إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

صناعة الفتوى وفقه الأقليات [8/21]

صناعة الفتوى وفقه الأقليات [8/21]

الاربعاء 8 صفر 1427 الموافق 08 مارس 2006  
صناعة الفتوى وفقه الأقليات [8/21]
العلامة/ عبد الله بن بيَّه

رابعاً: قاعدة العرف:
هو ما يتعارف عليه الناس كالمعروف والعارفة وحجية العرف مستفادة من الكتاب والسنّة قال تعالى:"وللمطلقات متاع بالمعروف" "ومتّعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره" وقال تعالى: "من أوسط ما تطعمون أهليكم" وفي الحديث:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ومن ما يستدل به لحجية العرف السنّة التقريرية كتقرير النبي –صلى الله عليه وسلم- للناس على صنائعهم وتجاراتهم . وقدم النبي – صلى الله عليه وسلم- المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين. متفق عليه.
وقد أقرَّ – صلى الله عليه وسلم - القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. رواه مسلم.
قال القرافي: وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرّحون بذلك فيها"شرح تنقيح الفصول ص 488،ويُراجع كتاب(العرف للدكتور عادل عبد القادر قوتة ص 129)
ولهذا اعتبرته المذاهب الفقهية فقد ورد عن الأحناف رحمهم الله تعالى حمل بعضهم قوله عليه الصلاة والسلام: "الطعام بالطعام". على البُر لأنه كان طعامهم . ذكر ذلك إمام الحرمين في البرهان ( 1 /446) .
وعن مالك أنه خصص قوله تعالى: "والوالدات يرضعن أولادهن" بالعرف قائلاً : إن المرأة الشريفة لا ترضع بناءً على العرف وهو يوجب الرضاع على غيرها (القرطبي 3/161).
أما الشافعي فالذي رآه أن عرف المخاطبين لا يوجب تخصيص لفظ الشارع.(البرهان 1/446)
ولكن الشافعي قد يأخذ بالعرف في ترتيب الأحكام على كلام الناس.
قال الرافعي: الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة وذلك عند ظهورها وشمولها وهو الأصل ، وتارة يتبع العرف إذا استمر واطرد . وقال ابن عبد السلام: قاعدة الأيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة.( السيوطي في الأشباه والنظائر ص67)
أما الإمام أحمد فإنه يقول في الجائحة: إني لا أقول في عشر ثمرات ولا عشرين ثمرة ولا أدري ما الثلث ولكن إذا كانت جائحة تعرف الثلث أو الربع أو الخمس توضع) وقال ابن قدامة إنه ظاهر المذاهب.(المغني6/179).
ما نُقل يدل على أن العرف قد يكون أساساً لاستنباط الحكم فيخصص العام في دليل الاستحسان، إلاّ أن العرف قد يكون أساساً لتغير الفتوى لهذا فإن العلماء فيما يتعلق بالعرف لم يفرقوا بين مجتهد ولا مقلّد.
قال في مراقي السعود في تعريف الاستحسان :

أَوْ هو تَخْصِيصُ بعُرْفٍ مَا يَعُمّْ *** ورعْيَ الاسْتِصْلاحِ بعضَهُم يَؤمّْ

ومن الواضح أنهم يرون أن المقلد يتصرف طبقاً للعرف فيمكن أن يراجع مذهب إمامه على ضوئه ، بل إنه يخالف ظاهر النص بسبب اختلاف العرف الذي كان قائماً عليه على خلاف في هذه المسألة لأنه من باب تحقيق المناط وبهذا الصدد نذكر اختلافهم في تغير العرف بالنسبة لضمان ما أتلفته الماشية كما في حديث ناقة البراء ، فإن على أهل الحوائط حفظ حوائطهم بالنهار وعلى أهل الماشية حفظ ماشيتهم بالليل ، وفي حال تغير العرف بأن كان أهل الحوائط يحفظونها ليلاً وأهل الماشية يحفظونها نهاراً.
قال السيوطي: كما لو جرت عادة قوم بحفظ زرعهم ليلاً ومواشيهم نهاراً فهل ينزل ذلك منزلة العرف العام في العكس وجهان والأصح نعم.(الأشباه والنظائر ص 67) و (العرف د.عادل قوته ، ص215) .
كذلك نجد أن أبا يوسف يرى جواز معيار العد فيما معياره الوزن عند تغير العادة مع ورود النص.
قال في الدر المختار: وما نصّ الشارع على كونه كيليّاً كبُر وشعير وتمر وملح أو وزنياًّ كذهب وفضة فهو كذلك لا يتغير أبداً .. إلى قوله .. لأن النص أقوى من العرف فلا يترك الأقوى بالأدنى وما لم ينص عليه حمل على العرف وعن الثاني اعتبار العرف مطلقاً ورجحه الكمال.
قوله : ورجحه الكمال حيث قال عقب ما ذكرناه ولا يخفى أن هذا لا يلزم أبا يوسف لأن قصاراه أنه كنصه على ذلك وهو يقول يصار إلى العرف الطارئ بعد النص بناءً على أن تغير العادة يستلزم تغيّر النص حتى لو كان عليه الصلاة والسلام حياً نصَّ عليه.
وأطال ابن عابدين حيث أوضح: أن النص معلول بالعرف فيكون هو المعتبر في أي زمان كان. (حاشية ابن عابدين 4/112)
وقال أيضاً في رسالته " نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف" : فهذا كله وأمثاله دلائل واضحة على أن المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله وألاّ يضيّع حقوقاً كثيرة ويكون ضرره أكثر من نفعه.(رسائل ابن عابدين ، 2-131)
" ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما بظاهر الرواية ويتركا العرف ، والله أعلم.(نفس المرجع ، ص133)
وله أيضاً : ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لابد فيه من معرفة عادات الناس ، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام ، ولهذا ترى مشايخ المذاهب خالفوا ما نصَّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمانهم لقال بما قالوا به أخذا من قواعد مذهبه.(رسائل ابن عابدين 2/125)
وقد عبّر العلماء عن ذلك تعبيراً قوياً فقال ابن القيّم في تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد : هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالّة عليه وعلى صدق رسوله –صلى الله عليه وسلم-. (ابن القيّم ، إعلام الموقعين 3 /11)
ومن تغير الفتوى بتغير الزمان قول الأحناف الأصل في المرأة إذا قبضت معجل صداقها تلزم بمتابعة زوجها حيث شاء ولكن المتأخرين من أهل المذهب لا حظوا فساد الأخلاق وغلبة الجور على النساء فأفتوا بأن المرأة لا تجبر على السفر مع زوجها إلى مكان إذا لم يكن وطنا لها وذلك لفساد الزمان والأخلاق وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب .( المدخل للشيخ الزرقاء ص928)
وأجاز متأخروا الأحناف أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية .
وفي مذهب مالك: أجاز المتأخرون بيع العقار الموقوف بشروط وأصل المذهب منع ذلك.
وهذه الشروط هي : أن يكون العقار خربا وليس في غلته ما يصلحه ولا يوجد من يقوم بإصلاحه تطوعا .
وأجاز أهل الأندلس صرف غلات الأحباس في غير المصرف الموقوف عليه.
وحلف المتأخرون من علماء فاس الشهود على شهادتهم لفساد الزمان فقال الفاسي في عملياته :

وحَلَفَ ابْنُ سُودَةَ الشُّهودَا *** مِنَ اللفِيفِ لفُجُورِ زِيدَا .

وفي المذهب الشافعي: اعتبر المتأخرون من علماء المذهب المقصد العرفي في الأيمان والمعاملات دون مقتضى اللغة الذي كان المعتبر في أصل المذهب.
قال القرافي في "الأحكام ":… إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغيّر تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغيّر الحكم فيه عند تغيّر العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد".(القرافي، الأحكام ص218) .
(ثم اعلم) أن كثيراً من الأحكام التي نص عليها المجتهد صاحب المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيرت بتغير الأزمان بسبب فساد أهل الزمان أو عموم الضرورة كما قدمناه من إفتاء المتأخرين بجواز الاستئجار على تعليم القرآن وعدم الاكتفاء بظاهر العدالة مع أن ذلك مخالف لما نص عليه أبو حنيفة ومن ذلك تحقق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام بناء على ما كان في عصره إن غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثم كثر الفساد فصار يتحقق الإكراه من غيره فقال محمد باعتباره، وأفتى به المتأخرون.
الدخول بها بأنها لم تقبض ما أشترط لها تعجيله من المهر مع أنها منكرة للقبض وقاعدة المذهب أن القول للمنكر لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه. وكذا قالوا في قوله كل حل على حرام يقع به الطلاق للعرف قال مشايخ بلخ وقول محمد لا يقع إلا بالنية أجاب به على عرف ديارهم أما في عرف بلادنا فيريدون به تحريم المنكوحة فيحمل عليه نقله العلامة قاسم ونقل عن مختارات النوازل إن عليه الفتوى لغلبة الاستعمال بالعرف ثم قال قلت ومن الألفاظ المستعملة في هذا في مصرنا الطلاق يلزمني الحرام يلزمني وعلي الطلاق وعلي الحرام .هـ
وكذا مسألة دعوى الأب عدم تمليكه البنت الجهاز فقد بنوها على العرف مع أن القاعدة أن القول للمملك في التمليك وعدمه وكذا جعل القول للمرأة في مؤخر صداقها مع أن القول للمنكر. وكذا قولهم المختار في زماننا قولهما في المزارعة والمعاملة والوقف لمكان الضرورة والبلوى. وقول محمد بسقوط الشفعة إذا أخر طلب التملك شهرا دفعا للضرر عن المشتري.
ورواية الحسن بأن الحرة العاقلة البالغة لو زوجت نفسها من غير كفء لا يصح. وإفتاؤهم بالعفو عن طين الشارع للضرورة وبيع الوفاء والاستصناع والشرب من السقا بلا بيان مقدار ما يشرب. ودخول الحمام بلا بيان مدة المكث ومقدار ما يصب من الماء. واستقراض العجين والخبز بلا وزن وغير ذلك مما بني على العرف وقد ذكر من ذلك في الأشباه مسائل كثيرة.
(فهذه) كلها قد تغيرت أحكامها لتغير الزمان إما لضرورة وإما للعرف وإما لقرائن الأحوال وكل ذلك غير خارج عن المذهب لأن صاحب المذهب لو كان في هذا الزمان لقال بها ولو حدث هذا التغير في زمانه لم ينص على خلافها وهذا الذي جرأ المجتهدين في المذهب وأهل النظر الصحيح من المتأخرين على مخالفة المنصوص عليه من صاحب المذهب في كتب ظاهر الرواية بناء على ما كان في زمنه كما مر تصريحهم به في مسألة كل حل علي حرام من أن محمداً بنى ما قاله على عرف زمانه وكذا ما قدمناه في الاستئجار على التعليم.
(فإن قلت) العرف يتغير مرة بعد مرة فلو حدث عرف آخر لم يقع في الزمان السابق فهل يسوغ للمفتي مخالفة المنصوص واتباع العرف الحادث. (قلت) نعم فإن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في المسائل المارة لم يخالفوه إلا لحدوث عرف بعد زمن الإمام فللمفتي أتباع عرفه الحادث في الألفاظ العرفية وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عرف زمانه وتغيير عرفه إلى عرف آخر إقتداء بهم لكن بعد أن يكون المفتي ممن له رأي ونظر صحيح ومعرفة بقواعد الشرع حتى يميز بين العرف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره فإن المتقدمين شرطوا في المفتي الاجتهاد وهذا مفقود في زماننا فلا أقل من أن يشترط فيه معرفة المسائل بشروطها وقيودها التي كثيرا ما يسقطونها ولا يصر حون بها اعتمادا على فهم المتفقه وكذا لابد له من معرفة عرف زمانه وأحوال أهله والتخرج في ذلك على أستاذ ماهر ولذا قال في آخر منية المفتي لو أن الرجل حفظ جميع كتب أصحابنا لابد أن يتتلمذ للفتوى حتى يهتدي إليه لأن كثيراً من المسائل يجاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لا يخالف الشريعة. انتهى.
وفي القنية ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف. انتهى.
ونقله منها في خزانة الروايات وهذا صريح فيما قلنا من أن المفتي لا يفتي بخلاف عرف أهل زمانه.
(وفي) تصحيح العلامة قاسم فإن قلت قد يحكون أقوالاً من غير ترجيح وقد يختلفون في التصحيح قلت يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغيير العرف وأحوال الناس وما هو إلاّ رفق بالناس وما ظهر عليه التعامل وما قوى وجهه ولا يخلوا الوجود من تمييز هذا حقيقة لا ظناً بنفسه ويرجع من لم يميز إلى من يميز لبراءة ذمته.
(فهذا) كله صريح فيما قلنا من العمل بالعرف ما لم يخالف الشريعة كالمكس والربا ونحو ذلك فلا بد للمفتي والقاضي بل والمجتهد من معرفة أحوال الناس وقد قالوا ومن جهل بأهل زمانه فهو جاهل وقدمنا أنهم قالوا يفتى بقول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء لكونه جرب الوقائع وعرف أحوال الناس.
وقالوا إذا زرع صاحب في الأرض أرضه ما هو أدنى مع قدرته على الأعلى وجب عليه خراج الأعلى قالوا وهذا يعلم ولا يفتى به كيلا يتجرأ الظلمة على أخذ أموال الناس.
وكذا قال في فتح القدير قالوا لا يفتى بهذا لما فيه من تسلط الظلمة على أموال المسلمين إذ يدعى كل ظالم أن الأرض تصلح لزراعة الزعفران ونحوه وعلاجه صعب. انتهى. (فقد) ظهر لك أن جود المفتي أو القاضي على ظاهر المعقول مع ترك العرف والقرائن الواضحة والجهل بأحوال الناس يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثير.
(ثم أعلم) أن العرف قسمان عام وخاص فالعام يثبت به الحكم العام ويصلح مخصصا للقياس والأثر بخلاف الخاص فإنه يثبت به الحكم الخاص ما لم يخالف القياس أو الأثر فإنه لا يصلح مخصصا.
تحقيق المناط:
والمناط هو العلة من النوط أي التعليق فالحكم معلق بها ، تقول ناط به نوطاً أي علقه.قال حسان :

وَأَنْتَ زَنِيمُ نيطَ في آلِ هاشِمٍ *** كَما نيطَ خَلفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَردُ

ويُقال هو منه مناط الثريا ، أي : بعيد ، وهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع علة حكم ما في محله بنص أو إجماع فيبين المجتهد وجودها في الفرع. (شرح مختصر الروضة 2/233)
قال في مراقي السعود :

تَحقيقُ عِلَّةٍ عَلَيْها ائْتُلِفا *** في الفَرْعِ تَحْقيقَ مَناطِ عُرِفا

كتحقيق الطوافة في الفأرة فيحكم لها بحكم الهرة. وهو تطبيق القاعدة الشرعية المتفق عليها أو المنصوص عليها. وتحقيق المناط لا ينقطع فيه الاجتهاد إذ لا يمكن التكليف إلاّ به كما قال الشاطبي ، وأمثلته كثيرة وهي التي ركز عليها الفقهاء. (نشر البنود 2 /208)
وقال الشاطبي: الاجتهاد على ضربين : أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف وذلك عند قيام الساعة ، والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا . فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهذا الذي لا خلاف فيه بين الأمّة في قبوله ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله.(الموافقات4 /89-90)
خامساً:قاعدة النظر في المآلات:
ومما يصب في جداول المصلحة ويسير في دربها قاعدة النظر في المآلات في الأقوال والأفعال وقد نص الشاطبي على أن المفتى عليه أن ينظر في مآل فتواه.
وقد كان الإمام الشاطبي من أوفى من شرح هذا المدلول الاصطلاحي كما يقول الدكتور عبد المجيد النجار ونص الشاطبي : "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعة ربما أدّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوى أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغبّ جار على مقاصد الشريعة".(الموافقات5/177-178)
وأصل ذلك قوله تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" وقوله –صلى الله عليه وسلم-: لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم " وقوله في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين:دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه أخاف أن يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه " البخاري.
وهكذا فإن الصحابة فهموا مقصد الشارع والمقاصد هي المعاني التي تعتبر حكما وغايات التشريع فتصرفوا طبقا لذلك فهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يترك تغريب الزانى البكر مع وروده في الحديث حيث قضى عليه الصلاة والسلام بجلده مائة وتغريب سنة وذلك لما شاهد من كون التغريب قد يؤدي إلى مفسدة أكبر وهى اللحاق بأرض العدو وقال لا أغرب مسلما.
وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : كفى بالنفي فتنة.
وأيضا فإن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمّا تولى الملك أجل تطبيق بعض أحكام الشريعة فلمّا استعجله ابنه في ذلك أجابه بقوله : "أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعونه جملة ويكون من ذا فتنة".(الموافقات 2/148)
وقد فهم ذلك العلماء فرتبوا عليه أولويات الأمر والنهي فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حينما مر بقوم من التتار يشربون الخمر فنهاهم صاحبه عن هذا المنكر فأنكر عليه ذلك قائلا : إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذّرية وأخذ الأموال فدعهم .( إعلام الموقعين 3/13)
وقد قال الشاطبي إنه ينبغي على المجتهد : "النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزّان واحد ...فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف".(الموافقات 5/55)
وسد ذرائع الحرج والمشقة وقد يسميه البعض بفتح الذرائع لأنه ترك لبعض فضائل الأعمال خوفاً من إعنات المكلفين كما ترك عليه الصلاة والسلام تأخير صلاة العشاء قائلا: هذا وقتها لولا أن أشق على أمتي".
وصار الأفضل مفضولاً خوفاً من المشقة.
وكذلك ترك الأمر بالسواك عند كل صلاة وكذلك الجمع بين الصلاتين من غير عذر فقال ابن عباس: لئلا يحرج أمته.
وترك بناء البيت على قواعد إبراهيم لحدثان عهد القوم بالكفر فيفتنون.
وترك قتل أهل النفاق المشهود عليهم بالكفر لما في ذلك من تشويه صورة الدين وتنفير الناس منه.
وترك بعض الصحابة لذبح الأضحية يوم العيد وترك عثمان رضي الله عنه للقصر في الحج خوفا من أن يقول جهلة الناس: إن الصلاة أصبحت ركعتين.
وترك عمر رضي الله عنه لإصدار بيان على الناس يشرح فيه قضية الشورى واختيار الحكام بناء على نصيحة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حتى لا يساء فهمه ويطير الناس إلى أقطارهم بتصورات خاطئة.
وعلى هذا ينبني كثير من قرارات المجلس الأوربي حيث يمنع أئمة المساجد من عقد النكاح قبل أن يعقد عقداً مدنياً أمام السلطة لأن من شأن تلك العقود وإن كانت مستوفية الشروط أن تؤل إلى خصومات وربما حرمان المرأة من حقوقها وحرمان الأولاد من نسبهم لعدم توثيق العقد وهذا من باب النظر في المئالات.
وقاعدة ارتكاب أخف الضررين وجلب المصالح ودرء المفاسد فكما يقول ابن تيمية : إن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وعلى هذا تعطل أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما ويرتكب أخف الشرين والضرين لتفويت أقصاهما.
ويقول الشاطبي: وقد يرتكب النهي الحتم إذا كانت له مصلحة راجحة ومثل بمسألة تقرير الزاني وفيها النطق بالكلمة التي ينهى عنها في غير هذا المقام.( 3/331)
وبناء عليه فقد وضع المالكية قاعدة جريان العمل وهي قاعدة من خلالها يرجح قول كان في الماضي مرجوحاً ليصبح القول الضعيف راجحاً فيترك مشهور المذهب وراجحه ويعمل بهذا القول لكنهم ضبطوا ذلك بضوابط...
... كان مخالفاً للمشهور وهذا ظاهر إذا تحقق استمرار تلك المصلحة وذلك السبب وهذا ظاهر إذا تحقق استمرار تلك المصلحة وذلك السبب و إلا فالواجب الرجوع إلى المشهور هذا هو الظاهر.( البناني 5/124)
ومن المهم أن نعرف لماذا عدل العلماء عن المشهور والراجح إلى القول الضعيف؟
والجواب كما يقول السجلماسي في شرحه :"إن أصل العمل بالشاذ وترك المشهور الاستناد لاختبارات شيوخ المذهب المتأخرين لبعض الروايات والأقوال لموجب ذلك كما بسطه ابن الناظم في شرح تحفة والده من الموجبات تبدل العرف أو عروض جلب المصلحة أو درء المفسدة فيرتبط العمل بالموجب وجوداً وعدماً ولأجل ذلك يختلف باختلاف البلدان ويتبدل في البلد الواحد بتبدل الأزمان".( شرح نظم العمل المطلق 1/7)
وقد قدمنا أن شروط العمل بالضعيف ثلاثة : أن لا يكون القول المعمول به ضعيفاً جداً وأن تثبت نسبته إلى قائل يُقتدى به علماً وورعاً وأن تكون الضرورة محققة ومعناها الحاجة.
وقد يعتبر البعض أن هذا من باب التساهل في الفتوى المنهي عنه وليس الأمر كذلك فمعنى التساهل عند ابن الصلاح : "هو أن لا يتثبت" الفقيه" ويُسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر . وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة والإبطاء عجز ومنطقة وذلك جهل. ولأن يُبطئ ولا يخطئ أكمل به من أن يعجل فيضل ويُضل وقد يكون تساهله وانحلاله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلباً للترخيص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه".( أدب الفتوى وشروط المفتى لابن الصلاح ص 65).
سادساً: قاعدة: قيام جماعة المسلمين مقام القاضي:
ويتفرع عليها: تصرفات المراكز الإسلامية في قضايا الأقلية المسلمة الشرعية ومستندها شرعا.ونحن نفصل الكلام فيه على ما يأتي :
إن الشريعة الإسلامية رتبت شئون الناس بناء على حكمة بالغة ومصالح قائمة وفي نفس السياق حددت المسئوليات و إناطتها بجهات معينة مكلفة بما اصطلح على تسميته"بالخطط الشرعية".
ومن هذه الخطط القضاء ويتولاه قضاة يعينهم ولي الأمر بمواصفات معروفة في كتب الفقه أولها العلم والديانة. وحيث أنه لا يوجد في المهجر قضاة شرعيون فإن المراكز الإسلامية يمكن أن تمنح صفة شرعية لفض بعض النزاعات وحسم بعض الخلافات بين المسلمين طبقا لما سماه الفقهاء تارة بجماعة المسلمين ومرة بالعدول الذين يقومون مقام القاضي وذلك أن الإمام في الأصل نائب عن الجماعة فلا يستبعد أن تنوب الجماعة إذا تعذر وجوده لما ورد في الأثر موقوفاً على ابن مسعود "ما رءاه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" وقد صرح العلماء بأن جماعة المسلمين تقوم مقام القاضي عند عدمه وفي حالات نادرة في وجوده كما سنقف عليه.
وقد نص المالكية في باب أحكام زوجة المفقود على أن جماعة المسلمين تقوم مقام القاضي قال خليل في مختصره: "فصل ولزوجة المفقود الرفع للقاضي والوالي ووالي الماء و إلا فلجماعة المسلمين".
قال الحطاب وأما جماعة المسلمين فلا يصح ضربهم الأجل أي لزوجة المفقود إلا عند فقد من ذكر( القاضي - الوالي - ووالي الماء) ( مواهب الجليل 4/155)
وفى شرح المواق : (وقال القابسي وغيره من القرويين لو كانت المرأة في موضع لا سلطان فيه لرفعت أمرها إلى صالحي جيرانها ليكشفوا عن خبر زوجها ويضربوا لها أربعة أعوام ثم عدة الوفاة وتحل للأزواج لأن فعل الجماعة في عدم الإمام كحكم الإمام ) التاج والإكليل 4/156)
وقال الزرقاني عند قوله(فلجماعة المسلمين) من صالحي جيرانها وغيرهم العدول من معظم البلد لأنهم كالإمام الواحد كاف.( 4/211)
وقال الدردير في الشرح الصغير على أقرب المسالك : "أو لجماعة المسلمين عند عدمه" ولو حكما كما في زمننا بمصر إذ لا حاكم فيها شرعي ويكفي الواحد من جماعة المسلمين إن كان عدلا عارفا شأنه أن يرجع إليه في مهمات الأمور بين الناس لا مطلق واحد وهو مجمل كلام العلامة الأجهوري وهو ظاهر لا خفاء به والاعتراض عليه تعسف.( 2/694)
والدردير في آخر كلامه يرد اعتراض البناني على قيام الواحد مقام القاضي وأصل كلام البناني للشيخ المسناوي.
ومثله فسخ البيع الفاسد انظر شرح ابن جماعة وكلام أبي الحسن الذي أشار إليه هو في كتاب المكاتب ونصه بعد أن ذكر عن أبي عمران أن المكاتب إذا بعث لسيده بكتابته فلم يقبلها لا يخرج عن الرق حتى يقضي عليه القاضي بذلك إلا أن يكون ببلد لا حاكم فيه فليشهد ويكون ذلك كالحكم.
الشيخ انظر جعل أبي عمران هذا الإشهاد مقام الحكم وكذلك في المحارب وكذلك في الهبات . وإذا ترك بنتا وعصبة ولا إمام.
وذكر ابن يونس في كتاب الحمالة أن جماعة العدول تقوم مقام الإمام.انتهى وقال البرزلي في أثناء مسائل الأقضية سئل السيوري عمن غاب إلى مصر وله زوجة لم يخلف لها نفقة إلا ما لا يفي بصداقها ( هكذا) وليس في البلد قاض وربما كان فيه أمين من قبله فحلف بالمشي إلى مكة أنه لا يحكم فيه ولا ينظر في طلاق وربما كان بين البلد والأمير نحو ثمانية أميال والخوف بينهم عام وربما انجلى الخوف وفي بعض الأوقات فهل تقوم الجماعة مقام القاضي في هذه النازلة وغيرها أو يجب على أمينه أن يحنث نفسه ويحكم أم لا ؟
جوابها: لعدم القضاة أو لكونهم غير عدول فجماعتهم كافية في الحكم في جميع ما وصفته وفي جميع الأشياء فيجتمع أهل الدين والفضل فيقومون مقام القاضي في ضرب الآجال والطلاق وغير ذلك قال البرزلي قلت: تقدم أن الجماعة تقوم مقام القاضي إلا في مسائل تقدم شيء منها. وانظر مسائل السلم من البرزلي والجهاد من المشذالي وقد ذكر بعض كلامه في الوصايا وفي الأقضية شيء من ذلك والله أعلم ( مواهب الجليل 4/199)
وإذا كانت بعض الظواهر تفيد اعتبار الحاكم فقط دون العدول ( جماعة المسلمين) كقول خليل: "وفي إرسالها القول قولها إن رفعت من يومئذ لحاكم لا لعدول وجيران" فإنما ذلك مع وجود السلطان حيث يختلف العلماء في اعتبار العدول مع وجود السلطان كما يشير إليه النقل في هذه المسألة إذ يقول المواق عند النص المتقدم: وأما إن رفعت أمرها إلى عدول بلدها والثقات من جيرانها ولم ترفع أمرها إلى السلطان فإحدى الروايتين أن ذلك ليس بشيء وعلى هذه الرواية العمل وبها الفتيا وصوب الشيخ أبو الحسن الرواية الأخرى وأن رفعها إلى الجيران كرفعها إلى السلطان وكثير من النساء لا ترضى الرفع إلى السلطان وتراه معرة وفسادا مع زوجها إن قدم.
ابن عرفة الذي استمر عليه قضاة بلدنا أن الرفع إلى العدول كالرفع إلى السلطان.
ويقول ابن فرحون في كتابه "التبصرة" : تنعقد ولاية القضاء بإجماع ذوي الرأي وأهل العلم والمعرفة والعدالة لرجل منهم كملت فيه شروط القضاء وهذا حيث لا يمكنهم مطالعة الإمام في ذلك.( 1/ 201 بحاشية نوازل عليش)
وفي المعيار للونشريسي ما نصه : "إذا لم يكن بالبلد قاض زوج صالحوا البلد من أراد التزويج".
وسئل أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي عن امرأة أرادت التزويج وهي ثيب ولا حاكم بالبلد وأولياؤها غيب ترفع أمرها إلى فقهاء البلد فيأمر من يزوجها وكيف إذا لم يكن بالبلد عالم ولا قاض أترفع أمرها إلى عدول البلد في البكر والثيب ؟
فأجاب: إذا لم يكن بالبلد قاض فيجتمع صالحوا البلد ويأمرون بتزويجها.
" كل بلد لا سلطان فيه فعدول البلد وأهل العلم يقومون مقامه في إقامة الأحكام"
وسئل أيضا عن بلاد المصامدة ربما لم يكن عندهم سلطان وتجب الحدود على السراق وشربة الخمر وغيرهم من أهل الفساد هل لعدول ذلك الموضع وفقهائه أن يقيموا الحدود إذا لم يكن سلطان وينظرون في أموال اليتامى والغيب والسفهاء ؟
فأجاب بأن قال: ذلك لهم وكل بلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان يضيع الحدود أو سلطان غير عدل فعدول الموضع وأهل العلم يقومون في جميع ذلك مقام السلطان.
وسئل أيضا عن بلد لا قاضي فيه ولا سلطان أيجوز فعل عدوله في بيوعهم واشريتهم ونكاحهم؟
فأجاب:بأن العدول يقومون مقام القاضي والوالي في المكان الذي لا إمام فيه ولا قاضي.
قال أبو عمران الفاسي : أحكام الجماعة الذين تمتد إليهم الأمور عند عدم السلطان نافذ منها كل ما جرى على الصواب والسداد في كل ما يجوز فيه حكم السلطان وكذلك كل ما حكم فيه عمال المنازل من الصواب ينفذ.(المعيار10/102-103)
وفي "الدر النثير" لأبن الهلال في باب الغصب أن جماعة العدول في البلاد السائبة تنوب عن السلطان حيث يتعذر الإنهاء إليه في كل حكم وكذلك إن كان السلطان غير عدل أو يضيع الحدود.
وفي كتاب "شكر النعمة بنشر الرحمة" للعلامة محمد مولود بن أحمد فال اليعقوبي عند كلامه على شروط تزويج اليتيمة : وفي شرط إثبات موجبات نكاحها عند قاض قولان ثم استطرد قائلا "تنبيه" إن فقد القاضي فالجماعة تقوم مقامه في كل شيء.)
وفي مجموع النوازل الموريتانية نوازل نصوا فيها على أن جماعة المسلمين تقوم مقام القاضي ومنها تطليق الناشز يقول ابن حمى الله الشنقيطي في نظمه للنوازل :

ولا يَحِلُ تَركُ نَاشِزِ عَلى *** عِصْيَانِهَا والزُّوجُ حَتْماً قَبِلا
فِدَاءَها بِمَا أَحَبَ مُمْكِنا *** إلا يُطَلِقَها عَلَيهِ الأُمَنا

وقاعدة قيام الجماعة مقام الحاكم والقاضي معروفة في المذهب المالكي على اختلاف في دخولها في بعض النوازل.
وفي المذاهب الفقهية الأخرى إشارات نلتقط بعضها باختصار فمن ذلك قول العلامة أبي يعلى الفراء الحنبلي في الأحكام السلطانية: ولو أن بلدا خلا من قاض أجمعوا على أن قلدوا عليهم قاضيا نظرت فإن كان الإمام موجودا بطل التقليد وإن كان مفقودا صح ونفذت أحكامه.(الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص73)
ويقول ابن عابدين في الحاشية: وفي بلاد عليها ولاة كفار فيجوز للمسلمين إقامة الجمع والأعياد ويصير القاضي قاضيا بتراضي المسلمين.( 3/253)
وقال قبل ذلك : ويتفرع على كونها دار حرب أن الحدود والقود لا يجري فيها.(نفس الصفحة)
فيفهم من كلامه أن من تراضى عليه المسلمون يمكن أن يحكم بينهم فيما سوى الحدود والدماء.
تطليق القاضي غير المسلم المرأة المسلمة:
إن هذه المسألة في كتب الفروع محسومة فغير المسلم ليس أهلا للحكم في شئون المسلمين لا قاضيا ولا حكما لقوله تعالى "وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً" والآية وردت بصورة الخبر ويراد به الأمر كما يقول الشاطبي وسلب أهلية القضاء والحكم عن غير المسلم أمر لا خلاف فيه فيما أعلم.
ومع ذلك فإن أوضاع المسلمين في ديار غير المسلمين حيث لا يسمح بإنشاء محاكم إسلامية يتحاكمون أمامها وتخضع منازعاتهم بالكلية لقوانين قضاة البلد الذي يقيمون فيه تجعل حالهم مندرجا ضمن الضرورات التي لها أحكامها والتي تتخذ من المصالح معيارا للحكم والإمكان والاستطاعة أساسا للتكليف لقوله تعالى"فاتقوا الله ما استطعتم" ولهذا رأى المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء أن أحكام المحاكم غير المسلمة ينفذ بالطلاق لما يترتب على عدم ذلك من وجود حالة من التعليق يكون الرجل متمسكا بعصمة زوجته وتكون فيها المرأة مرسلة خارج بيت الزوجية مستندة إلى الحكم الصادر من المحكمة وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى وجعلوا في حيثيات القرار الذي استند إلى تقرير فضيلة الشيخ الفقيه فيصل مولوي أن الزوج بعقده للنكاح في ظل قوانين هذا البلد التي تسمح للقاضي غير المسلم بإيقاع الطلاق كأنه وَكَّلَ القاضي غير المسلم بحل العصمة بدلا منه وهي وكالة ممتدة طيلة بقاء النكاح بين الزوجين.
وفي هذا التخريج من البعد ما لا يخفى "فالأعم كما يقول العلماء لا أشعار له بأخصّ معين" فعقد النكاح في تلك البلاد قد يكون صاحبه ذاهلا وغافلا عن مسألة الطلاق فضلا عن أن يكون عاقدا توكيلا – فكل ما احتاج إلى إذن فإنه يحتاج إلى صريحه كما تقول القاعدة – أخذا من الحديث: الثيب تعرب.
ومع ما تقدم فإن القول بإنفاذ الطلاق لا يبعد وذلك بإيجاب طلاق الزوجة على الزوج وعلى جماعة المسلمين أن يحكموا بهذا الطلاق حتى لا تظل الزوجة على معصية كما قدمنا عن المالكية في الزوجة الناشز درءا للمفسدة وتوسيعا لمفهوم إنفاذ أحكام قضاة الجور المسلمين المولّين من طرف الكفار ليشمل القضاة الكفار درءا للمفسدة التي أشار إليها العز بن عبد السلام في الحالة الأولى حيث قال: ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبا للمصالح العامة ودفعا للمفاسد الشاملة إذ يبعد عن رحمة الشارع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها ممن هو أهل لها وفي ذلك احتمال بعيد.( القواعد 1/66)
وحيث يقول أيضا في الشهادة وهي صنو القضاء: بل لو تعذرت العدالة في جميع الناس لما جاز تعطيل المصالح المذكورة بل قدمنا أمثل الفسقة فأمثلهم و أصلحهم للقيام بذلك فأصلحهم بناء على أنا إذا أمرنا بأمر أتينا منه بما قدرنا عليه ويسقط عنا ما عجزنا عنه ولا شك أن حفظ البعض أولى من تضييع الكل وقد قال شعيب عليه السلام ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) وقال الله تعالى"فَـﭑتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ" فعلق تحصيل مصالح التقوى على الاستطاعة فكذلك المصالح كلها.( 2/219)
وقال سيدي عبد الله الشنقيطي في " طرد الضوال والهمل عن الكروع في حياض العمل" : (فرع) شهادة اللفيف حيث وجد المستورون أما إذا كان أهل البلد كلهم فساقا فقد نقل القرافي في الذخيرة عن ابن أبي زيد إن لم يوجد في جهة إلا غير العدول أقيم أصلحهم وأقلهم فجورا للشهادة عليهم ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم لكيلا تضيع المصالح . قال وما أظن أنه يخالف أحد في هذا فإن التكليف مشروط بالإمكان . وفي المذهب لابن رشد أن الموضع إذا لم يكن فيه عدل قبلت شهادة أفضلهم ومثل هذا عن أحمد بن نصر.(ص25)
بل تجوز شهادة الكفار قال خليل المالكي في باب الخيار: وقبل للتعذر غير عدول وإن مشركين".
والكافر يشهد عند أبي حنيفة على مثله ويشهد في الوصية عند أحمد على المسلم بناء على قوله تعالى"أو آخران من غيركم" يراجع القبس (3/884)
وسبق كلام ابن عابدين في أن القاضي في دار الحرب يكون قاضيا بالتراضى بين المسلمين وأضاف : وعلى المسلمين أن يطلبوا منهم أن يعينوا لهم قاضيا .
وفي الختام: فقد القينا نظرة عجلى على وضع المسلمين في ديار غير المسلمين حيث تبين أن أوضاعهم أوضاع ضرورة بالمعنى العام لهذه الكلمة مما يقتضي اجتهاداً فقهياً بمعنى من معاني الاجتهاد الثلاثة المشار إليها وهو اجتهاد يستنفر النصوص والمقاصد والفروع والقواعد وقد رشحنا جملة من القواعد من خلالها يتعامل الفقيه مع قضايا فقه الأقليات وهي قواعد أساسها التيسير ورفع الحرج بضوابطه وشروطه وركزنا على الصق هذه القواعد بموضوع النازلة وهي قاعدة : إقامة جماعة المسلمين مقام القاضي.
باعتباره مستند تخويل المراكز الإسلامية صلاحية البت في قضايا التنازع بين الزوجين وبخاصة في دعوى الضرر وإيقاع الطلاق والخلع.
وواصلنا حديثنا بكلمة عن أحكام التطليق والتفريق الصادر من قضاة غير المسلمين حيث اعتبرناها غير شرعية تصحح بأثر رجعي من طرف جماعة المسلمين تجنبا للحرج الديني وابتعادا عن المفاسد بحسب الإمكان.
ولما تقدم فإنه يجوز للمراكز الإسلامية وما في حكمها مما يعتبر مرجعا لجماعة المسلمين أن تقرر تطليق المرأة التي قد صدر لها حكم من محكمة غير إسلامية أو لم يصدر لها حكم ورفع الزوجان أمرهما إليها.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم