواعد الشريعة الإسلامية.
ولأن الظواهر معقدة، والنوازل عديدة ومتشابكة، فإنه يجدر بنا التعمق في النظر واستثارة تفكيرنا لإيجاد حلول لهذه المعضلات، فإن الأمر يتطلب تدريبا ومدارسة تبدأ من مدارسنا وتنتهي في واقعنا، فالطالب المسلم يجب أن يتدرب على ملكة التفكير المتأمل والناقد، ومن ثمة التفكير الإبداعي لإيجاد حلول لمشكلات مجتمعه وفق مقتضي الشرع.
وهذا الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية عموما، ومناهج الدراسات الإسلامية خصوصا، بغرض ربطها بالغاية التي وجدت لأجلها أمة الإسلام في أن تكون شاهدة على الأمم والناس أجمعين؛ فإن هذه المناهج أصبحت مفرغة من أهدافها وغاياتها العليا المتمثلة في الاستجابة لحاجة الأمة، وعلاج مشكلاتها، وتطبيق مبادئها، وهنا وجب الحديث عن أهداف تدريس العلوم الإسلامية، هل هي بغرض معرفة شروط المفسر والمجتهد، أم بغرض معرفة آليات الاجتهاد والقياس، أم بغرض معرفة شروط الوضوء وصفة بطاقة الائتمان الجائزة...إلخ؟
وهنا لا يمكننا إلقاء اللوم على السابقين من فقهائنا –عليهم رحمة الله- الذين عاشوا زمانهم، واجتهدوا في إيجاد حلول وابتكار طرق إيقاع احكام الشرع في واقع الناس وفق زمانهم ومتغيرات عصرهم، فلا نحاكمهم في زماننا؛ فالخلل لا يكمن في المدونات الفقهية التي واكبت عصورها، وإنما الخلل واقع فينا بمحاكاتنا لطريقة تأليفهم ومعالجتهم لمسائل زمانهم، كما هو شأننا اليوم عند محاكاتنا للمناهج الدراسية الغربية.
وإن المتأمل في واقع الدراسات الإسلامية ومناهجها الدراسية اليوم، ووسائلها التعليمية، ومساقاتها، وموادها المفصلة، يلحظ النزعة التقليدية في انتقاء المواضيع، والطرح والإلقاء والتدريس والتلقي، فينتج عن ذلك اتجاه الطلاب إلى تلقي الدرس بطريقة مملة لا توحي في نفس الطالب إلا بالحفظ في الصدور ثم الحفظ في السطور عند التقويم والامتحان، وبذلك تغيب النزعة الإبداعية والتفكير الناقد الذي يعين على الاستنباط والتحليل والنظر في مستجدات الأمور ونوازلها، ويغيب عن ذهن الطالب المسلم مبادئ الدرس المرتبطة بالغاية الوجودية للإنسان، في تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى.
ولذا فإن هذه الورقة البحثية تحاول النظر في المناهج الدراسية الحالية للدراسات الإسلامية، والبحث عن مواقع القصور فيها؛ لأجل إيجاد بديل يتجه إلى التأسيس للتفكير الإبداعي لدى مدرّسي وطلاب الدراسات الإسلامية، تفعيلا لأدائهم في الدرس، وبغرض مواكبتهم التطورات السريعة الواقعة في مجتمعهم، فلا يعيشون بين المدونات القديمة، بينما يتجه المجتمع بمشكلاته ومستجداته اتجاها بعيدا عن الحكم الشرعي والنظر الفقهي.
ويتخذ البحث أصول الفقه وبعض المقررات الفقهية، مثل مادة الفقه عموما، وفقه المعاملات، والفقه المعاصر، والفقه المقارن، ومادة القواعد الفقهية، حالة لدراسة هذه المسألة؛ لاعتبارين؛ أولاهما أنه مجال تخصصي، وأما الاعتبار الثاني فلأنها المقررات التي تعبّر عن المنهج العلمي لعملية تفاعل العقل مع نصوص الوحي في استخراج الأحكام الشرعية، كما سيظهر خلال البحث.
وقبل البدأ في مناقشة محور الموضوع، ارتأيت التطرق لأهداف الدراسات الإسلامية خصوصا، والهدف الأساس من التعليم عموما.
أهداف الدراسات والعلوم الإسلامية:
- إيجاد وإعداد الفرد المسلم الرسالي.
- تفجير الطاقات الإبداعية في نفس الطالب المسلم.
- تطعيم التحفيز العلمي بالمبادئ العقائدية.
- ربط الدراسات الإسلامية بحاجات الأمة الإسلامية.
- توجيه حياة المسلمين دنياً وديناً بالعلوم الإسلامية .
- توظيف الدراسات الإسلامية في الحياة العملية للمجتمع.
يضاف إلى هذه الأهداف الهدف العام من التعليم عموما وهو:
"تخريج متعلمين مستقلين فعالين... وأفرادا منتجين في المجتمع... يتعمتعون بقدرة على الابتكار والإبداع والتفكير في بدائل متعددة"(3).
طرق التدريس التقليدية والتفكير الإبداعي:
إن المطلع على المناهج الدراسية للعلوم الإسلامية خصوصا، والتعليم عموما، يجد أن الأسلوب الغالب في التدريس هو الأسلوب نفسه، يتكرر لعقود من الزمن، ويتكرر في كل جامعة وكل معهد للدراسات الإسلامية، وفي معظم البلاد الإسلامية، وغيرها من بلاد العالم التي تحتوي على هذا النوع من الدراسات. فإن" التعليم عندنا يتمحور حول التلقين والحفظ وشحذ الذاكرة بعيدا عن التفكر والمقارنة والتمييز وتنمية الفكر"(4)، ومن خلال تجربتي في التدريس في بلدي الجزائر، وبلدي الثاني ماليزيا، لطلبة متعددي الجنسيات، من المسلمين؛ عربا وعجما، نلحظ أن الأسلوب الغالب في تلقي الطلبة للمعلومات هو أسلوب التلقين والتحفيظ؛ باستعمال نسبي لتخطيط الشجرة عند الشرح، وهذا العيب الأول في طرق التدريس القديمة؛ إذ أن أسلوب تكديس المعلومات في ذهن الطالب هو الغالب والمتفشي بين صفوف المدرسين بما فيهم أساتذة الجامعات، فلا يستعمل الطالب إلا عملية التخزين والتكديس المعلوماتي، ولا يجد وقتا لتشغيل ذهنه حول استيعاب المادة بطريقة منطقية رياضية، وفي النهاية وبعد انتهاء الفصل الدراسي ينسى الطالب تماما ما تلقنه؛ "ذلك أنه من المؤلم والمحزن حقا أن الدراسات الفقهية والشرعية بشكل عام تعاني، لأنها تخرج حفظة وحملة فقه في الأعم الغالب، ولا تخرج فقهاء ... تخرج نقلة يمارسون عملية الشحن والتفريغ والتلقين، ولا تخرج مفكرين ومجتهدين يربون العقل وينمون التفكير"(5).
إن هذه النتيجة التي وصلنا إليها من أن هذه الطريقة تعد عيبا، ذلك أن طلبة القرن الواحد والعشرين لم يعد يهمهم الدرس بقدر ما يهمهم ما وراء أسوار المدرسة أو الجامعة، فإن العيب ليس في الطريقة ذاتها وإنما العيب في كيفية استعمالها، وتوقيتها، ومن الملقن والمخاطب، فإن كانت طريقة التلقين والتحفيظ سابقاً هي الطريقة المثلى لاستيعاب الطلاب ومرتادي المساجد للعلم الشرعي، حيث لم تكن الكتب والدفاتر متوفرة إلا بصورة قليلة، فإنها في العصر الحديث وفي ظل توفر الكتاب الدراسي المقرر ووسائل التدريس المعاصرة، فإن الاعتماد عليها بصورة كلية يعد هدرا للوقت.
والذي نأمله الآن أن تتغير منهجية التدريس في مدارس القرن الواحد والعشرين من نمط يقوم على الحفظ والاستظهار إلى نمط مغاير يتأسس على الفهم والتفسير والمقارنة والنقد؛ بغرض تحقيق أهداف الدراسة المذكورة آنفا، من خلال " تشجيع الطلبة على المشاركة في أهداف الدرس والنشاط وبعبارة تشجيعهم على تبني أهداف الدرس والأنشطة العلمية"(6).
ويستتبع هذه الطريقة أن المدرسين يسردون المادة العلمية بطريقة جافة غير حيوية، مفرغة من مقاصدها، التي تعتمد على الأساس الإيماني الذي يشحذ الهمة، ويقوي عزيمة الطالب للبحث وتلقي العلم؛ " لافتقارنا إلى الحافز العلمي في حقيقة أن ما يدرس في معاهدنا هو نوع من المعرفة غير المتسقة مع إيماننا، وحضارتنا، وأسلوب حياتنا"(7)، فالبعد الإيماني لكل درس على حدة، له دلالته القوية على ارتباطه بحاجات الأمة الإسلامية، ناهيك عن تحبيب العلم في نفوس الطلاب، لأجل أن يتكونوا عقليا وعمليا، فيستطيعون الخروج إلى معترك الحياة أفرادا فعالين منتجين.
إن التعليم في البلاد الإسلامية ليس مجرد مناهج دراسية فصلية أو سنوية، يدخل فيها الطالب الامتحان لأجل اجتياز الامتحان، بل لها علاقة وثيقة بنهضة الأمة الإسلامية، من حيث أنها تنظر في احتياجات المسلم ليتفوق حضاريا بدينه وعلمه.
فنحن لا ندرس الفقه المعاصر مثلا؛ لأجل البحث عن حلول لتحديات ومشاكل دخلت إلى عقر دارنا، بل ندرسه لأجل أن يعرف الطالب الطرق الصحيحة لاستنباط الأحكام الشرعية من مظانها ومداركها للوقائع والنوازل، فأكثر المستجدات ليس فيها نص صريح في الدلالة على حكمها، بل يحتاج في ذلك إلى اتباع طرق مميزة ومنسقة لإدراك الحكم الشرعي، حتى وإن لم يكن فيها نص واضح أو محكم.
فبعد أن يلحظ الطالب أن مدرّسه توصل إلى إيجاد الحكم الشرعي للنازلة، بطرق سهلة وسلسة، باستخدامه مثلاً قواعد الشريعة العامة المتمثلة في المقاصد الشرعية، فهذا يعد بدوره تدريبا للطالب على استخدام مقاصد الشريعة في استخراج أحكام لوقائع لا نص فيها، وهنا سيجد الطالب أنه في قرارة نفسه يزداد يقينا بأن شريعة الله هي الشريعة الخالدة، وأنها جاءت ميسرة غير معسرة، وأن الأمة الإسلامية تستطيع بحق أن تكون الأمة المستخلفة في الأرض، والشاهدة على الأمم.
ولكن إذا كان المدرس مجرد ملّقن، لا يستعمل التحليل المنطقي العقلي في درسه، وهنا يكمن العيب الثاني؛ فإن الطالب لن يتفاعل مع المادة التي يتلقاها إلا تثاؤبا أو نقرا ورسما على أوراق بيضاء!! أو بالنظر في ساعته يرجو منها أن تسارع خطاها لتنتهي الحصة! لأنه لا يجد المؤثر والمحفز على التقاط المعلومة بطريق منطقي ومؤثر، يستفزه على الانتباه لمدرِّسه، فلو استعملنا معه أسلوب الإفهام والإقناع بدل التلقي لوجد محفزات التعلم تقوده نحو الإبداع بمبادرته للسؤال والمناقشة.
وعند الامتحان وتقويم الطالب تسترد بضاعة الأستاذ، فيسترجع الطالب كل ما تلقاه بالحرف، بغير زيادة أو نقص. فلا يحلل ولا يناقش، وسبب ذلك أن سؤال الامتحان نفسه يستدعي جوابا محفوظا! وهذا ثالث العيوب وأهمها. لماذا؟
لأن المقصود من التقويم" أن يهدف إلى معرفة مدى بلوغ الطلاب للأهداف المرغوبة ...
ومعرفة المدى الذي استطاع الطلاب به بلوغ أهداف التدريس"(8).
إذ المفروض أن الطالب يوم الامتحان يبرز قدراته الإبداعية في استيعاب المادة والتفاعل معها تطبيقا وتحليلا ثم تقويما، لو كان سؤال الأستاذ قد استنفره للإبداع، وحفّز عقله وقدراته الاستيعابية نحو النقد البناء شرحا وتحليلا، حتى يأتي الطالب وقد استوعب أهداف تعلمه، في أننا نريد منه أن يتفاعل مع درسه بالقدر الذي فهم منه حاجتنا إليه كأمة مسلمة تعمل لأجل نهضتها.
وهنا يتوجب الحديث عن المنهج الجديد الذي يزيل آفات العيوب الثلاثة السابقة الذكر.
نحو منهج جديد للتدريس الفعّال:
بعد استعراضنا بشكل مختصر للمنهج القديم السائد في كثير أو أغلب الجامعات والكليات الإسلامية، نحاول الكشف – في الفقرات التالية - عن المنهج الجديد الذي نزيل به عيوب الطريقة القديمة، بغرض الوصول إلى تنمية المواهب الإبداعية في طلبة الدراسات الشرعية وكذلك مدرسّيها المُطالبين أمام مجتمعهم بمواجهة تحديات عصر العولمة، بتطويرهم المناهج الدراسية بما يتوافق ونهضة الأمة الإسلامية؛ "والظاهر أن دراسة العلوم الإسلامية في مدارسنا والطريقة التي تدرس بها غير مناسبة تماماً لهذا الغرض، ومن واجبنا إذن أن نمعن النظر في هذه المسألة بعمق"(9)؛ فنهضة الأمة الإسلامية هي الغاية القصوى من وراء عملية المطالبة بتغير المناهج لا لأجل الإصلاح السياسي أو إملاءً ممن لا ترضيهم معايشة الطالب لواقعه وهو في الدرس!
فليس ذاك المقصود، ولكن لأن "المتغيرات الدولية التي تمر بها المجتمعات البشرية منذ العقد الأخير من القرن العشرين، والتي تجلت في أوضح صورها مع بداية القرن الواحد والعشرين، تفرض علينا تغيير الكثير من الاتجاهات التربوية والممارسات التعليمية التي لا تتلاءم مع متطلبات العصر الحديث ومتغيراته، حيث ظل التعليم في بلادنا ردحاً طويلاً من الزمن يعاني من الانفصال، بدرجة أو بأخرى، عن احتياجات المجتمع ومتطلباته"(10).
فالمقصود إذن أن ننمي من خلال المناهج الدراسية التفكير الإبداعي لدى الطلاب، بغرض تحقيق نهضة الأمة الإسلامية، والنظر في احتياجاتها، ثم تحقيق أهداف عملية التدريس والتربية في إيجاد الطالب المسلم ذي الطاقات الإبداعية، القادر على العمل المستمر والمثابرة الدائمة.
ولأجل تحقيق هذه الأهداف والغايات النبيلة، يجدر بنا في البداية معرفة ماهية التفكير الإبداعي وأساليبه، ثم تطبيقها على العملية التربوية في مناهج العلوم الإسلامية.
ماهية التفكير الإبداعي:
يُعرِّف المتخصصون الإبداع بأنه:" المبادرة التي يبذلها المرء بقدراته على الخروج والانشقاق من التسلسل العادي في التفكير بتفكير مخالف كليةً"(11).
أو هو "ثمرة تفكير ونظر للمألوف بطريقة أو زاوية غير مألوفة" (12).
وفي السياق نفسه نجد مصطلح التفكير الابتكاري وهو القدرة على ابتكار وإنتاج أكبر عدد من الأفكار التي لها قيمة بحيث تؤثر تأثيراً إيجابياً في حياة الإنسان العملية والفكرية.
والابتكار إنتاج جديد هادف وموجه نحو هدف معين، وهو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة تحدث تغييراً في الواقع لدى التلميذ، حيث تجاوز الحفظ والاستظهار إلى التفكير والبحث والتحليل والاستنتاج، ومن ثمَّ الابتكار(13).
وتكمن أهمية التفكير الإبداعي في:
- بناء العقلية المتعلمة الناضجة القادرة على التحليل والمناقشة والتقويم لكل الأفكار التي تمر بالمتعلم.
- المرونة في التفكير، واستيعاب متغيرات العصر.
- والعمل على ربط التعليم بخطط التنمية في المجتمع.
- ويتيح بناء الطالب المتعلم والفرد الواعي بمتطلبات مجتمعه وأمته.
وأما التفكير الإبداعي في العلوم الشرعية فهو: قدرة طالب العلم على النظر في الأدلة، وتعرف أصول الاستنباط ووسائل الاجتهاد من خلال معرفة أسس الاجتهاد والإحاطة التامة بمقاصد الشريعة.
وبعبارة أخرى فإن التفكير الإبداعي الذي نأمله في أساتذتنا ابتداءً وطلبتنا تبعا هو: القدرة على النظر في الأدلة الشرعية، واستيعاب أساسيات الشريعة استيعابا يتيح استحضارها واستخدامها بطريقة منهجية عند الحاجة إليها، ومنها التعامل مع المستجدات والقضايا العصرية.
مستويات التفكير الإبداعي في العملية التعليمية:
1- التفكير الإبداعي على مستوى المدرس:
قبل الحديث عن الإبداع في المناهج التعليمية والدراسية، لابد من الحديث عن ممارس الإبداع، وهو المدرّس، المخطط للمنهج الدراسي وواضعه، فالمنهج الإبداعي لا يتأتى من منهج مفرغ، بل من المنهج المعّد بطرق إبداعية نقدية ابتكارية، التي تعتمد على الوسائل التعليمية مثل العلم والمعرفة، والفهم والتلقين، والشرح، ثم التحليل والنقد، وأخيرا عملية تقويم الاستيعاب.
وهذا العمل يقوم به المدرس المستوعب لأهداف العملية التربوية، والمؤهل بالفاعلية والمستوعب لمادة درسه استيعابا جامعا شاملا، في القدرة على المدارسة من المصادر الأصلية وفهمها، وأخيرا المعرفة بآليات الاجتهاد وأدواته ليستعملها مع النوازل والمستجدات الطارئة على المجتمع.
فالتدريس الفعّال المؤَسس على الإبداع هو الذي يعتمد على شخصية المدرس المتميزة الفعالة، والمعّد إعدادا يتماشى مع تحديات الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، هذه الفاعلية التي تبرز في أولا: الإيمان بأهمية العمل من أجل تحقيق أهداف التدريس، وثانيا: بأهمية التدريس كأساس للإبداع والعمل الحثيث نحو نهضة الأمة.
والعمل لأجل تحقيق هذه الأهداف يظهر في طريقين أساسيين هما:
1. اكتساب المدرس لمهارات التفكير الإبداعي في نفسه.
2. ترغيب التفكير الإبداعي في نفوس الطلاب
فأما اكتساب المدرس لمهارات التفكير الإبداعي في نفسه ابتداء، فإنه يتأتى من خلال:
أولاً: المطالعة الدائمة والمتابعة لجديد دور النشر:
تنمو الأفكار وتنضج بفعل تلاقحها مع بعضها البعض من خلال النقاش بين أصحاب الرأي الواحد، أو بين أصحاب الآراء المتباينة، فإن النقاش من شأنه إثارة أسئلة وعلامات استفهام يحتاج الباحث للنظر فيها أن يقرأ ومعلومات جديدة، أو معلومات قد خفيت عليه، وليس كل الباحثين سواء في أبحاثهم وكتبهم.
فالمطالعة المستمرة وبصفة دورية تنشأ لدى المدرس آفاقا جديدة، تعينه على تيسير طريقة الدرس اليومي، فبدل أن يكرر المعلومات نفسها بالطريقة نفسها، يصبح بإمكانه تكرارها، ولكن بصيغ وتعابير جديدة غير مملة.
ثانياً: إعداد البحوث الأكاديمية والمقالات:
سواء أكانت بحوثا فردية أو جماعية، يشترك فيها أكثر من أستاذ، في مؤسسة تعليمية واحدة أو مؤسسات متغايرة، أو كانت بحوثا أكاديمية بحتة، أو مقالات تنشر في الجرائد والمجلات العامة.
فإن الهدف من هذه البحوث، ليس مجرد الترقية في سلم العمل التربوي، بل إنها تهيء الأرضية الأساس للتعامل والتفاعل مع القضايا المعاشة، فيتبين أن المعلم ليس مجرد ملقن لدرسه في قاعة الدرس فقط، بل إنه ينظراحتياجات أمته ومجتمعه، ويحدد التحديات التي تواجهها أمته، ففي هذه البحوث تطرح الأسئلة وتثار المشكلات بغرض بحثها، وتبادل الآراء والأفكار حولها، للخروج بنظرة عملية تستنهض الأمة.
ثالثاً: التقويم المستمر:
بحيث يعد المدرس خطة عمل فصلية، ثم سنوية يبرمج فيها أهم الأعمال التي سيعدها خلال المدة المقررة، والتي تتناول جانب التدريس والإشراف، وإعداد البحوث الفردية أو الجماعية، ناهيك عن حضور المؤتمرات والندواتن وأخيرا بعض البرامج التي تُعد للمجتمع، في المساجد أو التعليم خارج المدرسة؛ من أجل معرفة مدى فاعلية المدرس في مجتمعه،كما هو معمول بها في الجامعة التي أُدرس بها وهذا البرنامج يسمى " الخدمة الاجتماعية" ومنه يُقوّم المدرس أيضا بالإضافة إلى ما سبق من برامج وأعمال بحثية وتعليمية.
ومن خلال جدول العمل الفصلي والسنوي يستطيع المدرس متابعة خطة السير، ومعرفة نفتط الضعف والقوة، وأسباب ذلك لتعديلها، وحتى يسير عمله بصورة منظمة غير مذبذة تخضع للظروف والطوارئ والفرص السانحة.
فالعمل الإبداعي هو الذي يسير وفق جدول عمل مخطط له، سواء أكان التخطيط على المدى القريب أو البعيد، فمن شأن التخطيط الذي يسير بجدول العمل نحو التطبيق وتحقيق الأهداف، أنه يؤدي إلى الثقة بالنفس، والتي بدورها تزيد من فاعلية العمل ومنه إلى العمل الإبداعي.
رابعاً: مواكبة التحديات والنوازل:
وحتى لا يبقى المدرس يعيش بين أسطر الكتب القديمة التي كُتبت وفقا لمتطلبات ونوازل عصرها، وظروف أفرادها، فإن المطلوب من مدرس العلوم الشرعية أن يواكب متغيرات وتحديات عصره الذي يعيشه، فإن التحديات تختلف من عصر لآخر، والمتغيرات الطارئة تتمايز وتتباين.
وأما منهج التعامل مع هذه التحديات يكون أكثر شيئ باستعمال آلية الاجتهاد، وعلم أصول الفقه فهو المنهح الأساس في التعامل مع نصوص الوحي استخراجا للأحكام الشرعية .
وخلاصة لما تقدم قد يلحظ القارئ أنني ركزت على وسائل تنمية الإبداع لما يخص المعلم، بما يمكن أن ينبع من ذاته هو نفسه، ومن دون الحاجة إلى تدريب عملي يحضره المدرس لأنه مجبر على حضوره؛ وإلا فإن الحديث عن أساليب تنمية الإبداع حديث طويل ومتشعب، ويختص به أهل واختصاصيي التربية بحديثهم عن "منظومة برامج تدريب المعلم في إطار الإبداع"(14)، وهو مجال يتقنه أهله، وتراني لم أشر إليه من بعيد أو قريب، لأني ركزت الحديث عن إبداع المدرس نفسه بنفسه، وهو أمر لا يتقنه إلا المدرس المبدع.
وإذا ما تم إعداد المدرس إعدادا متميزا للوقوف في وجه التحديات التي يواجهها الإسلام والمسلمون، فإن إعداد الطلبة يكون سهلا!

|1|2|



(1) أصل هذا البحث ورقة بحثية ألقيت في المؤتمر الدولي: (الإسلام والمسلمون في القرن الواحد والعشرين: الصورة والواقع)، كوالالمبور، مركز بوترا للتجارة العالمية، 4-6/8/2004م.
(2) كلية الشريعة والقانون، جامعة العلوم الإسلامية بماليزيا.
(3) إبراهيم أحمد مسلم، الجديد في أساليب التعليم (حل المشكلات، تنمية الإبداع، وتسريع التفكير العلمي)، ط1، عمان: دار البشير، 1414هـ/1994م، ص135.
(4) عمر عبيد حسنة، من مقدمة كتاب: التعليم وإشكالية التنمية للدكتور حسن الهنداوي، ط1/2004م، الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص 23.
(5) عمر عبيد حسنة، من مقدمة كتاب: تكوين الملكة الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير، ط1/1999م، الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص 39.
(6) مسلم، الجديد في أساليب التعليم، ص 142.
(7) محمد معين صديقي، الأسس الإسلامية للعلم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1409هـ/1989م، ص 58.
(8) يعقوب حسين نشوان، اتجاهات معاصرة في مناهج وطرق تدريس العلوم، ط2، عمان: دار الفرقان، 1994م، ص141.
(9) صديقي، الأسس الإسلامية للعلم، ص57.
(10) محمد إسماعيل محمد اللباني، التفكير الناقد ودوره في التعلم الفعال، ص3.
(11) عبد الرحمن صالح المشيقح، الطريق إلى الإبداع، ص22، نقلا عن صالح بن درويش حسن معمار، نحو تطوير العمل الإبداعي، مجلة جامعة أم القرى، ص163.
(12) نفس المرجع، ص163.
(13) د/ محمد حمد عقيل الطيطي، مهارات التفكير الإيجابي في المدرسة الأساسية، ورقة مقدمة للمؤتمر العلمي العربي الثالث لرعاية الموهوبين والمتفوقين 19 – 21 تموز 2003م، 19 – 21 جمادى الأولى 1424هـ، فندق هوليدي إن/ عمّــان، ص17.
(14) تراجع هنا كتب: التربية عموما، واتجاهات التعليم، وفلسفة التربية خصوصا.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
عبدالرحيم   |       
مساءً 09:22:00 2012/11/12
نايس مرة واللة بحث ممتاز

ابو زياد   |       
مساءً 04:15:00 2012/04/04
اريد بحث عن التنمية التفكير الابدعي لايقل عن عشر ورقاة

منى عبد الرحمن   |       
ًصباحا 02:04:00 2011/05/09
رائع جدا ومفيد للطلبة كتير فى الابحاث

المفكرة المبدعة   |       
ًصباحا 12:13:00 2010/01/18
راااائع وجزاك الله خير

يسر   |       
مساءً 01:25:00 2009/11/14
سلام

الاخوة   |       
مساءً 03:29:00 2009/05/02
كم تكلف الدراسة بكوالاامبور في المدرسة اليمنية؟

الامنية   |       
مساءً 03:25:00 2009/05/02
كم تصرف العائلة الؤجرة مع الايجار في الشهر في العاصمه بماليزيا برفاهية ؟

المسافر   |       
مساءً 03:20:00 2009/05/02
هل يمكن اخذ اقامة على الدراسة في الجامعة?

الصفحة 1 من 1

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم

   

الحقوق محفوظة لمؤسسة الإسلام اليوم 1420هـ - 1436 هـ