بحوث السنة النبوية وعلومها
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي؛ دراسة في بنية التشكل المعرفي لعلم المقاصد (3/3)
نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي [3/3]
الاحد 23 ذو القعدة 1426 الموافق 25 ديسمبر 2005
 
نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي [3/3]

د. بدران بن الحسن

المبحث الثالث: الآليات الداخلية لنظرية المقاصد.
إن التأسيسات النسقية الشاملة كالتي قام بها الشاطبي في نظرية المقاصد في مجال أصول الفقه تتضمن مجموعة من الآليات البنائية الداخلية يتأسس عليها الإطار العام للفكرة، وتتولد عنها معارف جديدة تستهدفها الشروط التي قامت من أجلها تلك النظرية.
لهذا السبب يصبح اكتشاف العلاقات الوظيفية التي تنبني عليها هذه الأليات ضرورة ملحة، لأنها تفتح بابا لفهم أعمق، كما أن ممارسة عملية البحث والتقصي والحفر في المحيط المعرفي الذي تشغله قد يؤدي إلى اكتشاف آليات ثانوية على مستوى المصطلحات الفردية.
ولبيان معنى هذه الفكرة أحاول أن حلل مفهومين أساسين اعتمد عليهما الشاطبي في تأسيس مشروعه وهما: مفهوم الاستقراء، ومفهوم المصلحة.
1. مفهوم الإستقراء:
اعتمد الشاطبي كثيرا على الاستفراء لتأسيس ما سماه البعض بمعقولية أدلة الإستنباط الشرعية المنبنية على القطع لا على الظن كما ذهب إليه إعتقاد كثير من الأصوليين، إذ منذ البداية أعلن الشاطبي أن تأسيساته الأصولية العامة مبنية على هذا لمنهج الذي ارتضى البعض أن يسميه منهج "تراكم الأدلة"، حيث يقول: "ولما بدا لي من مكنون السر ما بدا ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى لم أزل أقيد من أوابده وأضم من شواهده تفاصيل وجملا وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبينا لا مجملا معتمدا على الإستقراءات الكلية غير مقتصر على الأفراد الجزئية ومبينا أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية حسبما أعطته الإستطاعة والمنة"(1).
والقطع في منهج الإستقراء كما يراه الشاطبي يتأسس من خلال قانون تظافر أو تعاضد الأدلة الجزئية الظنية، "وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرئة من جملة أدلة ظنية تظافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع، فإن للإجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه، فإذا حصل استقراء أدلة المسألة مجموعا يفيد العلم فهو الدليل المطلوب، وهو شبيه بالتواتر المعنوي"(2).
كما يرى الشاطبي أن إهمال بعض قدماء الأصوليون الإشارة إلى أهمية الإستقراء لأدلة الشريعة التفصيلية وقواعدها الكلية ومقاصدها العامة وقلة إعتنائهم بربط تلك الأدلة بعضها ببعض قد جعلهم مقصرين في تنبيه غيرهم من الخلف إلى قطعية الأدلة المستقرأة من أصول الشريعة، بل إن ذلك الإهمال أبقى المتأخرين في بحثهم عن كل مسألة فقهية أو أصولية سجناء للفتن، بعيدين عن اليقين والاتفاق، قريبين من الظن والإختلاف والافتراق، غافلين عن روح المسألة المستفادة حتما من الإستقراء، والمراد إثبات القطع لها، بفضل الربط بين أغلب جزئياتها، وإدراك الجامع بينها"(3).
والقطع في هذا النسق يجب أن يفهم كذلك في إطار مضمون الفكر المقاصدي، بمعنى أخذه بالدلالة المضمونية لا الصورية، إذ هذا يفسر لقارئ كتاب "الموافقات" سبب بروز أسلوب الاحتجاج الذي يمارسه الباحث في العلوم الحية كالعلوم الإنسانية، لأنه إذا أخذنا القطع بالمفهوم الصوري فإنه لا ينبغي أن يظهرذلك الأسلوب بهذه الدرجة. ويبدو واضحا أن الشاطبي يقول بالضرب الثاني، فالقطع الذي يعنيه هو يقين القضايا الكلية الذي يستفاد بطريقة الإستقراء من أدلة الشريعة، ويتصف بالاطراد والثبات والحاكمية، فقد كان لا يضره على الإطلاق أن يتوسل فيه بأليات الاستدلال المشروعة والمنقولة عن الإصوليين، فضلا عن أليات استدلالية أخرى اختص بها لا تقل حجاجية عن هذه الاستدلالات المنقولة، بل الاتساق جائز كل الجواز بين المضمون القطعي والاستدلال الحجاجي(4).
ولعله من المهم الإشارة إلى أن القطبين الذين يكوّنان آلية الإستقراء يدوران بين ما سماه كليات الشريعة وبين جزئياتها، والشاطبي في تحديده النظام الذي يحتضنه كان في قمة الذكاء والعبقرية، إذ في الوقت الذي يؤكد أن الكلي نصل إليه عن طريق الحالات الجزئية، يبيّن في الوقت نفسه أن الكلي له سلطة أقوى من تلك الجزئيات، فخرم هذه الأخيرة لا يؤدي أبدا إلى انهيار القضايا الكلية. بالرغم من أن هذا قد لا يتناسب مع الفقه الذي تدور مباحثه حول أفراد جزئية، فإن هذه المقولة يبقى لها أثر معرفي هام قد يساعد على اكتشاف نظام جديد لمنهجية الإستقراء. وهذا التوجه يخالف ما ذهبت إليه الإبتسمولوجيا المعاصرة خاصة في نظرية بوبر "الدحض والتكذيب" التي تقر أنه بمجرد مخالفة عينة واحدة للقضية الكلية فإن القيمة العلمية لهذه الأخيرة تسحب منها.
وفي هذه النقطة يقول الشاطبي مبينا نظامه الاستقرائي: "وكانت الجزئيات هي أصول الشريعة فما ..... مستمدة من تلك الأصول الكلية - شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات - فمن واجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات ... إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها فمن أخذ بالنص مثلا في جزء معرضا عن كلي فقد أخطأ، كذلك من أخذ بالكلي معرضا عن الجزئي"(5).
والحاصل أنه لا بد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها وبالعكس، وهو منتهى نظر المجتهدين بالإطلاق ... وما قرر في سؤال على الجملة صحيح، إذ الكلي لا ينخرم بجزئي ما، والجزئي محكوم عليه بالكلي، لكن بالنسبة إلى ذات الكلي والجزئي لا بالنسبة للأمور الخارجية" "لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت(6).

2. مفهوم المصلحة:
يأخذ مفهوم المصلحة موقع المركز(7) في نظرية المقاصد، إذا كان معتبراً من جانبين؛
الجانب النظري نشأ حين ناقش الشاطبي خطاب الوحي وأعتبر أن "وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً، وهذه الدعوة لابد من إقامة البرهان عليها صحةً أو فساداً ... والمعتمد انما هو أن المقر بين من الشريعة انما وضعت لمصالح العباد إستقراءً لاينازع فيه الرازي(8)." هذا الحصر للشريعة في تحقيق المصالح تجعل تحديد مفهوم المصلحة في المستويات المختلفة - الفردية والجماعية - من المباحث الأساسية التي يجب أن نحدد معالمها.
أما الجانب العلمي، فإنه يتشكل من الوجه الذي يدل على أحد المفاهيم التي تشكل بنيوية التفاعل الإجتماعي وحركته. إذ تفهمه في إطار النظام الشامل الذي يصوغ "الوعي الجماعي" لمجتمع بوجه الذي يساعد على قيام محاولة الإصلاح فيه. بعبارة أخرى، أن تنظيم تحقق هذا المفهوم واقعياً بين الأفراد والجماعات، خاصة في الفضاء الإجتماعي، الذي تتداخل فيه سلطات متباينة في اتجاه الصراع و المنافسة -التي ميزت المجتمع الاسلامي في فترات متعددة من تاريخ تطوره حتى الاّن -تمثل في الحقيقة نصف مشروع المقاصد.
نتيجة لطبيعة التموقع الدلالي الذي شغله هذا المفهوم أولى الشاطبي له إهتماما خاصا، بحيث بيّن فيه مختلف جوانب التداخل الدلالي، والفهم الذي يمكن أن يحصل من هذا المصطلح، معتمدا في ذلك على عمليات التقسييم والترتيب.
وقد عرف الشاطبي المصلحة قائلا: "وأعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق حتى يكون منعما على الإطلاق(9)."
ولم يقف عند الحد الذي كان الجانب المادي فيه بارزا، بل ذهب إلى بيان التمييز بين أنواعها، وقسم المصلحة إلى قسمين؛ القسم الأول مصلحة تتعلق "بمواقع الوجود" وهي مصلحة إضافية نسبية غير ذاتية نتيجة لتداخلها مع المفسدة، فحسب قوله "هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين والاختلاط بين القبلتين ولهذا قال تعالى: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة". ولما كان الأمر كذلك فالتمييز بينهما حسب رأيه يقوم على قاعدة " الفهم على مقتضى ما غلب"(10).
أما القسم الثاني من المصالح فيدل على جهة تعلق الخطاب الشرعي بها، وهي خالصة "غير مشوبة بشيء من المفاسد لا قليل ولا كثير، وإذا توهموا بأنها مشوبة فليس في الحقيقة الشرعية كذلك لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة إنما المراد بها بما يجري باعتبار الكسب من غير الخروج إلى زيادة تقتضي تلفت الشارع إليها عن الجملة(11)."
لأهمية هذا المصطلح يقول عبد المجيد الصغير: "إن محاولة الشاطبي تستهدف إعادة النظر وتعميق الرؤيا إلى نفس المفهوم، مفهوم المصالح الذي سيصبح بجانب مفهوم المقاصد المركز والمحور الذي يدور حوله مشروع الشاطبي بكامله، في حين تأتي سائر المفاهيم الأخرى مجتمعة بدلالات منهجية ترمي إلى تأسيس رؤية جديدة حول المفهوم المركزي"(12).
والشاطبي في نظامه المقاصدي إنما يسعى إلى تأسيس المصلحة في مفهومها الثاني لأنها تمثل أكمل وجه يمكن أن يتحقق فيها، يقول: "المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح العادية أو درء المفاسد العادية(13)".
بهذا يتبين لنا اتجاه المشروع المقاصدي في تحديد مفهوم خاص بالمصلحة والتي يعتمد عليها كوسيلة أساسية لإصلاح الفوضى الإجتماعية الناتجة عن غموض دلالاته التي يجب أن تكون مطابقة للوحي. هذا المقصد هو الذي تسعى إليه النظرية لتأسيسه في نظام صارم دقيق يحدد معالمه النظرية وتطبيقياته في الفضاء الإجتماعي الذي يشغله.
المبحث الرابع: القيمة المعرفية لنظرية المقاصد.
بصفة عامة إن الإتجاهات التي تناولت مبحث المقاصد بالتحليل والنقد يمكن حصرها في اتجاهين؛ الاتجاه الأول يعتبر المقاصد جزئا متميزا من أصول الفقه فينضم بذلك إلى الأقسام الأخرى كقسم الأدلة وقسم الأحكام(14)، أما الإتجاه الثاني فهو الذي ينظر إليها باعتبارها نظاما كليا جديدا يحمل مميزاته الذاتية القادرة على إحداث "قفزة معرفية" علمية، تحدث تغييرات جذرية في مفاهيم المعرفة، وذلك مثلاً من خلال آلية "الكلية والجزئية".
ظهرت في هذا الاتجاه الثاني وجهات نظر متعددة تؤكد مرة أخرى الكلام الذي ذهبنا إليه في المقدمة بأن نظرية المقاصد يجب النظر إليها وتقييمها بمعيار "العامل المعرفي" الذي تدخل في تركيبه عوامل عدة مشكلة "عقبة معرفية"، وتجاوز هذه الأخيرة هو المبدأ الذي يقوم علية معيار التقييم.
فقد ذهب عابد الجابري إلى اعتبار المقاصد نقلة في النظام المعرفي بالمعنى الذي يعتبر فيه أنه علم يخرج أحكام الفقه من المعالجة البيانية إلى التنسيق البرهاني(15). وهو يستند في ذلك إلى بعض المحاولات التي سعى الشاطي لبنائها، ومثال ذلك، مفهوم المعقولية التي يريد إضفائها على الأحكام الشرعية بناءا على مفهوم القطع. هذه العملية حسب الجابري توازي تشكل اليقين في العقليات، إذ يقول: "كيف يمكن بناء معقولية في الشرعيات على القطع وهو يوازي اليقين في العقليات ونحن نعلم أنها تعتمد النقل وليس من إنشاء العقل؟ يجيب الشاطبي إن ذلك ممكن جدا إذا نحن اعتمدنا على الطريقة البرهانية فبنينا أصول الفقه على كليات الشريعة وعلى مقاصد الشرع، وإن كليات الشريعة تقوم مقام الكليات العقلية في العلوم النظرية، أما مقاصد الشرع فهي السبب الغائي الناظم للمعقولية(16)".
بل يذهب الجابري إلى أبعد من ذلك، حين حاول أن يكشف عن هذه العلاقة بعد بيان أنواع المقاصد التي حددها الشاطبي وهي أربعة: المصلحة والفهم والتكليف وإخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبدا لله إختيارا كما كان عبدا لله إضطرارا. قال: "وما يهمنا منها هنا هو علاقتها ببناء المعقولية في ميدان الفقه، فهي لها علاقة بالأسباب عند أرسطو وهي أربعة كذلك، هل نطابق مثلا بين السبب المادي وبين قدرة المكلف، وبين السبب الصوري ومعهود العرب، وبين السبب الفاعل وإخراج المكلف من داعية هواه، وبين السبب الغائي ومصالح العباد؟ لنكتف بالقول أن نموذج المعقولية في الطريقة البرهانية خلال القرون الوسطى كان نموذج أرسطو، ولذلك فليس غريبا أن نجد ملامح هذا النموذج في كل محاولة لإفضاء المعقولية على البناءات الفكرية، سواءا منها ما له طابع فكري كالعقليات عند ابن رشد أو ما يؤطر العقل كأصول الفقه عند الشاطبي(17)".
أما طه عبد الرحمن فذهب إلى رأي مخالف، نظر فيه إلى المقاصد على أساس أنها نظرية عامة تقدم الجانب القيمي اللازم توفره في تأسيس علم ما تأسيسا "شرعيا". ويرد قول الجابري بحجة يوضحها في قوله "لأننا سوف نرى أن المضامين المقصدية تندرج في نظام معرفي أنزله الجابري مرتبة هي دون مرتبة البيان، إذ ينكشف على أنها مضامين عرفانية، فيكون الانتقال الذي حصل في علم الأصول ليس انتقالا إلى الأفضل أي إرتفاعا في القيمة العلمية كما إدعى هذا النقد، بل إنتقالا إلى الأخس(18)". ويرى أن هذه النظرية شاملة إذا ما حاولنا أن نستقرئ فيها الأبعاد الأخلاقية في دلالتها النسقية، حيث يقول: "وحاصل الكلام في الأوصاف الأخلاقية للمقاصد الشرعية أي أن المقصود الشرعي معنوي وفطري، وأن القصد إرادي وتجريدي، وأن المقصد حكمي ومصلحي، علما بأن المصلحة هي المحل المعنوي لتحقيق الصلاح، وعلى هذا يكون علم المقصد هو الصورة التي اتخذها علم الأخلاق للإندماج في علم الأصول(19)".
بعد هذا يختم طه عبد الرحمن تصوره قائلا: "وما الشاطبي عندنا إلا أب التداخل بين علم الأخلاق وعلم الأصول، فاتحا بذلك طريقا في بناء العلم الإسلامي على أسس التنسيق المتكامل الذي لا نعلم له نظيرا في السابق ولا في اللاحق(20)".
خاتمة:
بعد هذا العرض المتواضع لبعض دلالات نظرية المقاصد التي تساعدنا نسبيا في تاريخية تشكلها وبنيتها وتحديد قيمتها العلمية، تبين أن العوامل التي تظافرت وشكلت "العامل المعرفى" الذي دفع بنظرية المقاصد إلى التشكل والتطور يكمن في عامل التطور الداخلي للفكر الأصولي، والعامل الاجتماعي الذي شكل محفزا من هلال المشكلات التي طرحها في وجه المنهج الصولي واضطره للبحث عن آليات جديدة ومنهج جديد لحل تلك الإشكالات.
كما أن هذه النظرية يتعطل فهمها بدون فهم العلاقات البنائية الوثيقة التي تربطها بأصول الفقه وإشكالياته، كما أن المحتوى المعرفي لهذه النظرية لا يلائم إلا الغاية التي ساهمت في قيام النظرية نفسها، وهي تطهير علم الأصول.
ولقد تحقق تحول كبير يمكن أن يعتبر "نقلة معرفية "حين نستحضر مسار التطور التارخي لعلم الاصول، بحيث كانت بدايته الحاسمة مع الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة"، ثم تأتي محطة أخرى شيدها الإمام الجويني والغزالي بمناقشة الأصول في إطار النظم المنطقية، وبعدها تأتي المر حلة الثالثة التي تتمثل في المقاصد التي بدأت حسب بعض التحقيقات التاريخية مع العز بن عبد السلام ثم الشاطبي وأخيرا إبن عاشور وعلال الفاسي والجيل الحديد من الباحثسن المعاصرين.
قد لا تكون الأدلة العلمية لدينا واضحة حول قيمة هذا التطور، لكن نستطيع أن نبين من خلاله فكرة مهمة وهي إثبات طبيعة التطور نفسه، بمعنى أنه لا يمكن أن تصمد أدلة الذين يرفضون قيام عمليات التجديد في آّليات هذه العلوم. هذا الموقف يتعارض مع طبيعة هذه العلوم نفسها، لأن هذه الأخيرة تخضع لمبدأ تاريخانية الأفكار.
وأعتقد أنه إذا فهمنا هذه الحركة الخفية نتمكن من فهم مشروعية وضرورة تطوير كثير من المناهج والأدوات التي نستعملها لفهم خطاب الوحي والواقع، لكن فلسفة هذا التطور العلمي توصف بأنها تواصلية لا إنقطاعية، بعبارة أخرى أن التطوير يلزم أن يكون مبنيا على المتراكم قبليا من الفكر. بهذا المفهوم ننظر إلى نظرية المقاصد على أنها مشروع معرفي جزئي مرتبط بإشكاليات ظهرت في مرحلة معينة من صيرورة الفكر الإسلامي، قد تكون غير مستمرة في وقتنا الحاضر أو معلومة، لهذا فإن اعتبارها منهجية كلية عامة يمكن العمل بها في العلوم الأخرى فيه نوع من المغالطة، لكن تبقى الاستفادة منها مشروعة علميا و ضرورية تفرضها القواعد التي تنظم المعارف في داخل المنظومة الإسلامية العلمية.
هذا أما إذا أردنا أن نفهمها بحجم ذلك الاتساع، فأعتقد أن الموقف الذي ذهب إليه طه عبد الرحمان هو الأصح، بمعنى أن شمولية منهجية المقاصد تظهر فقط من زاوية الجانب القيمي والأخلاقي. فإذا كانت كما عبر عنها بأنها محاولة إدماج علم الأخلاق في علم الأصول، فإنه لا يوجد مانع منهجي لإحداث نفس العملية في العلوم الأخرى. وفي هذا السياق يكون طرح موضوع علاقة النظرية بالعلوم الإنسانية طرحاً بناءا، أما محاولة تطبيقها ميدانياً لحل المشكلات الحديثة المعقدة، فإن هذا يدل على "ذهول منهجي" في البنية الحقيقية للفكر والواقع معاً.
وهكذا يمكن أن نصل إلى نتيجة تركيبية تجعل نظرية المقاصد "نظرية جزئية في المعرفة" تخص علم أصول الفقه، ونظرية أخلاقية عامة يمكن إدراجها في مختلف العلوم مع إبقاء إمكانية الإستفادة الجزئية من بعض مضامينها العلمية التي تخص فلسفة المعرفة بصفة عامة. والله أعلم ,,,
قائمة المصادر والمراجع:
1- أبو إسحق الشاطبي، الموافقات في أصول الفقه، ط1،دار الكتب العلمية، 1991م.
2- محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسيةللتوزيع، 1978.
3- محمد عابد الجابري، التراث و الحداثة، مركزالدراسات العربية، بيروت، 1991.
4- محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مركز الدراسات العربية، 1991 .
5- طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ط1، المركز الثقافي العربي، المغرب، 1994
6- عبد المجيد الصغير، الفكر الأ صولي و إشكالية السلطة العلمية في الإسلام، ط1، دار المنتخب العربي، بيروت، 1994 .


(1) عبد المجيد الصغير،المرجع السابق،ص131.
(2) الشاطبي، الوافقات، ج1، ص16.
(3) عبد المجيد الصغير،المرجع السابق،ص131.
(4) عبد المجيد الصغير،المرجع السابق،ص131.
(5) الشاطبي،الموافقات،ج1،ص24.
(6) الشاطبي،الموافقات،ج3،ص5 إلى 9.
(7) عبد المجيد الصغير،المصدر السابق،ص116.
(8) الشاطبي، الموافقات،ج2،ص6.
(9) نفس المرجع،ص25.
(10) نفس المرجع،ص25.
(11) نفس المرجع،ص26.
(12) عبد المجيد،المرجع السابق،ص472.
(13) نفس المرجع،ص27.
(14) نفس المرجع،ص29.
(15) الجابري،بنيةالعقل العربي،ص554.
(16) الجابري، التراث و الحداثة، مركز الدرسات الوحدة العربية،1991، ص210.
(17) الجابري،نفس المرجع،ص211.
(18) طه عبد الرحمان، المرجع السابق،ص97.
(19) نفس المرجع،ص97.
(20) نفس المرجع،ص97، 122.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
ابو انس المعمر   |       
ًصباحا 01:12:00 2009/10/11
شكرااااااااااااجزيلااااااااااااااا

الصفحة 1 من 1

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم

   

الحقوق محفوظة لمؤسسة الإسلام اليوم 1420هـ - 1435 هـ