إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

المتمتع عليه سعي واحد لحجه وعمرته

المتمتع عليه سعي واحد لحجه وعمرته

الاحد 8 ذو الحجة 1426 الموافق 08 يناير 2006  
المتمتع عليه سعي واحد لحجه وعمرته
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان

لقد فرض الله الحج مرة في العمر وحج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حجته الوحيدة –حجة الوداع- سنة عشر من الهجرة، وحج معه فئام من الناس رجالاً ونساءً يزيد عددهم عن مائة ألف نفس، وقد روى عدد منهم وصف حجته بين مكثر ومقل، مع تفاوت في الضبط نتيجة اختلافهم في درجة الحفظ والفقه، غير أن كل راوٍ منهم أخبر عما سمع أو رأى من أفعال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأقواله في الحج، وربما وقع بين الروايات بعض الخلاف والتباين، ولعل من دواعي وقوع الاختلاف والتباين في نقل حجة النبي –صلى الله عليه وسلم- كما وقعت بالفعل –علاوة على ما سبق- أنه لم يكن للرسول –صلى الله عليه وسلم- وسيلة لتبليغ هذا الجم الغفير كوسائل اليوم الحديثة، ليس له غير صوته وتبليغ المبلغ عنه بالصوت أيضاً –إن وُجد-، ولهذا قال –صلى الله عليه وسلم-: "رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فرب مبلغ أوعى من سامع". وقال في الحج: "خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا".
ومن أجل ما ذُكر وغيره وقع الاختلاف في بعض مناسك الحج بين الصحابة أنفسهم ثم اتسع الخلاف فيما بعدهم.
ومن هذه المناسك المختلف فيها: "حكم السعي بين الصفا والمروة".
اختلف علماء المذاهب في حكمه تبعاً لاختلاف الصحابة فيه، ووجه ذلك أن السعي بين الصفا والمروة جاء في القرآن بلفظ "الطواف" في قوله تعالى: "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم".
فذهب الشافعية إلى أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وبه قالت عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها- وهو مشهور مذهب الحنابلة.
وعند أبي حنيفة والرواية الثانية لأحمد أنه واجب يجبر عند تركه أو نسيانه بدم.
وروي عن ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وعطاء وابن سيرين أنه تطوع (سنة)، وعن الإمام أحمد في رواية ثالثة: ليس بركن ولا دم في تركه.
ووجه هذا القول أن رفع الجناح في الطواف بهما يدل على أن السعي مباح لا غير.
وإذا كان قد اختلف في حكم السعي بين الصفا والمروة من حيث الأصل فالاختلاف في فرع منه أيضاً وهو أن المتمتع هل عليه سعيان أم سعي واحد؟
اختلف في هذه المسالة على قولين:
القول الأول: المتمتع عليه طوافان وسعيان. روُي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وسفيان الثوري والأوزاعي، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ورواية لأحمد، مستدلين بحديث عائشة –رضي الله عنها- في الصحيحين: (.... فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى).
والقول الثاني: على المتمتع سعي واحد وطواف واحد. نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله وأحد القولين للشافعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية لحديث جابر –رضي الله عنه- المتفق عليه: (...لم يطف النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً).وحديثه عند أحمد في المسند بعد أن أمر الذين أهلوا بالعمرة أو الحج ممن لم يسق الهدي أن يحلوا ثم أهلوا بالحج يوم التروية، قال جابر –رضي الله عنه-: (وكان طوافهم بالبيت وسعيهم بين الصفا والمروة لحجهم وعمرتهم طوافاً واحداً).
ومن أدلة أن المتمتع إنما عليه سعي واحد لحجه وعمرته ما يلي:
أولاً: رواية جابر –رضي الله عنه- في حديثه المتفق عليه في وصف حجة النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لم يطف النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول ... فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا طوافنا الأول بين الصفا والمروة).
ومعلوم أن كل من ساق الهدي لم يحل وبقي قارناً ومن لم يكن معه هدي حل من عمرته أو حجه فجملة (لم يطف النبي ولا أصحابه) وفيها النفي الجازم لكل المتمتعين والقارنين، وجملة (وكفانا طوافنا الأول..) نص على السعي الواحد للمتمتع لا سيما وأن جابر بن عبد الله وجميع أمهات المؤمنين –رضي الله عنهم-لم يكن معهم هدي فحلوا.
ثانياً: رواية عبد الله بن أحمد في مناسكه عن ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه قال: (القارن والمفرد والمتمتع يجزئه طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة). ووجه الاستدلال منه ظاهر.
ثالثاً: قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين فهو أعجب إلي، وإن طاف طوافاً واحداً فلا بأس؛ لحديث جابر.
ونقل المروذي عنه: قال أبو عبد الله: إن شاء المتمتع طاف طوافاً واحداً. ذكر في مسائل ابنه عبد الله.
وعلق أحمد بن تيمية في كتابه (شرح العمدة) قائلاً: ( وهذا هو الصواب بلا شك لحديث جابر المذكور، وكذلك عامة الأحاديث فيها أن أصحاب رسول الله إنما طافوا بين الصفا والمروة الطواف (السعي) الأول، ومن قال من أصحابنا: إن رسول الله كان متمتعاً لا قارناً. فهذا لازم له لأن الأحاديث الصحيحة لم تختلف أن النبي لم يسع بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة وأنه لما طاف طواف الإفاضة لم يسع بعده، وهذا بيّن من حديث ابن عمر وابن عباس.
فإن احتج بحديث عائشة السابق الذي فهم منه البعض أن على المتمتع سعيين ومثله ما روي عن ابن عباس في استحباب الطوافين.
قلنا: لعل جابراً أخبر عن بعض المتمتعين وعائشة أخبرت عما فعله من تصرفه على أن أحاديث جابر وأصحابه واضحة لا احتمال فيها. وإذا كان الصحابة اقتصروا على طواف واحد فلا معنى لاستحباب الزيادة عليهم) أ.هـ.
رابعاً: أحاديث جابر وأصحابه واضحة لا احتمال فيها بخلاف حديث عائشة فهو يحتمل أن يراد به القارنين أو المتمتعين، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال.
خامساً: المتمتع هو حاج –جامع بين النسكين- من حين أحرم بالعمرة وإن تحلل منها بدليل حديث سراقه بن مالك عند أبي داود والدارمي: "إن الله أدخل عليكم في حجكم عمرة". وهذا بخلاف العمرة المفردة فيجزئ المتمتع ذلك السعي عن حجه وعمرته.
سادساً: قيل إن الجملة محل الإشكال في حديث عائشة ليست من كلامها وإنما هي مدرجة من كلام ابن الشهاب الزهري أحد رواة الحديث عن عائشة قاله: ابن تيمية في مجموع الفتاوى وشرح العمدة.
سابعاً: يمكن أن تحمل جملة: (... حلوا ثم طافوا الطواف الآخر) في حديث عائشة على الطواف بالبيت الذي هو طواف الإفاضة يوم العيد أو بعده ولا تعود إلى السعي بين الصفا والمروة.
ثامناً: القول بالسعي الواحد للمتمتع هو الذي ينبغي أن يُفتى به اليوم لتخفيف الزحام في المسجد والمسعى، وتيسيراً للناس، وما دام الأمر محل اجتهاد بين العلماء منذ عهد الصحابة إلى اليوم فلا ينبغي التثريب أو التحريم أو المنع من الأخذ بالأيسر.
ثم إذا كان الصحابة مختلفين في مسألة ما فمن أخذ بأحد الرأيين فهو مقتدٍ ومتأس بصحابي فلا حرج عليه، كما قرره العلماء في مسألة "لا إنكار في مسائل الاجتهاد".
تاسعاً: الاستدلال بحديث جابر: (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا). لا يصلح في موضع الخلاف حيث هو يعم كل مناسك الحج من الواجبات والأركان والسنن.
فالخلاف إنما هو في السعي الثاني للمتمتع على القول بأنه ركن أو واجب لا غير.
عاشراً: فتبين مما سبق أن القول بأن المتمتع عليه سعي واحد فقط لحجته وعمرته كالقارن هو الصواب إن شاء الله لظهور أدلة القائلين به ودقة مسلكهم. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم